• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الأسلحة الكيميائية في السودان.. ورقة أمريكية لإعادة تشكيل موازين الحرب

عماد عنان١٣ يوليو ٢٠٢٦

في تطور لافت، وجّهت الولايات المتحدة اتهامات مباشرة إلى الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال عامي 2024 و2025، معتبرة أن الحكومة السودانية لم تفِ بالتزاماتها المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، بما قد يضعها أمام مساءلة قانونية وسياسية دولية.

وقالت واشنطن، في بيان أمام المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إن تقييمها يستند إلى تحليل فني مستقل خلص إلى وجود إخلال سوداني بالالتزامات المترتبة على الاتفاقية خلال العامين الماضيين،  وطالبت السلطات السودانية بتقديم إعلان شامل يتضمن معلومات دقيقة بشأن المنشآت والمواد والأنشطة ذات الصلة، فضلًا عن السماح لفرق المنظمة بإجراء عمليات تفتيش ميدانية كاملة ومن دون قيود.

ويعكس هذا التطور تحولًا ملحوظًا في طبيعة الموقف الأمريكي من الحرب السودانية ومن طرفيها الرئيسيين، فمنذ اندلاع الصراع، اتسمت السياسة الأمريكية بدرجة من الحذر والتردد، مع تجنب الانخراط المباشر في تعقيدات المشهد، والاكتفاء لفترة طويلة بالضغوط الدبلوماسية والبيانات العامة والدعوات إلى وقف إطلاق النار، غير أن المرحلة الأخيرة شهدت تصعيدًا واضحًا في لهجة الخطاب الأمريكي، تجاوز حدود التصريحات السياسية إلى اتخاذ خطوات أكثر مباشرة.

ويشير هذا التحول إلى رغبة أمريكية متزايدة في إعادة تقييم الملف السوداني ودراسة احتمالية التدخل على خط الأزمة، لكن وفق مقاربة مختلفة، ومن هنا يطرح الاتهام الأخير تساؤلات بشأن دلالات هذا التصعيد ضد الجيش السوداني، ومدى ارتباطه بمسار الحرب، وبمحاولات واشنطن إعادة تشكيل موازين الضغط على طرفي الصراع خلال المرحلة المقبلة.

ما الجديد؟

ليست هذه المرة الأولى التي توجّه فيها واشنطن اتهامات إلى الحكومة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية؛ إذ سبق أن أصدرت اتهامًا مماثلًا في أبريل/نيسان 2025، أعقبته بفرض قيود على المساعدات، ومبيعات السلاح، والصادرات، والتمويل الحكومي الأمريكي، ورغم خطورة الاتهام، أشار المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية آنذاك إلى أن الأمانة الفنية للمنظمة لم تتلقَّ طلبًا مدعومًا بما يكفي للشروع في إجراءات أو أنشطة إضافية، كما أقرت واشنطن لاحقًا بأنها لم ترسل محققين إلى السودان، ولم تكشف علنًا عن طبيعة المادة المستخدمة، أو مواقع الهجمات وتوقيتها، فيما نفت السلطات السودانية الاتهامات جملة وتفصيلًا.

غير أن الموقف الأمريكي يشهد اليوم مستوى جديدًا من التصعيد؛ إذ تطالب واشنطن الخرطوم بتقديم إعلان شامل عن أي أسلحة أو منشآت أو برامج كيميائية، والسماح بعمليات تفتيش دولية فورية ومن دون قيود، بالتزامن مع التلويح بجولة ثانية من العقوبات، ويعني ذلك أن القضية لم تعد محصورة في إطار تقييم أو قرار أمريكي منفرد، بل انتقلت إلى مسار ضغط منظم داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما يفتح الباب أمام تدويل أوسع للملف.

ويحمل توجيه اتهام باستخدام أسلحة كيميائية تصعيدًا غير مسبوق في الضغط على الجيش السوداني؛ فالأمر يتجاوز الحديث عن الانتهاكات الميدانية أو الكوارث الإنسانية المرتبطة بالحرب، ويدخل في نطاق أسلحة الدمار الشامل، وهي من أكثر الملفات خضوعًا للضوابط والاتفاقيات الدولية الصارمة، ومن شأن هذا التحول أن يمنح واشنطن مساحة أوسع لحشد الدعم الدولي، وفرض إجراءات عقابية إضافية، وتوسيع دائرة العزلة السياسية والدبلوماسية المفروضة على السلطة السودانية، بما يجعل الاتهام أداة ضغط قانونية وسياسية تتجاوز حدود العقوبات الأمريكية الأحادية.

ما خطورة هذا التصعيد؟

تكمن خطورة هذا التصعيد في طبيعة الجهة المستهدفة وما تمثله من رمزية سيادية؛ فالولايات المتحدة لا توجه اتهامها إلى فصيل عسكري منفصل أو تنظيم سياسي، وإنما إلى الجيش السوداني بوصفه المؤسسة العسكرية الرسمية، وإلى الحكومة باعتبارها الممثل القانوني للدولة السودانية أمام المجتمع الدولي، وبذلك يتجاوز الاتهام حدود المسؤولية الفردية أو الميدانية، ليطال الدولة بمؤسساتها ورمزيتها السياسية والعسكرية.

