ترجمة وتحرير: نون بوست
توجه رام إيمانويل – رئيس موظفي البيت الأبيض في عهد أوباما والمرشح المحتمل لانتخابات 2028 – هذا الأسبوع إلى تل أبيب لتوجيه رسالة صارمة إلى الجمهور الإسرائيلي: إذا أرادت إسرائيل أن تبقى أمريكا حليفًا لها، فعليها أن تتغير.
قال: “من دون شك، هذا التحالف يقف عند مفترق طرق. لا يمكنه الصمود أو البقاء على حاله كما كان من قبل. وللحفاظ على قوة روابطنا، نحن بحاجة إلى تغييرات كبيرة واتجاه جديد”
المشكلة، بحسب إيمانويل، أنّ إسرائيل تحت قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أصبحت “إسبرطة حديثة”: دولة عسكرية توسعية لا ترى بديلًا عن سحق الفلسطينيين تحت أقدامها. مثل هذه الدولة لا تستحق “الدعم غير المشروط” الذي يعتقد إيمانويل أنّها حصلت عليه من الولايات المتحدة، وهو ما يعادل جيوسياسيًا إعطاء الفودكا لمدمن كحول.
وكتب: “لقد سمح لكم الدعم غير المشروط بحرمان الفلسطينيين الأبرياء في غزة من الغذاء والإغاثة الطبية، ما دفع العالم للاقتناع بأنّ الإسرائيليين لا يريدون فقط قتل الفلسطينيين، بل إنّهم لا يبالون تمامًا بموتهم، ودمارهم، ومعاناتهم”.
بدلًا من ذلك، قال إنّ الولايات المتحدة بحاجة إلى دفع إسرائيل لتكون نسخة أفضل من نفسها، وهذا يعني فرض عقوبات على القادة السياسيين ورجال الأعمال الإسرائيليين الذين يمكّنون الإرهاب ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وإنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وإطلاق إطار جديد لمفاوضات السلام مع الفلسطينيين يرتكز على دعم من دول عربية أخرى.
لا يعتقد أحد أنّ هذا الخطاب سيغير السياسة الأمريكية، فرام إيمانويل لا يتحدث باسم الرئيس دونالد ترامب، بل ينبغي فهم الخطاب في سياق السياسة الداخلية للحزب الديمقراطي.
رغم أن كلًا من باراك أوباما وجو بايدن اختلفا مع نتنياهو في مناسبات عديدة، إلا أنّ كليهما حاولا إبقاء تلك الخلافات سرية في الغالب، كما كانت خطواتهما العلنية لمعاقبة السلوك الإسرائيلي السيئ متحفظة نسبيًا. وحتى عندما دعت إدارات متعددة إلى إقامة دولة فلسطينية وعارضت إنشاء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، كان فرض عقوبات على القادة الإسرائيليين وقطع المساعدات العسكرية أمرين مستبعدين تمامًا، وهو أمر لا يجرؤ على اقتراحه سوى شخصية يسارية مثل السيناتور بيرني ساندرز (مستقل عن ولاية فيرمونت).
لكن إيمانويل ليس ساندرز، حيث يروي مستشار أوباما بن رودس في مذكراته “العالم كما هو” أنّ إيمانويل كان يسخر مرارًا من مخاوفه بشأن الفلسطينيين في نقاشات داخلية، إذا أطلق على رودس لقب “حماس”، واتهمه بأنّه تسبب في أن لا يستطيع ابنه إقامة حفل “بار متسفا” (حفل بلوغ سن الرشد) في إسرائيل.
حقيقة أن ديمقراطيًا يهوديًا مثل إيمانويل بات مرتاحًا اليوم لخطاب وسياسات كانت تُعدّ يومًا هامشية، هي علامة على أنّ الإجماع القديم المؤيد لإسرائيل بين الديمقراطيين قد انتهى تمامًا بالفعل. وما سيأتي في 2028 وما بعدها سيكون مختلفًا جدًا – وأصعب بكثير على إسرائيل – ممّا كان عليه من قبل.
قال إيلان غولدنبرغ، مدير السياسات في جماعة الضغط الليبرالية “جي ستريت”: “أعتقد أنّ موقف رام سيصبح المعيار الأساسي لمرشحي الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي. لا يمكنك أن تتخذ موقفًا أكثر يمينية من هذا”
التيار الوسطي يتخذ موقف اليسار القديم في مسألة إسرائيل
عمل رام إيمانويل طوال عام 2026 تقريبًا على تمهيد الطريق لنفسه للاستحواذ على التيار الوسطي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.
في مقابلة تلو أخرى، جادل بأنّ الحزب أصبح متأثرًا بشكل مفرط بالناشطين اليساريين الذين ينشغلون بقضايا غير شعبية مثل قضايا المتحولين جنسيًا، وإلغاء تمويل الشرطة، وإلغاء الرأسمالية. وبدلًا من ذلك، يرى أنّ الحزب يجب أن يعيد تركيزه على “قيم الطبقة الوسطى” و”قضايا المعيشة” – أي جعل القضايا الاجتماعية أقل أولوية، وتشديد الرقابة على الحدود، وتوسيع دولة الرفاه.
