• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

رغم مرور 3 عقود.. لماذا بقي جرح سربرينتسا مفتوحًا حتى اليوم؟

نون إنسايت١٠ يوليو ٢٠٢٦

تبدو سربرينتسا اليوم ملفًا مفتوحًا بين صراع سياسي على الذاكرة وعدالة لم تطبق على كل المتورطين

بعد 31 سنة على الإبادة الجماعية في سربرينتسا، خرجت مأساة يوليو/تموز 1995 من حدود البلدة الصغيرة شرقي البوسنة إلى ذاكرة دولية مثبتة في أحكام القضاء وروزنامة الأمم المتحدة.

فقد حسمت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ICTY، والآلية الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحكمتين الجنائيتين IRMCT، ومحكمة العدل الدولية ICJ، توصيف ما وقع باعتباره إبادة جماعية.

وصدرت أحكام كبرى بحق رادوفان كارادجيتش، الزعيم السياسي لصرب البوسنة أثناء الحرب، وراتكو ملاديتش، قائد جيش صرب البوسنة وقتها، إلى جانب ضباط ومسؤولين أمنيين تورطوا في القتل والترحيل والإخفاء.

لكن الاعتراف القضائي والدولي لم ينه ملف هذه الإبادة، ففي بوتوتشاري، حيث يقع مركز سربرينتسا التذكاري والمقبرة الكبرى للضحايا، ما زالت الرفات تعود إلى الدفن كل عام.

وفي بانيا لوكا، المركز السياسي لجمهورية صربسكا، الكيان الصربي داخل البوسنة، وفي بلغراد، عاصمة صربيا، ما زال توصيف ما حدث موضع مواجهة بين من يتعامل معه كحقيقة قضائية ثابتة، ومن يناور حول الاسم أو ينكر الإبادة أو يمجّد بعض المدانين.

لذلك تبدو سربرينتسا اليوم ملفًا مفتوحًا بين صراع سياسي على الذاكرة، وعدالة لم تطبق على كل المتورطين، ورفات ما زالت تعود إلى بوتوتشاري بعد أكثر من ثلاثة عقود.

ذاكرة ثقيلة تعقد الصراع السياسي

في 23 مايو/أيار 2024، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يجعل 11 يوليو/تموز يومًا دوليًا للتفكر وإحياء ذكرى إبادة سربرينتسا، مع إدانة إنكار الإبادة وتمجيد مرتكبيها. ومنح القرار الذاكرة سندًا دوليًا جديدًا، وكشف في الوقت نفسه عمق الانقسام حول الاسم والمعنى.

في صربيا وجمهورية صربسكا، قُدّم القرار بوصفه محاولة لوسم الصرب جماعيًا، رغم أن نصه شدد على الطابع الفردي للمسؤولية الجنائية. وهكذا انتقلت سربرينتسا إلى روزنامة الأمم المتحدة، وبقيت داخل البوسنة خط تماس بين سراييفو وبانيا لوكا حول تعريف الماضي وشرعية الحاضر.

قبل القرار الأممي بأسابيع، في 18 أبريل/نيسان 2024، تبنّى برلمان جمهورية صربسكا تقريرًا ينكر أن ما وقع في سربرينتسا كان إبادة.

وتمثلت خطورة الخطوة في أنها نقلت الإنكار من هامش الخطاب السياسي إلى وثيقة مؤسساتية صادرة عن برلمان كيان داخل الدولة البوسنية، في تحد مباشر لمسار قضائي دولي تراكمي. لذلك صارت الذاكرة في سربرينتسا أداة في صراع أوسع على طبيعة الدولة البوسنية وصلاحيات مؤسساتها وحدود سلطة الكيان الصربي.

يمثل ميلوراد دوديك، الزعيم السياسي الأبرز في جمهورية صربسكا، هذا التداخل بين ذاكرة الإبادة والأزمة الدستورية.