ومن شأن هذه المقاربة أن تضع، حسب التصور الأمريكي، الجيش وميليشيا الدعم السريع في كفة واحدة، من حيث تحميل كليهما مسؤولية الانتهاكات الجسيمة، وإن اختلفت طبيعة الاتهامات الموجهة إلى كل طرف. فبينما تواجه الميليشيا اتهامات بارتكاب جرائم إبادة وانتهاكات واسعة بحق المدنيين، تُحمّل واشنطن السلطة الرسمية والجيش مسؤولية استخدام أسلحة كيميائية، بما يقوض محاولاتهما تقديم نفسيهما بوصفهما الطرف الشرعي الوحيد في الصراع.

ووفقًا لهذا الاتهام، تصبح الدولة السودانية، من المنظور الأمريكي، مسؤولة عن أفعال عسكرية يُشتبه في تعارضها مع التزاماتها الدولية، وهو ما يفتح الباب أمام مطالبتها بالخضوع لعمليات تفتيش دولية شاملة، وهي المطالب التي تمثل مساسًا بسيادة السودان الوطنية وانتقاصًا من مكانته السياسية، ولا سيما إذا جرت عمليات التفتيش تحت ضغط العقوبات والاتهامات المسبقة.

ولا يتوقف التصعيد عند حدود المطالبة بالتحقيق والتفتيش، بل يمتد إلى دعوة واشنطن لتقييد مشاركة السودان في مناقشات المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والتأثير في قراراته، رغم عضويته في المنظمة، وتستند واشنطن في ذلك إلى أن دولة متهمة باستخدام السلاح الكيميائي لا ينبغي أن تشارك في توجيه قرارات الهيئة المعنية بمراقبة حظره.

وهنا ينتقل الضغط الأمريكي من دائرة العقوبات والإجراءات الاقتصادية إلى مستوى أكثر خطورة، يتمثل في تقليص الشرعية الدولية للسلطة السودانية، حكومةً وجيشًا، ومحاولة الحد من قدرتها على الحركة والتأثير داخل المؤسسات الدولية. وهو مسار قد يفضي، إذا اتسع نطاق التأييد الدولي له، إلى زيادة عزلة الخرطوم سياسيًا ودبلوماسيًا، وتحويل ملف الأسلحة الكيميائية إلى ورقة ضغط مركزية في إدارة الحرب ومسارات التسوية المقبلة.

رسالة ضغط مزدوجة

يمكن قراءة هذا التصعيد في إطار الضغوط المتزايدة التي تمارسها واشنطن على طرفي الحرب في السودان، وبصورة خاصة على الجيش، الذي ما يزال يتحفظ على عدد من بنود المبادرة الأمريكية الهادفة إلى إقرار هدنة إنسانية لمدة تسعين يومًا، تمهيدًا للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتوحيد المؤسسة العسكرية، ونزع سلاح التشكيلات المسلحة، وإطلاق عملية سياسية تقود إلى حكم مدني.

ورغم موافقة الجيش على بعض عناصر المبادرة، فإنه اعترض على بنود أخرى، في مقدمتها اقتصار انسحاب قوات الدعم السريع على مناطق محددة، متمسكًا بضرورة انسحابها الكامل من جميع المدن والمواقع التي تسيطر عليها، ويمثل هذا الخلاف إحدى أبرز العقبات التي تعرقل تمرير المبادرة الأمريكية والوصول إلى صيغة متوافق عليها لوقف الحرب.

ومن هذا المنطلق، تبدو واشنطن وكأنها تسعى إلى رفع مستوى الضغط على الجيش والسلطة السودانية، من خلال التلويح بالعقوبات، وتوسيع دائرة العزلة الدولية، وتقليص هامش الشرعية السياسية والدبلوماسية، وتهدف هذه الأدوات، في جوهرها، إلى دفع الخرطوم نحو تقديم تنازلات أو إبداء قدر أكبر من المرونة في التعامل مع المبادرة الأمريكية ومتطلبات التسوية.

وفي الوقت نفسه، يحمل التصعيد رسالة ضغط موازية إلى دول المنطقة وحلفاء السلطة السودانية، لدفعهم إلى ممارسة نفوذهم على الخرطوم وحثها على إظهار مزيد من الشفافية والتعاون، وبهذا تسعى واشنطن إلى تدويل ملف الأسلحة الكيميائية، ونقله من نطاق المواجهة الثنائية بين الولايات المتحدة والسودان إلى دائرة إقليمية ودولية أوسع.

