ترجمة وتحرير: نون بوست
في العام الماضي، حذّر خبراء حقوق الإنسان، على مدى أشهر، من أنّ ميليشيا وحشية كانت على وشك اجتياح مدينة الفاشر السودانية الكبرى، وارتكاب مذابح ضد سكانها.
لكن الرئيس ترامب وغيره من قادة العالم تجاهلوا الأمر في الأغلب. ومضت الميليشيا قدمًا واجتاحت الفاشر، وذبحت نحو 60 ألف شخص في غضون أسابيع قليلة.
والآن، تحاصر هذه الميليشيا مدينة سودانية كبرى أخرى، وهي مدينة الأُبَيِّض، التي يقطنها نصف مليون نسمة أو أكثر، كما تهدد السكان إلى الشمال في إقليم دارفور. يواجه بعض المحاصرين داخل الأُبَيِّض خطر المجاعة، ومع ذلك، يبدو ترامب والعديد من قادة العالم الآخرين غير مبالين إلى حد كبير، مرة أخرى.
لن يستلزم منع هذه المذبحة تدخلًا عسكريًا، ولن يتطلب حتى أموالًا. فلنضع جانبًا الجدل حول جدوى المساعدات الإنسانية. (ولكن أولًا، اسمحوا لي بالقول أنّ المليارات التي أُنفقت على حرب إيران كان من الأفضل تخصيصها لشراء ناموسيات بقيمة دولارين لإنقاذ أرواح الأطفال من الملاريا). ربما كل ما نحتاج إلى القيام به لتجنب الفظائع في السودان هو رفع أصواتنا والحديث علنًا.
الخلفية: يمثل السودان اليوم، على الأرجح، أسوأ أزمة إنسانية في العالم. فالبلاد غارقة في حرب أهلية بين الجيش وميليشيا ذات أغلبية عربية، وهي قوات الدعم السريع، ورغم أنّ كلا الجانبين قد تصرفا بوحشية، إلا أنّ قوات الدعم السريع تشتهر بشكل خاص بهمجيتها، بما في ذلك قتل واغتصاب أفراد من عدة مجموعات عرقية أفريقية سوداء. وأثناء تغطيتي الصحفية على الحدود التشادية السودانية في عام 2024، أجريت مقابلات مع ناجين وصفوا كيف عمدت قوات الدعم السريع إلى قتل الرجال والصبيان الذين تزيد أعمارهم عن 10 سنوات بشكل منهجي، بالإضافة إلى الاعتداء الجنسي الجماعي على العديد من النساء والفتيات.
ونقلت إحدى النساء عن أحد قادة قوات الدعم السريع قوله للقرويين: “لا نريد رؤية أي أشخاص سود”، وذلك قبل أن تذبح الميليشيا الرجال والصبيان، وكان من بينهم أشقاؤها الخمسة.
وتحشد قوات الدعم السريع الآن قواتها حول مدينة الأُبَيِّض وتهاجمها بالطائرات المسيرة، بينما الغذاء شحيح والسكان يزدادون ضعفًا. كما تشهد المنطقة تفشيًا لمرض الكوليرا، وهو ما قد يفاقم المعاناة بشكل كبير في حال انتشاره.
وحذر فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، قبل بضعة أيام قائلًا: “تتكشف كارثة أخرى لحقوق الإنسان في السودان”. وأضاف أنّ السكان في المنطقة يتعرضون لإعدامات ميدانية وللعنف الجنسي.
ويفيد تقرير للمجلس النرويجي للاجئين بأنّ “العائلات تضطر للوقوف في طوابير لساعات طويلة للحصول على مياه غالبًا ما تكون غير صالحة للشرب. وبمجرد تمكنهم من جلب المياه إلى المنزل، يتعين عليهم الاختيار بين استخدامها للشرب أو الطهي أو الاغتسال”.
ليس من الواضح تمامًا ما إذا كانت قوات الدعم السريع تخطط لاجتياح مدينة الأُبَيِّض، أو ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى حمام دم في حال حدوثه. وبالمقارنة بمدينة الفاشر، ينتمي عدد أقل من سكان الأُبَيِّض إلى المجموعات العرقية الأفريقية السوداء التي تستهدفها قوات الدعم السريع. ومن الممكن أيضًا أن يكون حصار الأُبَيِّض مجرد مناورة تكتيكية للتمويه على هجوم في مكان آخر، مثل مدينة طويلة في إقليم دارفور.
ورغم ذلك، تظل المخاطر جسيمة، حيث أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بيانًا الشهر الماضي يحذر فيه من “خطر وشيك لوقوع فظائع جماعية”.
