• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف ساعد ضابط CIA الإمارات على الفوز برقائق الذكاء الاصطناعي؟

جويل شيختمان٢٠ يوليو ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

هذا العميل المخضرم في وكالة الاستخبارات المركزية “سي آي إي” سبق له القيام بتهريب عائلات الجواسيس من أكثر الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط، ووشَم كلمة “أرغونوت” – تكريمًا لأبطال البحار في الأساطير اليونانية – على ساعده الأيمن. وبحلول عام 2023، شغل وظيفة مكتبية في واشنطن برتبة تعادل لواء في الجيش.

في ذلك الوقت، اختاره مدير الوكالة للعودة إلى العمل الميداني، وتولى مهمة التحقق ممّا إذا كان يمكن الوثوق بـ “الشيخ الجاسوس” فيما يتعلق ببعض أكثر التقنيات الأمريكية تطورًا.

كان الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني للإمارات، يخطط لبناء واحد من أكبر مراكز الذكاء الاصطناعي في العالم، مستندًا إلى قدرة مالية هائلة تتيح له تحقيق ذلك. وبفضل صندوق استثماري يُقدر بـ 1.4 تريليون دولار، سعى طحنون للحصول على الموافقة لشركة “جي42” – الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي في البلاد- لاستيراد أحدث شرائح “إنفيديا” المتطورة.

لكن مسؤولين رفيعي المستوى في واشنطن ساورتهم مخاوف من أنّ بكين تقوم بتوغل استخباراتي داخل الإمارات. وقد علمت الولايات المتحدة، من خلال اتصالات جرى اعتراضها، أنّ الصين تهدف إلى استغلال علاقتها مع شركة “جي 42” لسرقة التكنولوجيا الأمريكية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر. أمّا الرئيس التنفيذي لشركة “جي 42″، بينغ شياو، فقد تخلى عن جنسيته الأمريكية، وهو شرط مسبق للقبول في الدائرة المقربة من الحكومة الإماراتية.

وصل غانون إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي على متن رحلة جوية تجارية، وتسلل إلى وظيفة وهمية في السفارة الأمريكية أخفت منصبه الحقيقي، وهو رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية “سي آي إي”.

وبعد أقل من عام، عاد غانون إلى واشنطن، ولكن هذه المرة على متن طائرة “بوينغ 787″ الخاصة بالعائلة الحاكمة الإماراتية، إذ رافق الشيخ طحنون، شقيق حاكم الإمارات.

في أساليب التجسس التقليدية، يسرق ضباط وكالة الاستخبارات المركزية المعلومات في الخفاء من دولة أجنبية لإطلاع صناع القرار في واشنطن. لكن مع بزوغ فجر عصر الذكاء الاصطناعي، كُلّف غانون بدلًا من ذلك من قبل أعلى المستويات في وكالة الاستخبارات المركزية بالتقرب من جهة تجارية أجنبية تستعد لتكون في قلب صراع عالمي جديد على النفوذ. وانتهى به الأمر إلى التجسس على شركة “جي 42” ومساعدة الإمارات في الوقت نفسه على معالجة المشكلات المقلقة التي اكتشفها، وفقًا لروايات عن أنشطته قُدّمت إلى صحيفة “وول ستريت جورنال”.

وبحلول موعد الرحلة في يونيو/ حزيران 2024، كان غانون قد قدّم نصائح لطحنون لأكثر من ستة أشهر حول ما يلزم الشركة لكسب رضا واشنطن. وكان طحنون آنذاك في طريقه لطرح القضية شخصيًا.

لقد نجح الأمر – إلى حد ما، فبدلًا من استبعاد الإماراتيين، ابتكرت إدارة بايدن طريقة لتمكينهم من الحصول على الرقائق التي يحتاجونها، حتى وإن كان هذا المسار مليئًا بالعقبات البيروقراطية.

في جوهر الأمر، أعادت حملة الإمارات – التي شملت استمالة المسؤولين الأمريكيين عبر تناول الشاي والتمور، والرحلات العرضية على متن اليخوت أو الطائرات الخاصة – صياغة نقاش حيوي في واشنطن، فبدلًا من التساؤل عما إذا كان ينبغي السماح لهذه الدولة الصحراوية الصغيرة بأن تصبح قوة في مجال الذكاء الاصطناعي، تحول النقاش إلى كيفية تسريع هذه العملية.

