• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

قطع شرايين إيران.. ماذا تريد واشنطن؟

عماد عنان١٨ يوليو ٢٠٢٦

دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية منعطفًا بالغ الحساسية خلال الأسبوع الأخير، بعدما تجاوز الاستهداف الأمريكي القواعد العسكرية والمنشآت المستخدمة في العمليات القتالية، ليمتد إلى البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المطارات ومحطات الطاقة والكهرباء والجسور والطرق، في تحول لافت يعكس توسيعًا رأسيًا وأفقيًا في بنك الأهداف الأمريكية.

ويشير هذا التحول إلى بدء واشنطن تبني استراتيجية جديدة في مواجهتها مع طهران، بعدما عجزت الاستراتيجيات التقليدية التي اعتمدتها منذ بداية الحرب عن تحقيق أهدافها، لا سيما في ظل التعنت الإيراني بشأن ملف مضيق هرمز، الذي تحول إلى صداع مزمن في رأس إدارة الرئيس دونالد ترامب، ووضعها أمام مأزق وحرج سياسي على الساحة الدولية.

وتفتح هذه النقلة الاستراتيجية، التي تجاوزت حدود الردع المحدود إلى تبني سياسة الإكراه العسكري، باب التكهنات بشأن النتائج التي يمكن أن تسفر عنها، ومدى قدرتها على إخضاع طهران ودفعها إلى قبول ما رفضته سابقًا تحت وطأة الاستراتيجيات التقليدية.. فماذا تريد واشنطن من هذا التحول الحساس في بنك أهدافها داخل إيران؟

قطع شرايين إيران

اللافت هنا أن الاستهداف هذه المرة ركّز على الشريط الساحلي الجنوبي لإيران، الممتد من محافظة خوزستان غربًا إلى سيستان وبلوشستان شرقًا، والذي تعرّض لسلسلة من عمليات الاستهداف الممنهجة التي طالت جانبًا واسعًا من البنية التحتية الممتدة على طول الساحل المطل مباشرة على مضيق هرمز، والذي يمثل إحدى أهم مناطق القيادة والسيطرة الإيرانية على حركة الملاحة في المضيق.

وبدأت هذه العمليات باستهداف عدد من الجسور البرية في محافظة هرمزغان، من بينها ثلاثة جسور في مدينة بندر خمير الساحلية، وهي جسور تربط ميناء بندر عباس، الواقع على المضيق، بالعاصمة طهران ومناطق وسط إيران، كما طال الاستهداف محطة قطارات بندر خمير، التي تعد إحدى المحطات الرئيسية المستخدمة في نقل الأفراد والمعدات والإمدادات إلى المناطق المحيطة بهرمز.

وامتد الاستهداف كذلك إلى مطار إيرانشهر في محافظة سيستان وبلوشستان، وإلى برج المراقبة الرئيسي في ميناء تشابهار، الذي كان يُستخدم في متابعة حركة السفن التجارية والبحرية، كما شملت الضربات بنى تحتية كهربائية ومحطات لتحلية المياه في مدينة جاسك وعدد من المحافظات الجنوبية، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء والمياه عن عشرات الآلاف من سكان تلك المناطق.

ماذا يعني هذا الاستهداف ميدانيًا؟

بطبيعة الحال، لا يمكن التعاطي مع هذا الاستهداف الممنهج للجنوب الإيراني بوصفه جولة عابرة ضمن جولات الحرب الممتدة بين الولايات المتحدة وإيران؛ إذ إن التركيز المكثف على الشريط الساحلي، من خلال ضرب بنيته التحتية، بما يشمل الجسور والطرق ومنشآت الكهرباء والمياه والمطارات وأبراج المراقبة، يعني عمليًا السعي إلى تحقيق مجموعة من النتائج الميدانية والاستراتيجية.

