• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف أصبحت الحرب بلا جدوى؟

ستيفن والت١٠ يوليو ٢٠٢٦

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أنكوراج، ألاسكا، في 15 أغسطس/ آب 2025؛ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن في 7 أبريل/ نيسان 2025؛ والرئيس دونالد ترامب في واشنطن في 14 أغسطس/ آب 2025.

ترجمة وتحرير: نون بوست

حتى وإن لم يسبق لك قراءة كتاب “عن الحرب“، فأنت على الأرجح تعرف المقولة الشهيرة لكارل فون كلاوزفيتز: “الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، وكان قصده بذلك أنّ الحرب يجب أن تكون دائمًا ذات هدف سياسي واضح، يوجّه اختيار الاستراتيجية وطريقة استخدام القوة العسكرية. فحتى الإنجازات الباهرة في ساحة المعركة لا قيمة لها إذا فشلت في تحقيق النتائج السياسية المرجوة.

لقد فكرت كثيرًا في هذه المسألة في الآونة الأخيرة، وبدأت أتساءل عمّا إذا كانت الحرب في عالم اليوم أصبحت بلا جدوى على نحو متزايد. أقول ذلك بحذر شديد، لأنّ التنبؤات السابقة بشأن ارتفاع كلفة الحروب واحتمال تراجع وتيرتها لم تصمد أمام الواقع. ففي عام 1849، كتب رالف والدو إيمرسون: “الحرب تلفظ أنفاسها الأخيرة، والسلام العالمي مؤكد تمامًا كما انتصار الحضارة على البربرية”. وقبل الحرب العالمية الأولى، جادل المصرفي البولندي جان دي بلوخ بأنّ التكنولوجيا العسكرية جعلت الحرب خطيرة للغاية، إلى حدّ يجعل خوضها مستحيلًا “إلا إذا كان ثمنها الانتحار”.

وبالمثل، حذّر نورمان أنجيل في كتابه “الوهم العظيم” الصادر عام 1909 من أنّ الترابط بين الدول يجعل كلفة حروب القوى العظمى تتجاوز أي فوائد محتملة. ومؤخرًا، جادل باحثون مثل جون مولر وستيفن بينكر بأنّ الحرب باتت في طريقها إلى الزوال، إن لم تكن قد انقرضت بالفعل، لكن سرعان ما اندلعت صراعات جديدة على نطاق لم يتوقعوه. وكما قال المؤرخ العسكري الراحل مايكل هوارد ساخرًا في مراجعته لكتاب مولر “الانسحاب من يوم القيامة“، فإنّ الرجل الحكيم الذي يقرأ أنّ الحرب في طريقها للاندثار “يجب أن يتأكد من أن ملجأه ضد الغارات الجوية في حالة جيدة.”

لذلك لن أقول إنّ الحرب في طريقها للزوال، فهي لا تزول،  لكنها تصبح بلا جدوى بشكل متزايد. انظروا إلى السجل التاريخي الحديث.

خاضت الولايات المتحدة الكثير من الحروب منذ الحرب العالمية الثانية، ولم تكن أي منها ضد منافس حقيقي أو قوة عظمى أخرى. بل واجهت مجموعة من الدول الضعيفة، معظمها بلا حلفاء أقوياء. ومع استثناء حرب الخليج الأولى عام 1991 والغزو التافه لغرينادا عام 1983، فإنّ سجلها في هذا الجانب غير مثير للإعجاب.

انتهت الحرب الكورية بالتعادل، بينما شكّلت حرب فيتنام هزيمة واضحة. أمّا حرب الخليج فكانت انتصارًا، ويُعزى ذلك إلى حد كبير لكون الولايات المتحدة لم تبدأها، وحظيت بدعم واسع من الحلفاء، ولأنّ الرئيس جورج بوش الأب تحلى بالحكمة في الالتزام بمجموعة محدودة من الأهداف السياسية (أي إخراج العراق من الكويت وتفكيك جزء كبير من قوته العسكرية). وقد انتهى التدخل الأميركي في الصومال بانسحاب مهين، وكانت حرب كوسوفو في جوهرها تعادلًا؛ وما يُعرف اليوم بـ”الحروب الأبدية” في العراق وأفغانستان فهي هزائم مكلفة. أمّا هجوم دونالد ترامب المتهور على إيران فهو كارثة استراتيجية يحاول مؤيدوه إنكارها بيأس وبلا حجة مقنعة.

