Also available in English
حصل “نون بوست” على وثائق حصرية مرتبطة برجل الأعمال السوري محمد وحود، الذي ارتبط اسمه باستثمارات واسعة وشراكات مع شخصيات نافذة في نظام الأسد البائد، ويخضع حاليًا لتحقيقات من قبل هيئة مكافحة الكسب غير المشروع.
وتضم الوثائق -التي تتحفظ نون بوست على نشرها تماشًا مع عقودًا استثمارية لعدد من مشاريعه، إلى جانب مستندات رسمية صادرة بعد سقوط النظام تؤكد فرض الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة له ولزوجته وأبنائه، ووضع عدد من مشاريعه واستثماراته تحت إشراف الهيئة إلى حين استكمال الإجراءات القانونية.
وبحسب المعلومات التي حصل عليها “نون بوست” من مصادر خاصة، فتحت الهيئة تحقيقًا في مصادر ثروة وحود وآلية إدارة عدد من مشاريعه الاستثمارية، في ظل شبهات تتعلق بوجود مخالفات ورشاوى وتلاعب ببعض الوثائق الرسمية.
أبرز هذه المشاريع، فندق ومنتجع “جونادا” السياحي في طرطوس، ومشروع “خان سليمان باشا” في دمشق، إلى جانب مشروع سكني يُعرف باسم “ضاحية الفاضل”، فضلًا عن استثمارات واسعة في القطاع العقاري.
كما تشير المصادر إلى أن مشروع “جونادا” كان شراكة بين وحود ورجل الأعمال مساعد رئيس النظام السوري المخلوع يسار إبراهيم، وأنه جرى التلاعب بالعقود لإظهار المشروع على أنه مملوك لوحود وحده، مع الإيحاء بأن إبراهيم كان يحاول ابتزازه أو الاستيلاء على المشروع.
وتضيف المصادر أن هذه الرواية لاقت قبولًا لدى الجهات المعنية، بعدما قُدمت وثائق رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد ومحافظتي دمشق وطرطوس، إلا أن تلك الوثائق نُظمت نتيجة عمليات رشوة، بلغ الحد الأدنى لبعضها نحو 300 ألف دولار، ودُفعت لعدد من المسؤولين.
وتشير المصادر إلى أن الملف، بما يتضمنه من تفاصيل ووثائق مسربة، وصل لاحقًا إلى هيئة مكافحة الكسب غير المشروع، التي أعادت فتح التحقيق في القضية.
ونتيجة لذلك، صدر قرار بالحجز على أموال محمد وحود وزوجته وأبنائه، كما وُضعت مشاريعه واستثماراته تحت إشراف الهيئة إلى حين استكمال الإجراءات القانونية، ويؤكد هذه المعلومة صورة قرار حجز احتياطي صارد عن مديرية الشؤون القانونية في وزارة المالية السورية بتاريخ 8 من حزيران الماضي.
إلا أن مراجعة الوثائق الحصرية ومقاطعتها مع البيانات المتاحة في المصادر المفتوحة أظهرت أن بعض الروايات المتداولة لا يمكن الجزم بها استنادًا إلى الأدلة المتوفرة، فيما كشفت في المقابل معطيات أخرى لم تحظَ باهتمام سابق.
كما تظهر أن مسار المشاريع الاستثمارية لمحمد وحود شهد تغييرات متكررة وغير مفسرة في العقود، والشركاء، وهياكل الملكية والإدارة، وأن الوثائق الرسمية والمصادر المفتوحة تقدم روايات مختلفة لا تنسجم دائمًا مع بعضها.
وفي هذا التقرير، يعيد “نون بوست” تتبع مسار عدد من مشاريع محمد وحود وشركاته، من خلال مقارنة الوثائق المسربة بالسجلات الرسمية والمصادر المفتوحة، لرصد تطور هياكل الملكية والإدارة، والكشف عن التغيرات التي طرأت على أبرز استثماراته، وما إذا كانت تتوافق مع الروايات المتداولة حولها.
محمد وحود وشبكة شركاته
محمد علي وحود رجل أعمال سوري من مواليد بانياس- طرطوس عام 1960، زوجته ندى محمود سيد رصاص من مواليد اللاذقية 1963، وأولاده، علي من مواليد دمشق 1987، وغالية من مواليد دمشق 1991.
وبحسب شهادة تسجيل تاجر بتاريخ 26 كانون الثاني 2025، حصل عليها “نون بوست”، فإن محمد وحود مسجل في السجل التجاري تحت رقم 80786، وغايته تجارة واستيراد وتصدير كافة المواد المسموح بها من قبل الدولة وتمثيل الشركات والوكالات العربية والأجنبية ودخول المناقصات وشراء وتملك الأراضي وإبرام العقود وتسجيل الأسماء التجارية.
وتشير بيانات منصة “من هم“، المتخصصة في توثيق المعلومات المهنية للشخصيات العامة والشركات في العالم العربي، إلى أن وحود يشغل مناصب إدارية ويملك حصصًا في عدد من الشركات العاملة في قطاعات السياحة والتأمين والآليات.
فهو رئيس مجلس إدارة وشريك مؤسس في شركة “انترادوس” للتطوير السياحي في سوريا، يمتلك مليونين و 60 ألف سهم في الشركة، بنسبة 10%، قيمتها عشرة ملايين و300 ألف ليرة سورية.