ومن شأن هذا المسار أن يحد من الغطاء السياسي الذي توفره بعض القوى الإقليمية للسلطة السودانية، وأن يحول علاقات الخرطوم بحلفائها إلى أداة ضغط إضافية عليها، وبذلك يصبح ملف الأسلحة الكيميائية جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع، تستهدف تطويق الجيش سياسيًا ودبلوماسيًا، وإعادة تشكيل موازين التفاوض بما يخدم مسار الهدنة والتسوية التي تدفع بها واشنطن

ماذا عن المقاربة الأمريكية؟

يكشف هذا التصعيد أن المقاربة الأمريكية للحرب في السودان لا تنظر إلى أي من طرفي الصراع بوصفه شريكًا موثوقًا أو مؤهلًا لقيادة المرحلة المقبلة منفردًا،  فالاتهامات الأمريكية لم تقتصر على الجيش السوداني؛ إذ سبق لواشنطن أن اتهمت قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم إبادة جماعية في دارفور، وفرضت عقوبات على قائدها محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وعلى شبكات تمويل وتسليح مرتبطة بها.

وبحسب هذه الرؤية، فإن الطرفين باتا محاطين باتهامات جسيمة تتعلق بانتهاكات الحرب والجرائم بحق المدنيين، بما يقوض أهليتهما السياسية،  فالجيش، من المنظور الأمريكي، لا يمتلك تفويضًا يسمح له بالاستئثار بشرعية الحكم، كما أن ميليشيا الدعم السريع لا تُعد بديلًا سياسيًا أو عسكريًا مقبولًا، ولا طرفًا مؤهلًا للمشاركة في السلطة بصورتها الحالية.

لكن هذا الموقف لا يعني قطيعة أمريكية كاملة مع الطرفين؛ إذ تدرك واشنطن أن أي تسوية لا يمكن أن تتجاوزهما في المرحلة الراهنة، كما أنها لا تبدو راغبة في تمكين أحدهما من تحقيق انتصار عسكري حاسم على الآخر، ولهذا تميل المقاربة الأمريكية إلى احتواء الصراع ومنع حسمه بالقوة، ودفع الطرفين نحو هدنة تتيح وقف النزيف وإعادة ترتيب المشهد.

وقد تجلى ذلك في المبادرة الأمريكية الأخيرة، التي تقوم على وقف إطلاق النار، وتوحيد المؤسسة العسكرية، ونزع سلاح الميليشيات، وإعادة السلطة إلى مسار مدني، وهي مقاربة تستهدف، في جوهرها، تفكيك الثنائية العسكرية التي تحكم المشهد، ومنع أي من الطرفين من تحويل تفوقه الميداني إلى شرعية سياسية دائمة.

إدارة الأزمة لا حلها

في المحصلة، يبدو أن أمريكا بدأت تتخلى تدريجيًا عن سياسة الحذر والابتعاد النسبي التي طبعت تعاملها مع الأزمة السودانية، متجهة نحو انخراط أكثر وضوحًا وتأثيرًا في مساراتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية، ولكن وفق مقاربة جديدة لا تمنح الجيش السوداني أفضلية مطلقة على حساب قوات الدعم السريع، ولا تتعامل مع أي من الطرفين بوصفه شريكًا موثوقًا أو مؤهلًا لقيادة المرحلة المقبلة منفردًا.

وتقوم هذه المقاربة على وضع الطرفين داخل دائرة الاتهام والشك، وتحميل كل منهما مسؤولية جانب من الانتهاكات التي شهدتها الحرب، بما يقوض شرعيتهما السياسية ويفرض عليهما ضغوطًا متوازية، غير أن هذا النهج قد يؤدي عمليًا إلى إبقاء موازين القوى دون حسم، ومنع أي طرف من تحقيق تفوق عسكري أو سياسي حاسم، من دون أن يوفر في المقابل مسارًا واضحًا وفعالًا لإنهاء الصراع.

ومن ثم، قد تسهم السياسة الأمريكية بمقاربتها الجديدة في إدارة الأزمة واحتوائها أكثر مما تسهم في تفكيك جذورها أو إنهائها، ليظل الوضع على ما هو عليه، ويبقى المواطن السوداني الطرف الأكثر تضررًا، إذ يدفع ثمن استمرار الحرب في صورة مزيد من النزوح والفقر والانهيار الإنساني، فيما تظل الساحة السودانية مفتوحة على جولات جديدة من التصعيد إلى أجل غير معلوم.

مواضيعالحرب في السودان ، الشأن السوداني ، قوات الدعم السريع

قد يعجبك ايضا

سياسة

انقسام الديمقراطيين: كيف تهيمن حرب غزة على الانتخابات النصفية؟ 

جوزيف جيديون١٣ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

واشنطن تجمع بغداد ودمشق.. أنابيب النفط والتجارة تعيدان رسم المنطقة

أحمد الدباغ١٣ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

سقوط جدار الإنكار.. الأدلة تطارد الإمارات في حرب السودان

محمد مصطفى جامع١٣ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