وتتمثل أولى هذه النتائج في عزل الشريط الساحلي الجنوبي، بدرجات متفاوتة، عن بقية المناطق الإيرانية، ولا سيما العاصمة طهران، وهنا يبرز استهداف مدينة بندر عباس، التي تمثل المركز البحري واللوجستي الرئيسي للجمهورية الإيرانية، فضلًا عن كونها إحدى أبرز القواعد التي يعتمد عليها الحرس الثوري في إحكام قبضته على حركة الملاحة داخل مضيق هرمز.

ويتعمق هذا العزل عبر قطع شرايين الإمداد، من خلال قصف الجسور والطرق وخطوط السكك الحديدية التي تربط الجنوب بطهران ومناطق وسط البلاد، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى إبطاء أو تعطيل سلاسل الإمداد السلعية والعسكرية القادمة من بقية المدن الإيرانية إلى المناطق الجنوبية، كما تتفاقم حدة الأزمة في ظل محدودية البدائل اللوجستية، بما يضع سكان تلك المناطق أمام ضغوط معيشية وخدمية متزايدة يومًا بعد آخر.

ويتواصل تضييق الخناق من خلال استهداف منظومة المراقبة البحرية والجوية، وهو ما تجسد في ضرب برج المراقبة الرئيسي بميناء الشهيد كلانتري في تشابهار، ووفقًا للقيادة المركزية الأمريكية، كان الحرس الثوري يستخدم البرج في مراقبة الساحل الإيراني المطل على خليج عُمان وتتبع حركة السفن المارة في المنطقة، وهو ما دفع واشنطن إلى تبرير استهدافه باعتباره أحد أبرز أدوات المراقبة البحرية التي اعتمد عليها الحرس لعقود في متابعة الملاحة المرتبطة بمضيق هرمز.

وفقًا لهذه المنهجية في استهداف الشريط الساحلي الجنوبي لإيران، يبدو أن مضيق هرمز كان الحاضر الأبرز في خلفية المشهد؛ إذ تعكس الضربات مساعي أمريكية لشل قدرات طهران على إدارة المضيق، وإضعاف إمكاناتها في التحكم بحركة الملاحة داخله، وتجريدها، ولو مرحليًا، من إحدى أهم أوراق الضغط التي عززت موقفها على طاولة المفاوضات، ووضعت الإدارة الأمريكية في مأزق وحرج سياسي متزايدين.

ماذا تريد واشنطن؟

تسعى الإدارة الأمريكية، من خلال التحول في بنك أهدافها داخل إيران من القواعد العسكرية إلى البنية التحتية، إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، يتمثل أولها في إجبار طهران على التراجع تدريجيًا عن قدرتها على التحكم في مضيق هرمز، عبر إضعاف منظومات السيطرة، وفصل مناطق القيادة والتحكم في الجنوب عن العمق الإيراني، وتعطيل سلاسل الإمداد والتموين بين المركز والمناطق الساحلية، ومن خلال هذه الاستراتيجية الجديدة، تحاول واشنطن حسم السؤال الأكثر إلحاحًا في المرحلة الراهنة: من الذي يضع قواعد المرور في المضيق؟

أما الهدف الثاني، فيتمثل في ممارسة أقصى درجات الضغط على إيران من خلال سياسة الخنق المضاعف، أو ما يُعرف سياسيًا بـ«الإكراه العسكري»، وذلك عبر رفع كلفة المواجهة على القيادة الإيرانية، ودفعها إلى الاقتناع بأن الاستمرار في التصعيد والعناد سيكون أكثر كلفة من إبداء المرونة والاستجابة، ومن هذا المنطلق، تحاول واشنطن تعظيم الخسائر الاقتصادية والعسكرية، بما يفاقم الضغوط الداخلية على السلطة الإيرانية ويدفعها إلى إعادة ترتيب حساباتها.

ويتمثل الهدف الثالث في تعزيز الموقف الأمريكي على طاولة المفاوضات، فبتجريد طهران من ورقة هرمز، ومضاعفة الضغوط العسكرية والاقتصادية عليها، تسعى واشنطن إلى التفاوض من موقع قوة، إذا ما نجحت هذه الاستراتيجية في تحقيق أهدافها، بما قد يجبر القيادة الإيرانية على تعديل مواقفها وإعادة صياغة حساباتها خلال الجولات التفاوضية المقبلة.

