• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

من المضائق إلى غزة.. هل تغيّر الشرق الأوسط في عقيدة الناتو؟

مصطفى الخضري٧ يوليو ٢٠٢٦

في العشرين من فبراير/شباط 1952، انضمت تركيا واليونان رسميًا إلى حلف الناتو في اجتماع لشبونة. كان ذلك امتدادًا لموجة التوسع التي شهدها الحلف منذ تأسيسه. ويصف الناتو، على موقعه الرسمي، هذا الانضمام بأنه سعي إلى توسيع مسؤولية الحلف لتشمل كامل حوض المتوسط والبحر الأسود، وهو ما تُرجم عسكريًا بإنشاء قيادة القوات البرية في جنوب شرق أوروبا بمدينة إزمير في العام نفسه، بمسؤولية تمتد من القوقاز حتى سواحل اليونان غربًا.

لم يكن العنصر الأهم في هذه المعادلة الحدود البرية بقدر ما كان المضائق، فبموجب اتفاقية مونترو الموقعة عام 1936، امتلكت تركيا صلاحية تقييد مرور السفن الحربية عبر البوسفور والدردنيل في زمن الحرب، أو عند شعورها بخطر حرب وشيك.

ومكّنت هذه الصلاحية تركيا، بعد انضمامها إلى الناتو، من أن تكون حارسًا فعليًا قادرًا على احتجاز أسطول البحر الأسود السوفييتي داخل مياهه في حال اندلاع صراع شامل، وهو الدور الذي تأسست عليه استراتيجية “الجناح الجنوبي Southern Flank” طيلة زمن الحرب الباردة.

وحين انهار الاتحاد السوفييتي، فقد الجناح الجنوبي وظيفته الأصلية في احتواء موسكو، وبدأ الحلف يعيد تعريف علاقته بجواره الجنوبي عبر أطر تعاون لا تشترط العضوية. ففي ديسمبر/كانون الأول 1994، أطلق الناتو “مبادرة الحوار المتوسطي”، التي ضمت دولًا مثل مصر وموريتانيا والمغرب وتونس، إلى جانب الكيان الصهيوني، ثم انضمت إليها الأردن والجزائر لاحقًا.

وفي قمة إسطنبول عام 2004، أطلق الحلف “مبادرة إسطنبول للتعاون”، التي استهدفت توسيع التعاون مع دول الخليج، وانضم إليها كل من البحرين والكويت وقطر والإمارات، بينما اختارت عُمان والسعودية المشاركة في أنشطة بعينها.

هل كانت تلك المبادرات “جعجعة بلا طحين”؟ هذا ما يذهب إليه الباحث في مؤسسة كارنيغي جان لوب سمعان؛ فوفقًا لمقالته “حدود التعاون العسكري بين الناتو والشرق الأوسط”، ظلت هذه الأطر محدودة الطموح عمليًا، وبقيت إنجازاتها أقل بكثير من أهدافها المعلنة.

فمثلًا، لا يتجاوز عدد المستشارين في بعثة الناتو بالعراق نحو 500 عنصر، بينما اقتصر حضور الحلف في الكويت على ممثلين اثنين فقط من المقر الرئيسي في بروكسل. وتعتمد معظم أنشطة التدريب التي يقدمها الناتو في المنطقة على فرق متنقلة، مرسلة من الولايات المتحدة وأوروبا، لا على كيانات ثابتة، حتى إن أحد المسؤولين الأمنيين الكويتيين وصف الشراكة لسمعان بأنها “شراكة بلا هدف”.

في ظل متغيرات إقليمية عدة، ستشهد أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026 القمة السادسة والثلاثين للناتو، والثانية التي تستضيفها تركيا بعد قمة إسطنبول عام 2004. ستكون موضوعات كثيرة على طاولة النقاش، لكن ما ستطرحه تلك القمة سؤال قديم يتجدد مع اشتعال كل أزمة في جوار الناتو، أين تنتهي حدود “الجنوب Southern” في القاموس الاستراتيجي للحلف؟ وهل بات هذا الجنوب يشمل دمشق وبغداد وبيروت وغزة والخليج كمناطق رئيسية لأمن الحلف، أم يتوقف عند سواحل المتوسط الشمالية؟ ولماذا يهم هذا الأمر المواطن العربي؟

إذا حاولنا الإجابة عن هذا السؤال في السطور الآتية، فإن أول ما نعد القارئ به أن مفهوم الجنوب في استراتيجية الناتو لم يكن ثابتًا يومًا، فقد تحوّل جذريًا أكثر من مرة عبر العقود، وربما يخوض الآن مرحلة تحول جديدة ما زالت ملامحها قيد التشكل، كما سنعرض في هذه المقالة.

