من مركز تجاري معروف، وموقع لوجستي يربط وسط السودان بإقليمي كردفان ودارفور، ومحطة مفصلية تصل شرق البلاد بغربها؛ تحولت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تدريجيًا إلى بؤرة مأساوية تنذر بأزمة إنسانية خانقة، وتضع حياة عشرات الآلاف من سكانها والنازحين إليها على المحك.
فالمدينة التي عُرفت طويلًا بحيويتها وتنوعها السكاني وقدرتها على جذب الناس من مختلف أنحاء السودان، باتتت اليوم محاصرة بالخوف، حشود عسكرية تتزايد حولها، وهجمات بالطائرات المسيّرة لا تكاد تتوقف، وطرق إمداد تنقطع تباعًا، فيما تتعرض المياه والغذاء والكهرباء والخدمات الصحية لضغوط متواصلة تمس مقومات الحياة من جذورها، وبدلًا من أن تبقى الأبيض ملاذًا للباحثين عن الأمان، بدأت تتحول إلى مدينة طاردة لسكانها، يلاحقهم شبح الجوع والعطش والنزوح، وسط تحذيرات متصاعدة من أن استمرار هذا الوضع قد يدفعها إلى مصير أكثر قسوة.
واليوم، لم تعد المخاوف من تكرار مأساة الفاشر مجرد تحذيرات إعلامية أو مبالغات سياسية، بل أصبحت استغاثات وصرخات حقيقية من قلب الميدان، كما حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فبين مدينة تُخنق ببطء، وسكان تتناقص أمامهم فرص النجاة يومًا بعد آخر، يبقى السؤال: هل تقف الأبيض بالفعل على أعتاب فاشر جديدة؟
الأبيض.. لعنة الموقع الاستراتيجي
يبدو أن الأبيض تدفع اليوم ثمن موقعها الجغرافي الحساس وأهميتها الاستراتيجية المتزايدة، بعدما تحولت إلى هدف مركزي في حسابات طرفي الحرب السودانية، فالمدينة، بوصفها عاصمة ولاية شمال كردفان، تقع عند تقاطع واحد من أهم المحاور التي تربط دارفور وكردفان بوسط السودان والعاصمة الخرطوم، فضلًا عن احتضانها مطارًا عسكريًا ذا أهمية عملياتية، ما يجعلها عقدة جيوسياسية تتجاوز قيمتها حدود الموقع إلى أبعاد عسكرية ولوجستية وسياسية شديدة التأثير.
فالطرف الذي يفرض سيطرته على الأبيض يستطيع التأثير مباشرة في خطوط الحركة والإمداد بين غرب السودان ووسطه، واستخدام المدينة قاعدة لتجميع القوات وتخزين الإمدادات وتأمين عمليات التموين، فضلًا عن اتخاذها نقطة انطلاق نحو جبهات أخرى، ومن ثم، لا تُقرأ الأبيض باعتبارها مركزًا لوجستيًا فقط، وإنما بوصفها منصة إسناد عسكري قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة داخل إقليم كردفان، وربما التأثير في اتجاهات الحرب على المستوى الوطني.
ولا تنفصل هذه الأهمية العسكرية عن الثقل الاقتصادي والديموغرافي للمدينة؛ فهي واحدة من أبرز المراكز التجارية والسكانية في السودان، وتضم مئات الآلاف من السكان والنازحين، كما تؤدي دورًا محوريًا في ربط حركة الأسواق والتجارة بين شرق البلاد وغربها، وتمثل المدينة كذلك نقطة ارتكاز رئيسية في اقتصاد إقليم كردفان، بما توفره من شبكات تجارة ونقل وتوزيع للسلع والموارد.
وانطلاقًا من هذه الأهمية المركبة، تتعامل القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع مع الأبيض باعتبارها جائزة استراتيجية لا يمكن التفريط فيها، فبالنسبة إلى الجيش، تمثل المدينة موطئ قدم حاسمًا غرب النيل، وقاعدة يمكن استخدامها لاحتواء تمدد الدعم السريع شرقًا، أو لإعادة فتح مسارات التحرك نحو دارفور، أما بالنسبة إلى لميليشيا الدعم، فإن السيطرة على الأبيض من شأنها أن تربط مناطق نفوذها في دارفور بعمق إقليم كردفان، وتمنحها قدرة أكبر على تهديد خطوط الجيش وفتح محور ضغط جديد باتجاه وسط السودان.