كما أنه مؤسس ورئيس “مجموعة وحود”، ومدير عام وشريك مؤسس في “مجموعة وحود” وغسان الطويل وشركاؤهم” في سوريا، يمتلك 100 حصة في الشركة، بنسبة 10%، قيمتها مليون ليرة سورية.
وهو شريك مؤسس في شركة “العقيلة للتأمين التكافلي” في سوريا، يمتلك 200 ألف حصة في الشركة، بنسبة 1%، وتبلغ قيمتها 20 مليون ليرة سورية.
وهو شريك مؤسس في شركة “وحود للآليات” في سوريا، ويمتلك ثلاثة آلاف حصة في الشركة، بنسبة 30% وتبلغ قيمتها 3 مليون ليرة سورية.
رجل أعمال مقرب من نظام الأسد
ورد اسم محمد وحود في تقرير بعنوان “شبكة رجال الأعمال لتمويل النظام السوري والتحايل على العقوبات الدولية” صادر عن منظمة “مع العدالة” لعام 2020، وهي منظمة غير ربحية تسعى إلى منع الإفلات من العقاب لمجرمي الحرب في المجتمعات التي تعاني من حروب أهلية أو خرجت للتو منها.
ووفقًا للتقرير، يعمل وحود في المجال الاستثماري والسياحي، وتربطه شراكات خفية مع رجال من النظام السوري على رأسهم اللواء علي حيدر القائد الأسبق للقوات الخاصة، ما أتاح له تنفيذ مشاريع ضخمة لوزارات ومؤسسات حكومية.
انحاز وحود بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011 إلى جانب النظام، إذ قدم خدمات استثمارية كبيرة في دعم مشاريعه، مستفيدًا من شبكات الفساد المنتشرة في وزارات ومؤسسات النظام السوي، وحلّ جميع الشركات التابعة له في بريطانيا خشية تعرضه للعقوبات الأوروبية التي طالت رجال الأعمال المقربين من النظام.
وقال التقرير إن وحّود يرتبط بعلاقة شراكة وطيدة مع رجل الأعمال الكويتي عبد الحميد دشتي في شركة “العقيلة للتأمين التكافلي” وهي نفس الشركة التي كان إيهاب مخلوف نائب رئيس مجلس إدارتها والتي يرأسها حاليًا رجل الأعمال بديع الدروبي.
وشركة “العقيلة للتأمين التكافلي” هي شريكة مؤسسة في شركة “انترادوس للتطوير السياحي”، وتمتلك حصة فيها بنسبة 2%.
ومن بين شبكة الشركات والمشاريع المرتبطة بمحمد وحود، برز مشروع “انترادوس”، الذي عُرف لاحقًا باسم “جونادا”، باعتباره أحد أبرز استثماراته وأكثرها امتدادًا زمنيًا من حيث تغير هيكل الشركات والمستثمرين المرتبطين به.
فمنذ الإعلان عنه عام 2006، مر المشروع بمراحل متعاقبة من الإطلاق والتعثر وإعادة الهيكلة، كما ظهر في الوثائق والمصادر المفتوحة تحت أسماء مختلفة، منها “انترادوس” و”بورتو طرطوس” و”جونادا”، إلى جانب أسماء الشركات المحلية والأجنبية التي تولت تطويره أو امتلكت حصصًا فيه.
وبسبب هذا الامتداد الزمني وتعدد الجهات المرتبطة به، عاد “نون بوست” إلى الوثائق التأسيسية للمشروع والمواد التعريفية الأولى الخاصة به، لفهم كيفية تقديمه عند إطلاقه، وتتبع تطور هيكل الشركات والمستثمرين المرتبطين به عبر السنوات.
وأظهر البحث أن المشروع كان يُسوَّق بوصفه أحد أبرز استثمارات “مجموعة وحود”، ما يجعل التعرف إلى المجموعة وأنشطتها نقطة البداية لفهم مسار المشروع لاحقًا.
“مجموعة وحود”
تقول الشركة بحسب تعريفها عن نفسها، إنها تُعد من كبار المطورين والمستثمرين في عدد من أهم المشاريع في سوريا، ولا سيما في قطاعي السياحة والعقارات.
تأسست عام 1983 في سوريا، ولديها مكاتب في العاصمة اللبنانية، بيروت، والعاصمة الأردنية، عمان، وفي مدينة بريستول بالمملكة المتحدة، كما افتتحت مؤخرًا مكتبًا في الإمارات العربية المتحدة، دبي.
وتضيف أن أنشطتها تتنوع لتشمل مجالات واسعة أبرزها، تسهيل دخول الشركات الدولية إلى منطقة المشرق العربي، كما تتمتع في سوريا، بشبكة علاقات واسعة ومتميزة في كل من القطاعين العام والخاص، ما يتيح لها تحديد الفرص الاستثمارية الحقيقية والأسواق المجدية.
وتتابع تنفيذ العقود الكبرى للشركات التي تمثلها مع عدد من الجهات الحكومية، من بينها: المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية، ومرفأ طرطوس، والمؤسسة العامة للكهرباء، والمؤسسة العامة للاتصالات، والشركة السورية للنفط، ومصفاة بانياس، ووزارة الإسكان، ووزارة السياحة.