البداية الجديدة لكل شيء.. غزو أوكرانيا

مع الغزو الروسي لأوكرانيا، اعتمد قادة الحلف في قمة مدريد 2022 مفهومًا استراتيجيًا جديدًا، نصت فقرته الحادية عشرة صراحة على أن الصراعات والهشاشة في أفريقيا والشرق الأوسط تمس أمن الحلف وشركائه مباشرة، وأن “الجوار الجنوبي Southern Neighbourhood” بحسب تعبير الوثيقة، يشمل تحديدًا الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل.

في أعقاب ذلك، أكد بيان قمة فيلنيوس 2023 هذا التعريف، بينما اعتمد قادة الحلف في قمة واشنطن 2024 ما يُعرف بـ “خطة عمل الجوار الجنوبي Southern Neighbourhood Action Plan”. ورافق ذلك تعيين الدبلوماسي الإسباني خافيير كولومينا في يوليو/تموز 2024 ممثلًا خاصًا للأمين العام لشؤون الجوار الجنوبي، واُفتتح مكتب اتصال للناتو في عمّان، الأردن، كأول محطة مؤسسية من نوعها في المنطقة، وهو الأمر الذي أثار كثيرًا من الغضب في الأوساط العربية.

وفي ناحية أخرى، كان فريق خبراء مستقل، كلفه الناتو، قد أعد تقريرًا نشرته الأمانة العامة في مايو/أيار 2024، لم يكتف بتوصيف التهديدات القادمة من الجوار الجنوبي، بل استحدث مصطلح “الجوارات الجنوبية Southern Neighbourhoods” بصيغة الجمع، للتعبير عن تنوع المنطقة الممتدة من غرب إفريقيا إلى الخليج، بدل النظر إليها ككتلة واحدة متجانسة.

قمة فيلنيوس 2023

هناك محطة أخرى فرضت الجوار الجنوبي كمسألة مُلحة على الحلف، ففي أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، وفقدان روسيا قاعدتها البحرية في طرطوس، حثت موسكو الخطى نحو ليبيا، عبر مفاوضات مع حكومة الشرق للحصول على قاعدة بحرية في درنة، وهو تطور تابعته دوائر الحلف عن كثب، كما ذكر أحد تقارير “منتدى الخليج الدولي للأبحاث”.

لكن، مفارقة لافتة حدثت فيما بعد، سجلها المجلس الأطلسي، في تحليل آخر تحت عنوان “النقطة العمياء للناتو في البحر الأبيض المتوسط التي تعرض أمن الحلف للخطر” أن “رغم كل هذا الحديث عن الجنوب، لم تتم دعوة أي دولة من شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط لحضور قمة لاهاي عام 2025، بخلاف ما جرت عليه العادة مع شركاء الحلف في أوروبا الشرقية أو المحيط الهادئ”.

لكن في مكان آخر، جمع خافيير كولومينا 90 مشاركًا من دول الحلف والشركاء في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، في أول حوار أمني للجوار الجنوبي في مدينة نابولي الإيطالية، وهو المقر ذاته الذي يستضيف منذ 2017 “مركز نابولي لتوجيه الاستقرار جنوبًا” التابع للقيادة المشتركة للحلف.

كان الناتو في الأعوام الأخيرة يتلمس مقاربته للجوار الجنوبي بتردد. ومع انعقاد قمة أنقرة هذا العام وسط ظرف إقليمي شديد التعقيد، بدا مرجحًا أن يحضر هذا الملف ضمن أولويات القمة. فقد تكرس الحضور الجنوبي في الأشهر الأخيرة عبر وقائع ملموسة؛ ففي مارس/آذار 2026، اعترضت منظومات دفاع جوي تابعة للناتو عدة صواريخ باليستية داخل الأجواء التركية خلال الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ما دفع الحلف إلى نشر منظومة باتريوت إضافية في مدينة أضنة.