تركت معظم هذه الحروب الولايات المتحدة أسوأ حالًا ممّا كانت ستصبح عليه لو لم تخضها أبدًا، بدلًا من أن تجعلها أكثر أمنًا أو ازدهارًا. ويمكن أن نضيف إلى القائمة حملة وزير الدفاع بيت هيغسث الدموية ضد مهربي المخدرات المزعومين من أميركا اللاتينية، التي تكلف مليارات الدولارات، وتودي بحياة الأبرياء، وتنتهك القانون الدولي، ولا تؤثر تقريبًا على إمدادات المخدرات غير المشروعة. باختصار: هذه الحروب بلا جدوى.

ماذا عن الاتحاد السوفيتي السابق، أو روسيا الحالية؟ كان غزو أفغانستان عام 1979 خطأً فادحًا فاقم مشاكل الاقتصاد السوفيتي وجعل احتمال انهياره أكثر واقعية، كما تحول غزو أوكرانيا عام 2022 إلى مستنقع مكلف، ولم يحصد فلاديمير بوتين بعد أربع سنوات من الحرب ومئات آلاف القتلى والجرحى سوى نحو 20 بالمئة من أراضي أوكرانيا الأصلية. ربما شنّت روسيا الحرب أساسًا لمنع أوكرانيا من الانجذاب نحو الغرب، لكن بوتين أساء تقدير قدرات جيشه، وصلابة المقاومة الأوكرانية، وقدرة كييف على كسب دعم الآخرين. حتى لو نشأت الحرب جزئيًا من مخاوف أمنية روسية حقيقية، فإنّها تفقد جدواها بشكل متزايد الآن. ودعونا لا ننسى أنّ جهود روسيا لدعم نظام الأسد في سوريا انتهت بالفشل، كما أنّ دعمها لمستبدين أفارقة لم يعد يبدو أمرًا ذا أهمية الآن.

أو لنأخذ إسرائيل مثالًا، حيث يبدو أنّ انتصاراتها التكتيكية العديدة لا تحقق أبدًا مكاسب استراتيجية دائمة. فالإبادة الجماعية التي وقعت في غزة لم تقضِ على حركة حماس، والجولات المتكررة من القصف وإعادة احتلال جنوب لبنان لم تقضِ على حزب الله. وبدلًا من تعزيز أمنها، فإنّ اعتقاد إسرائيل بإمكانية تحقيق النصر بالقصف الجوي يحولها إلى دولة منبوذة ويهدد علاقتها الخاصة بالولايات المتحدة. إلى جانب استمرار سوء معاملة الفلسطينيين في الضفة الغربية، فإنّ إدمان إسرائيل على الحرب يعيق التطبيع مع معظم جيرانها، والذي كان من شأنه أن يفيد مستقبلها على المدى الطويل أكثر بكثير من الحروب التي لا نهاية لها ضدهم. (بالمناسبة، أود أن أقول الشيء نفسه عن حركة حماس، التي لم يحقق هجومها على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أي تقدم نحو هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة).

في الواقع، أينما نظرنا سنرى المزيد من الصراعات العبثية، فقد شنّ صدام حسين حربين – بغزو إيران ثم الكويت عام 1990- وكلتاهما انتهت بالفشل الذريع. ولم تحقق الفصائل في الحروب الأهلية السودانية والليبية سوى تدمير بلدانها، وسيكون النصر باهظ الثمن لأي طرف يخرج منتصرًا. لم يحقق أيضًا تدخل السعودية في اليمن شيئًا سوى عشرات آلاف الوفيات بلا ضرورة، والاشتباكات الحدودية بين الهند وباكستان ليست أكثر نجاحًا أو حسمًا. ولا داعي للحديث عن الحروب الطويلة في الكونغو.

من الذي يحقق النجاح وسط كل هذا؟ الصين، لأنّها ابتعدت عن كل هذه الحروب وركزت على بناء قوتها داخليًا، وسعت وراء الهيمنة العلمية والتكنولوجية، وبناء نفوذ عالمي عبر التجارة والاستثمار والمشاركة الدبلوماسية في منتديات متعددة، وتقديم التقنيات الخضراء. وكما فعلت الولايات المتحدة خلال معظم القرن التاسع عشر، يتبين أنّ البقاء بعيدًا بينما تستنزف القوى الكبرى الأخرى نفسها في حروب مدمرة هو استراتيجية ذكية.