وتذكر منصة “من هم” أنها شريكة مؤسسة في “مجموعة وحود وغسان الطويل وشركاؤهم” في سوريا، وتمتلك 400 حصة في الشركة، بنسبة 40%، قيمتها 4 مليون ليرة سورية.
كما أنها شريكة مؤسسة في “شركة غرين لاين للهندسية” في سوريا، وتمتلك 400 حصة في الشركة بنسبة 40%، قيمتها 4 مليون ليرة سورية.
فيما تظهر شهادة تسجيل شركة بتاريخ 26 كانون الثاني 2025، صادرة عن مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في محافظة دمشق أن شركة محمد وحود وحسان الطاهر وشريكتهما مسجلة في السجل التجاري تحت الرقم 14592، تاريخ 28 آذار 2006.
وهي شركة توصية ورأسمالها 30 مليون ليرة سورية ومدتها خمس سنوات تبدأ من 1 كانون الثاني 2022 تجدد باتفاق الشركاء خطيًا، والمؤلفة من محمد وحود بصفة شريك متضامن من الجنسية السورية، وحسان بن عدنان الطاهر بصفة شريك متضامن من الجنسية الفلسطينية، وندى بنت محمود سيد رصاص بصفة شريك موصي من الجنسية السورية (زوجة وحّود).
مشروع “انترادوس”
ويعد مشروع “انترادوس” من أبرز المشاريع التي يعرضها الموقع الرسمي ل”مجموعة وحود”، وفيما يلي التفاصيل الواردة عن نطاقها ومواصفاتها وخطط تنفيذها كما كانت معلنة آنذاك.
وُقعت اتفاقية بين مجلس مدينة طرطوس ومجموعة من الشركات الاستثمارية الخاصة لتطوير مجمع سياحي وتجاري في مدينة طرطوس السورية يحمل اسم “انترادوس”، وهو الاسم الفينيقي القديم لمدينة طرطوس.
أما الشركة المشتركة التي أُسست في سوريا لتنفيذ المشروع فتحمل اسم شركة “انترادوس” للتطوير السياحي، وكان من المقرر حينها أن تتولى شركة “بورتو” (Porto) التابعة لـ”مجموعة عامر” المصرية (Amer Group) تشغيل الجزء الأكبر من المشروع تحت اسم “بورتو طرطوس” (Porto Tartous).
وبحسب ما نشرته “مجموعة وحود” على موقعها الرسمي آنذاك، خُطط للمشروع ليضم فنادق ومنشآت سياحية وتجارية وسكنية، ومارينا لليخوت، ومركزًا تجاريًا، وشققًا سياحية، ومرافق ترفيهية تمتد على امتداد 1.5 كيلومتر من الواجهة البحرية لمدينة طرطوس.
وتكشف وثيقة عقد التأسيس، التي حصل عليها “نون بوست”، أن مشروع “انترادوس” أُسس عام 2006 كشركة مساهمة مغفلة (قطاع مشترك) بين مجلس مدينة طرطوس وعدد من المستثمرين السوريين والأجانب، بغرض إنشاء وتشغيل وإدارة مجمع سياحي متكامل يضم فنادق من فئتي خمس وأربع نجوم، وفندق شقق، ومراكز تجارية، ومكاتب إدارية، ومرفأ لليخوت والزوارق، إلى جانب مرافق ترفيهية ورياضية وحدائق عامة ومسرح مكشوف، على أن تتولى تشغيله شركة فندقية عالمية.
وبحسب العقد، ساهم مجلس مدينة طرطوس بالعقارين رقم 8091 و9347، إضافة إلى حق التصرف بنحو 150 ألف متر مربع من الأملاك العامة البحرية، لتشكل مساهمته العينية ما نسبته 30% من رأس مال الشركة، فيما التزم المستثمرون بتمويل الدراسات وأعمال الإنشاء والتجهيز، بما يعادل 70% من رأس المال.
وحدد العقد رأس مال الشركة بعشرة مليارات و300 مليون ليرة سورية، بما يعادل 200 مليون دولار أميركي آنذاك، موزعًا على 20.6 مليون سهم، قيمة كل سهم 500 ليرة سورية.
كما حدد العقد هيكل المساهمين عند التأسيس، إذ امتلك مجلس مدينة طرطوس 30% من الأسهم، وشركةJunada International Limited البريطانية 25%، وشركة Kerwoud Investment Company Limited البريطانية 25%، وشركة Wahoud Group (UK) Limited 10%، فيما امتلك رجل الأعمال محمد علي وحود 10% من الأسهم.
وتبرز في العقد أيضًا آلية نقل ملكية الأرض المقام عليها المشروع، إذ نص على التزام مجلس مدينة طرطوس بنقل ملكية العقارات إلى الشركة بعد تنفيذ إنشاءات ثابتة تعادل كلفتها 30% من قيمة مساهمة المستثمرين، مع إبقاء إشارة تأمين جبري لصالح وزارة السياحة إلى حين وضع المشروع في الاستثمار.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة عند مقارنتها بالوثائق الحكومية اللاحقة، التي أظهرت أن ملف نقل ملكية الأرض عاد إلى واجهة النقاش بعد تعثر المشروع، ضمن الإجراءات المقترحة لمعالجة وضعه القانوني.
