• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تحول الأجيال يعيد صياغة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية

كينيث روث١ يوليو ٢٠٢٦

نتنياهو يدرك أنّ النهاية باتت وشيكة

ترجمة وتحرير: نون بوست

تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تحوّلًا جيليًا. فقد بدت التوترات ملموسة بوضوح بالفعل على خلفية حرب الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، قبل أن يأتي دور بنيامين نتنياهو في دفع دونالد ترامب للانخراط في حرب ذات نتائج عكسية ضد إيران، والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.

إنّ وقف الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل سيكون بلا شك خطوة بالغة الأهمية للحدّ من التواطؤ الأمريكي في جرائم الحرب الإسرائيلية. وقد يشكّل هذا التحوّل أيضًا المخرج الأفضل لإسرائيل نفسها، إن أرادت تجنب المأزق الخطير والمسدود المتمثل في التصعيد العسكري المتواصل. فضلًا عن كونه شرطًا أساسيًا يتيح للفلسطينيين أفقًا مستقبليًا للخلاص من الاحتلال الإسرائيلي اللانهائي.

لم تكن العلاقات بين البلدين وثيقة على الدوام كما عهدناها في العقود الأخيرة، فعند تأسيس إسرائيل عام 1948، أبدت واشنطن دعمها ولكن بشيء من التحفظ، إذ رفض الرئيس هاري ترومان إرسال أسلحة إلى الدولة الجديدة. وفي عام 1957، أجبر الرئيس دوايت أيزنهاور إسرائيل على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء.

لكن مجريات الأمور تغيّرت عقب الهجوم الذي شنته دول الجوار على إسرائيل في عامي 1967 و1973. كما استفادت إسرائيل من تصوير نفسها إبان الحرب الباردة كحصن منيع في وجه التمدد والنفوذ السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط.

ولسنوات طويلة، بات من المستحيل التشكيك في مواقف إسرائيل أو مساءلتها في النقاشات مع معظم المسؤولين الأمريكيين. وحينما أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في عام 2021 تقريرًا يصف الممارسات الإسرائيلية بالفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حظي التقرير بترحيب واسع في جميع أنحاء العالم، ولكنّه قوبل ببرود شديد في واشنطن.

وقد بدت هذه المحاباة المفرطة جليّة حتى في وقت كانت ترتكب فيه إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية. ورغم أنّ الرئيس جو بايدن علّق شحن القنابل التي تزن 2000 رطل، والتي تستخدمها إسرائيل لتدمير الأحياء السكنية الفلسطينية وإبادتها دون تمييز، فإنّه واصل ضخ مليارات الدولارات في شكل مساعدات عسكرية وصفقات أسلحة أخرى. وبدلًا من اشتراط تقديم المساعدات العسكرية بإنهاء استراتيجية التجويع التي تنتهجها إسرائيل في غزة، لجأ بايدن إلى تنظيم عملية مكلفة وغير مجدية لإيصال المساعدات الغذائية عبر رصيف عائم مؤقت، ما أدّى إلى تفاقم مجاعة السكان واشتداد وطأتها.

لقد كان بايدن متأخرًا عن مواكبة تبدل الأزمنة؛ إذ أفضت الفظائع الإسرائيلية في غزة إلى نفور شريحة متنامية داخل الحزب الديمقراطي، بل وحتى بين جيل الشباب من المسيحيين الإنجيليين، الذين يمثلون، بأعداد تفوق بكثير الناخبين اليهود، القاعدة الأساسية الداعمة لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري.

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع رأي أجراه مركز “بيو” للأبحاث في أبريل/ نيسان الماضي أنّ 60 بالمئة من البالغين الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بزيادة قدرها 7 بالمئة مقارنة بالعام السابق، و20 بالمئة مقارنة بعام 2022. أمّا بين الديمقراطيين والمستقلين الذين يميلون إلى الحزب الديمقراطي (بمن فيهم معظم اليهود الأمريكيين)، فقد بلغت نسبة من يتبنون موقفًا سلبيًا تجاه إسرائيل 80 بالمئة، وهي نسبة لافتة للغاية. وفي المقابل، ورغم أنّ غالبية الجمهوريين لا يزالون يدعمون إسرائيل، فإنّ 57 بالمئة من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً باتوا يحملون آراءً سلبية تجاهها.

وربما انعكاسًا لهذه التحولات، أظهر دونالد ترامب صلابة وجرأة أكبر من بايدن في مواجهة نتنياهو. فبينما ظلَّ بايدن غارقًا في رؤية تعود لحقبة عام 1967، إذ يرى إسرائيل في صورة “داود” الصغير المحاط بـ “جالوت” ممثلًا في تحالف الدول العربية، وخائفًا من هجمات اليمين السياسي، لم يجرؤ يومًا على استخدام أوراق الضغط الهائلة التي تمتلكها واشنطن لإجبار نتنياهو على وقف هذه المجازر.

