• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

دبلوماسية السلاح.. كيف تربط تركيا جيوش العالم بصناعاتها الدفاعية؟

خالد أصلان١٠ أغسطس ٢٠٢٦

خلال العقد الأخير، أصبحت الصناعات الدفاعية التركية إحدى قنوات السياسة الخارجية، تتحرك عبرها الدولة والشركات في مسار متصل يبدأ بالزيارة الرئاسية أو اتفاق التعاون العسكري، ثم يمتد إلى التوريد والتدريب والصيانة والتصنيع المحلي.

وتمنح هذه العلاقة أنقرة حضورًا دوريًا داخل وزارات الدفاع والجيوش ومؤسسات التسليح لدى الدول المستوردة، وقد تتوسع لاحقًا إلى شراكات أمنية واقتصادية تتجاوز العقد الأول. وتدير مؤسسات الدولة هذا التوسع التصديري بالتعاون مع شركات تتكامل تخصصاتها في الطائرات المسيّرة والإلكترونيات والصواريخ والسفن والمركبات المدرعة.

واكتسب هذا المسار وزنًا أكبر مع صعود تركيا إلى المرتبة الحادية عشرة عالميًا بين مصدري الأسلحة الكبرى خلال الفترة 2021–2025، وفق تقرير نشره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في 9 مارس/آذار 2026.

وبلغت حصة تركيا 1.8% من الصادرات العالمية، وارتفع حجم صادراتها بنسبة 122% مقارنة بالفترة 2016–2020، فيما استحوذت باكستان على 16% من صادراتها، والإمارات على 12%، وأوكرانيا على 8.4%.

وبلغت قيمة صادرات الدفاع والطيران التركية 10.05 مليارات دولار خلال عام 2025، في قطاع يضم أكثر من 3500 شركة ويعمل فيه أكثر من مئة ألف شخص، بحسب رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، وترتبط هذه القفزة بحاجة الصناعة إلى أسواق تمول برامج التطوير وتحافظ على خطوط الإنتاج.

وخلص المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في تقرير في مايو/أيار 2024 إلى أن استمرار مسار التصنيع التركي أصبح مرتبطًا بتوسيع الصادرات والتعاون الدولي، مع بقاء تحديات تتصل بالتقنيات المتقدمة والمكونات وسلاسل التوريد.

كما رأت مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية (SWP)، وهي مركز أبحاث يقدم المشورة للحكومة والبرلمان الألمانيين، في دراسة عام 2024، أن أنقرة تستخدم صادرات السلاح بصورة استراتيجية لتوسيع شبكاتها والدخول إلى أسواق تتحفظ دول أطلسية أخرى على التعامل معها، وتختلف نتائج هذه السياسة وفق طبيعة العلاقة مع الدولة المستوردة وعمق التعاون العسكري والصناعي معها.

كيف تحوّل تركيا الصفقات إلى نفوذ؟

تحتفظ الدولة التركية بموقع مركزي في توجيه الصناعة نحو الخارج، إذ تتبع رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) رئاسة الجمهورية، وتتولى إدارة برامج التسليح والتطوير والتعاقد والتصنيع.

وتمثل اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية أعلى مستوى لصنع القرار في القطاع، وتضم رئيس الجمهورية ونائبه ووزراء الخزانة والداخلية والدفاع والصناعة، إلى جانب رئيس هيئة الأركان ورئيس الصناعات الدفاعية.

وتشمل صلاحيات اللجنة اتخاذ القرارات المتعلقة بتصدير المنتجات الدفاعية وترتيبات التعويض الصناعي والتجارة المتبادلة، إلى جانب تنسيق عمل المؤسسات وتمويل برامج التدريب، ما يربط الصادرات بالاعتبارات السياسية والعسكرية والصناعية منذ مرحلة اختيار السوق.

ويظهر الدور المباشر للدولة في شركة إدارة المصانع والترسانات العسكرية “أسفات”، المملوكة للدولة والعاملة تحت مظلة وزارة الدفاع التركية، حيث تتولى الشركة تسويق خبرات المصانع العسكرية وأحواض السفن وتنفيذ مشروعات التصميم والبناء والتحديث والتدريب والدعم اللوجستي خارج تركيا.

وتتيح هذه البنية لأنقرة الدخول في عقود طويلة تقودها مؤسسة حكومية، وتشارك فيها أحواض السفن والشركات الهندسية وموردو الأنظمة والمكونات، إذ تتحرك الشركات داخل هذه المظلة وفق تخصصاتها، إذ تطور شركة “بايكار” الخاصة المتخصصة في الأنظمة الجوية غير المأهولة، طائرات “بيرقدار تي بي 2″ و”بيرقدار أقنجي”.