وبذلك أصبحت الأبيض أكثر من مجرد مدينة متنازع عليها؛ إنها نقطة ارتكاز في معركة السيطرة على الجغرافيا السودانية، وعقدة قد يترتب على سقوطها أو صمودها تغير واسع في خريطة النفوذ العسكري والسياسي داخل البلاد.
ملاذ آمن للفارين من الحرب
مع احتدام المعارك في إقليم كردفان، وتحوله تدريجيًا إلى واحدة من أكثر ساحات الحرب السودانية قسوة على المستوى الإنساني، اضطرت عشرات الآلاف من الأسر القادمة من المدن والقرى المتضررة إلى التوجه نحو الأبيض، باعتبارها الملاذ الأقرب والأكثر قدرة، نسبيًا، على توفير الحد الأدنى من الأمان والخدمات، ونتيجة لذلك، شهدت المدينة خلال الأشهر الماضية موجات نزوح متلاحقة وغير مسبوقة، تجاوزت قدرتها التقليدية على الاستيعاب.
وبحسب بيانات نقلتها وكالة رويترز عن المنظمة الدولية للهجرة، تستضيف الأبيض نحو نصف مليون شخص، بينهم أكثر من 83 ألف نازح داخلي، في المقابل، تشير تقديرات حكومية محلية أخرى إلى أن أعداد النازحين داخل المدينة ومحيطها ربما تجاوزت 1.2 مليون شخص، موزعين على ثمانية معسكرات ومواقع إيواء، من بينهم نحو 11 ألف أسرة وصلت خلال الفترة الممتدة من مارس/آذار إلى يونيو/حزيران الماضيين، غالبيتهم من ولايتي جنوب وغرب كردفان.
وتذهب تلك التقديرات إلى أن عدد سكان الأبيض ارتفع من نحو 800 ألف نسمة قبل اندلاع الحرب إلى ما يقارب 3.2 مليون شخص في الوقت الراهن، في تحول ديموغرافي حاد لم تصاحبه أي زيادة مماثلة في قدرات المدينة الخدمية أو بنيتها التحتية، وقد فرض هذا التدفق السكاني الهائل ضغوطًا استثنائية على شبكات المياه والكهرباء والمرافق الصحية ومراكز الإيواء والأسواق، وهي مرافق كانت محدودة وهشة في الأصل، ومع استمرار الحرب وتعطل الإمدادات، خرج عدد من هذه الخدمات جزئيًا أو كليًا عن العمل، بينما تصاعد التنافس على الغذاء والمياه والسكن والرعاية الطبية.
ولم تعد تداعيات الأزمة مقتصرة على الجانب الخدمي فقط، بل بدأت تنعكس على النسيج الاجتماعي داخل المدينة، مع تزايد الاحتقان بين السكان والنازحين، وظهور خلافات أسرية ومجتمعية مرتبطة بندرة الموارد وصعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية، وبذلك، تحولت الأبيض من مدينة تستقبل الفارين من الحرب إلى مساحة مثقلة بأعباء النزوح والانهيار الخدمي، وباتت أقرب إلى قنبلة اجتماعية وإنسانية قابلة للانفجار، ما لم تُفتح طرق الإمداد، وتُعزز الاستجابة الإنسانية، وتُمنع المدينة من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع.
استهداف مقومات الحياة
منذ اندلاع الحرب، تعرضت مدينة الأبيض لضغوط عسكرية واقتصادية متلاحقة، غير أن تلك الضغوط ظلت، في مراحلها الأولى، ضمن مستوى يمكن للمدينة احتماله نسبيًا، إلا أن المشهد بدأ يتغير بصورة جذرية عقب نجاح الجيش السوداني، في فبراير/شباط 2025، في فك الحصار الذي فرضته ميليشيا الدعم على المدينة، لتتحول منذ ذلك الحين إلى هدف عسكري مركزي في حسابات الأخيرة، باعتبارها إحدى أبرز نقاط الارتكاز التابعة للجيش في إقليم كردفان.
وتضاعفت الأهمية الاستراتيجية للمدينة بعد سقوط الفاشر في قبضة الميليشيا في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إذ انتقل ثقل المواجهات تدريجيًا من دارفور نحو كردفان، وأصبحت السيطرة على الأبيض جزءًا أساسيًا من مقاربة الدعم السريع لتوسيع نفوذها شرقًا وربط مناطق سيطرتها في دارفور بعمق السودان.
