ترجمة وتحرير: نون بوست
شكّل سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 صدمة للسوريين في الداخل والخارج؛ فعلى مدى 13 عامًا، شنّت الأجهزة العسكرية والاستخباراتية التابعة لرئيس البلاد حربًا على مواطنيه المدنيين، أودت بحياة ما لا يقل عن 500 ألف شخص، وشرّدت أكثر من نصف السكان، وحوّلت مدنًا كاملة إلى أنقاض. ومع فرار رموز النظام إلى الخليج وموسكو أو اختبائهم هربًا من الانتقام، كُشف عن مقابر جماعية وعن شبكة سجون مرعبة ابتلعت عشرات الآلاف في غرف التعذيب ومراكز الاحتجاز السرية.
وفي قلب هذه المنظومة كانت هناك مواطنة بريطانية، وهي السيدة الأولى لسوريا، أسماء الأسد، التي وُلدت ونشأت في لندن قبل أن تنتقل إلى دمشق، حيث عززت خلال سنوات الحرب نفوذها على الاقتصاد السوري. لكن تحقيقًا أجرته صحيفة “ذا أوبزرفر” أثبت أن أسماء، إلى جانب قوتها المالية، أصبحت شخصية محورية في إدارة النظام وعملية صنع القرار فيه.
ومن خلال التحدث إلى العديد من المصادر التي كانت مقربة في السابق من العائلة الحاكمة، والتي يفضل الكثير منها عدم الكشف عن هويته خوفًا من انتقام كل من الزوجين ومن منتقدي النظام على حد سواء، توصل التحقيق إلى أنها:
-
كانت محل نظر الروس كخليفة محتملة لزوجها في قيادة سوريا.
-
مارست سيطرة واسعة على قطاعات اقتصادية أساسية، بما في ذلك المساعدات الدولية التي كانت الأمم المتحدة تعلم أنها تُنهب.
-
غضت النظر عن استخدام أجهزة الاستخبارات للأطفال كورقة مساومة سياسية عبر دور أيتام تديرها مؤسستها الخيرية.
-
ترأست “مجلسًا اقتصاديًا” مارس ضغوطًا وتهديدات بالاعتقال للتأثير على رجال الأعمال.
ورغم أن صحيفة “ذا أوبزرفر” علمت من مصدرين مطلعين أن شقيقي أسماء قد مُنعوا من دخول المملكة المتحدة، وأن وزير الخارجية السابق ديفيد لامي صرح بأنها غير مرحب بها في المملكة المتحدة، فإن أسماء نفسها لم تتلق أي إشارة إلى سحب جنسيتها. ولم تعلق كل من وزارة الداخلية ووزارة الخارجية على الأمر.
وعلمت صحيفة «ذا أوبزرفر» أيضًا أن أسماء وزوجها يحملان إقامة في الإمارات العربية المتحدة، وأن الزوجين كانا يسافران ذهابًا وإيابًا إلى دبي. ويُعتقد أن آخر زيارة لها إلى هناك كانت في الشهر الماضي، حيث أقامت في فندق “والدورف أستوريا”.
ولا يزال الأسد أحد أكثر الرجال المطلوبين في العالم، وتلاحقه العديد من أوامر التوقيف الدولية المتعلقة بجرائم حرب ارتكبت خلال الصراع، أبرزها أوامر التوقيف الصادرة عن السلطات الفرنسية المرتبطة بالهجمات الكيماوية التي وقعت في الغوطة عام 2013، والتي قُتل فيها مئات المدنيين بغاز السارين، ومقتل الصحفيين ماري كولفين وريمي أوشليك عام 2012 أثناء قصف مدينة حمص.
ولا تتمتع المحكمة الجنائية الدولية بالاختصاص القضائي للنظر في الجرائم المزعومة المرتكبة في سوريا، لأنها ليست من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة التي أنشأت المحكمة. ونتيجة لذلك، اعتمدت جهود المساءلة إلى حد كبير على المحاكم الوطنية، ولا سيما تلك التي تطبق مبدأ الولاية القضائية العالمية.
غير أن وضع أسماء مختلف بصفتها مواطنة بريطانية، ما يضعها تحت ولاية المحكمة الجنائية الدولية ويمكن توجيه الاتهام إليها، كما يُمكن لبريطانيا إصدار مذكرة توقيف بحقها. وقال المدعي العام السابق للمحكمة، لويس مورينو أوكامبو: “هي بريطانية، وهذه فرصة لأنها من دولة موقّعة على المعاهدة”.
