• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الإبادة الجماعية في غزة: كم عدد تقارير الأمم المتحدة التي سيتجاهلها الغرب؟

حسام شاكر٥ يوليو ٢٠٢٦

كريس سيدوتي، عضو لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، يتحدث خلال مؤتمر صحفي في جنيف في 16 سبتمبر/أيلول 2025.

ترجمة وتحرير: نون بوست

تُذكّرنا الأمم المتحدة مجددًا بأن هناك إبادة جماعية تُرتكب في قطاع غزة؛ فقد وثّق تقرير صدر في 23 يونيو/حزيران 2026 عن “لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة”، ما ارتكبته إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، وخاصة الأطفال.

ويأتي هذا في أعقاب تقرير سابق صدر عن اللجنة ذاتها في 16 سبتمبر/أيلول 2025، والذي خَلُص إلى وقوع إبادة جماعية، فضلاً عن تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة الصادر في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ولكن، ما الذي بوسع التقارير الدولية الموثقة أن تفعله بدقة أمام مَن أصرّوا على غض الطرف عن النوايا الإسرائيلية المعلنة لارتكاب الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والتدمير الشامل، والتجويع المروّع، ناهيك عن سيل الصور الحية التي تُبث على مدار الساعة إلى الهواتف المحمولة من قلب ساحة الفظائع على مدى عامين كاملين؟

لقد توالت التقارير الأممية المتخصصة، وشهادات المقررين والخبراء الدوليين، وتقييمات أبرز المنظمات الحقوقية العالمية، بل وحتى الشهادات الإسرائيلية، لتؤكد جميعها حقيقة الإبادة الجماعية التي تقترفها إسرائيل على مرأى ومسمع من العالم أجمع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

في المقابل؛ تمسكت معظم الدول الأوروبية والغربية بموقف متصلب يتجاهل هذه الحقيقة الصارخة، على الرغم من التعبير المسبق والصريح عن نوايا الإبادة الجماعية من قبل كبار القادة الإسرائيليين، الذين استمروا في التباهي بما يقترفه جيشهم وسلطاتهم على الأرض.

وغابت التعليقات الرسمية الغربية في كثير من الأحيان عن تلك التقارير المنشورة، على النقيض مما كان سيحدث في سياقات أخرى.

ألا تستوجب الإدانة ذلك التجنب المستمر من قِبل كبار المسؤولين الأوروبيين والغربيين لاستخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” في الإشارة إلى هذه الممارسات الإسرائيلية الممنهجة والمروعة؟

وكأن الكلمة أضحت من المحرمات الراسخة في الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي الأوروبي والغربي كلما تعلق الأمر بإسرائيل.

ويفرض هذا المحظور سطوته على أولئك المسؤولين والمعلقين، الذين يبعثون بهذا السلوك ما يدعو للشك في أن الاعتراف بالإبادة الجماعية بات مرتهناً بهوية الجاني ومكانة الضحايا.

ازدواجية المعايير

من المفهوم تمامًا أن يتجنب حلفاء نظام الاحتلال والإبادة الجماعية، أو أولئك الذين ينظرون لأنفسهم كشركاء وأصدقاء لإسرائيل، إصدار إدانة جلية لسلوكيات ساهموا بأنفسهم في دعمها وتشجيعها، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حتى وإن اقتصر ذلك على الصمت وإنكار الفظائع.

وطوال هذا الفترة الطويلة من الفظائع، تمتع الجانب الإسرائيلي بدعم عسكري وسياسي، إلى جانب غطاء دعائي، تجلى في عبارات مصاغة بعناية أطلقها كبار المسؤولين الأوروبيين والغربيين.

وقد شكلت هذه العبارات مبررات مراوغة لأي جرائم حرب وانتهاكات جسيمة قد ترتكبها سلطة الاحتلال وقواتها العسكرية ضد سكان تُركوا مكشوفين تماماً للقصف المستمر.

ويمكن استنتاج ذلك من العبارة التي أصبحت لازمة أساسية في الخطابات الغربية: “لإسرائيل كامل الحق في الدفاع عن نفسها”، وهي كلمات لا يفهمها القادة الإسرائيليون إلا بوصفها شرعنة مسبقة لسياسة القتل الجماعي والتدمير الشامل على الأرض.