وقد عجّل دونالد ترامب وتيرة الأمور. فقبل أيام من تنصيبه، التزم طحنون ومستثمرون مشاركون معه بضخ استثمار بقيمة 500 مليون دولار في شركة “ورلد ليبرتي فاينانشال” للعملات المشفرة المملوكة لترامب.

وسرعان ما قررت إدارة ترامب توسيع وصول الإمارات إلى أكثر شرائح الذكاء الاصطناعي تطورًا، بما في ذلك تخصيص حصة منها لشركة “جي 42” تحديدًا. وفي الأسبوع الماضي، مضت الإدارة إلى أبعد من ذلك، معلنةً عن رفع مؤقت للقيود المفروضة على وصول شركة “جي 42” إلى الشرائح الأمريكية، وهو ما يُعد انتصارًا كبيرًا للدولة وللشيخ طحنون.

وذكر شخص مطلع على الأمر أنّ استثمار “ورلد ليبرتي” لم يُناقش مع ترامب، وأنّ طحنون يُعدّ “مستثمرًا كبيرًا” في قطاع العملات المشفرة. وقد نفى البيت الأبيض وجود أي تضارب في المصالح، وأكدت شركة “ورلد ليبرتي” أنّ الاستثمار لا علاقة له بالإدارة.

الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان يخرج من السيارة بينما يستقبل الرئيس جو بايدن رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة في البيت الأبيض عام 2024.
أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات، تسعى لتصبح قوة رئيسية في مجال الذكاء الاصطناعي.

أثار دور غانون في التحول الذي شهدته حقبة بايدن، والذي يُكشف عنه هنا لأول مرة، حالة من الاضطراب داخل مجتمع الأمن القومي الأمريكي، الذي استند إلى تحليلاته في خضم صراع داخلي حول جدوى مساعدة الإمارات لتصبح منافسًا عالميًا جديدًا في مجال الذكاء الاصطناعي.

وقد رأى مؤيدوه – وهم غالبًا مسؤولون ساعدوا أمريكا في شن الحرب العالمية على الإرهاب، ويتذكرون الدعم الذي قدمته أبوظبي في محاربة تنظيم الدولة – في مساعي غانون خطوة ضرورية لمكافأة حليف أمني استراتيجي، والمساعدة في الحفاظ على وجود عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين في أحد أكبر مشاريع الذكاء الاصطناعي في العالم. كما زعموا أنّ الإمارات دولة ذات ثقل جيوسياسي متأرجح تستحق أن تُجذب أكثر نحو المدار الأمريكي.

في المقابل، برز مسؤولون أمنيون يركزون أكثر على الصين، ويخشون أن تُقدِم أمريكا على نقل أقوى مصادر هيمنتها الجديدة إلى خصم لها. وقد ساور القلق هؤلاء المعارضين من أنّ غانون يحجب أدلة واضحة على عدم إمكانية الوثوق بشركة “جي42” أو بالإمارات، إذ اعتقدوا أنّه قد “انحاز للطرف الآخر”، وأنه يساعد في تهيئة الظروف لتتنازل أمريكا عن ميزتها في المنافسة الجيوسياسية الحاسمة لهذا القرن.

ومن خلال عشرات الساعات من المقابلات مع صحيفة “وول ستريت جورنال”، رسم أكثر من 30 مسؤولًا حاليًا وسابقًا في السلك الدبلوماسي، والأمن القومي، والبيت الأبيض، وأجهزة الاستخبارات، صورة لمنطقة رمادية دبلوماسية ناشئة تمزج بين أعمال التجسس والدبلوماسية والضغط التجاري حول مستقبل سباق تسلح تكنولوجي جديد. وقال بعض مسؤولي الإدارة السابقين أنّ الجدل حول شركة “جي42” تسبب في استقطاب بين صناع السياسة في عهد بايدن أكثر من أي قضية أخرى تقريبًا.

وفي بيان لها، ذكرت شركة “جي42” أنّها حسنت إجراءات الامتثال والأمن لديها، وحصلت على حق الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية عبر المسارات التنظيمية الرسمية في واشنطن. 

من جانبها، قالت السفارة الصينية في واشنطن إنّ الولايات المتحدة تبالغ وتلفق مزاعم بأنّ الإنجازات التقنية الصينية تحققت من خلال السرقة، وذلك بهدف تقويض التعاون بين الشركات الصينية وشركائها الدوليين.