وفي عام 2021، قامت وحدة جرائم الحرب التابعة لشرطة العاصمة بفحص الادعاءات التي تفيد بأن أسماء قد ارتكبت جرائم من خلال دعمها للحكومة السورية ودورها في الترويج لرواية النظام خلال الصراع. وقد جمعت شرطة العاصمة ملفاً عنها وأحالته إلى النيابة العامة، ولكن يُعتقد أن العقبات العملية التي تعترض متابعة القضية – نظرًا لأنه من غير المرجح أن تعود أسماء إلى المملكة المتحدة – ساهمت في عدم مضي النيابة العامة قُدمًا في القضية.
وقد جُرد مواطنون بريطانيون آخرون من جنسيتهم بعد مغادرتهم للبلاد للقتال في حروب أجنبية أو الانضمام إلى جماعات متطرفة، كما كان الحال مع شميمة بيجوم، المراهقة من شرق لندن التي سافرت إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم الدولة.
إلا أن قضية أسماء تبقى فريدة من نوعها؛ إذ لم يسبق لمواطن بريطاني في العصر الحديث أن يكون شخصية مركزية إلى هذا الحد في حكومة تُتهم على نطاق واسع بارتكاب فظائع جماعية.
وتقول مصادر مقربة من عائلة الأسد إن أبناءهم، بالإضافة إلى والدة أسماء وأحد أشقائها، وهو فراس الأخرس، يعيشون حاليًا في دبي. ويقول أقارب الزوجين إنهما يحملان تصاريح إقامة في الدولة الخليجية، لكن رغم ترحيب الدولة بزيارتهما، إلا أنه تم إبلاغهما أنه لا ينبغي بهما الانتقال للعيش هناك بشكل دائم في الوقت الحالي، رغم أن هذا هو هدفهما النهائي.
ومن شأن منح عائلة الأسد الإقامة الدائمة أو الجنسية أن يمثل خطوة استثنائية، تنطوي على تداعيات دبلوماسية خطيرة؛ حيث تُعد الإمارات حليفة للمملكة المتحدة، وتربط البلدين معاهدة ثنائية لتسليم المجرمين سارية المفعول منذ أبريل/ نيسان 2008. وقد استفسرت صحيفة “ذا أوبزرفر” من حكومة الإمارات العربية المتحدة عن وضع إقامة عائلة الأسد، لكنها لم تتلق أي رد.
وقال عبده الدباغ، ابن خالة أسماء، في حديث من منزله في العاصمة اللبنانية بيروت، عن السيدة الأولى السابقة: “إنها تعيش حياة أفضل منك ومني. إنها تعيش في رفاهية. وأطفالها يعيشون الآن حياة أفضل من ذي قبل”. ويُعتقد أن أسماء، التي كانت تعمل قبل زواجها في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية في لندن، تشغل نفسها بمساعدة ابنها الأصغر، كريم، الذي يتحدث اللغة الصينية بطلاقة، على تنمية مصالحه التجارية في الصين.
وقال مصدر آخر إن الزوجين الرئاسيين السابقين لا يزالان يمتلكان استثمارات في أنحاء العالم، بما في ذلك في بلغاريا وروسيا والإمارات ولبنان.
وقال توبي كادمان، المحامي الدولي المتخصص في حقوق الإنسان، إن الخيارات المتاحة لعائلة الأسد تضيق: “لا يستطيع بشار أن يقدم للإمارات أي شيء ذي أهمية إستراتيجية في سوريا، فما هي قيمة هذه الاستثمارات إذن؟”. ويعتقد كادمان أن هناك تحولاً جاريًا على الساحة الدولية، وأن الإمارات تتقرب أكثر من الغرب. وأضاف قائلًا: “لا أعتقد أنهم سيكونون في مأمن من التسليم أو الملاحقة القضائية إذا ما ذهبوا إلى هناك”.
ومع تزايد الضغوط على المنظمات الدولية والمحلية للمطالبة بتوجيه اتهامات إلى السيدة الأولى السابقة؛ يعمل المحققون والصحفيون وأسر القتلى والمختفين على تمشيط أنقاض النظام، وجمع الأدلة التي يمكن استخدامها في محاكمات مستقبلية.
ووفقًا لصديقة قديمة لأسماء الأسد لم ترغب في الكشف عن اسمها؛ فإن العلاقة بين أسماء المراهقة – التي كانت تطلق على نفسها اسم “إيما” في تلك الأيام – والأسد البالغ من العمر 26 عامًا، تم تدبيره من قبل والدتها التي كانت تعمل في السفارة السورية في لندن.