أمّا ترامب فقد فعل ذلك. ويُحسب له أنه رأى في نتنياهو الطرف المستقوي في المنطقة. فبعد أن أبدى ترامب تأييدًا أوليًا لعمليات التطهير العرقي في غزة، تراجع ليدرك أنّ ممارسات التجويع والقتل يجب أن تتوقف، وضغط باتجاه فرض وقف إطلاق النار، وهو ما اضطر نتنياهو للقبول به. ومع ذلك، يبدو أنّ ترامب فقد اهتمامه بالملف لاحقًا، وتحديدًا بعد إعلانه الصاخب عن تشكيل “مجلس السلام من أجل غزة”، في وقت تواصل فيه إسرائيل حشر الفلسطينيين في مساحات تزداد ضيقًا يومًا بعد يوم داخل قطاع غزة.

وقد أدّت الحرب الكارثية مع إيران إلى تسريع وتيرة تدهور مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة، إذ تلاعب نتنياهو بترامب الساذج واستدرجه لشن الحرب عبر إغرائه برؤى غير واقعية حول تغيير النظام، دون وضع أي خطة بديلة. وبدلًا من ذلك، أوقع نتنياهو ترامب في ورطة خانقة، متمثلة في نظام إيراني غدا أكثر جرأة بعد نجاته من هجوم شامل مع احتفاظه بمعظم قدراته من الصواريخ والطائرات المسيرة، ودون إلحاق أي أضرار إضافية ببرنامجه النووي، ناهيك عن سلاح مكتشف حديثًا في مضيق هرمز جعل ترامب يستميت لإبرام صفقة تجنبه هزيمة ساحقة في انتخابات التجديد النصفي. وممّا زاد الطين بلّة، واصل نتنياهو محاولاته لتقويض مفاوضات ترامب مع طهران عبر شن هجمات جديدة بشكل دوري في لبنان.

لم تعد المصالح الأمريكية والإسرائيلية متوافقة، فبينما يريد ترامب وقف إطلاق النار، ينشد نتنياهو حربًا لا تنتهي. ويرغب ترامب في التركيز على الصفقات التجارية في الخليج، في حين يظل نتنياهو مهووسًا بملف إيران. وفي نوبة غضب وإحباط شديدين، وصف ترامب نتنياهو بأنه “معتوه لعين” لتعريضه الاتفاق مع إيران للخطر بمواصلة الهجمات في لبنان، بينما وبّخ نائب الرئيس جي دي فانس المسؤولين الإسرائيليين لانتقادهم اتفاق ترامب مع إيران، في الوقت الذي تعدّ فيه واشنطن الحليف الفعلي الوحيد المتبقي لتل أبيب.

وداخل الحزب الجمهوري، يجد ترامب نفسه عالقًا بين المطالب المتضاربة لقاعدته الانعزالية المؤيدة لشعار “أمريكا أولًا” (حركة ماغا)، والتي رأت منذ البداية أنّ تلك الحرب الاختيارية ضد إيران كانت خطأً فادحًا، وبين صقور الحزب التقليديين الذين يطالبون باتفاق أكثر صرامة مع طهران، على الرغم من أن تحقيق ذلك يتجاوز قدرة ترامب الذي بات في موقف ضعيف.

وفي غضون ذلك، أصبحت العلاقة مع إسرائيل عبئًا على الحزب الديمقراطي. ففي الانتخابات التمهيدية التي جرت الأسبوع الماضي في مدينة نيويورك – التي تحتضن أكبر تجمع لليهود في العالم خارج إسرائيل، وحيث كان تودد المرشحين لتل أبيب يمثل بديهية سياسية في السابق- تحوّل دعم إسرائيل إلى ما يشبه “قبلة الموت” للمرشحين. فقد وصف عمدة المدينة زهران ممداني جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل “إيباك” بـ “الوحوش“، وسلّط مرشحون آخرون الضوء بشكل مدمر ومؤثر على الدعم الذي يتلقاه خصومهم من هذه المنظمة، بينما أقرّ المرشحون الفائزون علنًا بارتكاب إسرائيل جريمتي الإبادة الجماعية والفصل العنصري.

ورغم أنّ بعض “القادة المخضرمين” في الحزب الديمقراطي، مثل زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، لا يزالون متشبثين بالماضي، إلا أنّ عهدهم قد ولّى. لقد بات مستقبل الحزب اليوم بيد أولئك الذين يسعون لإنهاء سياسة “الشيك على بياض” الممنوح لإسرائيل، وما يترتب عليها من تواطؤ ومساعدة وتحريض على الإبادة الجماعية، والفصل العنصري، وجرائم الحرب، والاحتلال اللانهائي.

ويدرك نتنياهو أنّ النهاية باتت وشيكة. وبحكم الضرورة، يتحدث عن الحاجة إلى فطام إسرائيل عن المساعدات العسكرية الأمريكية. ويبدي تفاؤلًا بتحقيق ذلك خلال عقد من الزمن، في حين أنّ إسرائيل ستكون محظوظة إذا استمرت هذه المساعدات في ظل الإدارة الديمقراطية المقبلة.