لماذا يصعب العثور على حروب تحقق معيار كلاوزفيتز، حيث يحدد الطرف المبادر هدفًا سياسيًا واضحًا ويحققه بكلفة معقولة؟ يمكنني التفكير في أربعة أسباب محتملة:

أولًا، الأسلحة النووية: بالنسبة للقوى العظمى (وبعض الدول الأخرى)، فإنّ حيازة الأسلحة النووية تضع حدودًا واضحة لما يمكن لأي دولة أخرى أن تفعله تجاهها. فالأسلحة النووية ليست مفيدة للغاية في خوض الحروب، لكنها فعالة جدًا في ردع الدول الأخرى عن محاولة غزوك. نعم، لقد هاجمت الدول أحيانًا دولة مسلحة نوويًّا (فقد هاجمت مصر وسوريا إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وحدثت اشتباكات حدودية خطيرة بين الهند وباكستان)، لكن أهداف المبادرين في تلك الحالات كانت محدودة ولم يتوقعوا أو يحاولوا غزو خصمهم. إن مظلة الأسلحة النووية تستبعد تحقيق انتصارات حاسمة، وتجعل الأهداف السياسية للحرب محدودة بالضرورة. ومع ذلك، إذا كانت الحرب لا تحقق سوى أهداف محدودة، فإن هذا يقلل أيضًا من التكاليف التي تكون الدولة على استعداد لتكبدها من أجل تحقيقها.

ثانيًا، قوة القومية الحديثة: تتزايد صعوبة تحقيق أهداف سياسية حاسمة بفعل قوة القومية الحديثة، التي تشجع المجتمعات على القتال بشراسة ضد المعتدي الأجنبي. اكتشف الأمريكيون ذلك في فيتنام، لكنهم سرعان ما نسوا الدرس، واضطروا إلى تذكره مرة أخرى في العراق وأفغانستان. وارتكب بوتين خطأً مشابهًا في أوكرانيا. وقد استخف كل من الصهاينة الإسرائيليين والقوميين الفلسطينيين بصلابة الهوية الوطنية للطرف الآخر واستعداده للقتال من أجل الحفاظ على مجتمعه، وهو أحد الأسباب التي أدّت إلى استمرار ذلك الصراع دون حل نهائي.

ثالثًا، العولمة والترابط الاقتصادي: أصبحت الحرب عديمة الجدوى بشكل متزايد لأنّ العولمة والترابط الاقتصادي مكنا الدول من أن تصبح أكثر ثراءً دون الحاجة إلى التوسع. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى السيطرة على منطقة مثل غرينلاند للاستفادة من أي موارد موجودة هناك، إذ يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار إذا توفرت فرص حقيقية، أو يمكن للأميركيين التجارة مع أي شركات أجنبية تقوم بذلك. وكما أوضح أندرو كوي وجوناثان ماركوفيتز، فإنّ المكاسب الاقتصادية من غزو أراضٍ ذات قيمة عالية (مثل حقل نفطي غني) تظل محدودة نسبيًا بالنسبة لدول تمتلك بالفعل اقتصادات كبيرة ومتنوعة. ولنأخذ مثالًا متطرفًا، لو ضمّت الصين تايوان بسلاسة، فلن تضيف سوى 5 بالمئة إلى الناتج المحلي الإجمالي للصين – وهو رقم غير ضئيل، لكنه ليس كافيًا لإحداث تحول جذري. كما أنّ تايوان اقتصاد متطور بالفعل. ورغم اختلاف الحسابات بالنسبة للاقتصادات الصغيرة، إلا أنّ تحقيق الثراء عبر التنمية الداخلية يظل رهانًا أفضل بكثير من الاستيلاء على أراضٍ لتحقيق مكاسب اقتصادية.

وللتوضيح، لا أقول أنّ الترابط الاقتصادي جعل الحرب مستحيلة، ولا أنكر أنّ السيطرة على الممرات الجغرافية الحيوية مثل مضيق هرمز تمنح بعض الدول نفوذًا مهمًا. إنّما أشير فقط إلى أن الحصول على ما تريده الدول عبر التجارة أسهل عمومًا من الحصول عليه عبر الحرب. علاوة على ذلك، فإنّ قدرة الآخرين على “تسليح الترابط” قد ترفع كلفة القتال وتجعل تحقيق أهداف سياسية طموحة أصعب على جميع الدول – بما فيها القوى الكبرى. ستظل الدول تخوض الحروب، لكن ذلك لا يعني أنّ خوضها قرار حكيم.