وكانت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك أصدرت القرار رقم “785”، صادقت فيه على النظام الأساسي للشركة، بحسب منصة “من هم“.
وتم تعديل أحكام النظام الأساسي للشركة، وفقًا لأحكام قانون الشركات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم “29” لعام 2011، وأُضيفت كلمة “خاصة” إلى اسم الشركة، وعُدلت قيمة السهم من 500 ليرة سورية لتصبح قيمته 100 ليرة.
كما خُفضت قيمة رأس المال من عشرة مليارات و300 مليون ليرة سورية، لتصبح 103 مليون ليرة، وشمل التعديل زيادة في عدد المساهمين، بإضافة شركتين مؤسستين وأربعة أفراد.
دخول مجموعة “عامر” المصرية
في تشرين الأول 2008، أعلنت “مجموعة وحود”، المطورة للمشروع، إسناد عقد إدارة المنتجع إلى شركة “بورتو مارينا” المصرية التابعة لـ”مجموعة عامر”، على أن تتولى تشغيل الجزء الأكبر من المشروع.
وفي السنوات اللاحقة، بدأ المشروع يُسوَّق تحت اسم “بورتو طرطوس” (Porto Tartous)، وهو ما يتوافق مع ما ورد في الموقع الرسمي لـ”مجموعة وحود”، الذي ذكر أن الجزء الأكبر من المشروع سيُدار بواسطة “بورتو” التابعة لمجموعة عامر تحت هذا الاسم، في إشارة إلى انتقال المشروع من اسم “”انترادوس”” إلى العلامة التجارية “بورتو طرطوس” دون الإشارة إلى تغيير في الشركة المطورة أو المالكة للمشروع.
وتُظهر الأخبار المنشورة خلال عام 2009 انتقال مشروع “انترادوس” إلى مرحلة تنفيذ مكوناته الفندقية، ففي شباط من ذلك العام، أفاد موقع “Emirates 24/7” بأن شركة Greenline Interiors الإماراتية وقّعت عقدًا بقيمة 700 مليون درهم إماراتي مع “مجموعة وحود” لتصميم وتنفيذ أعمال الديكور والتشطيبات الداخلية لثلاثة فنادق فاخرة ضمن المنتجع الجاري تطويره في مدينة طرطوس.
وذكر التقرير أن المشروع تطوره شركة “”انترادوس””، بمشاركة مستثمرين بريطانيين، وأنه يمتد على مساحة تبلغ نحو 1.5 كيلومتر من الأراضي المستصلحة من البحر، فيما أعلنت الشركة الإماراتية لاحقًا افتتاح مكتب لها في سوريا لمتابعة تنفيذ العقد، في مؤشر على انتقال المشروع من مرحلة التخطيط والإنشاء إلى مرحلة تجهيز منشآته الفندقية.
وفي كانون الأول 2010، أعلنت “مجموعة وحود”، المطورة للمشروع، أن فندق بورتو فيليدج (Porto Village Hotel)، الواقع ضمن مشروع “بورتو طرطوس”، سيفتتح أبوابه مطلع عام 2011.
وبعد أقل من شهر، أفادت وكالة رويترز بأن مجموعة عامر، المشغلة للمشروع، بدأت بطرح الوحدات السكنية والسياحية للبيع، ما يشير إلى أن دورها لم يقتصر على إدارة وتشغيل المشروع، بل امتد أيضًا إلى تسويق وحداته ضمن مشروع “بورتو طرطوس”.
إلا أن الشراكة بين شركة “انترادوس” و”مجموعة عامر” لم تستمر، فبعد نحو ست سنوات من بدء التعاون، بدأ نزاع بين الطرفين عام 2014 على خلفية خلافات مالية وفنية مرتبطة بتنفيذ مشروع “بورتو طرطوس”، ما دفع شركة “انترادوس” إلى طلب فسخ العقد والمطالبة بتعويضات بلغت176 مليون دولار.
وانتقل النزاع إلى مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، الذي أصدر حكمًا لصالح “مجموعة عامر”، قبل أن تؤيد المحاكم المصرية لاحقًا أحقيتها في الحصول على تعويضات بلغت 51.68 مليون دولار، وألزمت شركة “انترادوس” بسدادها.
ورغم النزاع القضائي الذي استمر بين شركة “انترادوس” و”مجموعة عامر”، عاد المشروع إلى الواجهة في عام 2019، عندما أعلن وزير السياحة في حكومة النظام السوري آنذاك، محمد رامي مارتيني، إنهاء تعثر أربعة مشاريع سياحية رئيسية، من بينها مشروع “انترادوس” و”ضاحية الفاضل”، وقال إن الوزارة توصلت إلى صيغ فنية وقانونية، مع وضع آلية لمتابعة تنفيذ المشاريع المتوقفة، بما يضمن استكمالها وتنويع المنتج السياحي وزيادة عائدات الدولة.
وأظهرت محاضر اجتماع عُقد في رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 25 كانون الثاني 2018، خُصص لمناقشة المشاريع السياحية المتعثرة في محافظة طرطوس، أن مشروع “انترادوس” ظل بعد نحو عشر سنوات من إطلاقه ضمن قائمة المشاريع التي لم تُستكمل، إلى جانب “ضاحية الفاضل” وفندق “أساس” وفندق “أرواد”.