تطور شركة “بايكار” الخاصة طائرات “بيرقدار تي بي 2″ و”بيرقدار أقنجي”

وتنتج شركة “أسيلسان” للإلكترونيات الدفاعية، الرادارات وأنظمة الاتصالات والاستشعار والتصويب، فيما تتخصص “روكيتسان” للصناعات الصاروخية في الصواريخ والذخائر الموجهة.

وتعمل شركة “إس تي إم” للهندسة والتقنيات الدفاعية في تصميم السفن الحربية وتكامل الأنظمة والدعم اللوجستي، بينما تنتج “إف إن إس إس” للأنظمة الدفاعية، المركبات المدرعة وتنفذ برامج التصنيع والتحديث داخل الدول الشريكة.

ظهر هذا المسار خلال زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى جدة في يوليو/تموز 2023، حين اقترنت خطة التعاون بين وزارتي الدفاع بعقود دفاعية، وفتحت الزيارة السياسية بذلك الطريق أمام برنامج صناعي أوسع من صفقة التوريد الأولى.

ويتواصل الحضور بعد تسليم السلاح عبر التدريب والصيانة وقطع الغيار والذخائر والتحديثات ومراكز الخدمة وخطوط الإنتاج، إذ تحتاج السفن إلى سنوات من التصميم والبناء والتجارب والتأهيل، فيما ترتبط الطائرات المسيرة بمحطات التحكم والحساسات والبرمجيات والذخائر ودورات المشغلين.

ويتحول العقد في هذه المرحلة إلى علاقة منتظمة بين الشركات التركية والجيوش ووزارات الدفاع ومؤسسات التصنيع المحلية، بما يتيح متابعة المشروعات القائمة وفتح برامج جديدة، ويزداد أثر هذا الحضور عندما ينتقل من التدريب والصيانة إلى التصنيع المشترك واللجان العسكرية الدائمة، ثم يمتد إلى ترتيبات أمنية أو اقتصادية أوسع.

السعودية: السلاح يرسّخ المصالحة

جاء التعاون الدفاعي السعودي التركي ضمن مسار مصالحة أعادت خلاله الزيارات رفيعة المستوى فتح العلاقات بين البلدين.

وفي يوليو/تموز 2023، وقعت وزارة الدفاع السعودية مع شركة “بايكار” عقدين لاقتناء طائرات “بيرقدار أقنجي”، وهي طائرات قتالية مسيّرة ثقيلة، بالتزامن مع خطة للتعاون بين وزارتي الدفاع واتفاقات أخرى في مجالات الطاقة والاستثمار والاتصالات.

وتبعت العقدين اتفاقات للتوطين ربطت “بايكار” بالشركة السعودية للصناعات العسكرية “سامي”، كما جمعت الشركة الوطنية للأنظمة الميكانيكية السعودية بشركتي “أسيلسان” و”روكيتسان” لتوطين صناعة الحساسات والذخائر المستخدمة في الطائرات المسيّرة.

وبعد توقيع العقدين مع “بايكار”، تحركت مؤسسات التوطين السعودية سريعًا لإدخال أجزاء من الإنتاج والاختبارات والتدريب والدعم الفني إلى المملكة.

السعودية و”بايكار” التركية توقعان اتفاقية لتوطين صناعة الطائرات المسيّرة في المملكة.

وفي 25 يوليو/تموز 2025، وسعت “إف إن إس إس” حضور الشركات التركية بتوقيع اتفاق مع شركة “سامي للأنظمة البرية”، التابعة للشركة السعودية للصناعات العسكرية، لتصنيع مركبات مدرعة من الجيل الجديد بثماني عجلات داخل المملكة، تحت رعاية مسؤولين دفاعيين وصناعيين من البلدين.

منحت هذه العقود أنقرة مدخلًا إلى برنامج التوطين السعودي وربطت عدة شركات تركية بمؤسسات الدفاع والتصنيع في المملكة، كما أضافت إلى المصالحة السياسية مصالح طويلة ترتبط بخطوط الإنتاج والاختبارات والذخائر والتدريب.

واتسعت الأجندة الثنائية في المرحلة نفسها إلى مشروعات اقتصادية كبرى، بينها اتفاقات لإنشاء محطتين للطاقة الشمسية في سيفاس وقرمان بقدرة إجمالية تبلغ ألفي ميغاواط، واستثمارات تقارب ملياري دولار.