وتعتقد الصديقة أن ترتيب العلاقة بين أسماء والأسد، الذي كان يدرس طب العيون في لندن، تم في سنتهما الأخيرة من امتحانات “مستويات-إيه A-levels”، في أوائل التسعينيات، أثناء دراستها في “كوينز كوليدج”، وهي مدرسة خاصة مرموقة للبنات في وسط لندن. وأضافت: “قالت إنها ستلتقي بشخص ما وكانت متحمسة للغاية، وكأنه قيل لها: هذا قد يكون مستقبلكِ”.
في البداية، انجرّ كل منهما في اتجاه مختلف؛ فقد اضطُّر الأسد إلى التخلي عن دراسته لطب العيون في لندن والعودة إلى سوريا بعد مقتل شقيقه الأكبر في حادث سيارة عام 1994. وعندما اضطر والده، الرئيس آنذاك حافظ الأسد، إلى إعادة النظر في خطة الخلافة، برز الأسد باعتباره الخيار الوحيد الآخر الذي يُعتد به.
أما أسماء الأخرس – كما كانت تُعرف قبل زواجها – فقد بنت مسيرة مهنية في لندن، أولًا في “دويتشه بنك” ثم في “جي بي مورغان”. لكن عندما أعاد بشار الاتصال بها، بدا أنها كانت مستعدة للتخلي عن كل شيء.
وتذكّر بول جيبس، أحد كبار متداولي “جيه بي مورغان” الذي التقى بها، أن تلك المحللة الشابة الطموحة لم تحضر إلى العمل في أحد الأيام، وشعر زملاؤها بالقلق وحاولوا الاتصال بها. وصدموا عندما علموا أنها كانت تقضي إجازة مع خطيبها الجديد في الصحراء الليبية كضيفة على ديكتاتور البلاد، معمر القذافي.
وقال مديرها المباشر في “جي بي مورغان” إن مسيرتها المهنية هناك انتهت بعد أن اكتُشف أنها كانت تحاول التستر على فشلها في تسليم العمل في الموعد المحدد، لأنها كانت تقضي وقتها مع الرئيس السوري المنتظر، بدلاً من التواجد في البنك.
وتذكر جيبس قائلًا: “صُدم الجميع مما فعلته، التخلي عن كل شيء للعيش في دمشق”.
كانت منظمات حقوق الإنسان توثق طوال التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تقارير عن التعذيب والاحتجاز التعسفي وحالات الاختفاء القسري داخل نظام السجون السوري في عهد والد الأسد. وباعتبارها تنحدر من عائلة متجذرة في التاريخ والثقافة السوريين، فمن المرجح أن أسماء كانت على دراية بالاتهامات الموجهة إلى الدولة.
وفي عام 1982، ردّ نظام حافظ الأسد على تمرد مسلح من جماعة الإخوان المسلمين بجمع المدنيين وذبحهم؛ حيث قُتل ما يصل إلى 40 ألف شخص.
وعندما توفي الحاكم الاستبدادي البالغ من العمر 69 عامًا في يونيو/ حزيران 2000، أدى الأسد اليمين الدستورية كرئيس جديد لسوريا. وبعد ستة أشهر، تزوج أسماء في حفل خاص.
وبمجرد وصولها إلى دمشق، بدأت السيدة الأولى الجديدة في إنشاء سلسلة من المنظمات غير الحكومية، متظاهرةً بتقديم المساعدة في تمكين وإثراء السوريين من خلال قروض صغيرة للأعمال ومشاريع تعليمية. وفي النهاية، أصبحت جميع مشاريعها تحت مظلة “الأمانة السورية للتنمية”. وقد جذبت هذه المنظمة غير الحكومية مجموعة من الأشخاص النشطين واللامعين من جميع أنحاء العالم.
وتحدثت صحيفة “ذا أوبزرفر” إلى عدد من موظفيها السابقين، الذين قالوا إنها بدت صادقة في طموحها لتغيير سوريا نحو الأفضل. وعندما بدأ زكي محشي العمل معها كمحلل أبحاث أول في عام 2006، كان يعتقد “أنها كانت تحاول القيام بشيء إيجابي، ضمن سياق استبدادي”.
لكن الأمر لم يسر على هذا النحو.
