• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

إسرائيل تكشف مشروعها الاستيطاني.. هل انتهى وهم “عملية السلام”؟

جيريمي سولت١٩ يوليو ٢٠٢٦

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

ترجمة وتحرير: نون بوست

على مدى النصف قرن الماضي، تعاقبت جولات محادثات السلام ثم تلاشت؛ من بعثة جارنج وخطة روجرز عام 1969؛ وكامب ديفيد عامي 1978 و1979؛ وخطة فهد عام 1981؛ وأوسلو عام 1993؛ والمبادرة العربية للسلام عام 2000 والعودة إلى كامب ديفيد في العام نفسه.

كانت جميع هذه الجولات تستند إلى الصيغة نفسها: وهي إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وفشلت جميعها لسبب بسيط هو أن إسرائيل لم ترد لها النجاح.

كانت إسرائيل منشغلة بتنفيذ المهمة الصهيونية التاريخية: الاستيلاء على فلسطين بأكملها، وليس جزءًا منها فحسب. كان الاستيلاء على 78 بالمئة من الأراضي عام 1948 يعني أن المهمة التاريخية لم تُنجز بالكامل، لكن الأمر لم يقتصر على الاستيلاء على الأرض فحسب، بل كان لا بد من إزالة الشعب، وقد تقرر ذلك قبل وقت طويل من تنفيذ “خطة دالِت”.

وكتب بن غوريون لابنه في ثلاثينيات القرن الماضي: “يجب أن نطرد العرب ونأخذ مكانهم”. وقبل ذلك بكثير، أوضح إسرائيل زانغويل في عام 1905 ما يجب فعله: “يجب أن نكون مستعدين إما لطرد القبائل المالكة بالسيف كما فعل أجدادنا، أو لمواجهة مشكلة وجود سكان غرباء بأعداد كبيرة، معظمهم مسلمون، اعتادوا قرونًا على احتقارنا”. بالطبع؛ كان المستوطنون الصهاينة هم الغرباء الذين لا تربطهم صلة حقيقية بالأرض، بل كانوا ينظرون بازدراء إلى اليهود الذين عاشوا فيها.

عام 1940، لخّص يوسف فايتس، رئيس قسم التطوير في الصندوق القومي اليهودي، النوايا الصهيونية قائلاً: “يجب أن يكون واضحًا لنا أنه لا مكان في فلسطين لهذين الشعبين… لا يجب أن تبقى قرية واحدة، ولا قبيلة واحدة”. كان ذلك هو “الترحيل” إلى الدول المجاورة الذي دعا إليه بن غوريون، وهو مجرد تعبير ملطف لما كان يعرف أنه لا يمكن أن يتم إلا بالقوة.

لم يبقَ اليوم شيء من “محادثات السلام”وحتى الأسماء لم تعد تُذكر، إلا من قبل المؤرخين الذين ينبشون الرماد بحثًا عن “الخطأ الذي حدث”، بدلاً من إدراك أن إسرائيل لم تكن تريد لهذه المحادثات أن تقود إلى سلام حقيقي، وأنها رفضت الاعتراف بأنها، كدولة استيطانية استعمارية أُنشئت في ذروة في ذروة الجهود الرامية إلى إنهاء الاستعمار الاستيطاني حيثما وُجد، كانت خطأً منذ البداية.

بدأ السعي نحو التطهير العرقي الكامل لفلسطين في مطلع القرن العشرين مع طرد الفلاحين المستأجرين من الأراضي التي اشترتها الوكالات الصهيونية من الملاك الغائبين، وكانت أكبر الصفقات مع عائلة سرسق، وهي عائلة يونانية أرثوذكسية من بيروت راكمت ثروة كبيرة من المصارف والصناعة والتجارة.

واشترت عائلة سرسق مرج ابن عامر (سهل يزرعيل) من الدولة العثمانية في سبعينيات القرن التاسع عشر، وبحلول عام 1925 كانوا قد باعوا كل مساحته (400 ألف دونم أو نحو 100 ألف فدان) للصهاينة. ورغم ثروتهم، احتكر ميشيل سرسق الحبوب خلال المجاعة الكبرى التي ضربت سوريا عام 1915-1916 وباعها بأسعار باهظة للقادرين على الدفع.