وبحضور ممثلين عن وزارة السياحة ومحافظة طرطوس والمستثمرين، نوقشت أسباب التعثر والإجراءات المقترحة لمعالجته، قبل أن يُتخذ قرار بنقل ملكية ما تبقى من أرض المشروع إلى مجلس مدينة طرطوس، استنادًا إلى المادة 33 من القانون رقم 65، على أن يتحمل المستثمر التبعات القانونية المترتبة على ذلك، وهو ما وافق عليه رئيس مجلس إدارة شركة “انترادوس” محمد علي وحود خلال الاجتماع.
وتكشف هذه المحاضر أن وحود بقي حتى ذلك الوقت يمثل الشركة رسميًا في المفاوضات مع الجهات الحكومية، كما تشير إلى أن الدولة كانت تعيد ترتيب الوضع القانوني للمشروع بعد سنوات من التعثر، في وقت اعتمدت فيه، بالنسبة لمشاريع متعثرة أخرى مثل “ضاحية الفاضل”، خيار إعداد ملاحق جديدة للعقود وإعادة التوازن المالي والبرنامج الزمني، بدل إنهاء تلك الاستثمارات.
وفي السياق نفسه، تظهر تقارير محلية نشرت عام 2019 أن اللجنة المكلفة بمعالجة المشاريع المتعثرة اقترحت رفع توصية للحكومة تقضي بنقل الملكية إلى مجلس مدينة طرطوس، على أن يعاد نقلها لاحقًا إلى الشركة “حسب الأصول”.
إلا أن الوثائق التي اطلع عليها “نون بوست” لا توضح ما إذا كان هذا المقترح نُفذ بالفعل، ولا الآلية القانونية التي اعتمدت في حال تنفيذه، خاصة أن المشروع مقام على أملاك بحرية عامة تخضع لأحكام القانون رقم 65 لعام 2001.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأنها سبقت مباشرة إعادة ترتيب هيكل ملكية المشروع، ففي عام 2020 تأسست شركة “سواري” للاستثمارات السياحية كشركة محدودة المسؤولية برأسمال خمسة ملايين ليرة سورية، يملكها مناصفة علي نجيب إبراهيم ورامز علي زيود، ويتركز نشاطها في الاستثمار والتشغيل السياحي والفندقي، بحسب نظامها الأساسي وبيانات منصة “من هم”.
وفي الفترة نفسها، كشفت إفصاحات منشورة في بورصة الكويت أن شركة “مراكز التجارة العقارية” تلقت عرضًا من شركة “انترادوس” لشراء حصتها البالغة 10% من المشروع مقابل 21 مليون دولار، في مؤشر على وجود تحركات لإعادة ترتيب هيكل المساهمين بعد سنوات من التعثر والنزاعات.
محضر اجتماع الهيئة
وتُظهر أحدث وثيقة اطلع عليها “نون بوست”، وهي محضر اجتماع الهيئة العامة العادية لشركة “انترادوس” للتطوير السياحي المنعقد بتاريخ 22 أيلول 2024، أن عملية إعادة الهيكلة انعكست على تركيبة المساهمين.
فإلى جانب احتفاظ مجلس مدينة طرطوس بحصته البالغة 30%، بقيت شركات Junada International Limited وKerwoud Investment Company Limited وWahoud Group (UK) Limited، إضافة إلى محمد علي وحود، ضمن قائمة المساهمين، بينما ظهرت شركة “سواري” للاستثمارات السياحية مساهمًا جديدًا يمتلك 10.95% من أسهم الشركة.
لماذا دخلت سواري إلى مشروع متعثر؟
تأسست شركة سواري للاستثمارات السياحية في 8 حزيران 2020، كشركة محدودة المسؤولية برأسمال خمسة ملايين ليرة سورية، وبحسب منصة “من هم”، يتركز نشاطها في استثمار وتملك وتشغيل المنشآت السياحية والفندقية وإدارة المجمعات السياحية، وصادقت وزارة التجارة الداخلية على نظامها الأساسي بموجب القرار رقم 1355.
ويأتي دخول سواري في مرحلة كان فيها مشروع “انترادوس” يمر بعملية إعادة ترتيب بعد سنوات من التعثر والنزاعات القضائية، لفتح هذه المعطيات عدة احتمالات، من بينها أن تكون سواري قد دخلت لشراء حصة أحد المساهمين المنسحبين، أو كجزء من إعادة هيكلة الشركة واستقطاب مستثمر جديد للمساهمة في استمرار المشروع، أو في إطار نقل نفوذ إلى شخصيات مقربة من القصر الجمهوري.
إلا أن الوثائق التي اطلع عليها “نون بوست” لا تحسم أيًا من هذه الاحتمالات، إذ لم يتسنَّ الحصول على مستندات توضح آلية انتقال الأسهم إلى “سواري” أو أسباب دخولها إلى هيكل المساهمين.
لكن تقارير إخبارية تنسب ملكية “سواري” الفعلية إلى رجل الأعمال أحمد خليل وتربط بين الشركة وما كان يعرف بـ”ذراع الغروب” في القطاع السياحي، وهي شبكة شركات يُشرف عليها يسار إبراهيم وأحمد خليل، وهو ما يرجح فرضية إشراك شخصيات مقربة من النظام السوري في الشركة.