فالاستيلاء على تلك البقعة اللوجستية لا يعني السيطرة على عاصمة شمال كردفان فحسب، بل يتيح فتح ممر استراتيجي باتجاه وسط البلاد، وتهديد خطوط انتشار وإمداد الجيش، فضلًا عن إضعاف قدرته على استخدام المدينة قاعدة للتموين والتحرك نحو جبهات دارفور وكردفان، وهو ما دفع الجيش، في المقابل، إلى تعزيز وجوده العسكري فيها، بعدما أدرك أن خسارتها قد تُحدث تحولًا جوهريًا في موازين الحرب وخريطة السيطرة الميدانية.
ومع مطلع عام 2026، انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة، بعدما كثفت الميليشيا هجماتها على الأبيض باستخدام الطائرات المسيّرة، التي تشير تقارير واتهامات إلى حصولها عليها عبر دعم من جهات خارجية، ولم تقتصر الضربات على المواقع العسكرية، بل طاولت محطات الكهرباء والمياه والمنشآت الخدمية والمزارع والورش ومرافق الإنتاج، بما أدى إلى إضعاف البنية الأساسية للمدينة وتهديد قدرتها على الاستمرار.
وبذلك، لم يعد استهداف الأبيض يستهدف فقط إضعاف الوجود العسكري للجيش، وإنما امتد إلى تقويض مقومات الحياة والاقتصاد المحلي، وتحويل المدينة التي عُرفت طويلًا بنشاطها التجاري ودورها اللوجستي إلى مساحة منهكة، تتآكل فيها الخدمات وتتراجع فرص البقاء، وتقترب تدريجيًا من نموذج “الأرض المحروقة”.
أوضاع كارثية
وصلت الأوضاع في مدينة الأبيض إلى مستوى ينذر بكارثة إنسانية مكتملة الأركان، في ظل انهيار الخدمات الأساسية وتآكل قدرة السكان على الصمود. بهذه الكلمات استهل قينان عبد المجيد حديثه، واصفًا مشهدًا تتداخل فيه تداعيات الحصار العسكري مع الانهيار الخدمي والضغط الديموغرافي المتسارع.
ويقول عبد المجيد، الذي تمكن من مغادرة الأبيض قبل أيام متجهًا إلى مصر، إنه اتخذ قرار النزوح بعدما أصبحت حياته مهددة بصورة مباشرة، وبعدما فقدت المدينة قدرتها على توفير الحد الأدنى من شروط البقاء، موضحًا أن أعداد السكان تضاعفت أكثر من ثلاث مرات خلال أشهر قليلة بفعل موجات النزوح المتلاحقة، من دون أن تقابلها أي زيادة في قدرات المرافق أو البنية التحتية، ما أدى إلى خروج أجزاء واسعة من منظومة الخدمات عن العمل.
وفي حديثه لـ«نون بوست»، يرسم السوداني الخمسيني صورة قاتمة للأوضاع داخل المدينة، واضعًا أزمتي المياه والكهرباء في مقدمة مظاهر الانهيار، ويعزو ذلك إلى استهداف قوات الدعم محطات المياه والكهرباء وشبكات التوزيع، بالتزامن مع إغلاق الطرق وتدمير بعضها، الأمر الذي عرقل وصول الوقود وقطع الغيار، وأدى إلى تعطل الآبار ومحطات الضخ وتراجع قدرة السكان على الحصول على مياه صالحة وآمنة، مشيرًا إلى أن قطاعات واسعة من السكان لا تحصل على أكثر من لترين من المياه يوميًا للفرد، وهي كمية يفترض أن تكفي للشرب والطهي والنظافة الشخصية معًا، ما جعل العطش أحد أبرز ملامح الحياة اليومية في المدينة.
ولا تبدو أزمة الغذاء أقل خطورة؛ إذ تراجعت الإمدادات نتيجة تقييد الحركة على الطرق المؤدية إلى الأبيض، وتعطل الأسواق، وانخفاض قدرة التجار على نقل الحبوب والوقود والسلع الأساسية، كما ضاعفت موجات النزوح المتواصلة الضغط على منظومة غذائية هشة أصلًا، ورفعت الأسعار إلى مستويات تجاوزت قدرة كثير من الأسر.
وأمام ندرة المياه وتراجع كميات الغذاء، بدأت التداعيات الصحية تتسع بصورة مقلقة؛ فتراجعت مستويات النظافة، وانتشرت أمراض مرتبطة بسوء التغذية وتلوث المياه، بالتزامن مع تقلص الخدمات الطبية واستهداف المستشفيات والمراكز الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات والكوادر، وهو ما يهدد، وفق عبد المجيد، بتحول الأزمة الراهنة إلى موجة واسعة من الأوبئة والوفيات إذا لم يحدث تدخل عاجل.