دولة المراقبة

زاد الرئيس التنفيذي لشركة “G42” من تعقيد المشهد. التحق بينغ شياو، المولود في الصين، بإحدى جامعات هاواي في تسعينيات القرن الماضي. وأصبح فيما بعد الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة “مايكروستراتيجي” (MicroStrategy)، وهي شركة متخصصة في ذكاء الأعمال مقرها شمال ولاية فرجينيا.

في عام 2015، قدم شياو إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث تولى إدارة قسم الذكاء الاصطناعي في شركة الأمن السيبراني “دارك ماتر”. بالنسبة للعالم الخارجي، كانت “دارك ماتر” تطمح لأن تصبح عملاقًا تكنولوجيًا في الشرق الأوسط. لكن في الواقع، أُسست لمساعدة الدولة الخليجية في التجسس على الخصوم الجيوسياسيين والناشطين والصحفيين، بمساعدة قراصنة سابقين في وكالة الأمن القومي الأمريكية، وفقًا لما اكتشفه مدعون أمريكيون لاحقًا. وحاولت وحدة شياو فرض رقابة شاملة على البلاد، مستخدمة الذكاء الاصطناعي لتحليل مقاطع الفيديو والاتصالات وتتبع المواقع التي تم جمعها، بهدف التنبؤ بالاضطرابات المدنية قبل وقوعها، بحسب موظفين سابقين في الشركة.

الرئيس دونالد ترامب يزور الإمارات، بينما يراقب بينغ شياو، الرئيس التنفيذي لشركة “جي 42” (الثاني من اليسار) المشهد.

ومع عمل العديد من المتعاقدين الأمريكيين في مشروع شياو، أدركوا أنهم كانوا يتجسسون في الواقع على مواطنين أمريكيين، بحسب الموظفين السابقين. وكان الدليل الذي كشف الأمر: بعض الأصوات التي اعترضوها كانت تتحدث بلهجات أمريكية جنوبية. وقد أبلغوا مكتب التحقيقات الفيدرالي ” أف بي آي” بهذه المحاولات.

في ذلك الوقت، كانت وحدة شياو تطور أيضًا علاقات وثيقة مع الصين، إذ كان العديد من موظفي شياو ينحدرون من الصين، وافتتح المسؤول التنفيذي مكاتب تابعة للشركة هناك، وفقًا للموظفين السابقين. ووقع شياو علنًا اتفاقية مع شركة “هواوي” لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي من شأنها مساعدة السلطات على مراقبة المدن.

وتوقفت الشركة عن العمل بعد تحقيق أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي في عام 2019، والذي أدى إلى اعتراف بعض الموظفين الأمريكيين بانتهاك قوانين التصدير من خلال اختراق خوادم الحوسبة السحابية لهواتف “آيفون” التابعة لشركة آبل داخل الولايات المتحدة. إثر ذلك، قام شياو وفريقه بفصل وحدتهم لتأسيس ما أصبح يُعرف لاحقًا بشركة “جي42”.

وبفضل دعم بمليارات الدولارات من الشيخ طحنون، نمت “جي 42” لتصبح شركة تضم 22,000 موظف، وتهدف إلى أن تكون أكبر شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي في العالم.

ومع احتدام جائحة كوفيد-19 العالمية، أبرم شياو صفقة مع شركة الجينوم الصينية “بي جي آي” لإنشاء واحد من أكبر مختبرات الفحص في العالم. وأعلن مسؤول صيني عن بدء “حقبة تاريخية ومميزة” من التعاون بين بكين والإمارات.

وبالعودة إلى واشنطن، وخلال اجتماع عُقد في عام 2023 لكبار نواب السلطة التنفيذية، أدّى بند واحد على جدول الأعمال لم يستغرق سوى خمس دقائق إلى تحريك الأمور.

وكانت شركة “أوبن إيه آي” قد أطلقت لتوها روبوت “تشات جي بي تي”، ما أشعل سباقًا عالميًا جديدًا في مجال الذكاء الاصطناعي. وكانت الشركات الأمريكية، بما فيها “إنفيديا”، تُحكم قبضتها على الشرائح الأكثر تقدمًا التي احتاجتها الإمارات لتعزيز قدراتها في هذا المجال.

وإزاء قلقهم من تنامي علاقات “جي 42” مع الصين، ناقش المسؤولون إدراج الشركة في قائمة سوداء تديرها وزارة التجارة، ما يمنعها من الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية.

