• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

من أرض الثروات إلى قوافل الرحيل.. ماذا يحدث في الحسكة؟

زين العابدين العكيدي١٧ يوليو ٢٠٢٦

عدد من الأسر في ريف الحسكة تستعد للهجرة نحو الداخل السوري – 7 تموز 2026 (مركز الحسكة الإعلامي)

تشهد مناطق عدة في محافظة الحسكة موجة هجرة واسعة نحو مدن الداخل السوري وخارج البلاد، مدفوعة بالفقر والبطالة وانهيار الخدمات. ويغادر السكان قراهم بحثًا عن فرص عمل أو مكان يوفر لهم ظروفًا معيشية أفضل.

ومنذ سيطرة القوات الحكومية السورية على مساحات واسعة من المحافظة كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية «قسد»، تشكّل واقع جديد قسّم الحسكة فعليًا بين منطقتين، تخضع إحداهما لسلطة الحكومة السورية، فيما تسيطر «قسد» على الأخرى. وأدى انسحاب مؤسسات الإدارة الذاتية من الريفين الجنوبي والغربي إلى توقف معظم المرافق الخدمية، وبقاء مناطق واسعة من دون مؤسسات قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

وتحاول السلطات السورية الجديدة إعادة تنظيم المناطق التي انتقلت إليها حديثًا، فيما يبقى التحسن محدودًا. فقد عانت هذه المناطق سنوات طويلة من التهميش وضعف الخدمات خلال حكم «قسد»، قبل أن يجد سكانها أنفسهم اليوم أمام واقع أكثر تدهورًا، مع استمرار نقص المياه والكهرباء وفرص العمل والمساعدات.

وخلال الأيام القليلة الماضية، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع مؤثرة توثق مغادرة شبان وعائلات من أرياف الحسكة، ما أعاد تسليط الضوء على الأزمة الإنسانية المتفاقمة في منطقة الجزيرة. وأظهرت المشاهد سكانًا يتركون قراهم ومنازلهم بحثًا عن لقمة العيش في محافظات سورية أخرى أو في دول الجوار، بينها لبنان وتركيا.

وتتركز موجة النزوح في الريفين الجنوبي والغربي، ولا سيما في المنطقة الممتدة من جبل عبد العزيز إلى بلدتي الشدادي ومركدة وقرى جنوب الرد. ويكشف احتفاء السكان بحفر بئر مياه أو وصول مساعدات غذائية محدودة حجم الحرمان الذي تعيشه المنطقة، وعمق الأزمة التي تدفعها نحو تفريغ سكاني متسارع.

ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة تاريخ الحسكة الطويل مع الهجرة، بعدما تحولت خلال العقود الماضية إلى واحدة من أكثر المناطق السورية طردًا للسكان، بفعل التهميش وتراجع التنمية وتراكم الأزمات الاقتصادية والخدمية.

آمال في مهب الريح

تأتي هذه الظروف الاقتصادية والخدمية السيئة في أعقاب تغيرات ميدانية وإدارية كبرى شهدتها محافظة الحسكة مطلع العام الجاري 2026. فقد بسط الجيش السوري سيطرته على معظم الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الأرياف الغربية، في حين انكفأت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) إلى المدن الكبرى، مثل الحسكة والقامشلي.

وعلى إثر اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية و«قسد»، بدأت منذ شباط/فبراير الماضي عملية تدريجية تهدف إلى دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن الهياكل الوزارية الحكومية. ومع انتقال الإدارة الفعلية لعدد من القرى والبلدات إلى مؤسسات الحكومة، استبشر السكان خيرًا وتأملوا تحسنًا سريعًا في الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية، إلا أن الواقع على الأرض لا يزال بعيدًا كل البعد عن تلك التطلعات، إذ استمر الوضع في التدهور على الصعد الاقتصادية والخدمية والأمنية، وزاد الضغط على الأهالي من دون حلول ملموسة.

أما عملية الاندماج، فلا تزال تسير ببطء شديد، رغم التصريحات الرسمية التي تبدو في فحواها مبشرة. وعلى الأرض، تدير حكومتان المشهد فعليًا، فيما تبقى مناطق السيطرة مقسمة ومنفصلة عن بعضها، ولا تزال وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) قائمة، إلى جانب جهازها الأمني.

تجمع للأهالي على طريق الهول – الحسكة يوم الأحد تعبيراً عن استيائهم من ارتفاع أسعار الوقود والمياه في ظل الأعباء المعيشية المتزايدة (مرصد الحسكة)

ولا تزال غالبية كوادر المؤسسات التي كانت تابعة لما يسمى بالإدارة الذاتية هي ذاتها التي عُيّنت سابقًا، فيما اقتصر الاندماج حتى الآن على الشكليات، والاندراج اسميًا ضمن ملاك الدولة السورية. وحتى اليوم، لم يرجع أي حسكاوي إلى منزله في المدينة أو المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، ولا يزال غالبية المهجرين ينتظرون نتائج الاندماج المعلن.