في الماضي، كان هذا النوع من المرشحين الوسطيين يتبنى موقفًا مؤيدًا لإسرائيل بشكل صارم: تقديم مساعدات عسكرية غير مشروطة ودعم دبلوماسي كامل. وكان الرؤساء الديمقراطيون ورؤساء مجلس النواب وزعماء الأغلبية في مجلس الشيوخ يحضرون بانتظام مؤتمر “أيباك” السنوي في إشارة إلى توافقهم مع موقف اللوبي المؤيد لإسرائيل.
عكس هذا النهج القديم الرأي العام. فقد كان معظم الأمريكيين مؤيدين بشكل عام للتحالف الأميركي الإسرائيلي، وظلّوا كذلك لعقود. وكان الدافع الوسطي الأساسي – المتمثل في أنّ السياسة يجب أن تتمحور حول كسب الناخب الوسطي – يصب في صالح إسرائيل، ما دفع كلًا من أوباما وبايدن إلى إبقاء مشاعر الإحباط تجاه نتنياهو وخلافاتهما معه حول السياسات سرية قدر الإمكان أثناء وجودهما في المنصب.
لكن تداعيات حرب غزة غيّرت كل شيء. ففي فبراير/ شباط، وجدت استطلاعات “غالوب” السنوية أنّ عددًا أكبر من الأمريكيين باتوا يتعاطفون مع الفلسطينيين لأول مرة في تاريخ الاستطلاع. وأظهر استطلاع جديد لمؤسسة “بيو” أن 62 بالمئة من الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية. هذا العداء الأميركي الجديد يقوده الديمقراطيون بشكل ساحق، إذ أظهرت بيانات “بيو” أنّ 16 بالمئة فقط من الديمقراطيين ينظرون بإيجابية للحكومة الإسرائيلية.
وقد تزايد هذا الاتجاه منذ سنوات، فدور نتنياهو في السياسة الأمريكية- بما في ذلك محاولته عام 2015 إفشال اتفاق أوباما النووي مع إيران – كان يضعف شعبية إسرائيل منذ فترة طويلة. لكن حرب غزة هي التي أدّت إلى نفاد صبر الناخبين الديمقراطيين في النهاية، إذ وجد استطلاع لوكالة “أسوشيتد برس” في يوليو/ تموز أنّ غالبية الديمقراطيين يعتقدون الآن أنّ إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية خلال الصراع.
أصبح الغضب من إسرائيل اليوم عاملًا مؤثرًا في خيارات الناخبين، فقد استغل المرشحون اليساريون، بمن فيهم عبدول السيد في ميشيغان وغراهام بلاتنر في مين، هذه القضية لتعزيز هويتهم المناهضة للمؤسسة السياسية وصعدوا إلى صدارة الانتخابات التمهيدية التي تشهد منافسة شرسة، وبات المرشحون الديمقراطيون التقليديون يستخدمون كلمة “إبادة جماعية” لوصف ما حدث في غزة، فيما تتعرض منظمة “أيباك” لإدانات متكررة باعتبارها عدوًا، إن لم يكن شرًا مطلقًا.
هذا هو السياق الذي جاء فيه خطاب إيمانويل، فبصفته وسطيًا من الطراز الأول، خلص إلى أنّ ما كان يُعتبر في السابق موقف اليسار المتطرف بين الديمقراطيين – والقائل بضرورة استخدام أمريكا لنفوذها لحث إسرائيل على التغيير نحو الأفضل – أصبح اليوم يمثل الموقف الوسطي. وهذه أحدث إشارة على أنّ الإجماع القديم المؤيد لإسرائيل داخل الحزب آخذ في التلاشي، وأن شيئًا جديدًا آخذ في الظهور ليحل محله.
النقاش الديمقراطي الجديد حول إسرائيل
إذا كان النقاش الديمقراطي حول إسرائيل قد تغيّر جذريًا – وإذا كان الإجماع القديم قد انتهى بالفعل – فكيف يبدو المستقبل؟
يُعد إيلان غولدنبرغ دليلًا مفيدًا هنا. فمنظمته “جي ستريت” احتلت منذ فترة طويلة المكانة التي يحاول رام إيمانويل الآن الاستحواذ عليها. في الواقع، استضافت “جي ستريت” إيمانويل في بودكاست لها في مارس/ آذار، وكان خطابه متأثرًا بوضوح بأفكارها. اقتراحه لإحياء عملية السلام – “حل الـ23 دولة” الذي تتعاون فيه إسرائيل مع الحكومات العربية لإقامة دولة فلسطينية كجزء من تسوية إقليمية – مأخوذ مباشرة من أفكار “جي ستريت”.