رابعًا وأخيرًا، التكنولوجيا وأثرها على ساحة المعركة الحديثة: أولئك الذين أبهرتهم البراعة التكنولوجية لطائرة “إف-35” أو قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الأخرى على تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة معقدة، لم يدركوا أنّ ميزان القوى في الحرب يتحول ببطء لصالح المدافعين المحليين، حتى عند مواجهة خصوم أكثر تفوقًا. كانت الولايات المتحدة تسيطر على المجال الجوي، وتمتلك القدرة على مراقبة مساحات القتال المعقدة في الوقت الفعلي، وتتمتع بتفوق ساحق في القوة النارية في كل من العراق وأفغانستان، ومع ذلك خسرت. يتفوق الجيش الروسي عدديًا بشكل كبير على أوكرانيا، وقد حسّن أداءه العسكري بشكل ملحوظ منذ عام 2022، ومع ذلك فإنّه لا يزال يتكبد خسائر فادحة مقابل كل كيلومتر مربع يستولي عليه.

لا يُعزى هذا الاتجاه فقط إلى ظهور الطائرات المسيّرة الرخيصة والمتطورة بشكل متزايد (رغم أهميتها الواضحة)، بل أيضًا إلى انتشار الأسلحة الخفيفة، وتحسن قدرات الاستهداف والمراقبة، وتطوير العبوات الناسفة، واستخدام الانتحاريين، وهي عوامل زادت من صعوبة الاستيلاء على أراضٍ معادية أو الاحتفاظ بها. بعبارة أخرى، قلّصت هذه التطورات حجم “المجال العالمي المشترك” الذي كانت الولايات المتحدة تهيمن عليه، ووسّعت ما سماه باري بوزن من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا “المنطقة المتنازع عليها“؛ حيث يمكن لخصوم أضعف فرض كلفة باهظة على القوى الأقوى. لا تزال البحرية الأميركية قوة قتالية هائلة، لكن هناك سببًا لعدم إبحارها بحرية داخل الخليج العربي هذه الأيام، وعندما تُضاف هذه التطورات إلى المشاعر الوطنية القوية، يغدو إرغام الحكومات الأجنبية أو إخضاع الشعوب المتمردة أكثر صعوبة.

لا تسيئوا فهمي: أنا لا أقول إنّ الدول يمكنها التوقف عن القلق بشأن أمنها والبدء في تحويل سيوفها إلى محاريث. في نهاية المطاف، فإنّ استعداد بعض الدول للدفاع عن نفسها هو ما يصعّب على الآخرين تحقيق مكاسب تتناسب مع الكلفة. بعبارة أخرى، لا يزال الحفاظ على ميزان قوى ملائم وردع موثوق أمرًا مهمًا. لكن علينا أن ندرك ما يعنيه ذلك: الدفاع عن النفس أصبح أسهل، والحروب العدوانية باتت بلا جدوى بشكل متزايد. لم تنجح بالنسبة للولايات المتحدة، ولا بالنسبة لأي طرف آخر. ضعوا ذلك في اعتباركم في المرة القادمة التي يخبركم فيها أحد خبراء مراكز الأبحاث أو جماعات الضغط أو زعيم أجنبي انتهازي أنّ دولة ما تمثل خطرًا وجوديًا يجب إيقافه فورًا، وأنّها في الوقت نفسه مجرد بيت من ورق يسهل إسقاطه. إنهم مخطئون.

المصدر: فورين بوليسي

علاماتأزمات الشرق الأوسط ، اقتصاد الحروب ، الاحتلال الإسرائيلي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
مواضيعالسياسة الأمريكية ، النظام العالمي ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

تركيا بعد عقدين من التحول.. استقلال استراتيجي داخل عباءة الناتو

أحمد سيف النصر١٠ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

رغم مرور 3 عقود.. لماذا بقي جرح سربرينتسا مفتوحًا حتى اليوم؟

نون إنسايت١٠ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

رفع العقوبات وإعادة الإعمار.. ماذا جنت سوريا من قمة الناتو؟

زينب مصري١٠ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