ترجمة وتحرير: نون بوست
في ليلة السابع عشر من يناير/كانون الثاني 1991، تابع مشاهدو التلفزيون حول العالم حدثًا لم يسبق لهم رؤيته من قبل. وعلى خلفية سماء داكنة أضاءتها نيران المضادات الأرضية، اصطدمت القنابل الأمريكية الموجهة بدقة بالنوافذ، وفتحات التهوية، ومخابئ القيادة في بغداد. فقد بثّت شبكة “سي إن إن” حرب الخليج على الهواء مباشرة. وبالنسبة لملايين البشر، بدت تلك الصور وكأنّها تُعلن قدوم عصر جديد.
ولفهم سبب الأهمية البالغة لتلك الصور، من الضروري تذكر حجم التهديد الذي كان يشكله العراق قبل اندلاع الحرب. فقد كان الدكتاتور العراقي صدام حسين يقود قوة قوامها نحو مليون جندي مسلح. ونجح جيشه في الصمود طوال حرب طاحنة استمرت ثماني سنوات مع إيران، كما امتلك واحدة من أكبر ترسانات الدبابات في العالم. وأثار غزو العراق للكويت مخاوف من أن يوجه صدام قواته قريبًا نحو المملكة العربية السعودية، ما قد يجعل من بلاده قوة مهيمنة في مجال النفط في الخليج العربي، ويضع ربع إمدادات النفط العالمية تحت سيطرته المباشرة.
لم يتوقع سوى قلة من الأمريكيين انتصارًا سهلًا، إذ ظلّت كارثة حرب فيتنام تلقي بظلالها الثقيلة. وقبل أسبوع من غزوه لجاره، قال صدام للسفير الأمريكي لدى الكويت: “مجتمعكم لا يمكنه تقبل عشرة آلاف قتيل”. وقد خشي العديد من المحللين أن يكون محقًا، ولم يوافق مجلس الشيوخ على تفويض استخدام القوة إلا بفارق ضئيل. كما استعد البنتاغون لتكبد خسائر فادحة، مرسلًا آلاف الأكياس المخصصة لجثث القتلى إلى المنطقة. فلم تكن التوقعات تشير إلى اندلاع حرب عالمية ثانية أخرى، بل إلى “فيتنام” ثانية.
وما تلى ذلك صدم الجميع تقريبًا. فبعد خمسة أسابيع من الضربات الجوية، حررت قوات التحالف البرية الكويت في غضون مئة ساعة تقريبًا. وانهار الجيش العراقي تمامًا، إذ هُزم أو أُسر أو أُجبر على الفرار أكثر من 300 ألف جندي عراقي كانوا في الكويت. في حين بلغ إجمالي عدد القتلى في صفوف القوات الأمريكية 147 قتيلًا فحسب، وهو رقم منخفض بشكل مذهل مقارنة بالمخاوف التي سبقت الحرب. وهكذا، هُزمت دولة كبرى كانت تبدو قوية قبل أشهر قليلة بسهولة مذهلة.
امتدت أهمية الانتصار الأمريكي إلى ما هو أبعد بكثير من ساحة المعركة، مسلطة الضوء على المكانة الاستثنائية للولايات المتحدة. ومع تفكك الاتحاد السوفيتي، لم تواجه واشنطن أي خصم رئيسي، وتربعت في قلب الشبكات المالية والتكنولوجية والتحالفات العالمية. لقد تمتعت بقدرات عسكرية متقدمة عجزت أي قوة أخرى عن مضاهاتها. وغدت الولايات المتحدة حالة فريدة في التاريخ الحديث: دولة منفردة بلا منافس ند لها. حولت عملية “عاصفة الصحراء” مقاييس القوة الأمريكية المجردة إلى تجربة حية. وبات لدى الحكومات والمستثمرين والمواطنين العاديين حول العالم صورة مشتركة لما تعنيه الهيمنة العسكرية الأمريكية على أرض الواقع.
وتتلاشى معظم الحروب في غياهب التاريخ، بينما يقسم البعض منها التاريخ إلى ما قبل وما بعد. وبالنسبة لعالم ما بعد الحرب الباردة، كانت حرب الخليج إحدى تلك اللحظات الفاصلة، إذ أسفر الصراع عن تحرير الكويت ثم دشن الحقبة التي تلتها، والتي تُعرف عادةً بعصر الأحادية القطبية الأمريكية، حيث دعمت القوة العسكرية الأمريكية التي لا نظير لها مسار العولمة، والازدهار المتنامي، والاستقرار النسبي.
غير أن ذلك العصر قد ولى الآن. فلم تعد الولايات المتحدة تتمتع بنوع الهيمنة العسكرية التي حظيت بها في عام 1991. وبفضل العولمة، لم تعد المنظومات اللازمة لشن الحروب الدقيقة حكرًا على عدد قليل من القوى العظمى، بل أصبحت في متناول مجموعة واسعة من الأطراف القادرة اليوم على الوقوف في وجه دول أقوى بكثير منها.