ليس من المستغرب أن غولدنبرغ أحب الخطاب، حيث قال إنّه يتفق مع 80 إلى 90 بالمئة منه. لم تكن انتقاداته موجهة بقدر كبير إلى الرؤية السياسية للخطاب، بل إلى بعض التفاصيل المحددة: فقد قدم إيمانويل رؤية لمفاوضات السلام في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ألقت باللوم تقريبًا بالكامل على الجانب الفلسطيني في فشلها، وهو ما اعتبره غولدنبرغ رؤية أحادية الجانب بشكل غير عادل. وقد عكس ذلك، على حد تعبيره، نظرة عالمية “تتمحور حول إسرائيل” لم تأخذ منظور واحتياجات الجانب الفلسطيني على محمل الجد بالقدر الكافي في رأيه.
لكن حقيقة أنّ مساحة الخلافات بين إيمانويل وغولدنبرغ ضيقة إلى هذا الحد تعكس مدى التغير الذي طرأ على الوسط الديمقراطي، فعندما تأسست منظمة “جي ستريت” في عام 2008، كانت آراؤها تمثل الجناح اليساري الهامشي للتحالف الديمقراطي. أمّا الآن، فإنّ أحد أبرز وجوه الحزب الداخلية يقتبس حرفيًا من خطابها.
وقال مات دوس، الذي ربما يُعدّ أبرز خبير سياسات يساري في الملف الإسرائيلي الفلسطيني، والذي قدّم المشورة لكل من بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز في هذا الملف، إنّه وجد نقاطًا إيجابية حقيقية في خطاب إيمانويل، خصوصًا أنه مثّل قطيعة حاسمة مع الماضي الذي اتسم بالانصياع التام للموقف المؤيد لإسرائيل.
لكن دوس كان أكثر انتقادًا لطريقة تناول الخطاب لتاريخ الصراع مقارنةً بغولدنبرغ؛ حيث كتب في مجلة “ذا نيشن”: “إنّ وصف هذا الخطاب بأنه عرض متحيز للتاريخ سيكون إطراءً مبالغًا فيه”. وبشكل عام، يرى أنّ الخطاب لم يذهب بعيدًا بما يكفي، واصفًا إياه بأنّه “محطة بارزة”، لكنها “محطة كان يجب أن نتجاوزها منذ زمن طويل ويجب أن نتركها سريعًا خلفنا”.
هذا هو مستقبل النقاش داخل الحزب الديمقراطي حول إسرائيل. فلم يعد هناك جدل حول ضرورة ممارسة الولايات المتحدة ضغوطًا على إسرائيل لتغيير مسارها، بل باتت الأسئلة الآن تتمحور حول طبيعة هذه الضغوط، ومدى شدتها، والهدف النهائي الذي ينبغي أن تسعى إليه.
ولن يكون رأي إيمانويل هو الرأي الوحيد، فمثلما انتقلت منظمة “جي ستريت” من الجناح اليساري إلى الجناح الوسطي في الحزب، فقد أدى الاستياء المتزايد من إسرائيل أيضًا إلى ظهور مجموعات وأفكار منافسة في النقاش، شبه غائبة عن دوائر السلطة حتى وقت قريب، مثل القائمة الصاعدة من المرشحين المنتمين إلى منظمة “الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا”.
ويمكن للمرء أن يتخيل طيفًا واسعًا من الآراء هنا. يريد جانب “جي ستريت” الحفاظ على وجود إسرائيل وعلاقتها القوية بالولايات المتحدة، بشرط أن تنهي إسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية. وهناك موقف أكثر يسارية، مفاده أنّ الولايات المتحدة لم تعد لديها أي مصلحة في أن تكون حليفة لدولة مثل إسرائيل. وهناك موقف أكثر يساريةً من ذلك، يعتبر أن السياسة الأمريكية يجب أن تتجه بنشاط إلى حل الدولة الواحدة ثنائية القومية، بما يلغي هوية إسرائيل كدولة يهودية.
لكن الحدود الفاصلة بين هذه المواقف ليست واضحة دائمًا من الناحية السياسية، وقد تتداخل مع بعضها البعض عند الأطراف. ومن الصعب معرفة ميزان القوى الدقيق في انتخابات عام 2028، ناهيك عما يحدث بعد ذلك. وسيتوقف الكثير على الانتخابات الإسرائيلية نفسها، المقرر إجراؤها في خريف هذا العام، والتي قد يفقد فيها نتنياهو – الذي يُعتبر نقطة مثيرة للجدل — السلطة أخيرًا.
لكن القوى الكامنة وراء هذا التغيير تتجاوز شخص رئيس وزراء واحد، فمن خلال احتلالها للضفة الغربية، والعنف العشوائي المفرط في غزة، والتدخل الحزبي المباشر لصالح أولويات الحزب الجمهوري، قطعت القيادة الإسرائيلية علاقتها بشكل جذري مع الحزب الديمقراطي. وهذا ليس أمرًا يمكن إصلاحه دون تحول جذري في السياسة الإسرائيلية، وهو أمر لا يبدو مرجحًا على المدى القصير.
لذلك، تشير كل الأسباب إلى أنّ خطاب إيمانويل هو، كما قال دوس، “محطة بارزة” وتكريس شبه رسمي آخر لإعادة توجيه الحزب الديمقراطي.
قال غولدنبرغ: “إذا كنت قد خسرت رام إيمانويل، فأنت في ورطة كبيرة”.
المصدر: فوكس