كانت الحكومة العثمانية قد فرضت قيودًا على بيع الأراضي للصهاينة، لكن مع بداية الاحتلال البريطاني عبر الانتداب، ومع التزام بريطانيا التام بالمشروع الاستيطاني الصهيوني، رُفعت جميع القيود.

وطردت الشرطة البريطانية الفلاحين المستأجرين، وأُخليت أكثر من 20 قرية من سكانها. وبمجرد بيع الأراضي للصهاينة، لم يعد من الممكن أبدًا إعادة ملكيتها أو تأجيرها لغير اليهود بموجب ميثاق الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي.

وقد خلصت لجنة تحقيق بريطانية إلى أن  “إخراج الأراضي الفلسطينية من نطاق السيادة” كان عاملًا أساسيًا في المقاومة التي أدت إلى انتفاضة عام 1936.

وبحلول ذلك الوقت، كان الصهاينة، المدعومون من الحكومة البريطانية، والذين سُمح لهم بتشكيل وحدات “دفاع عن النفس” في نفس الوقت الذي جُرد فيه الفلسطينيون من سلاحهم، قد ترسخوا بقوة في فلسطين.

وخطوة بخطوة، وبسياسة “دونم واحد وماعز واحد”؛ تقدم الصهاينة بثبات نحو الهدف النهائي: تطهير فلسطين من الفلسطينيين. وقد أخفوا هدفهم النهائي وراء قناع النوايا الحسنة؛ وكذبوا، وخدعوا، وتملقوا البريطانيين إلى أن لم يعد لدى هؤلاء الأخيرين ما يقدمونه، فبدأوا في وضع العقبات في طريقهم. ولذا عض الصهاينة اليد التي أطعمتهم بسخاء طوال عشرين عامًا؛ فقتلوا الجنود واغتالوا كبار المسؤولين، ثم اتجهوا إلى الأمريكيين الذين منحوا الصهاينة كل ما أرادوا.

وخطوة بخطوة بالفعل، ووصولًا إلى يومنا هذا؛ لم يلتزم الصهاينة أبدًا بسلام حقيقي، بل ساروا في الاتجاه المعاكس بينما كانوا يتظاهرون بأنهم لا يريدون سوى السلام، ويطلقون مرارًا وتكرارًا الاتهام الكاذب بأن “ليس لدينا شريك للسلام”، في حين أنهم هم الذين لم يكونوا أبدًا شركاءً للسلام.

وما أرادوه طوال الوقت هو فلسطين بأكملها، ولا يمكن أبدًا التوفيق بين أن تكون فلسطين بأكملها في أيدي الصهاينة بين الرغبة في السلام. 

ومن المؤكد أنهم لم يرغبوا أبدًا في تقسيم فلسطين، وقد تظاهروا بقبول التقسيم عندما لم يكن أمامهم خيار في عام 1949 سوى الاكتفاء بما كانوا قد سرقوه بالفعل.

وأوضح بن غوريون أن التقسيم لم يكن سوى خطوة على طريق غزو فلسطين بأكملها والأراضي الواقعة خارجها إذا ما سنحت الفرصة. وفي عام 1956، استولت إسرائيل على سيناء ولم تنسحب إلا بعد أن هددها أيزنهاور، وكانت إسرائيل قد بدأت بالفعل في ارتكاب مذابح ضد الفلسطينيين في غزة، ودعا بن غوريون إلى الاستيلاء الكامل على القطاع، قائلًا إن اللاجئين “مصدر إزعاج، لكننا سنطردهم” إلى صحراء سيناء.

وكان الإسرائيليون يعلمون أن عبد الناصر لم يكن يرغب في الحرب وكان منفتحًا على المفاوضات، وهو ما حدث في عام 1967، حيث كانت إسرائيل هي التي أرادت الحرب. وتستحق تصريحات رئيس أركان الجيش موشيه دايان أن نقتبسها هنا بالتفصيل: “لسنا بحاجة إلى معاهدة أمنية مع الولايات المتحدة: فمثل هذه المعاهدة لن تكون سوى عقبة أمامنا. في الواقع، لا نواجه أي خطر على الإطلاق من القوة العسكرية العربية… إن عمليات “الانتقام” هي عصب حياتنا… فهي تمكننا من الحفاظ على توتر شديد بين سكاننا وفي الجيش… ومن الضروري إقناع شبابنا بأننا في خطر”. 