في الواقع، تجسد الحرب مع إيران هذا التحول في عجلة التاريخ. فبينما أظهرت حرب الخليج الهيمنة الأمريكية، تكشف الاشتباكات الدائرة اليوم حول مضيق هرمز عن حدود القدرات الأمريكية. إنه عصر جديد يلوح في الأفق، تنقلب فيه رأسًا على عقب افتراضات حقبة ما بعد الحرب الباردة. فلم تعد الولايات المتحدة قادرة على إخضاع الآخرين لإرادتها من خلال استخدام القوة بتكلفة منخفضة. وبعيدًا عن ضمان الاستقرار والقدرة على التنبؤ، أضحت القوة الأمريكية مصدرًا للتقلبات. لقد تعلمت القوى الأضعف مزايا التحدي والتعطيل، وأصبحت تمتلك الأدوات اللازمة لفرض تكاليف باهظة على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها. وستكون الحقبة القادمة أكثر عرضة للأزمات المتكررة وارتفاع التكاليف لحماية التجارة العالمية، واحتدام المنافسة على الممرات الاستراتيجية في العالم. لقد تلاشت قواعد القوة التي كانت تحكم حقبة ما بعد الحرب الباردة، وأصبح ينتظرنا نظام دولي أكثر خطورة.
توقعات كبيرة
لا تُفضي الانتصارات العسكرية الكبرى في الغالب إلى إرساء أنظمة دولية جديدة، إذ تنتهي الحروب بتغيير الحدود، لكنها تميل عادة إلى إبقاء الهيكل الأكبر للسياسة العالمية على حاله. لكن حرب الخليج عام 1991 مختلفة لأنّها غيّرت توقعات العالم بأكمله. فقد أقنعت الفجوة الهائلة بين ما توقعه المحللون قبل الحرب والطريقة التي حققت بها الولايات المتحدة انتصارًا حاسمًا وسريعًا الحكومات والأسواق والمجتمعات بأن واقعًا جديدًا قد ظهر.
استند هذا الواقع إلى أربعة افتراضات رئيسية: قدرة الولايات المتحدة على فرض النتائج العسكرية بلا عناء. وامتلاك واشنطن هيمنة لا نظير لها في التصعيد، أي القدرة على هزيمة التهديدات الكبرى بسرعة وبتكلفة زهيدة. وضمان القوة الأمريكية لتدفق السلع عبر شرايين التجارة العالمية. وأخيراً حقيقة أن مقاومة القوة الأمريكية تُعد أمراً عديم الجدوى.
عززت هذه الافتراضات بعضها البعض. إذ دفعت الهيمنة العسكرية الأمريكية الساحقة الحلفاء إلى خفض أعبائهم الدفاعية وتعميق اعتمادهم على واشنطن. كما قلل المستثمرون من أهمية المخاطر الجيوسياسية بفعل ردع القوة الأمريكية للأطراف الأخرى عن المخاطرة بالمواجهة والتصعيد. وبما أنّ التجارة البحرية بدت آمنة، فقد وسّعت الشركات سلاسل توريدها عبر القارات وخفضت مخزونها المحلي إلى أدنى حد ممكن. ونظرًا لأن القوة الأمريكية بدت منقطعة النظير ولا تقهر، سعت معظم الدول إلى مهادنة الولايات المتحدة بدلًا من مقاومتها.
لم يستند نظام ما بعد الحرب الباردة بالدرجة الأولى إلى قدرة واشنطن على الإكراه، بل إلى قوة مصداقيتها. فلم تكن الدول بحاجة لتجربة القوة العسكرية الأمريكية بشكل مباشر، بل حسبها أن تؤمن بها. لقد هزمت الولايات المتحدة العراق بسرعة وبثمن زهيد لدرجة جعلت أي مقاومة مستقبلية تبدو غير عقلانية. ولم يجرؤ سوى عدد قليل من “الدول المارقة” والأطراف الأخرى، مثل كوريا الشمالية وإيران والقراصنة الصوماليين، على تجاهل ما كان واضحًا للعيان. في عام 1990، أطلقت القوات الجوية الأمريكية بطموح على عقيدتها الجديدة اسم: “قوة عالمية، مدى عالمي”، وجاءت حرب الخليج عام 1991 لتجعل من ذلك حقيقة لم يستطع سوى القليل تجاهلها.