لكن خبرًا أعلنته القناة التركية الرسمية مؤخرًا، عن قرار هيئات الناتو سحب بعثة تدريب الحلف من بغداد على خلفية التطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة، أعاد إبراز مفارقة علاقة الحلف بجواره الجنوبي. فقد عكس ذلك القرار أن تفاعل الناتو مع الجنوب ليس خطًا صاعدًا دائمًا، بل مسار متقلب تحكمه الظروف الميدانية، ما يعني أنه ما زال يفتقد سياسة واضحة وبوصلة ثابتة.

وإذا أردنا البحث عن سبب هذا الارتباك في سياسة الحلف تجاه الجوار الجنوبي، فعلينا النظر إلى مفهوم الجنوب في ضوء مصالح الدول الأعضاء، لا وفق ما تعرضه الوثائق الأمنية والتقارير الصادرة عن الحلف فقط. وهنا نحتاج إلى العودة بالزمن قليلًا.

الأزمة في مفهوم الجنوب.. نظرة تركيا ونظرة الآخرين

ما يجعل الخلاف على مفهوم الجنوب مسألة معقدة بين الدول الأعضاء أن شرق المتوسط كان دائمًا ساحة احتكاك بين أعضاء الحلف أنفسهم، فوق كونه ساحة تهديد خارجي، فمنذ اكتشاف احتياطيات ضخمة من الغاز قبالة سواحل قبرص وإسرائيل ولبنان ومصر، تصاعدت المنافسة على ترسيم الحدود البحرية بين تركيا من جهة، واليونان وقبرص من جهة أخرى.

وقد وثّق المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية كيف بلغ التوتر ذروته في صيف 2020، حين وجّهت سفينة حربية تركية رادار استهداف نحو الفرقاطة الفرنسية “كوربيه”، في حادثة دفعت باريس إلى الانسحاب مؤقتًا من عملية “الحارس البحري” التابعة للناتو في المتوسط، احتجاجًا على ما اعتبرته تقاعسًا من الحلفاء عن إدانة الحادثة.

وتؤمن تركيا بعقيدة “الوطن الأزرق”، التي تشير إلى حقوقها في مياه المتوسط وثرواته، وهو ما يقسم دول الناتو في التعامل مع أنقرة إلى معسكرين: معسكر متشدد، تقوده فرنسا واليونان وقبرص، ويدعو إلى العقوبات، وآخر توفيقي، تقوده إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، ويفضل الوساطة.

ويكشف هذا الانقسام تشظيًا في سياسة الحلف تجاه أنقرة، ويجعل أي حديث عن توسيع الجناح الجنوبي ليشمل شرق المتوسط غير منفصل عن معضلة داخلية صرفة في الحلف نفسه، بقدر ما يرتبط بمواجهة موحدة ضد طرف خارجي.

الدور المركزي الذي لعبته تركيا طويلًا في الجناح الجنوبي، ثم في الجوار الجنوبي، جعل الاتفاق على نظرتها إلى الجنوب النقطة الأكثر حساسية في إقرار سياسة عمل للحلف تجاه هذا الملف، فمنذ استضافتها قمة إسطنبول عام 2004، التي أطلقت مبادرة الخليج، دأبت تركيا على تقديم نفسها جسرًا بين الحلف وجواره الجنوبي.

ويرى بعض المحللين الأتراك أن استضافة قمة أنقرة ستمنح هذا الدور زخمًا جديدًا. فبحسب ما نقلته إحدى الصحف التركية عن ضباط متقاعدين شاركوا سابقًا في هيئات الناتو، ستكون ملفات سوريا والعراق وإيران والبحر الأبيض المتوسط حاضرة حتمًا على طاولة القمة، في دليل على أن تركيا أثبتت نضجها في التعامل مع التحولات الجذرية في إفريقيا والشرق الأوسط.

وهذا النضج المقصود جعل تركيا من الحلفاء الكبار القلائل القادرين على قراءة تهديدات الناتو الممتدة على جناحين؛ من الشرق، عبر البحر الأسود ونظام مونترو، ومن الجنوب، عبر سوريا والعراق وشرق المتوسط. وبذلك ستمتلك تركيا ثقلًا خاصًا في صياغة ما يُوصف بمرحلة “الناتو 3.0”، التي ستتحمل فيها دول الحلف الأوروبية مسؤولية أكبر في الدفاع عن الأمن الأوروبي، في ظل تراجع كبير وواضح للالتزام الأمريكي.