عندما وصلت رياح الربيع العربي إلى سوريا في عام 2011، بدّد رد النظام أي أمل في أن تكون ردود أفعال الأسد تحت الضغط مختلفة عن ردود أفعال والده. فخلال أسابيع، كان المتظاهرون السلميون يتعرضون لإطلاق النار في الشوارع أو يُعتقلون بالآلاف ليختفوا في مراكز الاحتجاز سيئة السمعة في البلاد.
وكانت مجموعة من المراهقين الذين كتبوا شعارات مناهضة للأسد على الجدران قد اعتُقلوا في وقت سابق من ذلك العام، وتعرضوا للضرب المبرح واقتُلعت أظافرهم. وبعد أسابيع، أُعيد جثمان حمزة الخطيب، البالغ من العمر 14 عامًا، الذي كان قد اعتُقل في احتجاج، إلى عائلته وهو يحمل علامات واضحة على التعذيب.
وفي عمل وحشي أخير مروّع، زعمت عائلته أن عضوه التناسلي قد قُطع، وأن الأطباء الذين فحصوا جسده أخبروهم أنه أُبقي على قيد الحياة وأُجبر على شرب الماء والتبول قبل وفاته.
كان الزملاء والمعارف يأملون في أن تساعد السيدة الأولى في تهدئة النظام. وطلبت مجموعة من أربع نساء سوريات، جميعهن من معارف أسماء، مقابلتها بعد أشهر من اندلاع الاحتجاجات. وجلسن على الأرائك في مكتبها الخاص الواقع أسفل القصر الرئاسي، وناشدنها بصفتها أمًّا، وذكّرنها بأن وحشية الدولة قد امتدت لتشمل الأطفال.
بدت أسماء وكأنها تستمع إلى النساء في مكتبها، لكنها استدعيت فجأة لتلقي مكالمة هاتفية. وعندما عادت، “كانت مختلفة”، كما قالت هدى مجركش، إحدى جاراتها وأحد النساء الحاضرات. وكانت مجركش مقتنعة بأن المكالمة الهاتفية كانت من أجهزة المخابرات. وقالت: “أعتقد أنه كان هناك جهاز تنصت داخل الأريكة يستمع إلى ما كنا نتحدث عنه، وربما اتصل بها أحدهم قائلاً: “عليكِ أن تكوني حازمة، وأن تغيري طريقة كلامكِ”.
وتم توجيه مناشدات مماثلة في “الأمانة السورية للتنمية”، وعندما بدأ اعتقال موظفين سابقين، كان محشي وآخرون يأملون أن تستخدم السيدة الأولى موقعها للتدخل، وقال: “في ذلك الوقت، كنا نعتقد أنها ستدعمنا. أعني، هؤلاء كانوا موظفيها في نهاية المطاف”.
لكن عندما تم اعتقال ريما دالي، وهي موظفة سابقة في الأمانة، في عام 2012 لحملها لافتة كتب عليها: “أوقفوا القتل. نريد أن نبني سوريا لكل الناس”، التزمت أسماء الصمت.
وحافظت السيدة الأولى على صمتها طوال معظم فترة الحرب، لكنها أجرت في عام 2016 مقابلة مع قناة “روسيا 24” التلفزيونية المدعومة من الدولة الروسية. وبدت، كما هو الحال دائمًا، أنيقة وهادئة، وأعلنت أنها لم تفكر هي أو زوجها أبدًا في مغادرة سوريا، وقالت: “وقفت إلى جانبه لأن قناعاتي لم تملِ عليّ خلاف ذلك”.
تجاهل هذا التصريح زواجها المتداعي – مع مزاعم الخيانة الزوجية – الذي يعتقد صديق قديم للأسد أنه تم إصلاحه بوساطة والد أسماء، من خلال اتفاق يمنحها مزيدًا من السلطة والحرية لمتابعة مصالحها الاقتصادية والتجارية الخاصة. وقال والدها، الدكتور فواز الأخرس، لصحيفة “ذا أوبزرفر” إن قصص خيانات الرئيس لا أساس لها على الإطلاق، وإن فكرة أنه توسط في مصالحة بين الزوجين هي محض خيال.
كانت أسماء قد وجدت بالفعل طريقة لتجاوز العقوبات، حيث استعانت بفريق من المساعدين خارج سوريا لشراء آلاف الجنيهات من الأثاث، ومزهرية من عهد أسرة “مينغ”، ومجوهرات يدوية من ورشة في باريس. وبحلول عام 2020، كانت تعمل على مستوى وطني.