أفضت تلك الهيمنة الأمريكية، التي بدت لا تُقهر وبشّرت بها حرب الخليج، إلى تداعيات فورية في أوروبا. فخلال الحرب الباردة، حافظت حكومات أوروبا الغربية على جيوش ضخمة لأن التهديد الذي شكله الاتحاد السوفيتي كان يفرض عليها ذلك. وبعد عام 1991، خفضت الدول الأوروبية ميزانياتها الدفاعية بشكل كبير بالتزامن مع تعزيز اندماجها الاقتصادي. فوقّعت معاهدة ماستريخت في عام 1992، ما مهد الطريق لاعتماد عملة مشتركة وإلغاء الحواجز الحدودية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. في الوقت ذاته، تنافست الدول التي كانت شيوعية سابقًا على الانضمام إلى المؤسسات الغربية، فتوسّع حلف شمال الأطلسي “الناتو“، الذي ضم 16 عضوًا في عام 1991، شرقًا ليشمل في نهاية المطاف غالبيّة الأراضي التي كانت تنتمي ذات يوم إلى حلف وارسو. وأصبحت الدول التي كانت تخشى الناتو قبل بضع سنوات فقط تسعى إلى الحماية في كنف النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. وبحلول نهاية العقد، لم تعد الهيمنة الأمريكية موضع نقاش، بل أصبحت حقيقة واقعة.
لقد استوعب خصوم واشنطن المستقبليون الدروس المستفادة من بغداد. فمع تطور أحداث حرب الخليج، درسها الضباط الصينيون بتركيز شديد نظرًا لأنّ الجيش العراقي كان يشبه، في نواحٍ عديدة، جيش التحرير الشعبي. وخلصت بكين إلى أنّ الجيوش الضخمة لعصر الصناعة باتت عرضة بشكل خطير لأساليب الحرب الدقيقة. وعلى مدى العقود التالية، خفضت الصين مستويات جنودها بشكل دراماتيكي من نحو 3.5 مليون فرد في عام 1990 إلى مليوني فرد بعد عقد من الزمن، وعمدت إلى تحديث أنظمة القيادة، وتوسيع قوات الصواريخ، والاستثمار الكثيف في تكنولوجيا المعلومات. ومن المفارقات أنّ العديد من القدرات التي تتحدى الهيمنة العسكرية الأمريكية في شرق آسيا اليوم، نشأت بالأصل من مساعي الصين لفهم سبب الانهيار السريع للجيش العراقي في عام 1991.
أثرت الثقة في القوة الأمريكية على القرارات الاقتصادية بقدر تأثيرها على القرارات العسكرية، مما شجّع على أحد أعظم توسعات الاعتماد المتبادل الاقتصادي في التاريخ الحديث، فعبرت السلع ورؤوس الأموال والطاقة والمعلومات الحدود بسرعة غير مسبوقة. وارتفعت حصة التجارة من الناتج العالمي من نحو 38 بالمئة في عام 1990 إلى ما يقرب من 60 بالمئة بعد عقدين من الزمن. واعتمد المُصنّعون نظام الإنتاج في الوقت المناسب. وامتدت سلاسل التوريد عبر القارات، إذ افترضت الشركات بشكل متزايد أن الحروب بين القوى الكبرى باتت مستبعدة، وأن أي اضطرابات مستقبلية في التجارة البحرية ستكون مؤقتة لا غير.
ووراء التفاؤل الذي ميز تلك الحقبة، ترسخت فرضية أعمق مفادها أن الأسس الاستراتيجية للنظام الدولي قد أصبحت آمنة بشكل غير معتاد. وارتكز ذلك بشكل مباشر على الواقع المعاش للهيمنة العسكرية الأمريكية. في عام 1998، وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت الولايات المتحدة بأنها “الدولة التي لا غنى عنها”، معبرة عن افتراض واسع الانتشار مفاداه أن الاستقرار الدولي يعتمد في نهاية المطاف على القوة الأمريكية.
حافظ هذا الافتراض على الكثير من زخمه حتى خلال حرب العراق عام 2003، التي لم تؤثر بشكل خطير على الأسواق العالمية. ورغم اندلاع الحروب وتفجّر الأزمات، بدت حالات عدم الاستقرار الجسيمة وكأنها الاستثناء لا القاعدة. لقد بنى القادة السياسيون والشركات والمواطنون العاديون في جميع أنحاء العالم توقعاتهم على الاعتقاد بأن الاضطرابات الكبرى المؤثرة على الأسواق والسياسة العالمية ستُحتوى في نهاية المطاف. ومثلما فعلت المملكة المتحدة في القرن التاسع عشر بعد معركة ترافالغار في عام 1805، مارست الولايات المتحدة نفوذًا يتجاوز بكثير النطاق المباشر لقواتها العسكرية، لأنّ الأطراف الأخرى كانت قد سلّمت مسبقًا باستحالة تحدي واشنطن. لم يصبح العالم أكثر سلامًا بعد عام 1991، بل أصبح أكثر قابلية للتنبؤ.
بذور انحسارها
من المفارقات أنّ نجاح النظام الذي أعقب الحرب الباردة هو نفسه الذي أدى إلى تفككه. وكانت الثورة التكنولوجية التالية في مجال الحرب في حد ذاتها ثمرةً للتحول الاقتصادي لحقبة ما بعد الحرب الباردة.