جبل عبد العزيز بلا خدمات

في الحسكة، تتشابه الصور في مختلف أريافها، إذ يغادر عشرات السكان يوميًا صوب المجهول. وتنطلق معظم قوافل المهاجرين من المناطق الواقعة غربي المحافظة، حيث قرى جبل عبد العزيز. وهناك تتفاقم المعاناة الإنسانية للسكان، إذ يعيش ما يقارب 50 ألف نسمة في عشرات القرى المنتشرة في الجبل.

وتتصدر أزمة البطالة المشهد، مع غياب أدنى متطلبات الحياة. فالمياه شحيحة وتنقطع باستمرار، وتحول تأمينها إلى عبء مالي واستنزاف يومي. وباتت عائلات عديدة مجبرة على شراء المياه من الصهاريج الخاصة بأسعار مرتفعة، أو الاعتماد على آبار خاصة.

لا تتوقف الأزمة عند هذا الحد، بل تمتد لتضرب القطاعين التعليمي والصحي في العمق. فالمدارس التي استأنفت عملها مؤخرًا تعاني نقصًا حادًا في الكتب المدرسية والمستلزمات الأساسية. أما على الصعيد الصحي، فيفتقر المركز الصحي الوحيد في الناحية إلى الأدوية والتجهيزات الطبية، ويقتصر دوره على علاج الكسور والرشح، كما يقول أدهم، أحد سكان المنطقة، لـ”نون بوست”.

ويقول أدهم: “إن هذا الوضع المتدهور في القطاع الصحي بات يجبر المرضى، وخاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، على تكبد مشقة السفر لمسافات طويلة باتجاه مدينتي الحسكة أو دمشق، وسط ارتفاع تكاليف النقل. وحتى التنقل إلى الحسكة صعب بسبب حواجز قسد هناك، التي تضيق على القادمين من مناطق سيطرة الحكومة السورية”.

ويضيف: “إن البلديات تعاني شللًا شبه كامل نتيجة غياب المركبات والآليات الخدمية، ما يدفع موظفي البلدية إلى إنجاز المهام بأيديهم، فيما لا يزال معظمهم من دون رواتب حتى اليوم، ما يهدد استمرارية العمل الخدمي”.

وتتكرر المشاهد نفسها في ريف الحسكة الجنوبي، حيث الشدادي ونواحيها، إذ لا يزال الوجود الحكومي فيها خجولًا من حيث الأمن والخدمات، ويتركز أمنيًا، في المجمل، حول حقول النفط.

الهجرة الخيار الأوحد

مع بدء سيطرة القوات الحكومية على أجزاء كبيرة من الحسكة، وتقهقر قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، عمد غالبية أبناء العشائر المنضوين تحت راية الميليشيا إلى إلقاء السلاح وعدم الانخراط في الأعمال القتالية، ما أدى إلى عملية انشقاق جماعي واسعة، وسط تهليل بدخول الجيش السوري إلى مناطقهم.

ويقول مروان، أحد عناصر “قسد” السابقين، الذي انشق عن الميليشيا في منطقة الشدادي قبيل سيطرة القوات الحكومية عليها: “لم يتوقع هؤلاء المنشقون استبعادهم من الانتساب إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية الجديدة. فهؤلاء الشباب، الذين تناهز أعدادهم 10 آلاف عنصر عربي، كانوا يمنّون أنفسهم بالانضمام إلى السلك العسكري للدولة الجديدة، لكن معظمهم رُفض. واليوم، هم عالقون ويعيشون على الهامش في منطقة تسودها البطالة والفقر، وبات غالبيتهم يتوجهون صوب لبنان وتركيا عبر طرق التهريب”.

ويضيف: “على خلاف العناصر الذين ظلوا في صفوف ميليشيا قسد، فقد دُمج معظمهم في وزارتي الداخلية والدفاع، فيما جرى توظيف بعضهم في وظائف ثابتة ضمن مناطقهم”.

قوات الأمن السورية على الحدود الإدارية لمحافظة الحسكة تتهيأ للدخول اليها وفقاً للاتفاق بين قسد ودمشق- يورونيوز

على الجانب الآخر، تعتمد مناطق واسعة من ريف الحسكة على النشاط الزراعي وتربية المواشي، إلا أن الارتفاع الحاد في أسعار مستلزمات الإنتاج، وتراجع الحركة الاقتصادية، وتوالي سنوات الجفاف، جعلت تأمين مصدر دخل ثابت تحديًا شبه مستحيل. وباتت البطالة اليوم المشكلة الأبرز التي تواجه الشباب، فالأعمال الزراعية لم تعد قادرة على توفير دخل كافٍ لتغطية تكاليف المعيشة المرتفعة، فيما لا تدعم الحكومة الجديدة القطاع الزراعي، ما يؤدي إلى موسم خاسر للفلاحين. ويعجز الناس عن تأمين قوت يومهم، لذلك يجدون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة وترك المنطقة، باعتبارها الخيار الوحيد المتاح.

ويترك هذا النزيف الديموغرافي المستمر للشباب أثرًا بليغًا على الأسر المتبقية، التي تعتمد على أبنائها في تأمين المصاريف اليومية. وتختلف الوجهات؛ فمنهم من يتوجه إلى محافظات سورية أخرى للعمل الزراعي الموسمي أو في المهن الحرة، مثل حوران وريف دمشق، ومنهم من يختار السفر عبر طرق التهريب إلى لبنان أو تركيا، بحثًا عن أي فرصة عمل تحسن ظروفه المعيشية الصعبة.