وقال جهاد يازجي، مؤسس ورئيس تحرير “سوريا ريبورت”، وهي نشرة إلكترونية تغطي الشؤون الاقتصادية السورية: “كنت ترى حضورها يتزايد تدريجيًا، دون أن نفهم بالضبط ما هو الدور الذي كانت تؤديه”. وأصبح ذلك الدور واضحًا عندما تولت أسماء دور المصرفي الفعلي للنظام.
على مدى عقدين من الزمن، كان رامي مخلوف، ابن عم الأسد الملياردير، يُعتبر شخصية لا يمكن المساس بها. وإذ كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه أغنى رجال سوريا وأكثرهم نفوذاً، فقد تنوعت إمبراطوريته التجارية لتشمل قطاعات العقارات، والإنشاءات، وتجارة النفط، كما كان يمتلك سيطرة فعلية على شبكات الهاتف المحمول في البلاد وقطاع الأسواق الحرة.
غير أن النظام كان بحاجة إلى المال؛ فقد دمرت الحرب الاقتصاد، وكانت روسيا تضغط على حكومة الأسد لسداد الديون المرتبطة بدعم موسكو للنزاع. وعندما طلب الأسد من مخلوف توفير المال، بدا الأخير متردداً في الاستجابة. وتعتقد المصادر أن أسماء الأسد اغتنمت هذه الفرصة لتسريع سقوط ابن عم زوجها.
اتهم النظام مخلوف بالتهرب من دفع ملايين الدولارات كضرائب، ووُضع تحت الإقامة الجبرية، وأُغلقت شركاته أو استُولى عليها أشخاص مرتبطون بشبكة المنظمات غير الحكومية التابعة لأسماء. وبدا أن معظم سلطته قد نُقلت إلى السيدة الأولى ومساعديها.
يقول يازجي: “لم يكن من الممكن إجراء أي معاملات ضخمة أو صفقات عقارية كبرى دون علم رجالها. كان لديها أشخاص في كل مدينة، وأصبح الرجال الذين يديرون مكتب أسماء يُعرفون باسم “رجال الست” – والمقصود بالسيدة هنا هي أسماء الأسد”.
وتصف وثائق العقوبات هؤلاء الرجال بأنهم أعضاء في “مجلس اقتصادي” تترأسه أسماء، وهو عبارة عن شبكة غير رسمية من رجال الأعمال والمستشارين والشخصيات المرتبطة بالنظام التي ساعدت في إدارة الشؤون الاقتصادية المحيطة بالأسرة الرئاسية.
وكان أبرز هؤلاء يسار إبراهيم وعلي نجيب إبراهيم، وهما من كبار مساعدي أسماء في السياسة الاقتصادية. ووفقاً لمصادر مطلعة داخل النظام، فقد لعبا دوراً محورياً في إخضاع الشركات السورية والمساعدة في إعادة تشكيل ملكية الأصول الكبيرة بعد سقوط مخلوف. وإذا كان ابن عم الأسد يمثل النظام الاقتصادي القديم، فإن كلا الشخصين يمثلان الاقتصاد الجديد الذي تسيطر عليه أسماء.
وصرحت مصادر مقربة من النظام لصحيفة “ذا أوبزرفر” بأن السيدة الأولى كانت متعطشة للسلطة، وعملت على ترقية رجال فاسدين موالين لها لتحقيق مكاسب شخصية. ويقول يازجي: “[كانت] بلطجية. لقد تم اعتقال رجال بل وتعذيبهم. وكانت تضغط على رجال الأعمال لتسليم أعمالهم. ومن لم يمتثل لأوامر مكتبها تعرض للضغوط، حيث أُغلقت مصانعهم وجُمدت حساباتهم، أو اتُهموا بالتهرب الضريبي”.
من جانبه، صرح والد أسماء لصحيفة “ذا أوبزرفر” قائلاً: “إن الاتهامات الموجهة لابنتي فيما يتعلق بالمصالح التجارية والاقتصادية في سوريا لم تُثبت أبداً بالأدلة”.
كان القيد الرئيسي على سلطة أسماء هو حالة الاقتصاد والبنية التحتية في سوريا، التي دمرتها حرب دامت ما يقرب من عقد من الزمن؛ فقد كان أكثر من نصف السكان يكافحون من أجل تأمين لقمة العيش، لكن حتى هذا الأمر كان في صالح السيدة الأولى. وكان المصدر الرئيسي لتمويل البلاد هو المساعدات المقدمة من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الخيرية الدولية، والتي كان يتم توجيه الكثير منها عبر “الأمانة السورية للتنمية” التابعة لها.