واستندت كل ثورة عسكرية كبرى إلى تغيير اقتصادي سابق. فالقوى الكبرى لا تنهض لمجرد امتلاكها جيوشًا أو أساطيل بحرية متفوقة، بل لأن اقتصادياتها تولّد الثروة والتكنولوجيا والقدرة الصناعية اللازمة للحفاظ على تلك القوات على مدى الزمن. إنّ أول ثورة في مجال الأسلحة الموجهة بدقة، والتي ظهرت في سماء بغداد عام 1991، اعتمدت على قدرات لم تكن متاحة سوى لعدد قليل من الدول المتقدمة. فقد تطلبت الذخائر الموجهة بدقة، والملاحة عبر الأقمار الصناعية، والاتصالات الآمنة، وأجهزة الاستشعار التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء، والمعالجات المتقدمة، منظومات بيئية صناعية لم تكن تمتلكها سوى دول قليلة. وكشفت حرب الخليج عن هذه القدرات للعالم، إلا أنّ التقنيات الكامنة وراءها ظلّت متركزة داخل الولايات المتحدة وبين حلفائها المقربين.
على مدى العقود الثلاثة التالية، حولت العولمة هذه الأصول العسكرية النادرة إلى منتجات تجارية واسعة الانتشار. وأصبحت صناعة أشباه الموصلات واحدة من أكبر الصناعات وأكثرها انتشارًا جغرافيًّا في العالم. وتجاوزت الإيرادات العالمية من الرقائق 790 مليار دولار في عام 2025 وتقترب من تريليون دولار سنويًا، مدفوعةً إلى حد كبير بالطلب على الهواتف الذكية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. كما أنّ سلاسل التوريد نفسها التي تنتج المعالجات المتقدمة للأسواق التجارية تغذي أيضًا تصنيع المكونات المستخدمة في الكاميرات وأنظمة الملاحة وأجهزة الحوسبة الطرفية (وهي أجهزة كمبيوتر صغيرة تعالج البيانات محليًّا بدلًا من خوادم سحابية بعيدة).
يحتوي الهاتف الذكي الحديث على قدرة حوسبية تفوق بكثير ما امتلكته العديد من الأنظمة العسكرية خلال حرب الخليج، فضلًا عن كاميرات كانت مخصصة يومًا لأقمار الاستخبارات الصناعية. لقد خلقت الأسواق المدنية وفورات حجم هائلة لوحدات القياس بالقصور الذاتي المصغرة (وهي أجهزة لتتبع الموقع والسرعة والاتجاه)، وأجهزة نظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس”، وبطاريات الليثيوم، وأجهزة الاستشعار الضوئية، وهي تقنيات تطلبت في السابق رعاية من الدولة.
وتُجسّد أجهزة الاستشعار هذا التحول بأوضح صورة ممكنة. فخلال الحرب الباردة، تطلبت الحروب الدقيقة أنظمة استطلاع عسكرية باهظة الثمن. أما اليوم، فتُوفر الأقمار الصناعية التجارية صورًا لم تكن متاحة فيما مضى إلا للحكومات وحدها. وتُنتج الكاميرات عالية الدقة، وأجهزة الاستشعار الحراري، وأجهزة تحديد المدى بالليزر، ورقائق الملاحة لصالح الصناعات المدنية التي تشمل قطاع الزراعة والمركبات ذاتية القيادة. وبذلك، تداعت الحواجز التي كانت تفصل بوضوح بين التقنيات العسكرية والمدنية بشكل مطرد.
ساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع هذه العملية بدرجة أكبر. فنماذج اللغات الكبيرة، وأنظمة رؤية الحاسوب، والبرمجيات مفتوحة المصدر توفر قدرات احتكرتها في السابق مؤسسات متخصصة. وقد حولت الاستثمارات الخاصة الضخمة البرمجيات المتقدمة إلى سلعة متاحة عالميًا، إذ تجاوزت إيرادات أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحدها 200 مليار دولار في عام 2025. وبشكل أوسع، باتت القدرات التي استلزمت يومًا برامج عسكرية بمليارات الدولارات قادرةً الآن على الاعتماد على مكونات يتم شراؤها عبر القنوات التجارية العادية. كما أن الطائرات المسيرة الصغيرة المُجمَّعة من قطع إلكترونية تم الحصول عليها من السوق التجارية يمكنها اليوم إحداث تأثيرات كانت تقترن سابقًا بالأسلحة المتطورة التي لا تصنعها سوى الدول.