وانتهزت إسرائيل الفرصة مرة أخرى في عام 1967 وهاجمت مصر وسوريا، وكان ادعاء “الضربة الوقائية” كذبة سخيفة، وكذلك ادعاء الخوف من الإبادة، الذي يتكرر في كلما أرادت إسرائيل خوض حرب ما.

وأرادت إسرائيل الاستيلاء على الـ22 بالمئة المتبقية من فلسطين، فاستولت عليها، ثم استخدمت الانسحاب من سيناء المحتلة كورقة مساومة للحفاظ على احتلالها للقدس الشرقية والضفة الغربية.

واستمر هذا الاحتيال في كل مفاوضات “السلام” التي لطالما انحازت فيها الولايات المتحدة لإسرائيل، وكانت اتفاقيات كامب ديفيد محكومًا عليها بالفشل سلفًا لأن إسرائيل لم تكن تنوي تقديم أي تنازلات.

وادعى باراك أنه عرض إعادة 97 بالمئة من الضفة الغربية، لكنه كان يتجه نحو هزيمة انتخابية، ولم تكن هناك أدنى فرصة لقبول الكنيست بذلك، كانت مجرد حيلة دعائية موجهة للجمهور الغربي.

وحل باراك مسألة إعادة القدس الشرقية للفلسطينيين بتوسيع الحدود البلدية للمدينة لتشمل قرية أبو ديس؛ وبهذا لن تكون السلطة الفلسطينية “ذات الحكم الذاتي” قريبة بأي شكل من الأشكال من المدينة القديمة: بل ستكون في أبو ديس.

ولم تشارك إسرائيل يومًا في مفاوضات تهدف إلى تسوية حقيقية قائمة على إعادة الأرض الفلسطينية، وقد انهارت كل عملية تفاوض تحت وطأة الاعتراضات الإسرائيلية، بل استُخدمت كل عملية سلام لكسب مزيد من الأرض وترسيخ الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967.

واستُخدم عرفات كصانع سلام ثم أُعيد تصويره كإرهابي وأُزيح جانبًا قبل أن يُغتال، على الأرجح بأمر من أريئيل شارون. وخلفه عباس، الذي يُعد خائنًا في نظر معظم الفلسطينيين.

وكان بإمكان الولايات المتحدة والدول الأوروبية أن تضع العراقيل أمام إسرائيل لكنها لم تفعل، ولماذا تفعل ذلك وإسرائيل هي طفلها المدلل؛ طفل كبر ليصبح وحشًا مختلًا يدمّر كل ما يعترض طريق تحقيق الحلم الصهيوني الذي كان منذ البداية كابوسًا لضحايا هذه الأيديولوجيا المجنونة.

ويبدو أن داعمي إسرائيل يتبنون وجهة نظر مفادها أنه طالما أنها لا تضرهم، فإنها يمكن أن تضر من تشاء.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، تم التخلي عن كل الأكاذيب والمراوغات والخداع. فلم تعد إسرائيل ترى أي داعٍ لإخفاء ما تريده، وهو ليس فقط فلسطين بأكملها، بل أجزاء كبيرة من لبنان وسوريا. إنها تتصرف بوقاحة تامة؛ فهي تأخذ كل ما تريده علنًا دون خوف ظاهر من أي تدخل خارجي، وقد أصبح العنف ضد الفلسطينيين على جميع المستويات بلا قيود.

وكما تتزايد الشهية بالأكل؛ فكلما أفلتت إسرائيل من العقاب، زاد جشعها. إنها تتملق القادة الأمريكيين والأوروبيين بينما تنظر إليهم بازدراء بسبب ضعفهم، وهي واثقة من قدرتها على التلاعب بهم إلى ما لا نهاية.