وزعم شخص على صلة وثيقة بملف المساعدات في سوريا، طلب عدم الكشف عن هويته، أن أسماء أنشأت شبكة للاستيلاء على أكبر قدر ممكن من المساعدات الإنسانية والتنموية التي تدخل البلاد. وكان الأمم المتحدة على علم بأن النظام كان يستفيد من ذلك – وكان تلك معضلة أخلاقية نوقشت داخلياً، على حد قولهم – لكن تقرر في النهاية أن هذا ثمن يستحق دفعه، حتى لو لم يتلقَ المساعدة سوى عدد قليل من المحتاجين.
كما وقفت السيدة الأولى مكتوفة الأيدي بينما كانت أجهزة المخابرات السورية تحتجز مئات الأطفال كرهائن لاستخدامهم كأوراق مساومة في الحرب، سواء في عمليات تبادل الأسرى أو للضغط على ذويهم، الذين قد يكونون من المعتقلين أو المنتمين للمعارضة.
واطلعت صحيفة “ذا أوبزرفر” على وثائق توجّه دور الأيتام، التي تموّلها وتدعمها منظمات غير حكومية تابعة لأسماء، بعدم تسليم الأطفال لأقاربهم. وقال موظفون في دور الأيتام عملوا تحت رعاية السيدة الأولى إنهم أبلغوها بهذه الممارسات مباشرة، سواء من خلال تقارير أو في محادثات مباشرة. وقال أحد العاملين في دور الأيتام: “كانت تعرف كل شيء، عن كل الجرائم. أعني 100 بالمئة”. وذكر موظف آخر أن أسماء طلبت منها ألا تتدخل في شؤونها، لأن هؤلاء هم “أبناء إرهابيين”.
ونادراً ما يتطلخ أيدي كبار مسؤولي النظام، ومن غير المرجح أن تظهر وثيقة تحمل توقيع أسماء، تثبت، على الورق، ما كانت مسؤولة عنه. وما توصلت إليه “ذا أوبزرفر” هو شهادات من عدة أشخاص كانوا مقربين من النظام ومن السيدة الأولى، تحدثوا بشكل مستقل، وجميعهم يروون قصة متشابهة.
وقال فواز الأخرس إن أي تلميح إلى أن ابنته “علمت باستخدام الأطفال لأغراض سياسية، أو كوسيلة ضغط ضد العائلات أو المعتقلين، أو صرحت بذلك، أو سهّلته، أو تساهلت معه، هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً”. وأضاف أن الادعاء بأنها “أنشأت شبكة للاستيلاء على المساعدات الإنسانية أو التنموية التي تدخل سوريا” هو ادعاء كاذب أيضاً.
كما أضاف أن هذه الادعاءات “تقدم ابنتي من خلال منظور ضيق يقتصر على السلطة والطموح والفساد، وهي لا تعكس الشخص الذي أعرفه، ولا العمل الذي قامت به على مدى عقدين”.
كانت سلطة السيدة الأولى داخل القصر الرئاسي تتنامى أيضاً، فقد قال مصدر في النظام: “لم يكن بإمكانك تمرير أي شيء مع الرئيس ما لم تكن هي موافقة عليه، لأنه كان يحدثها عن كل شيء. مهما اتفقت معه خلال النهار، قد تغير أحاديث ما قبل النوم ذلك. سواء كان الأمر سياسياً، أو تجارياً، أو شخصياً، ومن أصغر التفاصيل إلى أكبرها، كان دائماً يناقشها معه”.
وقال رجل أعمال سوري مؤثر إن المسؤولين الحكوميين كانوا يستشهدون بالسيدة الأولى كثيراً، قائلًا: “[كانوا] يقولون لنا: ‘هذا ما تريده الست’. أو: ‘هذا القرار صادر عن الست'”. وقال إن رجال الأعمال كانوا تحت مراقبة مستمرة، مضيفاً: “كان لديها فريق يراقب الأشخاص من الأجهزة الأمنية والعسكرية وحتى وزارة الداخلية، حيث كان لديها وزيران مواليان لها”.
وقال مصدر آخر إن أسماء، نتيجة لذلك، كانت مكروهة من قبل العديد من كبار شخصيات النظام. وأضاف: “كان رجال الأعمال يكرهونها لأنه كان من الواضح مدى تدخلها في عالمهم. وكان رجال الأمن والمخابرات يكرهونها لأنهم كانوا يرون تأثيرها على الرئيس. وكان الوزراء يكرهونها لأنها كانت تتدخل في عملهم وفي حكم البلاد. لقد اعتقد الجميع أن هذا ليس مكانها، وأنه ليس دستورياً. إنها سيدة أولى – وليست رئيسة ثانية”.