وفي المقابل، تكشف مراجعة السجل التجاري البريطاني (Companies House) مفارقة أخرى، إذ تظهر الشركات البريطانية الثلاث المدرجة ضمن قائمة مساهمي شركة “انترادوس” في محضر اجتماع عام 2024 بحالة “منحلة” (Dissolved).
كما تُظهر السجلات ارتباط محمد علي وحود بهذه الشركات، إذ شغل مناصب إدارية فيها، بينما كانت زوجته ندى سيد رصاص مديرًا في شركة Kerwoud Investment Company Limited.
ويطرح استمرار إدراج هذه الشركات كمساهمين في الوثائق السورية، رغم حلها في بريطانيا، تساؤلات حول ما إذا كانت ملكية الأسهم قد انتقلت إلى جهات أخرى دون أن ينعكس ذلك في الوثائق التي اطلع عليها “نون بوست”، أو ما إذا كان لذلك تفسير قانوني أو إجرائي آخر لم يتسنَّ التحقق منه.
وتؤكد نتائج البحث في المصادر المفتوحة أن هوية المشروع الاستثمارية لم تكن مستقرة، فالموقع الإلكتروني الرسمي لشركة “انترادوس”، والمُدرج سابقًا على موقع “مجموعة وحود”، لا يعمل، في حين عثر “نون بوست” على موقعين مختلفين لمنتجع “جونادا” يقدمان روايتين مختلفتين عن الجهة المشغلة للمشروع.
ويُعرّف الموقع الأول المنتجع بأنه يقع ضمن مشروع “انترادوس”، الذي تصفه الصفحة بأنه أكبر مشروع سياحي على الساحل السوري، وأحد أبرز استثمارات “مجموعة وحود”، ويمتد على طول 1.5 كيلومتر بمحاذاة كورنيش طرطوس، ويضم مكونات سكنية وتجارية وسياحية ضمن مخطط عمراني متكامل.
في المقابل، يُظهر الموقع الإلكتروني الآخر أن المنتجع يتبع مجموعة All Seasons، دون الإشارة إلى مشروع “انترادوس” أو “مجموعة وحود”، وهي نفس الشركة التي أعلنت وزارة السياحة السورية توقيع عقد معها في حزيران 2025، لاستثمارالمنتجع، وذلك بحسب الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).
وأكدت الوزارة حينها أن الشركة الجديدة ستتولى إدارة المنتجع وتطوير خدماته، فيما أوضح مدير عام الشركة، رامي الرحمون، أن العمل في المنتجع مستمر، وأن الإدارة الجديدة بدأت بإجراء تعديلات تمهيدًا لإعادة افتتاحه.
إلا أن هوية الشركة تثير تساؤلات، فبينما تصفها بعض التقارير الإعلامية بأنها شركة تركية، وتصفها تقارير أخرى بأنها شركة سورية، لم يعثر “نون بوست” على شركة مسجلة باسم All Seasons في السجل التجاري التركي، فيما يظهر الموقع الرسمي لرامي الرحمون شركة All Seasons Hotel GmbH المسجلة في النمسا، ويعرّفها بأنها شركة متخصصة في شراء العقارات وتطويرها وإعادة بيعها، وتمتلك أصولًا عقارية في مدينتي فيينا وكابرون.
ورامي الرحمون، رجل أعمال سوري يقيم في أوروبا منذ أكثر من عشرين عامًا، ينشط في مجال التطوير العقاري وإدارة العقارات السياحية، يمتلك ويدير سلسلة من الشركات والعقارات في النمسا، إلى جانب شركات أخرى في هنغاريا، ويركز نشاطه على شراء العقارات وتطويرها وإعادة استثمارها، ولا سيما في القطاع الفندقي والسياحي.
خان سليمان باشا
ولم يكن مشروع “انترادوس” الوحيد الذي أحاطت به تساؤلات ووثائق متضاربة، إذ تكشف الوثائق التي حصل عليها “نون بوست” أن مشروع خان سليمان باشا شهد بدوره تغيرات في عقود الاستثمار وهوية الشركاء، ما يفتح الباب أمام تتبع مساره منذ توقيع العقد وحتى التعديلات اللاحقة.
عرض الموقع الرسمي ل”مجموعة وحود” مشروع خان سليمان باشا باعتباره أحد مشروعاتها الفندقية في دمشق، ويقضي بإعادة تأهيل الخان التاريخي الواقع في المدينة القديمة واستثماره وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (B.O.T.) لمدة 25 عامًا، تسبقها سنتان لأعمال الترميم، على أن يضم بعد إنجازه 30 غرفة وجناحًا مخصصًا للسياحة الفاخرة.
وتتطابق هذه المعلومات مع صورة عقد الاستثمار الذي حصل عليه “نون بوست”، والصادر عن محافظة دمشق بتاريخ 22 آذار 2007، والذي ينص على إبرام عقد الاستثمار بين محافظة دمشق من جهة، و”مجموعة وحود” ممثلة بمحمد علي وحود، وشركة “نسكو” السعودية ممثلة بالمهندس علي حسن صالح الحامدي من جهة أخرى، بالتكافل والتضامن.