ويختتم المواطن السوداني حديثه بالتأكيد أن الأبيض، التي كانت قبل أشهر مقصدًا للباحثين عن الأمان وفرص العيش، تحولت إلى مدينة طاردة لسكانها، بعدما جرى تجريدها تدريجيًا من مقومات الحياة، معتبرًا أن استهداف البنية الأساسية والخدمات لا يمكن فصله عن استراتيجية ضغط عسكري تهدف إلى تفريغ المدينة وإضعاف قدرتها على المقاومة، تمهيدًا للسيطرة عليها، مع توجيه رسائل ترهيب إلى الداخل السوداني والقوى الإقليمية والدولية، على حد قوله.
هل يتكرر سيناريو الفاشر؟
تكشف قراءة المشهد السوداني عن تشابه مقلق بين الأوضاع الراهنة في مدينة الأُبيّض والمرحلة التي سبقت سقوط الفاشر؛ فالمدينة باتت عالقة بين تطويق ميليشيا الدعم السريع من الخارج، وتعزيز الجيش تمركزاته العسكرية داخلها وحولها، فيما يُستخدم الحصار واستنزاف الموارد وسيلةً لإضعافها تدريجيًا وتهيئة الميدان لاحتمال شن هجوم واسع عليها.
ويتزامن هذا الضغط العسكري مع استهداف متكرر للبنية التحتية والمنشآت الخدمية بواسطة الطائرات المسيّرة المنسوبة إلى الميليشيا، في وقت تكتظ فيه المدينة بعشرات الآلاف من النازحين الذين يعيشون أوضاعًا شديدة القسوة، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه والدواء، وتراجع قدرة المؤسسات الصحية والإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وتتعاظم المخاوف في ظل التقارير المتداولة عن عمليات قتل وخطف وتعذيب وعنف جنسي وانتهاكات طالت مدنيين على طرق النزوح في إقليم كردفان، ما يعني أن الخطر لا يقتصر على السكان الموجودين داخل المدينة، بل يمتد إلى الفارين منها والباحثين عن ممرات آمنة خارج مناطق القتال.
وتدفع هذه المؤشرات مجتمعةً إلى الاعتقاد بأن الأُبيّض باتت أقرب من أي وقت مضى إلى استنساخ سيناريو الفاشر، فما كان يُطرح قبل أشهر باعتباره تحذيرًا من باب الاستشراف السياسي أو ما كان يُتهم بالمبالغة الإعلامية، تحول اليوم إلى احتمال واقعي تدعمه تطورات الميدان، ويمكن أن يصبح مأساة مكتملة في أي لحظة إذا استمر الحصار والتصعيد العسكري وغياب التدخل الدولي الفاعل.
وفي هذا السياق، جاء تحذير المحكمة الجنائية الدولية من احتمال تكرار الفظائع التي شهدها إقليم دارفور في مدينة الأُبيّض بولاية شمال كردفان، فيما وأكدت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، خلال إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، أن «أخطر الجرائم الدولية قد تكون على وشك الوقوع» في المدينة، مشيرة إلى اتفاق مكتب الادعاء مع تقييم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن خطورة الوضع.
واختصرت خان مسؤولية المجتمع الدولي بعبارة بالغة الدلالة، حين قالت “لا يمكننا أن نقول إننا لم نكن نعلم”؛ وهي رسالة لا تكتفي بالتحذير من الكارثة، بل تحمّل الأطراف السودانية وداعميها الخارجيين والمؤسسات الدولية مسؤولية ما قد يقع، بعدما أصبحت مؤشرات الخطر معلنة، وتكرار مأساة الفاشر احتمالًا يمكن توقعه ومنعه، لا مفاجأة يمكن التنصل منها.
في المحصلة، لا تختصر مأساة الأبيض معاناة مدينة سودانية واحدة، بل تكشف الوجه الأكثر قسوة للحرب التي تنهش البلاد منذ سنوات، فالمدينة بما تمثله من ثقل تجاري واقتصادي وإنساني، لا يمكن التعاطي معها كمجرد جبهة جانبية على هامش الصراع، وإنما شاهد حي على نهج تتعامل من خلاله أطراف الحرب مع المدن وسكانها ومواردها بوصفها أوراقًا للضغط وأدوات في المعركة، فيما يدفع ملايين السودانيين كلفة الصراع من أمنهم وغذائهم وصحتهم ومستقبل أبنائهم، وبينما تتراكم مؤشرات الحصار والانهيار، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ينتظر المجتمع الدولي سقوط الأبيض وتكرار مأساة الفاشر، ثم يكتفي مجددًا بالإدانة بعد فوات الأوان؟