وهناك هدف آخر لا يمكن تجاهله، وإن لم يكن حاضرًا في المشهد بصورة مباشرة، يتعلق برسائل الطمأنة التي يسعى ترامب إلى توجيهها إلى حلفائه الخليجيين، عبر التأكيد على مواصلة التصدي للتهديدات الإيرانية في المنطقة، تلك الرسائل التي تأتي في أعقاب تصاعد الشكوك بشأن فاعلية الحماية الأمريكية، وتراجع الثقة في قدرة المظلة الأمنية التي توفرها واشنطن على حماية العواصم الخليجية من الضربات الإيرانية.

ماذا عن طهران؟

يبدو أن طهران قرأت الرسالة الأمريكية بشأن هرمز سريعًا وبقدر واضح من الدقة، وهو أكده المتحدث باسم الجيش الإيراني، العميد محمد أكرمي نيا، بالتنويه على أن القوات المسلحة لن تتهاون قيد أنملة في ما يتعلق بمضيق هرمز، مشددًا على أن السبيل الوحيد لإعادة فتحه يتمثل في احترام حقوق الشعب الإيراني، والتزام الولايات المتحدة ببنود مذكرة التفاهم الخاصة بإنهاء الحرب بين البلدين.

ولم تقتصر هذه القراءة على المؤسسة العسكرية، بل امتدت إلى البرلمان الإيراني، وهو ما عبّر عنه عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، علاء الدين بروجردي، حين أكد أن نطاق النفوذ والاقتدار الوطني الإيراني يمتد حتى مضيق هرمز، وأن هذا الاقتدار سيظل قائمًا، وهو التصريح الذي يحمل ردًا مباشرًا وواضحًا على الرسالة الأمريكية ومحاولاتها تقويض سيطرة طهران على المضيق.

وبالتزامن مع تلك التصريحات العسكرية والسياسية، جاء الرد الإيراني ميدانيًا عبر استهداف عدد من المواقع داخل العواصم الخليجية، بما فيها دول وسيطة وأخرى تحتفظ بعلاقات وثيقة مع طهران، حيث أعلن الحرس الثوري استهداف مواقع عسكرية ولوجستية قال إن الولايات المتحدة تستخدمها في تنفيذ عملياتها ضد إيران.

وحتى هذه المرحلة، لم يخرج الرد الإيراني عن الإطار التقليدي الذي اعتمدته طهران منذ بداية الحرب، والقائم على استهداف القواعد والمواقع الأمريكية في دول الخليج بالطائرات المسيّرة والصواريخ، غير أن اللافت كان التحذير الصادر عن عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام والقائد السابق للحرس الثوري، اللواء محسن رضائي، الذي قال: “إذا واصلت الولايات المتحدة الحرب خلال الأيام المقبلة، فستنتقل إيران من مرحلة الرد إلى مرحلة الهجوم، وسنعلن حينها انتهاء شروط المفاوضات والحرب على حد سواء”.

ورغم أن رضائي لم يوضح في تحذيره من طبيعة المرحلة الهجومية التي تحدث عنها، ولا حدودها أو الأدوات التي قد تلجأ إليها بلاده، لكنه التحذير الذي فتح باب التكهنات أمام سيناريوهات عدة تنذر باتساع دائرة الحرب، خاصة إذا استشعر النظام الإيراني أنه يواجه تهديدًا حقيقيًا لبقائه؛ إذ قد يدفعه ذلك إلى تجاوز قواعد الاشتباك الحالية وتبني سياسة تقوم على توسيع المواجهة وإغراق المنطقة بأكملها في أتون الصدام.

رهان الوقت.. مأزق نوفمبر

تدرك طهران جيدًا أن واشنطن لا ترغب في الانزلاق مجددًا إلى حرب شاملة، نظرًا إلى كلفتها الباهظة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، كما تدرك أن كل يوم يمر من دون أن تنجح الولايات المتحدة في تحقيق كامل أهدافها المعلنة يمثل، من وجهة النظر الإيرانية، انتصارًا رمزيًا، رغم الخسائر الكبيرة التي تتكبدها جراء تكثيف العمليات العسكرية الأمريكية ضدها.

