لم تقتصر تداعيات سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 على إعادة تشكيل موازين القوى السياسية والعسكرية في اليمن، بل امتدت إلى واحدة من أكثر البنى الاجتماعية رسوخًا في البلاد: القبيلة.
على مدى عقود، اضطلع الشيخ القبلي بدور الوسيط بين الدولة والمجتمع المحلي، مستندًا إلى شبكة من الأعراف والعلاقات الاجتماعية التي منحته نفوذًا واسعًا، لا سيما في المناطق الريفية التي ظل حضور مؤسسات الدولة فيها محدودًا.
لكن سنوات الحرب أفرزت فاعلين جددًا في إدارة الشأن المحلي، في مقدمتهم “المشرفون”، الذين أصبحوا جزءًا من آليات الإدارة في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي. وبينما يرى باحثون أن الجماعة أعادت تنظيم علاقتها بالقبائل عبر شبكة من المشرفين المرتبطين بقيادتها، يعتبر آخرون أن تراجع نفوذ الشيخ التقليدي سبق الحرب، وجاء نتيجة تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية تراكمت على مدى عقود.
القبيلة والدولة
لم تكن القبيلة في اليمن مؤسسة منفصلة عن الدولة، كما لم تكن خاضعة لها بصورة كاملة, فمنذ قيام الجمهورية، اتسمت العلاقة بين الطرفين بالتداخل؛ إذ اعتمدت الحكومات المتعاقبة على مشايخ القبائل في إدارة مناطق واسعة، واحتواء النزاعات، وتسهيل التواصل مع المجتمعات المحلية، مقابل احتفاظ هؤلاء المشايخ بمكانة اجتماعية وسياسية واسعة.
وفي ظل ضعف مؤسسات الدولة في مناطق عديدة، امتد دور القبيلة إلى إدارة الخلافات، وحماية المصالح المحلية، وتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات استنادًا إلى منظومة من الأعراف اكتسبت قوة وتأثيرًا داخل المجتمع.
ويرى الباحث اليمني في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية عادل دشيلة أن فهم التحولات التي طرأت على القبيلة بعد عام 2014 يتطلب العودة إلى طبيعة العلاقة التاريخية بين الدولة والبنية القبلية، والتي اتسمت بالتعاون أحيانًا والتنافس أحيانًا أخرى.
ويقول دشيلة في حديثه لـ”نون بوست” إن القبيلة ظلت تاريخيًا قادرة على ملء الفراغ عندما تضعف مؤسسات الدولة، وهو ما جعلها طرفًا حاضرًا في مختلف مراحل التحولات السياسية التي شهدها اليمن.
غير أن هذا التوازن تغير بصورة أوضح بعد سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء. فبحسب دشيلة، لم تتجه الجماعة إلى تفكيك القبيلة أو إلغاء دورها، بل أعادت توظيفها ضمن نموذج حكم أكثر مركزية، مع الإبقاء على مؤسسات الدولة بوصفها الإطار الرسمي للإدارة.
ويضيف أن أبرز مظاهر هذا التحول تمثلت في انتقال جانب من عملية اتخاذ القرار إلى شبكة من المشرفين المرتبطين بالجماعة، الذين باتوا يتابعون ملفات أمنية وإدارية واجتماعية في مناطق مختلفة، فيما بقي المسؤولون الحكوميون في مواقعهم الرسمية.
ولا يعني ذلك، وفق هذا التصور، اختفاء الشيخ القبلي، بل تغير طبيعة دوره؛ إذ احتفظ بعض المشايخ بمكانتهم الاجتماعية، بينما اندمج آخرون في منظومة السلطة الجديدة، أو انحصر دورهم في الوساطة الاجتماعية وحل النزاعات.
صعود المشرف
أعاد توسع نفوذ جماعة الحوثي بعد عام 2014 تشكيل آليات الإدارة المحلية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وكان “المشرف” أبرز الوجوه التي برزت ضمن هذا التحول.
ويشير المصطلح إلى مسؤول تنظيمي تعينه الجماعة للإشراف على نطاق جغرافي أو مؤسسة محددة، وتتفاوت صلاحياته بحسب موقعه ومجال عمله.
وتؤكد جماعة الحوثي أن إدارة المحافظات والمؤسسات تتم عبر أجهزة الدولة الرسمية، وترفض توصيف المشرفين باعتبارهم سلطة بديلة عن مؤسسات الدولة، مؤكدة أن وجودهم يقتصر على الإشراف والمتابعة التنظيمية.
في المقابل، يرى باحثون وشخصيات قبلية أن الواقع العملي شهد توسعًا في أدوار المشرفين لتشمل ملفات تتجاوز الجانب التنظيمي، مثل متابعة أداء السلطات المحلية، والتدخل في بعض النزاعات، والإشراف على قضايا أمنية واجتماعية.
ويرى الصحفي والباحث مأرب الورد أن صعود المشرف لم يكن مجرد إضافة إدارية داخل منظومة الجماعة، بل مثل تحولًا في طبيعة النفوذ داخل المجتمع القبلي.
ويقول الورد في حديثه لـ” نون بوست “إن الشيخ القبلي كان يستمد مكانته تقليديًا من الاعتراف الاجتماعي والأعراف المحلية، إلا أن ظهور مراكز نفوذ جديدة غيّر موازين التأثير في القرارات المحلية.
وبحسب الورد، فإن بعض المهام التي كانت تندرج تاريخيًا ضمن نفوذ الشيخ، مثل إدارة الخلافات المحلية، والتأثير في التعيينات، وحشد المجتمع، أصبحت ترتبط بدرجة أكبر بالمشرفين.