فبعد الحكم عليه في فبراير/شباط 2025 بالسجن عامًا واحدًا ومنعه من العمل السياسي ست سنوات بسبب تحدي قرارات الممثل السامي الدولي، دخلت البوسنة مرحلة توتر حاد بين مؤسسات الدولة في سراييفو وقيادة الكيان في بانيا لوكا.

في هذا المناخ، يتحرك إنكار سربرينتسا ضمن خطاب أوسع يرفض سلطة الدولة المركزية ويستخدم سردية المظلومية الصربية ومقاومة “إملاءات سراييفو” و”التدخل الخارجي”.

أما صربيا، فتقف في مساحة رمادية بين الاعتراف بجريمة كبرى وتجنب التوصيف القانوني لها، إذ يتحدث الرئيس ألكسندر فوتشيتش عن “مجزرة” أو “جريمة رهيبة”، لكنه يتجنب وصف ما حدث بأنه إبادة جماعية، ووقف بقوة ضد قرار الأمم المتحدة عام 2024.

بهذا المعنى، تبدو بلغراد وبانيا لوكا في موقع تفاوض سياسي على الاسم، بينما حسم القضاء الدولي التوصيف قبل سنوات. ولا تقف المسألة عند اللغة وحدها، لأن كلمة الإبادة ترتبط بالمسؤولية والذاكرة والتعليم العام والمصالحة الإقليمية.

الزعيم السياسي الأبرز لصرب البوسنة والرئيس الصربي لا يعترفان بالإبادة الجماعية في سربرنيتسا

في يوليو/تموز 2021، فرض فالنتين إنزكو، الممثل السامي الدولي في البوسنة والهرسك وقتها، تعديلًا على القانون الجنائي جرّم إنكار الإبادة وتمجيد المدانين بجرائم الحرب، ودخل التعديل حيّز النفاذ في 28 يوليو/تموز من ذلك العام.

أحدث القانون قاعدة معيارية جديدة، ثم ظهر سريعًا أن النص القانوني وحده لا يكفي لتغيير المجال السياسي. فقد أقر مكتب الممثل السامي بأن الإنكار انخفض في البداية ثم استمر بسبب ضعف المتابعة القضائية.

وفي مايو/أيار 2025، صدر أول حكم إدانة في البوسنة بقضية إنكار الإبادة بحق فوين بافلوفيتش رئيس منظمة “البديل الشرقي” الصربية البوسنية بعد تمجيده راتكو ملاديتش، خلال فعالية رُفعت فيها شعارات تعتبر 11 يوليو/تموز “يوم تحرير سربرينتسا”. ثم أفادت وكالة فينا FENA في 29 يونيو/حزيران 2026 بأن تنفيذ عقوبته أُجل للمرة الثالثة.

تعطي تقارير مركز سربرينتسا – بوتوتشاري التذكاري صورة أوسع عن استمرار الإنكار كظاهرة منظمة، ففي تقرير عام 2023، رصد المركز 90 حالة إنكار بين مايو/أيار 2022 ومايو/أيار 2023.

وأبرز تقرير 2024 تضاعفًا ثلاثيًا في السرديات التحريفية، وخصص فصلًا للحملة المضادة لقرار الأمم المتحدة حول سربرينتسا. وفي يوليو/تموز 2025، وصف المركز إنكار الإبادة بأنه “تهديد منهجي للحقيقة والعدالة والسلم”.

بهذه الصورة، يتجاوز الإنكار حدود الرأي الفردي، ويتحرك عبر أحزاب ومؤسسات وفعاليات ورموز وتماثيل وشعارات، واضعًا الناجين أمام معركة يومية حول حقيقة يظن العالم أنها حُسمت.

ومنح القرار الأممي الناجين والمؤسسات التذكارية إطارًا عالميًا أوسع، ففي فعالية للأمم المتحدة عام 2025، قال الأمين العام أنطونيو غوتيريش إن الفشل في منع الإبادة “لم يكن حادثًا عارضًا في التاريخ”، وربطه بسياسات ودعاية ولا مبالاة دولية.