وأكد موظف سابق في “الأمانة السورية للتنمية”، طلب عدم الكشف عن هويته، أن صورة أسماء كشخصية سياسية مراوغة تتناقض تماماً مع الشخصية التي عرفوها قبل الحرب. وقال: “لم تكن كذلك على الإطلاق. وهذا هو السبب الذي يجعلني أميل إلى الاعتقاد بأنها أرادت الرحيل […] وقيل لها إن أطفالها سيدفعون الثمن إذا لم تبقَ”.
بحلول عام 2023، اختفت الأخبار المتعلقة بالأسلحة الكيميائية والقتل الجماعي من عناوين الصحف. وأُعيد قبول سوريا في جامعة الدول العربية، وبدأ كبار مسؤولي الأمم المتحدة يظهرون في الصور مع أسماء.
لكن الروس سئموا من الأسد، فلطالما احتقر فلاديمير بوتين الرجل الذي كان يراه – بحسب التقارير- ضعيفاً وبحاجة إلى الإنقاذ. وبعد أن كسب الحرب نيابة عنه، أصبح الرئيس الروسي يشعر بإحباط متزايد من رفض الأسد ترسيخ السلام مع الثوار في الشمال الغربي، والأكراد في الشمال الشرقي، ومع تركيا المجاورة.
ووفقاً لعدة مصادر، بدأ الروس في إعداد قائمة بالمرشحين المحتملين للرئيس، وفي مقدمة هذه القائمة كانت أسماء.
وقال مصدر مقرب من النظام إن فكرة إمكانية استبدال السيدة الأولى بزوجها في الرئاسة طُرحت من قبل الروس، وإن الأسد كان على علم بها، لكنه لم يكترث. وأضاف المصدر: “كان هناك مثل هذا الحديث، وذُكر للرئيس، لكنه اكتفى بالضحك عليه”.
في العاصمة، وبينما كان هجوم المعارضة يتقدم، كان الرئيس السوري يخطط لخطوته التالية. أما حلفاؤه الروس، الذين دافعوا بقوة عن النظام منذ عام 2015، فقد كانوا حينها مشغولين ومستنزفين بسبب حربهم الخاصة في أوكرانيا، ولم يكونوا قادمين للإنقاذ. أما الجيش السوري، الذي أنهكته سنوات من الفساد وتدني الروح المعنوية، فقد ألقى سلاحه وسمح للهجوم بالاستمرار، فلم يعد خيار المقاومة مطروحاً.
كانت السيدة الأولى في موسكو منذ أغسطس/ آب 2024، حيث كانت تخضع للعلاج من سرطان الدم، بما في ذلك عملية زرع نخاع عظمي. وكان هذا ثاني تشخيص لها بمرض السرطان. ففي عام 2018، كان القصر قد أعلن عن إصابة أسماء بسرطان الثدي، وفي العام التالي أعلن تعافيها التام منه.
في الأسبوع الذي بدأ يوم الاثنين 2 ديسمبر/ كانون الأول 2024، أرسلت أسماء رسالة إلى كبار مساعدي الحكومة وزملائها، تستدعيهم فيها إلى دمشق، حيث تم استدعاء الموظفين إلى مقار عملهم وطُلب منهم إلغاء أي رحلات. وقالت مصادر إنهم أُبلغوا بأن السيدة الأولى ستصل في عطلة نهاية الأسبوع لحضور اجتماع مهم.
ما لم يكن يعلمه هؤلاء هو أن الاجتماع كان مجرد غطاء؛ ففي الساعات الأولى من صباح يوم الأحد 8 ديسمبر/ كانون الأول، غادر الرئيس العاصمة برفقة ابنه الأكبر حافظ وابنه الأصغر كريم، من مطار عسكري بالقرب من دمشق، حيث توجها أولاً إلى قاعدة عسكرية روسية ثم إلى موسكو، حيث كان بقية أفراد عائلة الأسد في انتظارهم، وحيث مُنحوا حق اللجوء.
وقد علمت صحيفة “ذا أوبزرفر” من شاهد عيان والعديد من المصادر الأخرى أن أسماء ووالدها كانا في سوريا ليلة سقوط النظام. لكن والدها نفى ذلك، قائلاً إنه كان مع ابنته في المستشفى في موسكو حيث كانت تتلقى العلاج من سرطان الدم.