تُجسّد الطائرة المسيرة الإيرانية “شاهد-136” هذا التحول، فبدلًا من الاعتماد على تكنولوجيا عسكرية باهظة الثمن وفائقة الدقة، تجمع هذه الطائرة بين رقائق ملاحة متاحة تجاريًا، ووحدات قياس بالقصور الذاتي، ومستقبلات أقمار صناعية، ووحدات اتصالات، ومعالجات، وبرمجيات -العديد منها مُصمّم بالأصل للأجهزة الإلكترونية المدنية- إلى جانب هيكل طائرة ومحرك بسيطين. والنتيجة هي سلاح دقيق جرى تجميعه إلى حد كبير من مكونات أصبحت متاحة بفضل سلاسل التوريد التجارية العالمية ذاتها التي تغذي الاقتصاد الرقمي. والمغزى هنا ليس أنّ طائرة “شاهد” متطورة تقنيًا، بل هو العكس تمامًا: أنّها ليست كذلك.
لقد كافأ الاقتصاد العالمي ذاته الذي احتفى بالكفاءة، إمكانية الوصول وسهولة الحصول عليها أيضًا، فقد تنافست الشركات عبر خفض التكاليف، وتوسيع الإنتاج، وتوزيع التكنولوجيا عبر الأسواق الدولية. وكل تحسين جعل الهواتف الذكية أرخص، والبطاريات أكثر كفاءة، والمعالجات أقوى، أدى في الوقت ذاته إلى زيادة القدرات المتاحة للدول الأضعف وحتى للجهات الفاعلة من غير الدول.
لكن العولمة ذاتها التي ولّدت ازدهارًا استثنائيًا أنشأت أيضًا أنظمة مترابطة تُحدث فيها الاضطرابات المحلية عواقب عالمية. فغالبية الأنظمة شديدة الكفاءة والتحسين تكون هشة بطبيعتها: إذ يتسبب أي خلل في منطقة ما بتداعيات تمتد آلاف الأميال. فعلى سبيل المثال، أثر النقص في أشباه الموصلات خلال جائحة كوفيد-19 على إنتاج السيارات عبر قارات متعددة.
في عامي 2024 و2025، شنّ الحوثيون في اليمن، المتحالفون مع إيران، هجمات عديدة على حركة الملاحة في البحر الأحمر -الذي يؤدي إلى قناة السويس ويربط أوروبا بآسيا- كجزء من مواجهتهم الأوسع مع إسرائيل. ولم يكن بمقدور المسلحين هزيمة خصومهم الأقوياء بكثير في معارك تقليدية، لكنهم استطاعوا استخدام الحرب الدقيقة لفرض تكاليف باهظة على الاقتصاد العالمي. واضطرت كبرى شركات الشحن البحري إلى تحويل مسار سفنها حول طريق رأس الرجاء الصالح بسبب التكاليف الباهظة التي ترتبت على حالة عدم اليقين، بما في ذلك إطالة أوقات العبور وارتفاع أسعار التأمين.
لقد ساعدت العولمة في إخراج أدوات الحرب الدقيقة من دائرة احتكار الدول المتقدمة. وبحلول منتصف العشرينيات من القرن الحادي والعشرين، بدأ انتشار القدرات الدقيقة يعكس تلك العلاقة، ليجعل القوى العظمى عرضة للخطر أمام أعداء أضعف بكثير منها. وبهذا المعنى، تضمن نجاح نظام ما بعد الحرب الباردة تناقضًا غير متوقع: فالقوى الاقتصادية التي عززت النظام أنتجت تدريجيًا العديد من التقنيات التي من شأنها أن تجعل الحفاظ على استمراريته باهظ التكلفة بشكل مطرد.
تصدع الأمور
بدت الأسلحة الموجهة بدقة وكأنّها تحل واحدة من أقدم المشكلات في التاريخ العسكري، فلم تعد القوى الكبرى بحاجة إلى غزو الأراضي لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، إذ بات بمقدور القوة الجوية أن تحل محل القوة البرية، والتكنولوجيا أن تغني عن الكتلة العسكرية. وكان الدرس الذي استخلصه العديد من المراقبين من حرب عام 1991 مباشرًا وبسيطًا: طالما أن بوسع الولايات المتحدة تحديد الأهداف، فسيكون بمقدورها قمع المقاومة دون احتلال مساحات شاسعة من الأراضي.
أما الحرب مع إيران فكشفت الآن عن حدود ذلك الافتراض، وأشارت أيضًا إلى حلول ثورة ثانية في فنون الحرب الدقيقة. فإذا كانت الصورة المميزة لشهر يناير/كانون الثاني 1991 تتمثل في قنبلة موجهة بالليزر تدخل من فتحة تهوية في بغداد، فإن الصورة المميزة لحرب إيران تتمثل في طائرة مسيرة صغيرة أحادية الاتجاه، تم تجميعها من إلكترونيات تجارية وتُطلقها فرقة متنقلة في مكان ما على طول الساحل الجنوبي لإيران، وهي تحلق باتجاه أهداف في الخليج.