وفي 7 يوليو/تموز 2026، أعلنت الأمم المتحدة برنامج إحياء الذكرى لذلك العام، بما يرسخ سربرينتسا في الذاكرة الأممية، من دون أن ينهي الصراع الداخلي في البوسنة حول الاسم والمعنى.

محاسبات كبرى وملفات إنسانية عالقة

بعد 31 سنة، لم يعد السؤال القضائي الأساسي متعلقًا بتوصيف الجريمة، فقد ثُبّتت في مسار دولي طويل، بدأ مع راديسلاف كرستيتش، الضابط الكبير في فيلق درينا التابع لجيش صرب البوسنة، حين أصبحت قضيته عام 2001 أول إدانة دولية تثبت أن ما وقع في سربرينتسا كان إبادة جماعية.

وفي عام 2007، أكدت محكمة العدل الدولية أن أفعال سربرينتسا شكّلت إبادة، وأن صربيا أخلّت بواجب منعها ومعاقبة مرتكبيها. وحُكم على كرستيتش نهائيًا بالسجن 35 سنة، ونُقل عام 2025 إلى إستونيا لتنفيذ العقوبة، ثم رُفض طلب الإفراج المبكر عنه مجددًا في يوليو/تموز 2026.

وصلت الأحكام لاحقًا إلى رأس الهرم السياسي والعسكري، إذ أُدين رادوفان كارادجيتش، الزعيم السياسي لصرب البوسنة أثناء الحرب، بالإبادة في سربرينتسا وبجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، ورفعت محكمة الاستئناف عقوبته من 40 سنة إلى المؤبد، ويقضي عقوبته اليوم بالمملكة المتحدة.

أما راتكو ملاديتش، قائد جيش صرب البوسنة وقتها فأُدين بالإبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب شملت سربرينتسا وحصار سراييفو، وصدر بحقه حكم نهائي بالسجن المؤبد، وما يزال محتجزًا في لاهاي. وفي مايو/أيار 2026، رُفض طلب الإفراج المبكر عنه لأسباب صحية.

رادوفان كارادجيتش وراتكو ملاديتش أدينا بارتكاب الإبادة الجماعية في سربرنيتسا

امتدت المحاسبة إلى مسؤولي الأمن داخل جيش صرب البوسنة، فقد أُدين فوجادين بوبوفيتش، المسؤول الأمني في فيلق درينا، بالإبادة والتآمر على الإبادة والقتل والاضطهاد، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، ويقضي عقوبته في ألمانيا، بعدما رُفض طلب الإفراج المبكر عنه في يونيو/حزيران 2025.

كما أُدين ليوبيشا بيارا، مسؤول الأمن في هيئة الأركان الرئيسية، بالإبادة والتآمر على الإبادة وجرائم القتل والاضطهاد، وحُكم عليه بالمؤبد قبل وفاته أثناء تنفيذ العقوبة في ألمانيا عام 2017.

أما زدرافكو توليمير، أحد كبار مسؤولي الاستخبارات والأمن، فأُدين بالإبادة والتآمر على الإبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مرتبطة بسربرينتسا وجيبا، وثُبّت حكم المؤبد بحقه قبل وفاته في وحدة الاحتجاز عام 2016.

وظهرت في أحكام أخرى مستويات ميدانية أدنى، بينها دراغو نيكوليتش، ضابط الأمن في لواء زفورنيك، وفينكو باندوريفيتش، قائد اللواء نفسه، بما يوضح أن المحاسبة لم تقف عند القادة السياسيين والعسكريين وحدهم.

تعطي الأرقام صورة أوضح عن حدود هذه المحاسبة، ففي 8 يوليو/تموز 2025، نشرت منصة ديتكتور Detektor البوسنية المتخصصة في تتبع قضايا العدالة الانتقالية وجرائم الحرب، حصيلة تظهر أن 54 شخصًا حُكم عليهم في جرائم مرتبطة بسربرينتسا بما مجموعه 781 سنة سجن.