ووقعت اتفاقات الاستثمار وشراء الكهرباء في 20 فبراير/شباط 2026، ضمن توسع متزامن في العلاقات الاقتصادية والدفاعية بين البلدين، أسهم في بناء شبكة أوسع من المصالح الحكومية والصناعية المشتركة.

يحمل النفوذ التركي في السعودية طابع ترسيخ التقارب، فقد حصلت الشركات التركية على سوق واسعة وموطئ قدم داخل استراتيجية التوطين السعودية، فيما اكتسبت أنقرة قناة اتصال مؤسسية دائمة مع وزارة الدفاع والهيئات الصناعية.

وتستخدم الرياض الترتيبات ذاتها لبناء قدراتها المحلية وتنويع مورديها، ما يجعل استمرار الموقع التركي مرتبطًا بقدرة الشركات على تقديم تقنيات ومنتجات وبرامج جديدة مع تقدم التصنيع السعودي.

وتبقى مواقف السعودية الإقليمية محكومة بحساباتها وتحالفاتها ومصالحها، بينما يضيف التعاون الدفاعي مصالح صناعية وأمنية مشتركة تساعد على تثبيت المصالحة وتقليل احتمالات عودة التوتر الحاد بين البلدين.

باكستان: شراكة تصل إلى المؤسسة العسكرية

أما باكستان، فتمثل نموذجًا أعمق للوصول إلى المؤسسة العسكرية، ففي 13 فبراير/شباط 2025، عقد مجلس التعاون الاستراتيجي التركي الباكستاني رفيع المستوى دورته السابعة في إسلام آباد، برئاسة أردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف.

ونص الإعلان المشترك على منح المنتجات الدفاعية التركية أولوية في مشتريات إسلام أباد، ومنح المنتجات الباكستانية أولوية مماثلة في المشتريات التركية، إلى جانب تشجيع المشروعات المشتركة والبحث والتطوير وتوطين الصناعة.

وتواصل هذا المسار داخل مجموعة الحوار العسكري رفيع المستوى بين تركيا وباكستان، التي عقدت دورتها العشرين في وزارة الدفاع بمدينة راولبندي في 7 أبريل/نيسان 2026.

وراجعت مجموعتا العمل السياسية العسكرية والصناعات الدفاعية المشروعات القائمة ومسارات التعاون الجديدة ضمن اجتماع تناول الأمن الإقليمي والتدريب وبناء القدرات والتعاون العسكري والصناعي. ويمنح انتظام اللقاءات أنقرة حضورًا داخل عملية تقييم احتياجات الجيش وبرامج تحديثه.

ويشكل مشروع “ميلغم” التركي لبناء السفن الحربية مركز الثقل في هذا الحضور، إذ وقعت البحرية الباكستانية عام 2018 عقدًا مع أسفات لبناء أربع سفن حربية، تقرر إنجاز اثنتين منها في تركيا واثنتين في حوض كراتشي لبناء السفن مع نقل للتقنية.

وتولت “إس تي إم” توفير الحلول الهندسية ودمج نظام الدفع، ضمن مشروع يجمع أحواض السفن والموردين والمهندسين في البلدين، واستند البرنامج إلى الخبرة التي راكمها مشروع ناقلة الإمداد “معاون“، التي صممتها شركة “إس تي إم” التركية وبُنيت في حوض كراتشي لبناء السفن.

وشمل مشروع “معاون” تدريب الطواقم والعاملين في الحوض وتقديم الدعم الفني واللوجستي، كما أتاح لنحو 20 شركة تركية المشاركة في سلسلة التوريد، وامتد التعاون لاحقًا إلى صيانة السفن وتحديث الغواصات وتوفير قطع الغيار والخدمات الفنية.

وتتمثل حصيلة هذه العلاقة في وصول مؤسسي متكرر إلى وزارة الدفاع وهيئات الأركان والبحرية والصناعة البحرية، ومشاركة تركية داخل برامج تستمر أعوامًا.

وتضع هيمنة الصين على واردات السلاح الباكستانية سقفًا واضحًا لحجم هذا النفوذ، فقد أظهر معهد ستوكهولم في مارس/آذار 2026 أن باكستان أصبحت خامس أكبر مستورد للأسلحة الكبرى عالميًا خلال الفترة 2021–2025، وأن الصين وفرت 80% من وارداتها، فيما تتركز مكانة تركيا في قطاعات بحرية وجوية محددة.