لقد وفّر انتشار التكنولوجيا الجديدة طائرات مسيرة رخيصة الثمن، وصواريخ كروز، وأجهزة استشعار تجارية، وفرق إطلاق متنقلة. ولم يكن هدف إيران قط هو هزيمة القوة البحرية الأمريكية بشكل صريح في معارك السفن المعهودة، بل كان إقناع الجهات التجارية بأن القوة البحرية الأمريكية لم يعد بمقدورها ضمان أمنهم المطلق.
وقد ثبت أن ذلك كان كافيًا، فقد واصلت ناقلات النفط عبور الخليج في الأسابيع التي أعقبت اندلاع الحرب، لكن أقساط التأمين ارتفعت بشكل حاد وتراجعت حركة الملاحة مع انتشار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة. خلال الأزمات السابقة التي شهدها كل من مضيق هرمز والبحر الأحمر، ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى أضعاف مستوياتها العادية، وغيرت شركات الشحن مسار سفنها لتقطع آلاف الأميال حول أفريقيا بدلًا من تحمل المخاطر المتزايدة. لا تحتاج الاقتصادات الحديثة إلى النفط فحسب، بل تحتاج إلى أن يتم إيصاله في الوقت المحدد وبالكميات المطلوبة وفي ظروف يمكن التنبؤ بها، وبمجرد أن تختفي الثقة، قد يظل الممر المائي مفتوحًا من الناحية المادية لكنه يصبح غير موثوق من الناحية الاستراتيجية.
جاء الرد الأميركي على محاولة إيران إغلاق مضيق هرمز وفق المنطق التقليدي للقوى العظمى، فقد شنّت الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل ضربات على مواقع الرادار وبطاريات الصواريخ ومنشآت الطائرات المسيّرة ومناطق الإطلاق في أنحاء جنوب إيران، ودمرت آلاف الأهداف. لكن سرعان ما ظهرت الأنظمة البديلة، إذ تمكنت إيران من توزيع وإخفاء وإعادة بناء منصات الإطلاق المتنقلة الخاصة بها بسرعة تفوق سرعة القضاء على تلك المنصات. وما بدا في البداية أنه مشكلة بحرية تحول تدريجيًا إلى مشكلة إقليمية، فقد تمكنت الولايات المتحدة من تدمير عدد قليل من منصات الإطلاق، لكنها لم تستطع فرض سيطرتها على آلاف الأميال المربعة من الأراضي. وقد أظهر إسقاط إيران لطائرة هليكوبتر أمريكية من طراز “أباتشي” في يونيو/ حزيران، المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة، فبطائرة مسيرة واحدة من طراز “شاهد” تبلغ تكلفتها 20 ألف دولار، دمرت إيران أصلًا عسكريًّا متطورًا تبلغ قيمته 35 مليون دولار، ما أثبت أنّه حتى أقوى جيش على وجه الأرض لا يستطيع القضاء على تهديد الطائرات المسيرة الرخيصة.
يمثل تحدي إيران المستمر للولايات المتحدة أكثر من مجرد نجاح تكتيكي، فقد باتت إيران تتعامل مع مسارح العمليات المنفصلة باعتبارها مكونات لنظام استراتيجي واحد، فهي تدعم أنشطة حزب الله في لبنان، والفصائل الموالية لها في العراق، والحوثيين في اليمن. كما استهدفت قواعد أميركية وبنى تحتية حيوية في دول الخليج المجاورة، والنتيجة هي بروز مجال نفوذ إيراني ناشئ لم يُبنَ عبر الغزو بل عبر إحداث اضطراب مستمر، وقد جعلت الثورة الثانية في مجال الأسلحة الدقيقة هذا الاضطراب الواسع النطاق والمستمر أمرًا ممكنًا.
لن تستطيع إيران أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، فاقتصادها لا يزال ضعيفًا، وجيشها التقليدي لا يزال أدنى من الجيشين الأميركي والإسرائيلي، ولا تزال العديد من الحكومات العربية تخشى طهران أكثر مما تثق بها. لكن نجاحها العملياتي يمكن أن يولد فرصًا سياسية، وإذا توصلت الحكومات والأسواق والقوى الخارجية بشكل متزايد إلى استنتاج مفاده أنه لا يمكن اتخاذ أي قرار رئيسي في الخليج دون مراعاة التوجهات الإيرانية، فإن النفوذ العسكري الإيراني سيتحول تدريجيًا إلى نفوذ سياسي. فأسواق التأمين وتجار الطاقة وشركات الشحن والحكومات الإقليمية كلها لا تستجيب فقط للقوة في حد ذاتها، بل أيضًا للتوقعات المتغيرة بشأن القوة المستقبلية، فالتوقعات تتغير أولًا، وعادةً ما تتبعها المؤسسات لاحقًا.