مع ذلك، لا تحظى تركيا بإجماع أطلسي لأسباب بنيوية لا ظرفية، فقد بيّنت إحدى دراسات المركز الألماني للدراسات الأمنية والسياسية الدولية، تحت عنوان “دور الناتو في دفاع أوروبا”، أن أعضاء حلف الناتو يختلفون في تحديد ماهية الجنوب، الذي يمتد، بحسب الدراسة، من موريتانيا إلى أفغانستان. كما لا يوجد تعريف مشترك للإرهاب ذاته؛ إذ تركز تركيا على التنظيمات الكردية، بينما تنظر إيطاليا وإسبانيا صوب تنظيم داعش، وتفضل فرنسا الاكتفاء برفع الوعي بالتهديد من دون التزام الحلف بدور فاعل.

من ناحية أخرى، أشار جان لوب سمعان، المذكور آنفًا، إلى أن أنقرة سبق أن عرقلت أنشطة للناتو في المنطقة لا تنسجم مع مقاربتها الخاصة، مثل التعاون مع إسرائيل أو مصر، وهو ما يكشف أن توسيع الجناح جنوبًا ليس بالضرورة مرادفًا لتوحيد الرؤية حياله.

ومن وجهة نظر تركية معارضة، ترى أصوات أن العضوية الأطلسية باتت مدرّة للتبعية أكثر مما تنتج الأمن المطلوب لتركيا؛ فـ”الوطن الأزرق” في شرق المتوسط، والتنظيمات المسلحة شمال سوريا والعراق، والمعادلة الجيوسياسية الجديدة المرتبطة بإسرائيل، أولويات أمنية تركية لا تتطابق بالضرورة مع أولوية الناتو المتمثلة في احتواء روسيا.

وفي خلفية ذلك الصراع الأوراسي، تؤكد استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 أن واشنطن ستكون واضحة مع حلفائها الأوروبيين بأن جهودهم ومواردهم ينبغي أن تتركز على أوروبا، في إشارة إلى أن إدارة ترامب لا ترى أولوية لانخراط الحلف جنوبًا، في ظل تركيزها المتزايد على منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وهذا الخلاف المفاهيمي، بما يعكسه من تضارب في المصالح الجيوستراتيجية بين الدول الأعضاء، يجعل الجوار الجنوبي مجرد حبر على ورق حتى الآن.

ويوضح تقرير مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، “قمة أنقرة وجوار الناتو الجنوبي”، مفارقة الجوار الجنوبي بالنسبة إلى الحلف؛ إذ يشير إلى أن استضافة تركيا للقمة، إلى جانب التصعيد المرتبط بإيران واستمرار الاضطراب في غزة ولبنان، ساهما في إبقاء ملف “الجوار الجنوبي” حاضرًا بقوة على الأجندة. وانعكس ذلك بوضوح في اجتماع وزراء خارجية الحلف بمدينة هلسينغبورغ السويدية يومي 21 و22 مايو/أيار 2026، وفي مشاورات عُقدت كذلك في إسطنبول في فبراير/شباط 2026.

لكن التقرير ذاته حذر من المبالغة في التوقعات، معتبرًا أن أي “إعادة توجيه استراتيجية شاملة” للحلف نحو الجنوب تبقى أمرًا مستبعدًا في المدى المنظور.

لذلك يعلق مدير الحوار متعدد الجنسيات لسياسات التنمية في بروكسل، أولاف فينتسك، قائلًا إن “التركيز على خطة العمل المشتركة لمنطقة الجوار الجنوبي يعكس نقاشات أوسع داخل الحلف بشأن الأهمية الاستراتيجية لهذا الجوار، والدور الذي يجب أن يضطلع به الناتو في المنطقة. فبينما يُدرك الحلفاء، على نحو متزايد، أن التطورات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل لها تداعيات مباشرة على أمنهم، من خلال الإرهاب والهجرة وانعدام الأمن البحري وأمن الطاقة والتنافس الاستراتيجي، فإنهم يثمّنون كذلك إمكانية التعاون العملي مع الشركاء في مواجهة التحديات المشتركة.