أوكرانيا: من التوريد إلى الشراكة الأمنية

وتقدم أوكرانيا الحالة التي بلغ فيها التعاون الدفاعي مستوى الشراكة الأمنية والصناعية، فقد بدأت العلاقة البحرية بعقد وقعته وزارة الدفاع الأوكرانية و”إس تي إم” في 17 ديسمبر/كانون الأول 2020 لبناء سفينتين حربيتين من فئة “أدا” مع نقل للتقنية.

بدأ البناء الفعلي للسفينة الأولى في أبريل/نيسان 2021، مع قص الألواح الفولاذية المخصصة لهيكلها، ثم أُطلقت في أكتوبر/تشرين الأول 2022 ودخلت تجارب القبول البحرية في مايو/أيار 2024.

أما السفينة الثانية فأُطلقت في أغسطس/آب من العام نفسه، على أن تُسلَّم في عام 2027، واستمر البرنامج خلال الحرب، ما حافظ على التعاون البحري بين البلدين رغم المخاطر العملياتية والاقتصادية.

وفي 3 فبراير/شباط 2022، وقعت الحكومتان التركية والأوكرانية اتفاقًا إطاريًا للتعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والطيران والفضاء، شمل تطوير أنظمة بيرقدار وإنتاجها وتشغيلها، ومشاركة مهندسين أوكرانيين في أعمال التصنيع والصيانة والتحديث والتدريب.

ومنح الاتفاق التعاون الدفاعي مسارًا جويًا وصناعيًا يجمع خبرة “بايكار” في الطائرات المسيّرة بالقدرات الأوكرانية في المحركات والمكونات.

مسيّرة “بيرقدار TB2” التابعة لشركة “بايكار” التركية خلال معرض “SAHA EXPO” للصناعات الدفاعية والطيران في إسطنبول، نوفمبر/تشرين الثاني 2021. (رويترز)

وفي سبتمبر/أيلول 2022، بحث زيلينسكي والرئيس التنفيذي ل”بايكار” خلوق بيرقدار تفاصيل إنشاء مصنع للشركة داخل أوكرانيا وإنتاج أنظمة جديدة باستخدام مكونات أوكرانية.

وأعلن بيرقدار في فبراير/شباط 2024، بدء بناء المصنع قرب كييف، على أن يوفر نحو 500 فرصة عمل، ما نقل التعاون الجوي من اتفاقات التطوير إلى استثمار صناعي طويل الأمد داخل البلاد.

وفي 13 مارس/آذار 2025، وصف زيلينسكي تركيا بأنها شريك استراتيجي وخاصة في الضمانات الأمنية، خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين وممثلين عن قطاع الأعمال التركي.

وربط زيلينسكي مشاركة الدول في ضمان أمن بلاده بالحصول على أولوية في مشروعات إعادة الإعمار، وأشار إلى إمدادات بيرقدار ورغبة كييف في توسيع التعاون في صناعة المسيّرات.

وضعت هذه التصريحات الدفاع والإعمار والاستثمار داخل مسار سياسي واحد، ومنحت الشركات التركية موقعًا محتملًا في مرحلة ما بعد الحرب.

واصل الطرفان توسيع العلاقة في عام 2026، فقد أعلن زيلينسكي بعد لقائه أردوغان في إسطنبول يوم 4 أبريل/نيسان الاتفاق على خطوات جديدة في التعاون الأمني ومشروعات مشتركة في الصناعات الدفاعية، وتحدث عن قدرة أوكرانيا على دعم تركيا بالخبرات والتقنيات والتجربة الميدانية.

وفي 14 يوليو/تموز 2026، أقر البرلمان الأوكراني اتفاق التجارة الحرة الموقع بين البلدين في 3 فبراير/شباط 2022، ووصفت وزارة الخارجية التركية القرار بأنه محطة مهمة لتعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية.

أسهمت الصادرات الدفاعية في انتقال تركيا من موقع المورد إلى موقع الشريك الأمني والصناعي لدى كييف، ويستند هذا الموقع أيضًا إلى دور أنقرة في تنظيم عبور السفن الحربية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، ومكانتها في البحر الأسود وعلاقتها بموسكو ودورها في استضافة المفاوضات.

وتعمل الشراكة في اتجاهين، إذ تحصل أوكرانيا على المنظومات العسكرية والاستثمارات والتعاون مع دولة أطلسية، فيما تستفيد تركيا من المحركات والمكونات والخبرات الأوكرانية.