وبطبيعة الحال، لا يُذكر في هذا السياق أي حق للشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه، على سبيل المثال، أو حقه – بموجب القانون الإنساني الدولي – في مقاومة الاحتلال العسكري الجاثم على أرضه.

وتُصرّ الدول والحكومات والقيادات السياسية – وتصطف معها نخب في مجالات الفكر والثقافة والإعلام – على تجاهل حقيقة الإبادة الجماعية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، أو طمسها عبر الميل نحو إنكار الإبادة، وكأن كل الجهود الدولية الجادة في التوثيق والتحقيق لا تحمل أي قيمة في نظرهم.

إن إنكار الإبادة الجماعية التي جرت على مرأى ومسمع من الجميع يعني ببساطة التقليل من شأن فظائعها المؤكدة. كما ينطوي ذلك على تشجيع، مباشر أو غير مباشر، لهذا النمط من الانتهاكات المروعة، ما دامت تُقابل بمثل هذا التراخي المروع.

علاوة على ذلك، فإن التشبث بالإنكار الصريح يُشجّع الجناة على التمادي في ارتكاب جرائم حرب مروعة، طالما أن هذه الجرائم لا تُسمى بمسمياتها الحقيقية. فمَن مِن القادة الغربيين – باستثناء قلة، كإسبانيا – وصف ما اقترفته القيادة الإسرائيلية وجيشها بأنه “إبادة جماعية” أو “جرائم حرب”؟

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مراكز صنع القرار الغربي، بما فيها الاتحاد الأوروبي وهيئاته القيادية التي تردد شعارات القيم النبيلة وحقوق الإنسان، قد تورطت في حالة من الانحياز الصارخ حينما آثرت استخدام مصطلحات مخففة للغاية أو مراوغة لتوصيف جرائم الحرب الإسرائيلية التي تابعها العالم أجمع بالصوت والصورة عبر البث المباشر.

وقد لجأ القادة والمتحدثون الرسميون إلى تعبيرات باردة، مثل حيلة “الإعراب عن القلق” وإبداء “الأسف” على الضحايا، وغالبًا ما يكون ذلك دون تسمية الجاني، لأن هذا الجاني لم يكن سوى القيادة الإسرائيلية وجيشها، اللذين كانت سياساتهما وإجراءاتهما الوحشية ماثلة للعيان.

لقد لاحظ المراقبون في جميع أنحاء العالم كيف أصبحت تهمة “ازدواجية المعايير” تلازم الخطاب السياسي الأوروبي والغربي.

وهذا تحديدًا ما حذر منه النائب السابق لرئيس المفوضية الأوروبية، جوزيب بوريل، زملاءه في الاتحاد الأوروبي، على مرأى من عالمٍ يلاحظ الفجوة الأخلاقية العميقة بين المواقف الأوروبية إزاء كل من أوكرانيا وفلسطين. وقد أطلق هذا التحذير بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب، خلال اجتماع لمجلس الشؤون الخارجية في لوكسمبورغ في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ولن يكون من قبيل المبالغة أن نستنتج من هذه المواقف المتناقضة أنها تضع بعض البشر في مرتبة أعلى من غيرهم من حيث المكانة، ومستوى الاهتمام، والكرامة الإنسانية، بحيث تتراجع أرواح الفلسطينيين وسلامتهم وأمنهم إلى مرتبة أدنى مقارنة بغيرهم.

ومن هنا يأتي التسامح مع سحق الأطفال والأمهات والمرضى وكبار السن في قطاع غزة، دون اتخاذ مواقف جادة لكبح آلة الإبادة الجماعية.

الهوامش لا المركز

لقد ولّدت تلك المواقف المتخاذلة انطباعًا قويًّا بأنها تُسبغ حصانة أخلاقية على الجاني، ألا وهو القيادة الإسرائيلية وجيشها النظامي؛ فقد اقتصرت الانتقادات السائدة في الأوساط الأوروبية والغربية على وزيرين متهورين فقط في الحكومة الإسرائيلية، وهو أمرٌ لا يُعوّل عليه كثيرًا؛ إذ أن إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش يتعارضان بالفعل لانتقادات مستمرة حتى داخل الأوساط الإسرائيلية ذاتها.