يبدي القادة استعدادهم للحديث عن العنف ذاته. فقد وصفت كل من إدارتي بايدن وترامب الوضع في السودان بأنه إبادة جماعية. وحذرت وزارة الخارجية الأمريكية في الشهر الماضي فقط من “مؤشرات مقلقة على أن فظائع جماعية قد تكون وشيكة”.
لكن ما لا يجرؤ المسؤولون الأمريكيون والأوروبيون ومسؤولو الأمم المتحدة على قوله صراحةً هو أن القوة التي تقف وراء قوات الدعم السريع هي الإمارات. ورغم نفي أبوظبي لذلك، فإنّ دعمها لقوات الدعم السريع أمر ثابت. وبفضل ثرائها ونفوذها غدت “الدولة التي لا يُسمح بذكر اسمها”.
قد تحرج التصريحات العلنية الصارمة والضغوط الأخرى من واشنطن والعواصم الأوروبية الإمارات بدرجة تكفي لدفعها إلى مطالبة أصدقائها القتلة في السودان بالتراجع، فقد أدّت ضغوط مماثلة إلى سحب الإمارات لمعظم قواتها من حرب وحشية في اليمن عام 2019. بدلًا من ذلك، يتعامل قادة العالم اليوم بحذر شديد مع دور الإمارات.
ترتبط الإمارات بعلاقات مالية وثيقة بشكل خاص مع عائلة ترامب. والواقع أنّ دخل عائلة ترامب ارتفع بشكل ملحوظ في العام الماضي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى قيام شركة استثمارية مرتبطة بالإمارات بدفع مبالغ ضخمة مقابل حصة في شركة العملات المشفرة الرئيسية التابعة للعائلة.
وقد قدم أعضاء في الكونغرس، بقيادة السيناتور كريس فان هولين والنائبة سارة جاكوبس، مشروع قانون من شأنه أن يحد بشكل أساسي من مبيعات الأسلحة للإمارات طالما أنّها تسلح قوات الدعم السريع. وقال فان هولين: “يمكن إنهاء هذا الصراع المروع إذا امتلكنا الإرادة السياسية للقيام بذلك – بدلًا من شن حروب غبية مع إيران”.
وأنا أشارك الرأي القائل بأنّ مثل هذا الإجراء يمكنه إنهاء هذه الكارثة – ولكنه يرزح تحت وطأة اللامبالاة. يجب أن نتحلى بالشجاعة للحديث علنًا عن الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان سواء كان الطرف المسؤول هو روسيا أو الصين أو إسرائيل أو أمريكا أو الإمارات، فإذا كنت تهتم بحقوق الإنسان في بعض الأماكن فقط، فأنت في الحقيقة لا تهتم بحقوق الإنسان على الإطلاق.
لا يحظى السودان باهتمام كبير، ويرجع ذلك جزئيًا إلى صعوبة الدخول إلى مناطق الأزمات. كنت أنظم رحلة إلى مناطق النزاع في الشهر الماضي، لكن الطريق الذي كنت سأسلكه أُغلق في اللحظة الأخيرة واضطررت إلى تأجيل الرحلة. ومع ذلك، تتسرب معلومات كافية للدبلوماسيين ومجموعات الإغاثة بما يتيح لهم دق نواقيس الخطر، لكن المشكلة تكمن فقط في أنّ العالم يتجاهلهم.
وشددت رباب محمد علي بالدو، وهي ناشطة سودانية تنحدر من مدينة الأُبَيِّض: “يجب على المجتمع الدولي أن يتوقف عن الاكتفاء بردود الفعل تجاه الفظائع، وأن يبدأ في منعها”.
يمثل هذا الوقت لحظة مثالية لممارسة الضغط العام، إذ يبدو أنّ الإمارات تحشد الدعم لترشيح إحدى أبرز مسؤولاتها في وزارة الخارجية، لانا زكي نسيبة، لتولي منصب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، قال ناثانيال ريموند، من مختبر ييل للأبحاث الإنسانية، والذي يتابع الأزمة في السودان عن كثب: “لن تنتهي هذه المأساة حتى تتعرض الإمارات لضغوط تجبرها على إيقاف شريان الإمداد السريع للأسلحة المتطورة المتجه إلى قوات الدعم السريع. يمكن أن تنتهي هذه الحرب في غضون أسبوعين فقط إذا واجهت قوات الدعم السريع شحًا في الذخيرة نتيجة لقرار إماراتي بأن الأمر لم يعد يستحق هذا العناء”.
لذا، يقع جزء من المسؤولية على عاتقنا. فهل سنجد الشجاعة الكافية لرفع أصواتنا والحديث علنًا؟
المصدر: نيويورك تايمز