يبقى من غير المؤكد ما إذا كانت إيران ستتمكن في النهاية من تحويل نفوذها العملياتي إلى شكل من أشكال الهيمنة الإقليمية، لا سيما في ظل عدم وضوح كيفية انتهاء المرحلة الحالية من القتال. لكن انتشار تقنيات الأسلحة الدقيقة قلب المعادلة رأسًا على عقب. فقد أوحى الانتصار الأمريكي السريع والحاسم في حرب الخليج بأن الحرب الدقيقة تتيح للقوى العظمى السيطرة على الأراضي المتنازع عليها بتكلفة منخفضة نسبيًا. لكن الحرب مع إيران تشير على النقيض من ذلك إلى أن انتشار تكنولوجيا الأسلحة الدقيقة يربك القوى العظمى ويجعل السيطرة على المناطق المتنازع عليها أكثر صعوبة بكثير.
ساحة المعركة المقبلة
قد يتكرر ما حدث في مضيق هرمز على نطاق أكبر في شرق آسيا، إذ يفترض السيناريو التقليدي لنشوب صراع حول تايوان أن الصين ستفرض حصارًا على الجزيرة وأن تايوان ستعاني منه لوقت طويل. لكن الثورة الثانية في مجال الأسلحة الدقيقة توحي بإمكانية أكثر تعقيدًا: أن تستخدم تايوان الطائرات المسيّرة وبطاريات الصواريخ المتنقلة وأجهزة الاستشعار التجارية والذكاء الاصطناعي لتعطيل التجارة البحرية الصينية وتهديدها.
يمر نحو خُمس التجارة البحرية العالمية عبر مضيق تايوان، ما يجعله واحدًا من أهم الممرات الاقتصادية في العالم. ورغم النجاح الاقتصادي الاستثنائي للصين، فإنّ نحو 40 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي يعتمد على التجارة، والتي يمر الجزء الأكبر منها بحرًا، وكما اختارت إيران تحويل نقطة الاختناق في مضيق هرمز إلى ورقة ضغط، يمكن لتايوان أن تفعل الشيء نفسه
يمكن النظر إلى تايوان باعتبارها منصة إطلاق كبيرة غير قابلة للإغراق، تمتلك آلاف الطائرات المسيّرة بمدى يصل إلى 750 ميلًا. وتقع الموانئ الصينية الكبرى ضمن هذا المدى، بما في ذلك ميناء شنغهاي وميناء نينغبو-تشوشان وميناء شينزن. وبالتالي، فإن الخطر لا يقتصر على حركة المرور التي تمر عبر مضيق تايوان، حيث يمكن لتايبيه أن تبذل المزيد من الجهد لإلحاق الضرر بخصمها الأكبر، وأن تهدد باستمرار الممرات التجارية المؤدية إلى الموانئ الرئيسية في الصين حتى في غياب حصار رسمي.
ويمكن للصين إعادة توجيه بعض الشحنات شرق تايوان أو عبر ممرات بحرية أبعد قرب دول أخرى، ولكن كما هو الحال مع إعادة التوجيه حول رأس الرجاء الصالح خلال أزمة البحر الأحمر، فإنّ القضية ليست ما إذا كان يمكن استمرار التجارة على الإطلاق، بل ما إذا كان يمكن استمرارها بشكل يمكن التنبؤ به وبتكاليف مقبولة. ستستمد تايوان نفوذها من موقعها الجغرافي على طرق الملاحة المؤدية إلى قلب الصناعة الصينية ومن قدرة الجزيرة، بفضل الثورة الثانية في مجال الدقة، على جعل تلك الطرق محفوفة بالمخاطر بشكل دائم.
ولن تحتاج تايوان إلى إغراق الكثير من السفن لإحداث عواقب ملموسة لجيش التحرير الشعبي الصيني، فبضع هجمات ناجحة بطائرات مسيّرة – أو حتى مجرد احتمال وقوعها – يمكن أن يطلق سلسلة مألوفة من الأحداث: ارتفاع معدلات التأمين، إعادة تقييم شركات النقل التجاري للمخاطر، وتراجع حركة المرور. وسيتصاعد الاضطراب الاقتصادي حتى لو بقي الدمار المادي محدودًا، وبالنظر إلى اعتماد العالم على السلع الصينية، فإن الأثر على معظم الدول سيكون شديدًا وسيظهر خلال أشهر، ما يهدد بانكماش الاقتصاد العالمي. من المرجح أن يواجه الاقتصاد الصيني المعتمد على التجارة أشد صدمة خارجية منذ إطلاق إصلاحات اقتصادية كبيرة في الثمانينيات. وسيتعين على الصين مواجهة انهيار الثقة التي يقوم عليها النظام التجاري الحديث، بينما ستتعرض واردات الطاقة، وسلاسل التوريد الصناعية، والصناعات التصديرية، وتمويل الشحن، والاستثمار الأجنبي كلها لضغوط متزامنة.