وداخل البوسنة نفسها، حكمت محكمة البوسنة والهرسك على 28 شخصًا بمجموع 464 سنة سجن، وكانت خمس قضايا ما تزال جارية وقت نشر الحصيلة.

وتكشف هذه الأرقام أن الأحكام الكبرى لم تُغلق ملف المحاسبة، بل نقلته من قادة الصف الأول إلى ملفات وطنية أدق وأبطأ. فمع مرور الوقت، يتقدم الشهود في العمر، وتتراجع فرص جمع الأدلة، ويموت بعض المتهمين أو الشهود قبل اكتمال المسارات القضائية.

وبين نهاية 2023 ومنتصف 2025، قدّم الادعاء البوسني أربع لوائح اتهام ضد 22 شخصًا في قضايا مرتبطة بسربرينتسا. لكن وجود عدد من المشتبه فيهم أو المتهمين في صربيا يعقّد الإحالة والتنفيذ، بينما أصدرت بلغراد حتى تاريخ رصد ديتكتور ستة أحكام في قضايا منقولة مرتبطة بالجريمة.

لذلك تظهر الفجوة اليوم بين حقيقة ثبتت في القضاء الدولي، وملاحقات وطنية تتحرك ببطء وسط حسابات التعاون الإقليمي والسيادة ومرور الوقت.

وتبقى الإفراجات المبكرة نقطة حساسة لدى عائلات الضحايا، فإلى جانب أحكام المؤبد، يضم ملف سربرينتسا مدانين اعترفوا بالذنب أو أبدوا ندمًا ثم خرجوا لاحقًا، مثل مومير نيكوليتش ودراجان أوبرينوفيتش ودرازن إرديموفيتش وفينكو باندوريفيتش.

في منطق القضاء تدخل مدة العقوبة والسلوك والاعتراف في قرارات التنفيذ، أما في ذاكرة العائلات فتقاس العدالة بغياب الأب والابن والأخ، وبقبر قد يحتوي جزءًا من الجثمان بينما تبقى عظام أخرى في مكان مجهول.

ويظهر الوجه الإنساني المفتوح لسربرينتسا في ملف الرفات، فمع حلول 11 يوليو/تموز 2026، تستعد بوتوتشاري لدفن رفات 10 من ضحايا الإبادة، بعد تحديد هوياتهم أو موافقة عائلاتهم على دفن ما عُثر عليه من رفاتهم، بينما ما يزال نحو ألف من ضحايا البلدة مفقودين.

بعد 31 عاماً على المأساة، تختزل مراسم الدفن المتجددة في سربرينيتسا فصول قضية لا تزال أبعادها مفتوحة، فرغم الوصف القانوني الأممي للجريمة على أنها “إبادة جماعية”، لا تزال تثار تجاذبات سياسية حادة حول دلالاتها التاريخية.

كما تواجه مسارًا قضائيًا بطيئًا في ملاحقة بقية المتورطين مقارنة بالأحكام الصادرة بحق القادة الكبار، بينما يظل الناجون أمام مقبرة تستقبل كل عام رفاتاً جديدة، لتعيد إليهم أجزاء من الغائبين وتجدد جراحهم السنوية دون أن تمنحهم نهاية كاملة للمأساة.

علاماتالبوسنة والهرسك ، المسلمون في البوسنة ، حرب البوسنة ، مجازر البوسنة والهرسك ، مذبحة سربرنيتسا
مواضيعمذبحة سربرنيتسا

قد يعجبك ايضا

سياسة

تركيا بعد عقدين من التحول.. استقلال استراتيجي داخل عباءة الناتو

أحمد سيف النصر١٠ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

رفع العقوبات وإعادة الإعمار.. ماذا جنت سوريا من قمة الناتو؟

زينب مصري١٠ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

سوريا واختبار الجوار الجنوبي للناتو.. هل تفتح العلاقة الأمنية مع تركيا شراكة جديدة؟ 

حسن إبراهيم٩ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