وخلصت دراسة نشرها مركز الدراسات التركية التطبيقية (CATS)، وهو شبكة بحثية تنسقها مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية، في يونيو/حزيران 2025، إلى أن التعاون الدفاعي التركي الأوكراني قد يشكل أساسًا لترتيبات أمن البحر الأسود.

وتكشف تجارب السعودية وباكستان وأوكرانيا عوائد متفاوتة للصادرات الدفاعية التركية، فقد أسهم التعاون العسكري في ترسيخ المصالحة مع الرياض وفتح برنامج التوطين أمام الشركات التركية، ومنح أنقرة وصولًا واسعًا إلى المؤسسة العسكرية والصناعة البحرية في إسلام أباد، ورفع مكانتها في كييف داخل نقاشات الأمن وإعادة الإعمار والتجارة.

ويتحدد حجم المكسب وفق طبيعة العلاقة السابقة مع كل دولة، وعمق الشراكة الصناعية، ومدى ارتباط تشغيل المنظومات بالدعم التركي.

بولندا وألبانيا: حضور عسكري بوزن سياسي محدود

تقدم بولندا وألبانيا مستوى آخر من الحضور التركي، تمكنت فيه الشركات من دخول السوق والمؤسسات العسكرية، بينما بقي أثر الصفقات في التموضع السياسي والأمني محدودًا.

ووقعت وارسو في 24 مايو/أيار 2021 عقدًا لشراء أربع مجموعات من طائرات “بيرقدار تي بي 2″، تضم 24 طائرة مسيرة مسلحة ومحطات تحكم ورادارات ومحاكيات وذخائر وقطع غيار وبرامج تدريب ودعم لوجستي.

وشمل العقد نقل تقنيات تتيح إجراء أعمال صيانة وإصلاح للمحركات ومحطات التحكم والكاميرات داخل بولندا، وبدأ تسليم المجموعات في أكتوبر/تشرين الأول 2022.

ومنحت الصفقة “بايكار” أول حضور لمنظومتها داخل جيش دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، وفتحت قناة للتدريب والصيانة والتعاون الصناعي مع أحد أكبر الجيوش في شرق أوروبا.

ورأى مركز الدراسات التركية التطبيقية أن التعاون الدفاعي مع أنقرة يخدم مساعي وارسو لتعزيز الجناح الشرقي للحلف وتوسيع التنسيق بشأن أوكرانيا والبحر الأسود.

وتنظر بولندا إلى تركيا بوصفها شريكًا عسكريًا داخل البنية الغربية، فيما تستمر استراتيجيتها الدفاعية في الاعتماد على حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وعلى صفقات كبيرة مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ودول أوروبية.

وتقدم ألبانيا نموذجًا قريبًا بحجم أصغر، فقد أدخلت تيرانا طائرات “بيرقدار تي بي 2” إلى قواتها المسلحة، وتلقى المشغلون تدريبًا في تركيا.

وفي مارس/آذار 2025، أعلن وزير الدفاع الألباني بيرو فينغو أن سرب المسيّرات دخل الخدمة بكامل طاقته، وبات قادرًا على تنفيذ مهام ليلية ومراقبة الحدود والسواحل ودعم عمليات الحماية المدنية.

وجاء هذا الحضور التركي داخل قاعدة كوتشوفا الجوية في مقاطعة بيرات وسط جنوب ألبانيا، والتي أعاد حلف شمال الأطلسي تأهيلها لتصبح مركزًا للعمليات والتدريب الجوي، ووصفها الوزير بأنها منشأة استراتيجية للناتو.

قاعدة كوتشوفا الجوية في ألبانيا حيث تعمل طائرات “بيرقدار تي بي 2” التي زودت بها تركيا القوات المسلحة الألبانية

ومنحت الطائرات والتدريب أنقرة قناة للتعاون التشغيلي والتوريد داخل الجيش الألباني، بينما استمرت السياسة الأمنية للبلاد في الارتباط بحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة.

وتوضح التجربتان البولندية والألبانية أن دخول السلاح التركي إلى جيش أجنبي يفتح أمام أنقرة أبواب التدريب والصيانة والاتصال العسكري، لكن حجم الأثر السياسي يبقى مرتبطًا بموقع الدولة المشترية وتحالفاتها ومصادر تسليحها الأخرى.