وحدد العقد الحد الأدنى لقيمة أعمال الدراسة والتنفيذ والإنشاء والتجهيز بـ160 مليون ليرة سورية، فيما نص على أن تحصل محافظة دمشق على بدل استثمار سنوي يعادل 19% من إجمالي إيرادات التشغيل، أو الحد الأدنى الوارد في دراسة الجدوى الاقتصادية، أيهما أكبر، مع تحديد مدة الاستثمار بـ 25 عامًا تبدأ بعد انتهاء أعمال الترميم والتجهيز خلال مدة أقصاها 730 يومًا.
الملحق يغير بنود العقد
إلا أن صورة طبق الأصل من الملحق الأول للعقد، المحررة بتاريخ 24 أيار 2022، تُظهر أن الاتفاق خضع لتعديلات جوهرية بعد نحو خمسة عشر عامًا من توقيعه.
فبينما كان العقد الأصلي مبرمًا بين محافظة دمشق من جهة، و”مجموعة وحود” وشركة “نسكو” السعودية من جهة أخرى، اقتصر الملحق على “مجموعة وحود” ممثلة بمحمد وحود، دون أي إشارة إلى شركة “نسكو” أو إلى الأساس القانوني لخروجها من العلاقة التعاقدية.
كما وسّع الملحق مدة الاستثمار من 25 عامًا إلى 30 عامًا، ورفع بدل الاستثمار السنوي المستحق لمحافظة دمشق من 19% إلى 20% من إجمالي الإيرادات، مع تحديد حد أدنى سنوي يبلغ 275 مليون ليرة سورية، يزداد بنسبة 5% كل ثلاث سنوات.
ولم يعثر “نون بوست” على أي وثيقة تبيّن سبب خروج شركة “نسكو” من العقد، أو ما إذا كان ذلك قد تم بموجب تنازل عن الحقوق، أو نقل للحصص، أو اتفاق جديد بين الأطراف، رغم أنها كانت طرفًا أصيلًا في عقد الاستثمار الموقع عام 2007.
ويكتسب غياب اسم شركة “نسكو” من الملحق أهمية خاصة، لأن البحث في المصادر المفتوحة يُظهر أنها لم تكن شريكًا ثانويًا في المشروع، بل كانت جزءًا من تحالف استثماري أوسع دخل السوق السورية في تلك الفترة، وكان الفرع المصري للمجموعة Egypt for Tourism Investment هو الجهة المشاركة في تنفيذ المشاريع داخل سوريا.
فبحسب تقرير صادرعنByblos Bank في 26 نيسان 2007، كانت “مجموعة وحود” تطور مشروع Kempinski Damascus بالشراكة مع مجموعة “نسكو” السعودية، ضمن موجة الاستثمارات الخليجية في القطاع السياحي السوري آنذاك.
كما أشار تقرير أعده جهاد يازجي لصالح The Syria Report، وأعادت صحيفة L’Orient-Le Jour نشره، إلى أن وزارة السياحة السورية اختارت العرض المشترك المقدم من مجموعة “نسكو” السعودية وسلسلة فنادق “كمبينسكي” لتطوير وإدارة ثلاثة مشاريع فندقية في دمشق، عقب ملتقيي سوق الاستثمار السياحي لعامي 2006 و2007، قبل أن تُوقَّع عقود الإدارة بين الأطراف.
وذكر التقرير أن “مجموعة وحود” كانت شريكًا لكل من “نسكو” و”كمبينسكي” في أول مشروعين، هما خان سليمان باشا و”كمبينسكي” دمشق، فيما قُدرت قيمة الاستثمار في مشروع خان سليمان باشا بنحو 3.5 ملايين دولار أميركي، مقابل نحو 22 مليون دولار لمشروع كمبينسكي دمشق.
إلا أن مسار هذه الشراكة لم يخلُ من الخلافات، فبحسب تقرير نشرتهHotelier Middle East عام 2010، أعلنت مجموعة “كمبينسكي” أن اتفاق إدارة عدد من الفنادق، من بينها مشاريعها في دمشق، انتهى “بالتراضي” مع المالكين الذين قرروا اتباع مسار استثماري مختلف.
في المقابل، نفت شركة “نسكو” وجود أي إنهاء للعقود، وأكدت أن جميع الاتفاقيات “ما تزال سارية المفعول”، ووصفت تصريحات كمبينسكي بأنها “مبكرة وبعيدة عن الحقيقة”.
ويكشف هذا التباين في مواقف الطرفين أن وضع العلاقة التعاقدية بين الشركاء لم يكن محل اتفاق حتى في ذلك الوقت، بينما لم يعثر “نون بوست” على أي وثيقة توضح ما إذا كانت “نسكو” قد انسحبت لاحقًا من المشروع، أو نقلت حقوقها إلى طرف آخر، أو خرجت بموجب تسوية تعاقدية.
وفي ظل غياب مثل هذه الوثائق، يبقى اختفاء اسم الشركة من الملحق الموقع عام 2022 تحولًا لا تفسره الوثائق المتاحة، رغم حضورها كشريك أصيل في عقد الاستثمار الموقع عام 2007.
وفي كانون الثاني الماضي، أعلنت وزارة السياحة افتتاح خان سليمان باشا بعد انتهاء أعمال ترميمه، مؤكدة أن ملكية المبنى تعود إلى محافظة دمشق، وأن تطويره تم بالشراكة مع “مجموعة وحود”.