وفي نفس الوقت؛ تواصل الحكومة والقيادة السياسية على نطاق أوسع إفلاتها من الانتقاد المباشر، حتى بعد تراكم الفظائع الموثقة بالصور، وصدور مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصيًّا.

ويصبح هذا التهرب بوضوح أكبر حينما اقتصرت الانتقادات، إلى جانب بعض العقوبات محدودة التأثير، على عصابات المستوطنين وقادتهم، دون توجيه أي توبيخ لفظي أو اتخاذ أي إجراء عقابي تجاه الجيش الإسرائيلي؛ فهذا الأخير لا يقتصر دوره على رعاية المستوطنين وحمايتهم على الأرض فحسب، بل يتورط بشكل مباشر في ارتكاب انتهاكات جسيمة، وجرائم حرب مروعة، وحملات تطهير عرقي، وذلك كله في سياق إبادة جماعية مروعة.

ويفضح هذا التناقض موقفاً أوروبياً وغربياً مترسخاً يسعى إلى إعفاء الدولة وقيادتها وأجهزتها العسكرية والأمنية النظامية من أي انتقاد واضح، أو إدانة صريحة، أو مساءلة، في حين يتم إصدار مواقف شكلية بحتة تتعلق بالهوامش بدلاً من الجوهر: استهداف بعض المستوطنين بدلاً من الجيش، ووزيرين فقط بدلاً من الحكومة بأكملها.

بل إن “أوروبا السياسية”، والكثير من نخب الحياة العامة في الدول الغربية، قد تجنبت حتى من مواجهة سؤال بسيط: هل يرقى ما ارتكبته إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني إلى الإبادة الجماعية؟

إن إنكار الإبادة الجماعية المرتكبة في غزة يتطلب تجاهلاً متعمداً.

ويبدأ هذا التجاهل بتجاهل جرائم الحرب هذه، والتعاطي معها وكأنها لا تستحق الاهتمام؛ فقد تحولت الرواية المعتمدة وتطويعها في قوالب ومصطلحات مألوفة تتحدث عن “أزمة إنسانية” وظروف “مقلقة”، أو الاكتفاء بإبداء القلق إزاء “معاناة المدنيين”، وكأن الإبادة الجماعية الممنهجة، والمدعومة بنوايا معلنة لارتكابها، ليست سوى كارثة طبيعية حلت بالمكان.

كان من المفترض أن تفي الدول والحكومات التي تتباهى بالتزامها بالمواقف الأخلاقية، والقيم الإنسانية، والقانون الدولي، وحقوق الإنسان بتلك الالتزامات؛ فلقد كان ينبغي عليها التحذير من حملة الإبادة الجماعية في مهدها، وتجريدها من أي غطاء سياسي ودعائي، ودعم إنفاذ العدالة الدولية، وتأييد الدعاوى المرفوعة بشأن الإبادة الجماعية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.

وفي طليعة تلك التحركات، الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، استناداً إلى انتهاك إسرائيل لـ “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها”.

ولكن عوضًا عن ذلك، تصاعدت حملات الاستهداف المعنوي، والتحريض، والترهيب، ووصلت إلى حد فرض عقوبات جائرة على المدعين العامين، لتطال هيئات العدالة الدولية والكوادر العاملة بها، فضلاً عن مقرري الأمم المتحدة.

وبالتالي، يتضح أن التواطؤ في الإبادة الجماعية المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني يذهب أبعد من ذلك في تقويض القانون الدولي وتهديد أسس العمل الدولي والحماية المكفولة لمؤسساته وهيئاته.

المصدر: ميدل إيست آي

علاماتالإبادة الجماعية ، الانتهاكات الإسرائيلية ، الحرب على غزة ، الدعم الأمريكي لإسرائيل ، الدعم الغربي لإسرائيلي
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الحرب على غزة ، القضية الفلسطينية ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

بكين تُقرّ “قوانين عِرقية” مثيرة للجدل.. ما تفاصيلها؟

فيديريكو رامبيني٥ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

من المسيّرات إلى الدبلوماسيين.. كيف تصنع الإمارات نفوذها في إثيوبيا؟

محمد مصطفى جامع٤ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

مصر والسعودية في طهران.. دبلوماسية العزاء ورسائل ما بعد خامنئي

عماد عنان٤ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