• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“الأوكتاجون” المصري.. هاجس يناير الذي لم يفارق نظام السيسي

فريق التحرير٥ يوليو ٢٠٢٦

ببدلته العسكرية المطرزة بالنياشين، ومن فوق مركبة عسكرية مكشوفة، وفي موكب احتفالي بالغ الضخامة لا يتكرر حتى في كثير من عواصم الدول الكبرى، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت الرابع من تموز/يوليو الجاري، مقر القيادة الاستراتيجية الجديد في العاصمة الإدارية الجديدة، المعروف باسم “الأوكتاجون” ( مبنى ثماني الأضلاع)، وسط زخم إعلامي واسع واحتفاء رسمي كبير.

وقال السيسي إن الهدف من هذا المقر هو تحقيق “تكامل التخطيط والتنسيق بين جميع جهات القوات المسلحة، وتعزيز القدرات القتالية، والاستعداد الدائم لمواجهة التحديات بفاعلية وكفاءة، باستخدام أحدث نظم التكنولوجيا المتطورة، بما يحقق الأهداف الاستراتيجية للدولة ويسهم في تأمين مقدراتها”

ورغم حالة الاحتفاء التي أحاطت بافتتاح “الأوكتاجون”، ووصفه من جانب بعض الأصوات الإعلامية بأنه إنجاز تاريخي، فإن ثورة يناير حضرت بقوة في خلفية المشهد، لا بوصفها ذكرى سياسية عابرة، بل كدلالة رمزية كاشفة لطبيعة التحول الذي دفع الدولة إلى نقل مقارها السيادية والحكومية بعيدًا عن قلب القاهرة، إلى العاصمة الإدارية الجديدة.

وبوضوح لا يحتمل التأويل، أعلن السيسي صراحة أن أحد الدوافع الرئيسية وراء تدشين هذا المقر ونقل الوزارات والجهات الحساسة خارج القاهرة يعود إلى ما جرى في يناير/ كانون الثاني 2011، حين حاصر المتظاهرون بعض المقار الرسمية، بما شكّل ضغطًا مباشرًا على السلطة في ذلك الوقت، ليؤكد أن ما حدث آنذاك لن يتكرر اليوم، وأن حصار الوزارات والمؤسسات السيادية بات من الماضي، بعدما انتقلت الحكومة ومقارها الحساسة إلى فضاء إداري وأمني جديد خارج العاصمة التقليدية.

ولا يكل السيسي ولا يمل، مع كل حدث كبير أو مناسبة سياسية، على استدعاء ثورة يناير، ليس باعتبارها لحظة تاريخية غيّرت مسار الدولة المصرية وفتحت الطريق أمام تحولات انتهت به نفسه إلى كرسي الحكم، بل بوصفها شماعة دائمة لتبرير الفشل على كافة المستويات، وفزاعة سياسية تُستخدم لتمرير بقاء النظام رغم عجزه عن تلبية الحد الأدنى من طموحات المصريين.

ومع كل حادثة أو واقعة يكون السيسي بطلها يفرض هذا السؤال نفسه على ألسنة الجميع: لماذا تظل يناير، بعد مرور نحو خمسة عشر عامًا، حاضرة بهذا الثقل في خطاب السلطة؟ ولماذا تبدو، رغم تراجع زخمها الميداني، كابوسًا سياسيًا يؤرق النظام في مصر؟

شيطنة يناير.. مسلسل لا ينتهي

منذ عامه الأول في السلطة، تبنّى السيسي خطابًا مزدوجًا تجاه ثورة يناير؛ فهو يصفها أحيانًا بأنها محطة مفصلية في تاريخ الدولة المصرية، لكنه سرعان ما ينقلب على هذا التوصيف عبر سلسلة طويلة من التصريحات التي تُحمّل الثورة مسؤولية ما آلت إليه البلاد من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية.

وقد وجد السيسي في يناير شماعة جاهزة لتفسير الإخفاقات المتراكمة، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية الحالية. فقد أرجع تدهور سعر الجنيه، وارتفاع الدولار من نحو 6 جنيهات في عام 2011 إلى قرابة 50 جنيهًا اليوم، إلى ما جرى في يناير، متجاهلًا أن القفزة الكبرى في سعر الصرف جاءت بعد قرار التعويم في 2016، وأن تراجع قيمة العملة ارتبط أيضًا بسياسات اقتصادية توسعية في الاقتراض، رفعت الدين الخارجي من نحو 35 مليار دولار في 2011 إلى ما يتجاوز 160 مليار دولار في السنوات الأخيرة.