قد تؤدي الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة خلال حرب إيران إلى دفع الصين للاعتراف بعبثية الهجوم على تايوان، فالجزيرة يمكن أن تكرر استراتيجية إيران مع تداعيات هائلة على الصين والعالم.
قواعد القوة الجديدة
قد يتزايد اندلاع النزاعات المستقبلية حول نقاط الاختناق الاقتصادية الرئيسية في العالم – بما في ذلك مضيق تايوان، وبحر الصين الجنوبي، ومضيق ملقا، والبحر الأحمر، ومضيق هرمز نفسه. وقد يؤدي ارتفاع معدلات التأمين، وزيادة تكاليف الشحن، وتكرار سلاسل التوريد، والحاجة إلى الحفاظ على مخزونات أكبر واحتياطيات استراتيجية، والضغط السياسي من أجل الإنتاج المحلي، إلى رفع تكاليف التجارة الدولية تدريجيًا. وسيصبح العالم الذي ساهمت العولمة في رأب صدوعه مليئًا مرة أخرى بالصدوع والشقوق. ونتيجة لذلك، بدأت تظهر الآن مجموعة جديدة من الافتراضات والقواعد المتعلقة بالنظام العالمي.
لم يعد التفوق العسكري الأمريكي يضمن تحقيق نتائج سياسية رخيصة، فرغم أن الولايات المتحدة لا تزال تتمتع بقوة تدميرية لا مثيل لها، إلا أن تدمير الأهداف وتحديد النتائج أمران مختلفان. وبقدر ما تكون واشنطن قادرة على معاقبة أعدائها، فإنها تكافح لإجبارهم على الرضوخ. كما أن التصعيد لم يعد يصب تلقائيًا في صالح الولايات المتحدة. فالأسلحة الدقيقة، والجغرافيا، والشبكات المتفرقة تسمح للجهات الفاعلة الأضعف برفع التكاليف بسرعة أكبر من قدرة القوى الأقوى على قمعهم. ويمكن للولايات المتحدة أن تصعد باستخدام قوتها الجوية وحتى استخدام القوات البرية، لكنها لم تعد تحتفظ بالهيمنة في مجال التصعيد.
وبالمثل، لم يعد التدخل الأميركي يضمن الاستقرار الاقتصادي في المنطقة المستهدفة، فعلى مدى ثلاثة عقود، افترضت الأسواق أن القوة الأميركية تساعد على تقليل المخاطر. أما اليوم، فإن التدخلات الأميركية تغذي حالة من عدم اليقين. لقد خلقت العولمة ازدهارًا استثنائيًا، لكنها خلقت أيضًا هشاشة لا تستطيع القوة العسكرية وحدها القضاء عليها بسهولة. وباتت القوى الأضعف ترى أنه من الممكن تحدي الولايات المتحدة، وأن المقاومة لم تعد بلا جدوى بشكل واضح. لا تحتاج هذه الأطراف إلى هزيمة الولايات المتحدة كي تُحبطها، يكفيها أن تُضعف الثقة، وأن ترفع التكلفة، وأن تصمد لفترة أطول مما يتوقعه خصومها. لم يعد الهدف تحقيق نصر تقليدي في ساحة المعركة، بل خلق نفوذ من خلال إحداث الاضطراب.
لا يعني هذا أن كل دولة أضعف تستطيع اليوم إحباط الولايات المتحدة، بل يعني أن عددًا أكبر من الدول مرشح لاكتساب تلك القدرة مع استمرار انتشار تقنيات الثورة الثانية في مجال الدقة. وستشكل الجغرافيا والأهداف الاستراتيجية والوصول إلى أنظمة دقيقة منخفضة التكلفة ملامح هذا المشهد الجيوسياسي الجديد.
على مدى جزء كبير من التاريخ الحديث، كانت الدول الأقوى تحول الثروة الاقتصادية إلى تفوق عسكري، ثم التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي، وبدا أن حقبة ما بعد الحرب الباردة قد عززت هذه العلاقة. لكن الثورة الثانية في مجال الدقة توحي بنمط مختلف، فالنجاح الاقتصادي يؤدي إلى انتشار واعتماد واسع لتقنيات جديدة، وهو ما يساعد الفاعلين الأضعف ويتيح لهم فرض تكاليف أكبر على خصوم أقوى مما كان ممكنًا في الماضي، وقد أصبحت القوة الجيوسياسية لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة أقل ارتباطًا بقدرتها على السيطرة على الآخرين وأكثر ارتباطًا بالثقة التي يضعها الآخرون في الأنظمة التي ترعاها وتدعمها.
قد يثبت مضيق هرمز أنه لم يكن سوى البداية، فإذا ظهرت الآليات نفسها حول تايوان، فإن الحقبة المقبلة من السياسة الدولية لن تتحدد بتوسع العولمة، بل بتكاليف حمايتها.
المصدر: فورين أفيرز