ومن هنا، يتحول عامل الوقت إلى رهان مشترك بين الطرفين، فالولايات المتحدة تراهن عليه بوصفه أداة ضغط تستهدف إرضاخ إيران على تقديم تنازلات، لا سيما في ملف المضيق، بما يمنح الإدارة الأمريكية انتصارًا سياسيًا يمكن تسويقه داخليًا، في المقابل، ترى طهران أن مجرد الصمود في مواجهة الآلة العسكرية الأمريكية يمثل انتصارًا في حد ذاته، ما دام هذا الصمود لا يترتب عليه تقديم تنازلات في الملفات الاستراتيجية التي وضعت بشأنها خطوطًا حمراء، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، ووحدة الساحات، ومضيق هرمز.

ووفقًا لهذه المقاربة، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام مأزق حقيقي؛ فكلما اقترب موعد انتخابات التجديد النصفي، المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ازدادت الضغوط السياسية عليها، حيث يسعى ترامب إلى تحقيق انتصار يفضي إلى إنهاء الحرب قبل موعد الانتخابات، خاصة في ظل تراجع شعبيته بسبب إدارته للمواجهة وتداعياتها الاقتصادية والسياسية على المواطن الأمريكي.

وفي هذا الإطار، تتفهم طهران أسباب تصعيد واشنطن لعملياتها العسكرية بهذه الكثافة، والتحول النوعي في بنك أهدافها، وفي المقابل، تسابق هي الأخرى الزمن للإبقاء على الوضع الراهن، والصمود أمام الضربات حتى نوفمبر المقبل، على أمل أن يجد ترامب نفسه حينها مضطرًا إلى إبرام أي اتفاق يحفظ به ماء الوجه، حتى وإن لم يتضمن تنازلات إيرانية جوهرية أو اختراقًا لخطوط طهران الحمراء.

لكن السؤال الذي يظل مطروحًا هو: هل تكتفي واشنطن بهذا المستوى من الضغط؟ خاصة في ظل تصاعد المؤشرات التي قد تدفعها إلى اللجوء إلى خيارات أكثر قسوة، وإن بدت نظريًا وعلى الورق مستبعدة في الوقت الراهن، من بينها التدخل البري في الساحل الإيراني بهدف تجريد طهران من ورقة مضيق هرمز، أو استهداف المنشآت النووية بشكل كامل، لا سيما مع انتشار ما يقرب من خمسين ألف عسكري أمريكي في المنطقة.

ورغم أن البعض قد ينظر إلى هذا الخيار بوصفه خيارًا شمشونيًا بالغ الخطورة، في ضوء كلفته المتوقعة،  فإنه يظل واردًا في حسابات السياسة إذا فشل ترامب في تحقيق أهدافه وشعر بأن مستقبله السياسي بات على المحك، وفي المقابل، يبرز السؤال الأكثر قدرة على تحديد مستقبل تلك المواجهة: إلى متى يستطيع النظام الإيراني الصمود أمام هذا التصعيد؟ وما مدى قدرته على امتصاص تداعياته اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا، في الداخل والخارج؟

علاماتالاقتصاد الإيراني ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، السياسة الأمريكية تجاه إيران ، السياسة الإيرانية
مواضيعالاقتصاد الإيراني ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الإيرانية ، الشأن الإيراني ، الصراع الإيراني الإسرائيلي

قد يعجبك ايضا

سياسة

“وسيم ومقاتل عظيم”.. زعيم العراق الجديد يتودد إلى واشنطن

راية الجلبي١٨ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

تفاصيل خطة ترامب الجديدة: التخلي عن إعادة إعمار غزة الشامل لصالح مخيم تجريبي

جوليان بورجر١٧ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

الزيدي في واشنطن.. صفقات بمليارات الدولارات مشروطة بنزع سلاح الفصائل

أحمد الدباغ١٧ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