لم يكن لدى إسرائيل أبدًا التزام حقيقي بالسلام، وبعد عقود من الخداع، يرى العالم اليوم إسرائيل على حقيقتها: بدائية ووحشية خلف واجهة “دولة الشركات الناشئة”. 

إن نتنياهو وبن غفير وسموتريتش هم فقط أقبح الوجوه، وخلفهم يقف القتلة الجماعيون الذين يرتدون الزي العسكري، والذين يقتلون الرجال والنساء والأطفال العزل، ويُطلق عليهم اسم “جنود”، وعصابات المستوطنين التي ظهرت بعد عام 1967 في الضفة الغربية، وأغلبية الشعب التي تدعم الإبادة الجماعية بينما ترفض تسميتها بذلك.

وتستمر من الناحية الاخرى حملة المطاردة ضد معارضي الإبادة الجماعية في الولايات المتحدة وأوروبا والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا. ويشتكي مؤيدو الإبادة الجماعية الصهاينة خارج إسرائيل من أن الناس يوجهون إليهم الشتائم، وهو بلا شك ثمن زهيد مقارنةً بأطنان الأنقاض التي يُلقى بها جيش القتلة الجماعيين الذي يدعمونه على جثث الفلسطينيين. إنهم متورطون في جرائم إسرائيل، لكن لا أحد يحاسبهم خوفًا من أن يُتهم بمعاداة السامية.

وتعد “لجنة مكافحة معاداة السامية” في أستراليا نتاجًا للتعاون بين الحكومة وجماعات الضغط الإسرائيلية. ولها هدف واحد، وهو إسكات كل أشكال المعارضة لجرائم الحرب الإسرائيلية، وجرائمها ضد الإنسانية، وغيرها من الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي؛ وذلك تحت ستار مكافحة معاداة السامية،  وذلك رغم أن أستراليا لديها بالفعل جميع قوانين مكافحة الكراهية اللازمة للتعامل مع هذا الأمر.

لقد أحرقت إسرائيل الأرض خلفها عمدًا حتى لا يكون هناك مجال للتراجع؛ فلن يكون هناك سلام يقوم على إعادة أي أرض يمكن أن تُبنى عليها دولة فلسطينية، باختصار لن يكون هناك سلام على الإطلاق، بل استمرار للوحشية والمقاومة.

لا توجد خطة بديلة، لقد حبست إسرائيل نفسها في مكانها هذا. إما أن تسير الأمور على طريقة إسرائيل أو لا تسير على الإطلاق، وأي طرف يعارض يجد نفسه فورًا في مرمى نيرانها.

لقد تم استيطان القدس الشرقية والضفة الغربية بكثافة بحيث لم يعد من الممكن إعادتهما، وقد كانت هذه عملية متواصلة ومتعمدة منذ عام 1967، ورغم أن الفلسطينيين لم يتخلَّوا أبدًا عن حقوق جيل 1948، إلا انها ليست في حسبان الأوروبيين والولايات المتحدة على الإطلاق.

تعيش إسرائيل اليوم في أقرب نقطة إلى ذروة انتصارها؛ فضعف الأمم المتحدة، ونجاح الولايات المتحدة في ترهيب المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، يشجع إسرائيل على المضي قدمًا.

لم يعد هناك ما يُتفاوض عليه الآن؛ فإما أن يأخذ المنتصرة كل شيء أو يخسر كل شيء، وإسرائيل واثقة من أنها ستكون المنتصرة. لقد أرهبت العالم حتى خضع لها، أو هكذا تعتقد، حتى وإن كانت الأرض تهتز تحت أقدامها أينما نظرت.

المصدر: فلسطين كرونيكل 

علاماتالانتهاكات الإسرائيلية ، الحرب على غزة ، السياسات الإسرائيلية ، السياسة الصهيونية
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الحرب على غزة ، الصهيونية ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

معركة السيطرة على “برك سليمان”.. إسرائيل تهدد بابتلاع تاريخ بيت لحم

جوليان بورجر٢٠ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

عودة الفلول إلى الشاشات.. ماذا تريد السلطة من رموز مبارك؟

فريق التحرير٢٠ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

كيف ساعد ضابط CIA الإمارات على الفوز برقائق الذكاء الاصطناعي؟

جويل شيختمان٢٠ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