مشروع “كونكورد طرطوس”
وبالعودة من دمشق إلى طرطوس، تكشف وثيقة استثمار أخرى حصل عليها “نون بوست” تفاصيل مشروع ضاحية الفاضل، الذي ظهر خلال السنوات اللاحقة أيضًا تحت اسم “كونكورد طرطوس” ما يتيح تتبع مساره منذ توقيع العقد وحتى تعثره.
يكشف عقد استثمار موقع “ضاحية الفاضل” رقم (84)، الموقع بتاريخ 23 تموز 2007، والذي حصل عليه “نون بوست”، أن محافظة طرطوس أبرمت عقد استثمار مع “مجموعة وحود” وشركة “كونكورد وحود”، ممثلتين بمحمد علي وحود، لتنفيذ مشروع سياحي على الواجهة البحرية الجنوبية للمدينة بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)
وتحدد الوثيقة قيمة الاستثمار بنحو 172 مليون دولار أميركي، على أن تنجز أعمال التنفيذ خلال مدة لا تتجاوز 42 شهرًا، مقابل حصول محافظة طرطوس على بدل استثمار سنوي يعادل 10% من إجمالي إيرادات التشغيل، وبحد أدنى يبلغ 66.5 مليون ليرة سورية سنويًا.
وتتطابق هذه البيانات إلى حد كبير مع المشروع الذي عرضته “مجموعة وحود” على موقعها الرسمي تحت اسم Concorde Tartous Resort، والذي قالت إنه ينفذ بالشراكة مع شركة Concorde Dubai الإماراتية، ويتضمن إنشاء فندق خمس نجوم يضم 250 غرفة، إلى جانب ألف شقة سياحية ومرافق ترفيهية، بكلفة تقديرية تبلغ 175 مليون دولار أميركي، وعلى مساحة تقارب 225 ألف متر مربع، على أن يستثمر لمدة 45 عامًا.
كما تعرض شركة “تالا للاستشارات الهندسية وإدارة المشاريع“ المشروع ضمن سجل أعمالها تحت اسم منتجع وفندق كونكورد – طرطوس، وتذكر أن مالكه محافظة طرطوس، بينما تتولى “مجموعة وحود” تطويره.
وتشير تقارير اقتصادية نُشرت في الفترة نفسها إلى أن المشروع كان يُعرف أيضًا باسم “ضاحية الفاضل” (Al Fadel Resort)، إذ استخدمت بعض المصادر الاسمين بالتبادل للإشارة إلى المشروع نفسه، وهو ما يتقاطع مع البيانات الواردة في العقد ووثائق “مجموعة وحود”.
ويؤكد تقرير نشره موقع “الاقتصادي” عام 2012 هذا التقاطع، إذ أشار إلى أن مشروع “ضاحية الفاضل” “كونكورد” بدأ تنفيذه عام 2008، بقيمة تعاقدية بلغت نحو176 مليون دولار، وبمدة تنفيذ تعاقدية قدرها 45 شهرًا.
إلا أن مجلس مدينة طرطوس أوضح حينها أنه وجّه عدة كتب إلى الشركة المستثمرة لاستكمال النواقص في المخططات التنفيذية الخاصة بالقسم الشرقي من المشروع، وتقديم مخططات القسم الغربي، دون استجابة، ما دفعه إلى مخاطبة مديرية السياحة لتشكيل لجنة مشتركة لدراسة أسباب التأخير واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بشأن العقد.
وتظهر هذه المعطيات أن المشروع لم يقتصر على مرحلة الإعلان والتسويق، بل دخل بالفعل مرحلة التنفيذ قبل أن يواجه تعثرًا دفع الجهات الرسمية إلى البدء بإجراءات قانونية بحق المستثمر، وهو مسار يتشابه مع ما شهدته مشاريع استثمارية أخرى نفذتها “مجموعة وحود” خلال الفترة نفسها.
وبين العقود الأصلية وملاحقها، والوثائق الرسمية والسجلات التجارية، والمصادر المفتوحة، يتبين أن عددًا من أبرز المشاريع المرتبطة بمحمد وحود شهد خلال السنوات الماضية تغيرات متكررة في أسماء المشاريع، والشركات الشريكة، وهياكل الملكية والإدارة، دون أن توضح الوثائق المتاحة دائمًا الأساس القانوني أو التسلسل الزمني الكامل لهذه التحولات.
ورغم أن الوثائق الحصرية لا تحسم جميع الروايات المتداولة حول هذه المشاريع، فإنها تكشف فجوات تستدعي التحقق، سواء فيما يتعلق بتغير أطراف بعض العقود، أو بإعادة هيكلة الشركات، أو باستمرار ورود أسماء كيانات لم تعد قائمة في بعض السجلات، أو بانتقال إدارة مشاريع بين جهات مختلفة عبر السنوات.
وفي وقت تواصل فيه هيئة مكافحة الكسب غير المشروع تحقيقاتها بشأن ثروة محمد وحود وعدد من استثماراته، تبقى الإجابة عن كثير من هذه الأسئلة رهن ما قد تكشفه التحقيقات الرسمية، بينما توثق هذه المستندات جانبًا من المسار الذي مرت به مشاريع شكّلت لسنوات جزءًا من أبرز الاستثمارات السياحية في سوريا.