ولم تتوقف سردية تحميل يناير المسؤولية عند حدود الاقتصاد، بل امتدت كذلك إلى ملف سد النهضة، فرغم أن السد لم يكن قد اكتمل بناؤه وقت الثورة، وأن اتفاق إعلان المبادئ عام 2015 منح أديس أبابا اعترافًا سياسيًا وقانونيًا بمسار البناء، ظل الخطاب الرسمي يميل إلى ربط الأزمة بما جرى في 2011، وفي الوقت الذي امتلأ فيه خزان السد أكثر من مرة خلال عهد النظام الحالي، بقيت يناير، في خطاب السلطة، المتهم الأسهل والأكثر حضورًا.

وينطبق الأمر ذاته على ملف ارتهان القرار الاقتصادي المصري لتدفقات الاستثمارات الخليجية وعمليات بيع أصول الدولة لمستثمرين إقليميين، فوفق السردية الرسمية، تبدو يناير وكأنها السبب الأول في هذا المسار، رغم أن اللجوء إلى بيع الأصول جاء في سياق أزمة مالية عميقة، صنعتها سياسات الديون والفوائد وشح العملة الصعبة، حتى باتت الدولة تبحث عن مخارج عاجلة، ولو عبر التخلي عن أصول استراتيجية في قطاعات الطاقة والموانئ والزراعة والدواء والعقارات.

واللافت أن الملفات التي يصر السيسي على نسبتها إلى يناير،  معروف للقاصي والداني أنها نتاجًا مباشرًا لسياسات النظام الحالي وخياراته الاقتصادية والسياسية خلال العقد الماضي، ومن هنا يثير هذا الإصرار على استدعاء الثورة وتحميلها كلفة الأزمات تساؤلات واسعة حول طبيعة الخطاب الرسمي ونظرته للمشهد ومقاربته الحقيقية في هذا التناقض المشكوف.

الأوكتاجون.. القلعة المحصنة

بحسب كلام السيسي نفسه، فإن تمركز مؤسسات الحكم داخل قلب القاهرة، وقربها من ميادين مفتوحة وحيوية مثل ميدان التحرير، جعل الدولة شديدة الحساسية أمام الحشود والاعتصامات وقدرة الشارع على شلّ المرافق السيادية، ومن هنا، يبدو أن أحد أبرز الدروس التي استخلصتها السلطة الحالية من ثورة يناير هو أن المكان، في حد ذاته، أصبح عنصرًا من عناصر الأمن القومي.

فوفق هذه الرؤية، لم تكن خطورة يناير كامنة في أعداد المتظاهرين فقط، بل في قدرتهم على السيطرة الرمزية والعملية على قلب العاصمة؛ حيث ميدان التحرير، ومحيط مجلس الوزراء، ووزارة الداخلية، والبرلمان، وماسبيرو، وعدد من النقاط الحيوية في وسط القاهرة، إذ تحولت الجغرافيا السياسية للعاصمة إلى مصدر تهديد مباشر للسلطة، بعدما أثبتت أن الحشود قادرة على تحويل الميادين من فضاءات عامة إلى أدوات ضغط سياسي.

ومن هنا بدأت السلطة في تفكيك هذه العلاقة بين الشارع ومراكز الحكم، وكانت البداية مع ميدان التحرير نفسه، عبر طمس هويته الثورية وتفريغه من رمزيته السياسية، سواء من خلال التطويق الأمني المستمر، أو تغيير ملامحه العمرانية والبنيوية، وإزالة المساحات التي كانت تسمح بتجمع المواطنين، فضلًا عن إحكام السيطرة على منطقة وسط البلد بأكملها.

لكن هذه الإجراءات، على ما يبدو، لم تكن كافية لطمأنة السلطة، خاصة في ظل تصاعد الضغوط المعيشية، واتساع الفجوة بين وعود الدولة وطموحات المواطنين، والخشية الدائمة من انفجار اجتماعي أو انتفاضة شعبية على خلفية الأوضاع الاقتصادية القاسية، فالخوف هنا لا يتعلق بذكرى يناير فقط، بل بإمكانية تكرار لحظة غضب جماعي يصعب التحكم في مسارها.

ومن هذا المنطلق، جاء التفكير في الخروج بعيدًا عن القاهرة التقليدية، عبر بناء مركز حكم جديد في العاصمة الإدارية يضم المؤسسات السيادية والحكومية والعسكرية في فضاء أكثر انضباطًا وأبعد عن الضغط الشعبي المباشر، وبهذا المعنى، لا يبدو “الأوكتاجون” والعاصمة الإدارية مجرد مشروع عمراني أو إداري، بل أقرب إلى إعادة هندسة سياسية وأمنية للمكان، تهدف إلى تجريد أي حراك مستقبلي من ورقة محاصرة المقار الحساسة، وإقامة سور رمزي وفعلي بين السلطة وأي غضب جماهيري محتمل.