التوطين ونقل التقنية: معادلة النفوذ والاستقلال

يظهر قيد آخر في برامج التوطين ونقل التقنية، إذ تحتاج خطوط الإنتاج في مراحلها الأولى إلى التصميمات والمكونات والخبراء وبرامج التدريب والدعم الفني التركي، ما يزيد كثافة الاتصال بين الشركة والمؤسسات العسكرية والصناعية المحلية.

ومع تراكم الخبرة، ترتفع قدرة الدولة المستوردة على إجراء أعمال الصيانة والإنتاج والتطوير داخل أراضيها، وتكتسب هامشًا أكبر في التفاوض واختيار الموردين.

وتستخدم السعودية الاتفاقات مع “بايكار” و”أسيلسان” و”روكيتسان” و”إف إن إس إس” لتحقيق أهداف توطين الصناعة العسكرية ضمن رؤية 2030، فيما تبني باكستان خبرتها في تصميم السفن وبنائها وإدارة برامجها داخل حوض كراتشي، وتسهم أوكرانيا بمهندسيها ومكوناتها في تطوير الأنظمة الجوية.

ويعمق التوطين العلاقة خلال مرحلة تأسيس خطوط الإنتاج ونقل الخبرة، ثم يرفع قدرة المشتري على إدارة المنظومات محليًا. ولهذا يرتبط استمرار الموقع التركي بقدرة الشركات على تقديم منتجات وتقنيات ومشروعات جديدة، والمحافظة على تفوق يصعب على الشريك المحلي تعويضه.

وترتبط قدرة أنقرة على تنفيذ عقودها بدرجة استقلال صناعتها وسلاسل توريدها. وتقدم المروحية الهجومية “تي 129 أتاك” مثالًا واضحًا على هذا القيد، إذ تطورها شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية “توساش” ضمن برنامج يستند إلى تصميم إيطالي بريطاني، وتستخدم محركًا من عائلة “إل إتش تي إي سي تي 800” يخضع تصديره لموافقة أمريكية.

ووقعت باكستان عام 2018 عقدًا لشراء ثلاثين مروحية، ثم تعطل التسليم بسبب عدم صدور رخصة تصدير للمحركات، واتجهت إسلام آباد لاحقًا إلى المروحية الصينية “زد 10 إم إي”.

كشفت الصفقة أن ضمان التنفيذ يظل مرتبطًا بامتلاك المورد للمكونات الحساسة ورخص تصديرها، وأن تعثر التسليم يفتح السوق أمام المنافسين ويضعف قدرة المورد التركي على بناء علاقة طويلة الأمد.

وتصبح زيادة استقلال الصناعة التركية في المحركات والإلكترونيات والمواد المتقدمة شرطًا لاستدامة النفوذ الذي تحاول بناءه عبر الصادرات.

وفي المحصلة، أتاحت الصادرات لتركيا دخولًا منتظمًا إلى وزارات الدفاع والجيوش وهيئات التصنيع، ومنحتها موقعًا داخل برامج تحديث تمتد أعوامًا.

وتعيد الصيانة والتدريب والتذخير والتصنيع المشترك الشركات التركية إلى طاولة التعاقد، فيما تمنح المجالس والحوارات العسكرية أنقرة معرفة باحتياجات الجيوش وخططها المقبلة.

بدأ مشروع “ترسانة الجمهورية” من سعي تركيا إلى تقليص تأثير الموردين الأجانب في قرارها العسكري. ومع اتساع الصادرات، أصبحت الشركات التركية تمنح أنقرة موقعًا داخل قرارات التسليح والتحديث لدى دول أخرى.

وفي الوقت نفسه، تستخدم الدول المشترية التقنية التركية لتوسيع خياراتها وتعزيز صناعاتها المحلية. وبين سعي أنقرة إلى تثبيت حضورها ومساعي المشترين إلى زيادة استقلالهم، تتحدد القيمة السياسية لكل صفقة ومدة النفوذ الذي تستطيع تركيا الاحتفاظ به خارج حدودها.

علاماتأسلحة الجيش التركي ، الجيش التركي ، الصناعات التركية ، الصناعات الدفاعية التركية ، الصناعات العسكرية
مواضيعترسانة الجمهورية

قد يعجبك ايضا

سياسة

عند حافة البحر.. صور أقمار صناعية ترصد تكدس خيام النازحين على ساحل غزة

نور علوان١٠ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

حواس الترسانة التركية: “أسيلسان” و”ميتكسان” و”هافلسان”

خالد أصلان٩ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

طهران أمام اتفاق مكة.. بين الاحتواء والتشكيك ومحاولة الانخراط

عماد عنان٩ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