وبين فترة وأخرى، تصل أخبار عن تعرض شباب من الحسكة للضرب المبرح، أو حتى الموت، على يد حرس الحدود التركي، بعد محاولتهم تجاوز الجدار الحدودي. فلم يتغير شيء في أوضاعهم المعيشية داخل مناطقهم، إذ لا تزال المعاناة متواصلة، ولا خيارات أمامهم سوى الهجرة.

وتؤكد هذه الظروف السيئة تقارير دولية ترسم صورة قاتمة للوضع الإنساني في عموم البلاد، إذ أعلن صندوق الأمم المتحدة للسكان أن نحو 1.2 مليون شخص في سوريا بحاجة ماسة إلى مساعدات عاجلة، من بينهم 295 ألف امرأة في سن الإنجاب، جراء أزمات إنسانية متزامنة شهدتها البلاد منذ بداية عام 2026.

وأوضح الصندوق، في تقريره الذي يغطي الفترة بين مطلع أيار/مايو ونهاية حزيران/يونيو 2026، أن العمليات القتالية السابقة في حلب وشمال شرقي سوريا، والفيضانات الشديدة التي ضربت مجرى نهر الفرات، شكلت ضغطًا هائلًا يفوق طاقة استيعاب الخدمات العامة. ورغم رفع الصندوق قيمة النداء الطارئ المخصص لحلب وشمال شرقي سوريا إلى 7.5 ملايين دولار، فإن التمويل المتوفر حتى حزيران/يونيو لم يتجاوز 36% من المبلغ المطلوب، ما يعمق الفجوة الإنسانية.

المسؤولية الحكومية كطوق نجاة أخير

في الحقيقة، لا تقتصر الهجرة على الحسكة وحدها، إذ تشهد محافظة دير الزور، في الوقت نفسه، موجة هجرة جديدة من عدة مناطق فيها. وبات المئات يبيعون ممتلكاتهم ويتوجهون صوب ريف دمشق وحلب، للأسباب ذاتها الموجودة في الحسكة، وسط غياب أي تحرك حكومي بهذا الصدد.

إن الحد من نزيف هجرة الشباب من ريف الحسكة أو المناطق الأخرى في الجزيرة يتطلب حزمة إجراءات فورية تنشط الاقتصاد المحلي وتحسن البيئة الخدمية، مثل دعم القطاعين الزراعي والخدمي، وتوفير المحروقات، والإسراع في تأهيل شبكات المياه والكهرباء، وتزويد البلديات بالآليات اللازمة. إلا أن الحاصل هو العكس، للأسف، إذ يهدف التعاطي الحكومي اليوم مع هذه القطاعات إلى الجباية بالدرجة الأولى، ما يعمق المشكلة.

وبالمجمل، لا تقتصر هذه المعاناة القاسية والواقع المعيشي الصعب على ريف الحسكة فحسب، بل يمتدان ليشملا أجزاء واسعة من قرى ومناطق شرق سوريا في الرقة ودير الزور، التي تشهد أزمات مشابهة، سواء أمنية أو في مختلف المجالات الخدمية.

وفي النهاية، لا يمكن للحلول الإسعافية أن تحسن الحال في الحسكة أو غيرها من المناطق. كما أن المبادرات الفردية وجمع التبرعات المحلية لا يكفيان اليوم، إذ تقع المسؤولية بالدرجة الأولى على عاتق الجهات الحكومية، المطالبة بتحرك عاجل وسريع لإغاثة السكان وتأمين مقومات الحياة الأساسية. فإبقاء الناس في قراهم وأراضيهم، وتوفير العيش الكريم لهم، يمثلان الواجب الأسمى والأنبل فوق كل اعتبار، لمنع تحول ريف الحسكة والجزيرة عمومًا إلى مناطق مهجورة تغيب عنها الحياة.

ويعيد ذلك تكرار السيناريوهات السابقة التي عصفت بالمنطقة، وأحالتها إلى خراب ومنطقة منسية تعيش على الهامش، ومجرد مستودع تُسحب موارده لصالح المركز.

علاماتأثر الحرب على المجتمع السوري ، الجزيرة السورية ، الحسكة ، الشأن السوري ، ملامح سوريا الجديدة
مواضيعالأزمة السورية ، الجزيرة السورية ، الشأن السوري ، المجتمع السوري ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

مجتمع

داخل “جذور” وشركائها.. كيف تعيد المنظمة تشكيل الفلسطيني المقبول غربيًا؟

سجود عوايص١٧ يوليو ٢٠٢٦
مجتمع

من القحط إلى الغرق.. كيف يدفع المناخ مزارعي إدلب إلى تغيير خياراتهم؟

يوسف بدوي١٠ يوليو ٢٠٢٦
مجتمع

من العشوائيات إلى الأبراج.. من يدفع ثمن التحول العمراني في دمشق؟

محمد كاخي٢٣ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