رسالة ردع.. للداخل أكثر من الخارج

يعكس افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديد، بكل ما أحاط به من رمزية عسكرية ومراسم احتفالية ضخمة، ترسيخًا واضحًا للهوية العسكرية في بنية الدولة المصرية، فالمشهد لم يقتصر على تدشين مقر جديد للقوات المسلحة، بل بدا، في دلالاته الأوسع، تعبيرًا عن انتقال مركز الثقل الإداري والسيادي إلى فضاء تتحكم المؤسسة العسكرية في إيقاعه وتفاصيله، من الحكومة والجهات السيادية إلى المؤسسات الدستورية، في ظل تمركز رمزي حول “الأوكتاجون” باعتباره العقل الإداري والمعلوماتي والاستراتيجي للدولة.

ويحمل هذا الترسخ للهوية العسكرية، بما صاحبه من مشاهد استعراض قوة ورسائل صلبة، بعدًا ردعيًا يتجاوز الخارج إلى الداخل، فالمشهد بدا وكأنه رسالة موجهة إلى كل من قد يفكر في استعادة نموذج كانون الثاني/يناير أو تكرار لحظة الحشد الشعبي حول مؤسسات الحكم، وهنا وقع السيسي – بقصد أو دون قصد- في مأزق سياسي لافت حين بدا وكأنه يربط بين “الأشرار” وحراك يناير، بعد أن كان هذا الوصف يُحصر غالبًا في الخطاب الرسمي بجماعة الإخوان المسلمين، بما يوسع دائرة الاستعداء الداخلي لتشمل قطاعات أوسع من المعارضين والرافضين، ويضعهم ضمن خانة التهديد لا الاختلاف السياسي.

ورغم أن الإعلام الرسمي قدّم مقر القيادة الجديد بوصفه رسالة ردع موجهة إلى خصوم مصر الخارجيين، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتحديات أمنية متصاعدة، فإن الدلالة الأعمق تبدو، في نظر كثير من المراقبين، موجهة إلى الداخل بالأساس، فالاستعراض العسكري هنا لا ينفصل عن هاجس السلطة من الشارع، ولا عن محاولة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الضبط والتحصين لا المشاركة والثقة، ومن هنا، يحذر مراقبون من خطورة تحويل المواطن الغاضب أو المعارض السياسي إلى خصم محتمل للدولة، فإن ذلك يفتح الباب أمام تداعيات سياسية واجتماعية كارثية.

في النهاية، حين يُشيَّد مبنى بهذا الحجم وبهذا القدر من الإنفاق في دولة تعاني اختناقًا اقتصاديًا حادًا، وتغرق في ديون تلتهم أكثر من ثلثي ميزانيتها، فإن الأمر يتجاوز فكرة “الدولة القوية” أو رسائل الردع الموجهة إلى الخارج، فالقوة الحقيقية لا تُقاس بأكبر مبنى ولا أضخم مقر قيادة،  ولا أطول سارية، ولا أكبر مسجد أو كنيسة،  بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وتلبية احتياجاتهم، وصون كرامتهم، وبناء شرعية تستند إلى الرضا لا إلى الاستعراض والقوة.

ومن ثم، لا يمكن فصل الزخم الذي صاحب افتتاح “الأوكتاجون” عن ذاكرة يناير وما تركته من أثر عميق داخل بنية السلطة، فذلك الحراك، بما مثّله من لحظة كسر للخوف وانتقال الشارع إلى مركز الفعل السياسي، يبدو أنه ما زال حاضرًا كهاجس دائم يطل برأسه مع كل أزمة، ويعاد استدعاؤه كلما احتاجت السلطة إلى تفسير القلق أو تبرير التحصين أو إعادة إنتاج خطاب الخوف من الفوضى.

غير أن دروس التاريخ تشير إلى أن استقرار الدول لا تصنعه القلاع مهما بلغت حصانتها، ولا الجدران مهما ارتفعت، ولا التكنولوجيا مهما تطورت، وإنما تصنعه القدرة على الاستجابة لمطالب الناس وتخفيف أعبائهم وفتح المجال أمامهم للمشاركة في تقرير مصيرهم،  فحين تتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتزداد وتيرة الاحتقان،  لا تكفي الأسوار لعزل الغضب، ولا تكفي المقرات المحصنة لصناعة الأمان؛ لأن البوصلة الحقيقية لبقاء الدول ليست في تحصين الحكم من الشعب، بل في بناء دولة يشعر الشعب أنها له وليست عليه.. فهل تعي السلطة في مصر الدرس قبل فوات الأوان؟

مواضيعالسياسة المصرية ، الشأن المصري ، ذكرى ثورة يناير

قد يعجبك ايضا

سياسة

من حارس حدود إلى صانع نفوذ.. لماذا لا يملك الناتو رفاهية تجاوز تركيا؟

نون إنسايت٥ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

بكين تُقرّ “قوانين عِرقية” مثيرة للجدل.. ما تفاصيلها؟

فيديريكو رامبيني٥ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

الإبادة الجماعية في غزة: كم عدد تقارير الأمم المتحدة التي سيتجاهلها الغرب؟

حسام شاكر٥ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