وقد يخسر نتنياهو الانتخابات المقبلة، والمقرر إجراؤها في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول. فهو لا يحظى بشعبية، ليس فقط بسبب الأداء الهزيل لحروبه اللانهائية، بل أيضًا بسبب اتهامات الفساد المعلقة ضده منذ فترة طويلة، والشعور السائد بأنّه كان منشغلًا بمشاريعه الجانبية مع اليمين المتطرف لدرجة جعلته يتجاهل مؤشرات التحذير الواضحة بشأن الهجوم الدامي الذي شنته حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

لكن تغيير القادة لن ينهي وضع إسرائيل كدولة منبوذة إذا ما ظلّت سياساتها على حالها. إنّ التبرؤ من ممارسات نتنياهو وتجاهله المتبلد واللاإنساني لحياة المدنيين الفلسطينيين سيتطلب من أي حكومة جديدة اتخاذ خطوة جريئة، مثل تسليمه لمواجهة تهم جرائم الحرب المعلقة ضده في لاهاي، تمامًا كما فعلت الحكومة الصربية عام 2001 مع الرئيس الأسبق سلوبودان ميلوسيفيتش لضمان رفع العقوبات المفروضة عليها جراء الفظائع التي ارتكبتها بلغراد في البوسنة وكوسوفو.

وسيكون هذا في مصلحة إسرائيل، وإن كان الجمهور الإسرائيلي يرفض ذلك في الوقت الراهن، وإن بدا خصوم نتنياهو الرئيسيون -بل اليساريون أنفسهم- أكثر تشددًا منه.

هناك حدود لرؤية نتنياهو القائمة على الحرب الأبدية. فقد مكّن الدعم الأمريكي غير المشروط إسرائيل من التصرف مع شعور مطلق بالحصانة، إدراكًا منها أنّ القوة العظمى في العالم ستقف وراءها عسكريًا، فضلًا عن حمايتها في مجلس الأمن الدولي حال التلويح بفرض عقوبات إلزامية ضدها.

وقد ترك هذا الأمر إسرائيل في مواجهة خصوم ألدّاء -حركة حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والجمهورية الإسلامية في إيران. وتمتلك طهران برنامجًا نوويًا جرى احتواؤه بموجب الاتفاق الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما، ولكنه انطلق من جديد عندما قام ترامب -بتحريض من نتنياهو- بتمزيق هذا الاتفاق. فكم من الوقت سيمر قبل أن تتعلم الحكومة الإيرانية الدرس الكوري الشمالي وتدرأ أي هجمات مستقبلية عبر بناء أو شراء سلاحها النووي الخاص؟

لقد مرّت أوقات أدركت فيها الحكومات الإسرائيلية جدوى تبني نهج أقل عدوانية. فقد أدّت اتفاقيات السلام المبرمة مع مصر والأردن إلى إزاحة البلدين من دائرة التهديد، كما حيّدت اتفاقيات أبراهام حكومات عربية أخرى. بل إنّ اتفاقيات أوسلو أسفرت عن تأسيس السلطة الفلسطينية غير المهددة لأمنها، وإن كانت فاسدة وغير فعالة.

لماذا تستطيع إسرائيل أن تثق في كتلة سكانية فلسطينية ضخمة في الأردن لتعيش بسلام، بينما تعجز عن الثقة بالفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة؟ إنّ هذا التمييز يثبت أن المشكلة لا تكمن في طبيعة الشعب الفلسطيني العنيفة، كما توحي الأساطير المضللة التي تخدم مصالح الحكومة الإسرائيلية، بل تكمن في الاحتلال الإسرائيلي الذي لا نهاية له، وفي رفض إسرائيل الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير وحقهم في إقامة دولتهم. وفي التجربة التي خاضتها جنوب إفريقيا لإنهاء نظام الفصل العنصري عبر المفاوضات، رغم مخاوف سكانها البيض، دروس إيجابية يمكن لإسرائيل الاستفادة منها.

إنّ الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل سمح للنهج الصدامي الذي يتبناه نتنياهو وأمثاله بالهيمنة. وقد رسخ هذا النهج لديهم قناعة مفادها أنّ كل شيء مستباح ومبرر تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”، وأنّه لا يوجد شيء اسمه السعي الفلسطيني المشروع لإقامة دولة قومية، بل مجرد تهديد أمني فلسطيني فحسب. إنّ إنهاء هذا الدعم سيفرض مواجهة حتمية مع الواقع، والاعتراف بأن الإخضاع المستمر لشعب ما ليس سوى وصفة تضمن تكرار الانتفاضات والتمرد، في حين أن الاعتراف بإنسانيتهم وقبولها هو الشرط الأساسي والوحيد لتحقيق السلام.

المصدر: الغارديان

علاماتإيباك ، الانتخابات الأمريكية ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الدعم الأمريكي لإسرائيل ، العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
مواضيعالسياسة الأمريكية ، اللوبي الإسرائيلي ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

متمردون سودانيون مدعومون من الإمارات يتدربون في ليبيا

ليليا سيبوي١ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

عودة أمريكا إلى ليبيا.. النفط وروسيا وحسابات العائلات المتنافسة

عماد عنان١ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

“المستوطنات تحاصر الفلسطينيين داخل جيوب ضيقة”.. حوار مع الباحث خليل شاهين

سندس بعيرات١ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