ولا يعني ذلك، بحسب الورد، أن الشيخ القبلي خرج من المشهد، بل إن القبيلة ما تزال تؤدي وظائفها الاجتماعية، وإن كانت ضمن بيئة سياسية مختلفة أعادت توزيع مراكز النفوذ المحلي.
إعادة توزيع النفوذ
وإذا كان صعود المشرف قد أوجد مركز نفوذ جديدًا، فإن انعكاساته بدت بصورة أوضح على موقع الشيخ القبلي نفسه، الذي بات يتعامل مع واقع سياسي مختلف عن ذلك الذي ساد قبل الحرب.
ويشير الشيخ سالم مبخوت مبارك العرادة في حديثه لـ”نون بوست” إلى أن جماعة الحوثي لم تعتمد فقط على القوة المباشرة في إعادة تشكيل العلاقة مع القبيلة، بل استفادت أيضًا من التوازنات الداخلية والخلافات السابقة بين بعض الشخصيات القبلية، بما ساعد –بحسب قوله– على إعادة توزيع النفوذ داخل المجتمع المحلي.
ويرى العرادة أن هذا الواقع منح المشرف مساحة أوسع للتدخل في قضايا كانت تُدار تقليديًا عبر الشيخ القبلي، دون أن يعني ذلك انتهاء دور القبيلة، وإنما انتقال جزء من أدوات التأثير إلى مراكز نفوذ جديدة.
في المقابل، ترفض جماعة الحوثي توصيف المشرفين باعتبارهم سلطة بديلة عن مؤسسات الدولة، وتؤكد أن إدارة الشأن العام تتم عبر المؤسسات الرسمية.
ويقول عضو المكتب السياسي للجماعة حزام الأسد إن الحديث عن وجود بنية حكم موازية لا يعكس –بحسب قوله– طبيعة الإدارة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.
بين الانكفاء والأدوار المحدودة
رغم أن سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء مثلت نقطة تحول في العلاقة بين القبيلة والسلطة، فإن باحثين يرون أن جذور هذا التحول تعود إلى ما قبل عام 2014، حين بدأت البنية القبلية تشهد تغيرات تدريجية بفعل عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية تراكمت على مدى عقود.
ويرى الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية عبد الغني الإرياني أن القبيلة لم تكن في ذروة قوتها عند اندلاع الحرب، بل كانت تواجه تحولات بدأت قبل ذلك بسنوات، من بينها توسع المدن، وتغير أنماط الحياة، وزيادة الهجرة الداخلية، إلى جانب تنامي دور مؤسسات الدولة في بعض المناطق.
وبحسب حديث الإرياني لـ”نون بوست”، انعكست هذه المتغيرات على موقع الشيخ القبلي، فلم يعد في كثير من الحالات صاحب السلطة الاجتماعية المطلقة داخل مجتمعه، بل تحول تدريجيًا إلى وسيط بين السكان والجهات الرسمية، وهو ما غيّر طبيعة النفوذ الذي استند إليه لعقود.
ويضيف أن تراجع فاعلية بعض الأعراف القبلية سبق الحرب أيضًا، وظهر في تزايد النزاعات المحلية، والخلافات على الأراضي، واللجوء إلى القوة لحسم بعض القضايا.
النكف المتحول
طالت التحولات أيضًا بعض أدواتها التقليدية، وفي مقدمتها “النكف القبلي”. ويُقصد به إعلان التحرك القبلي لنصرة أحد أفراد القبيلة أو مواجهة اعتداء يُنظر إليه بوصفه مساسًا بالجماعة، حيث تتداعى القبائل المتحالفة إلى ما يعرف بـ”المطارح القبلية”، وهي مجالس تُدار فيها الوساطات ومحاولات احتواء النزاعات قبل انتقالها إلى مراحل أكثر تصعيدًا.
ولعقود، شكل النكف إحدى آليات التوازن الاجتماعي في المناطق القبلية، خاصة في ظل محدودية حضور الدولة، إذ لعب الشيوخ والوجهاء دورًا محوريًا في تنظيمه وتوجيهه.
لكن شخصيات قبلية ترى أن هذا الدور تغير خلال سنوات الحرب، إذ لم يعد النكف يتحرك دائمًا ضمن إطاره الاجتماعي التقليدي، بل أصبح في بعض الحالات يتأثر بحسابات سياسية وعسكرية فرضها واقع الصراع.
ويقول الشيخ أمين زايد مثنى، أحد وجهاء محافظة ذمار، لـ “نون بوست” إن شيوخ القبائل كانوا قبل الحرب يمتلكون مساحة واسعة لإدارة النزاعات المحلية، إلا أن هذه المساحة تقلصت تدريجيًا مع تغير طبيعة السلطة، وأصبح دور الشيخ في كثير من الحالات يتركز على الوساطة الاجتماعية أكثر من صناعة القرار.
ويتفق معه الشيخ باقي أحمد مطوان، رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية في المجلس المحلي بمحافظة الجوف، الذي يرى أن جزءًا من الصلاحيات التي ارتبطت تقليديًا بالقبيلة انتقل إلى قنوات أخرى، الأمر الذي حدّ من استقلالية القرار القبلي مقارنة بما كان عليه قبل عام 2014.
ورغم هذه التحولات، ما تزال الأعراف القبلية تؤدي دورًا في تسوية النزاعات والحفاظ على الروابط الاجتماعية، وإن باتت تمارس هذا الدور ضمن بيئة سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل الحرب.