لكن في الوقت نفسه، لا يزال الحلفاء يختلفون بشأن مستوى الأولوية التي ينبغي أن تحظى بها هذه القضايا مقارنة بمهام الردع والدفاع الأساسية للناتو. ولا تُعد هذه الاختلافات غير مألوفة في حلف يضم 32 عضوًا من ذوي ثقافات ووقائع جغرافية واهتمامات أمنية متباينة، لكنها تحدد نطاق مشاركة الناتو في الجنوب وطموحها […] فبينما تتشارك أنقرة وروما ومدريد وأثينا همومًا مشتركة بشأن الجنوب، تركز دول الحلف الشرقية أكثر على روسيا وأوكرانيا، وتحاول ألمانيا تحقيق التوازن بين التوجهين”.

الجوار الجنوبي.. بالنسبة لأهله

بالنسبة إلى الدول العربية، الواقعة ضمن الجوار الجنوبي لحلف الناتو، يظل انخراط الحلف، كما يصفه أحد مراكز الأبحاث، انخراطًا “دون استراتيجي”، حاضرًا لكنه غير حاسم، فالأطر القائمة، من الحوار المتوسطي إلى مبادرة إسطنبول، مرورًا ببعثة تدريب العراق وعملية الحارس البحري في المتوسط، قد توفر قنوات تشاور وتدريب، لكنها لا توفر ضمانات أمنية ولا تفتح مسارات عضوية.

ومن الملاحظ كذلك أن الملف الفلسطيني لا يزال هامشيًا، رغم اقتراح صدر عام 2024 لدعوة السلطة الفلسطينية إلى حضور أنشطة الحوار المتوسطي بصفة مراقب، وهو اقتراح ما زال جنينيًا.

أما دول الخليج، فبدت أكثر حذرًا في توسيع تعاونها العلني مع الحلف، خصوصًا بعد حادثة الدوحة واغتيال مفاوضي حماس، وما رافقها من مواقف مخزية اتخذتها دول الحلف، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي لم توبخ إسرائيل بجدية. ويرى الباحث في منتدى الخليج العربي ليوناردو مازوكو أن هذا الموقف برّد حماسة بعض دول الخليج للتقارب الأمني العلني مع الغرب في المدى القريب.

بناءً على ما سبق، تبدو للأسئلة التي طُرحت في نهاية المقدمة إجابتان متزامنتان، فعلى المستوى المفاهيمي والمؤسسي، لم يعد الجناح الجنوبي الضيق، الذي وُلد عام 1952 لحماية المضائق من الأسطول السوفييتي، قائمًا بصورته القديمة، بل تحول إلى “جوارات جنوبية” ذات حدود جغرافية متسعة ومرنة، تشمل سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسط والساحل والخليج، وبات لها ممثل خاص ومكتب اتصال في عمان ومنتدى حوار سنوي في نابولي.

لكن الأهم أننا ما زلنا أمام مرحلة أقرب إلى الجعجعة بلا طحين؛ فالموارد والانتباه الفعليان للحلف لا يزالان مرهونين أولًا بالحرب الطويلة المستنزفة في أوكرانيا، وثانيًا بالتنافس مع الصين في المحيط الهادئ. ويبقى الجنوب، إذا استعرنا كلمات أولاف فينتسك، “حاضرًا في الخطاب أكثر من حضوره في التخصيص الفعلي للموارد والقرار”.

لذلك تبدو قمة أنقرة، رغم أهمية استضافتها ورمزيتها، أقرب إلى تكريس هذا التوازن القلق في مقاربة الحلف لجواره الجنوبي، ومنح تركيا مزيدًا من الاعتراف بدورها جسرًا بين الناتو وهذا الجوار، من دون إحداث قطيعة كبرى مع منطق الجناح القديم، الذي ظل لعقود ينظر إلى الجنوب مصدر تهديد يُدار، لا شريكًا يُستشار.

علاماتالحرب الروسية الأوكرانية ، الناتو ، تركيا والناتو ، حلف الناتو ، قمة الناتو
مواضيعالغزو الروسي لأوكرانيا ، حلف الناتو ، قمة الناتو في تركيا

قد يعجبك ايضا

سياسة

كيف صنعت تركيا مكانها في قلب الصناعات الدفاعية للناتو؟

محمد عادل٧ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

ترامب ونتنياهو: نهاية تحالف الضرورة وتصدع العلاقات

ميراف زونسزين٧ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

كيف خرج النظام الإيراني من الحرب أكثر دهاءً وتشددًا؟ 

سوزانا جورج٧ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