استيقظ من تبقى من أركان النظام يوم الأحد على نبأ فرار زعيمهم وسيطرة قوات المعارضة على العاصمة. في حين سارع الأصدقاء والمقربون من السلطة إلى البحث عن مخابئ، أظهرت لقطات تلفزيونية مسؤولين من ذوي الرتب الدنيا يتعرضون للسحل في الشوارع.
في تلك الأيام الأخيرة، أرادت أسرة الأسد “الحفاظ على صورة مفادها: “كل شيء على ما يرام – لدينا خطة”، حتى يبقى الناس في البلاد”، كما قال مصدر مطلع مقرب من النظام. “وفي الواقع، كانوا يمنحون أنفسهم رفاهية المغادرة”.
واستشرى الغضب في أوساط المقربين الذين كانوا مخلصين للنظام، والذين تُركوا يواجهون مصيرهم. وقال المصدر: “لم يرَ العالم قط مثل هذا الغدر. حتى صدام حسين أو معمر القذافي لم يبلغا هذا المستوى من إنعدام الإنسانية”.
في سوريا، تم اعتقال بعض الأسماء الكبيرة التي تقف وراء الأجهزة الأمنية المخيفة التابعة للنظام، بما في ذلك عاطف نجيب، أحد الرجال المتهمين بتعذيب المراهقين في درعا في بداية الثورة، وأمجد يوسف – الملقب بـ “جزار التضامن” – الذي اتُهم بإصدار أوامر بمذبحة راح ضحيتها عشرات الأشخاص في ضاحية جنوب دمشق، وبشكل منفصل، بالموافقة على قتل ستة أطفال. وفي الشهر الماضي، ظهر مقطع فيديو يبدو أنه يوثق “إعدام” الأشقاء – الذين تتراوح أعمارهم بين عامين و12 عاماً – بدعوى أنهم “إرهابيون”.
ولكن بخلاف بضع قضايا بارزة، لم تُظهر لجنة العدالة الانتقالية التابعة للحكومة السورية الجديدة نهجاً منهجياً للمساءلة بعد. وقد واجهت الجهود الرامية إلى تأمين الدعم والتمويل من الاتحاد الأوروبي حالة من التردد، ويرجع ذلك جزئياً إلى معارضة الاتحاد الأوروبي الراسخة لعقوبة الإعدام، التي لا تزال سارية في سوريا، كما هو الحال في معظم الدول العربية.
وبينما تتحرك الجهود الدولية والمحلية لتقديم النظام إلى العدالة ببطء، يتعين على ضحايا النظام الانتظار. وإحداهن هي بيسان جمعة.
عندما كانت في سن الخامسة عشرة، اعتُقلت بيسان عند حاجز حكومي بينما كانت تحاول الوصول إلى منزل والدتها في دمشق. وكانت معها طفلها البالغ من العمر 18 شهراً، وكانت حاملاً بطفلها الثاني. كانت تهمة بيسان الوحيدة هي أنها متزوجة من مقاتل في المعارضة، ومع ذلك فقد سُجنت لمدة تزيد عن سبع سنوات.
وبعد أن أُجبرت على الولادة وهي مكبلة اليدين، أُخذ طفلاها منها ووُضعا في دور أيتام تشرف عليها منظمات تابعة لأسماء. ورفضت دور الأيتام طلبات متعددة من والدة بيسان وشقيقتها، اللتين توسلتا لإطلاق سراح الطفلين ووضعهما تحت رعاية العائلة.
بل إن السيدة الأولى قامت بزيارة طفلي بيسان خلال فترة احتجازهما. وتقول بيسان: “لقد سجنت والديهما ثم يتّمت أطفالهما، ثم كانت تزور دار الأيتام وكأنها شديدة الرأفة”.
ويخضع الآن للاعتقال وزيران سابقان للشؤون الاجتماعية، كانا يديران دور الأيتام ويقول المطلعون داخل النظام إنهما كانا يتلقيان توجيهات بشكل مباشر من السيدة الأولى، بسبب دورهما في استخدام أطفال المعتقلين كرهينة سياسية.
لا تزال بيسان، التي التقت بطفليها بعد سنوات من الفراق، تنتظر أن تتحقق العدالة. وتقول: “لقد أخذوا أطفالي. لا أحد يستحق أن يعيش ما عشته، بغض النظر عمن يكونون. لا سامحهم الله”.
المصدر: ذا أوبزرفر