وبدأ آلان إستيفيز، وكيل وزارة التجارة لشؤون الأمن، في الإجراءات البيروقراطية لإدراج الشركة في القائمة السوداء، لكنه تلقى مكالمة هاتفية غيرت مسار الأمور.

فقد ناقشت رئيسته، وزيرة التجارة جينا رايموندو، الخطة مع آخرين قرروا ضرورة التريث، بالنظر إلى أن “جي42” هي شركة مدعومة من الدولة، وأنّ الإدارة الأمريكية بحاجة إلى المساعدة الإماراتية في قضايا أخرى.

الرئيس الصيني شي جين بينغ يحضر اجتماعًا في عام 2024 مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (غير موجود في الصورة) في قاعة الشعب الكبرى في بكين.
توصل آلان إستيفيز، وكيل وزارة التجارة الأمريكية لشؤون الصناعة والأمن في إدارة بايدن، إلى قناعة بأنّ أبوظبي تستحق الثقة في الحصول على الرقائق المتطورة.

سافر إستيفيز إلى أبوظبي في ربيع عام 2023، حيث التقى برئيس ديوان طحنون في فيلته، وزار مقر شركة “جي42″، وشاهد معدات صينية في الموقع، لكنه خرج بانطباع إيجابي عن عمليات الشركة التي بدت من الطراز العالمي. لاحقًا، أثنى إستيفيز على براعة شياو، قائلًا للآخرين إنّ الحديث معه يشبه الحديث مع داريو أمودي، المؤسس المشارك لشركة “أنثروبيك” الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.

زار إستيفيز قصر طحنون المطل على البحر عند الغروب، وتمشى في حدائقه الخضراء إلى جانب الشيخ الذي يضع نظارات شمسية دائمًا بسبب مشكلة في عينيه. كان طحنون، المعروف باهتمامه الشديد بعلوم المستقبل، يدرب مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي لإدارة شؤونه الشخصية.

قال إستيفيز للشيخ: “لديك خيار”، موضحًا إمكانية التعاون مع عمالقة التكنولوجيا الأميركيين أو نظرائهم الصينيين، لكن دون المزج بين الاثنين في أعلى مستويات التكنولوجيا. فرد طحنون: “أفهم ذلك”، وأشار لإحضار الشاي والتمر للإفطار في رمضان. وخلال عشاء تضمن عدة أصناف من السلطات وذيل الكركند، ناقش الرجلان كتبًا حديثة قرآها، من بينها كتاب “حرب الرقائق” الصادر عام 2022 حول المعركة الجيوسياسية للسيطرة على تكنولوجيا الشرائح الدقيقة.

في يونيو/ حزيران، جاء طحنون إلى واشنطن، والتقى به إستيفيز مجددًا في قصر يملكه طحنون بمدينة ماكلين بولاية فرجينيا على منحدر يطل على نهر بوتوماك. قدّم إستيفيز للشيخ، الذي كان يرتدي الجينز والصندل، قائمة بمطالب الحكومة الأميركية، تضمنت تعيين مدقق خارجي لمراجعة مدى امتثال شركة “جي42”. فقال طحنون: “يمكنني تنفيذ كل هذه الأمور”.

في اليوم التالي، زار طحنون وزارة التجارة والتقى بريموندو، وشرح دوافعه. وأوضح أنّ أسلافه البدو جمعوا ثروات كبيرة من الغوص بحثًا عن اللؤلؤ، حتى انهار السوق بسبب اللؤلؤ المستزرع أجنبيًا، ما ترك الاقتصاد المحلي في حالة من الفوضى. وقال إنّ الإماراتيين يريدون هذه المرة بناء اقتصاد يتجاوز ثروتهم النفطية، وإنّ الذكاء الاصطناعي هو رهانهم المستقبلي.

عاد إستيفيز إلى أبوظبي للتحقق من التقدم الذي أحرزته شركة “جي42″، وخرج مقتنعًا بأنّ الشركة تسير في الطريق الصحيح. ثم عاد إلى قصر طحنون حيث شاهد الاثنان سباق “تور دو فرانس” للدراجات على شاشة تلفاز ضخمة بحجم الجدار.

التغلب على الشكوك

حاول مسؤولون آخرون في مجال الأمن القومي كبح جماح هذه الخطوة.

كان أحدهم ماهر بيطار، أحد موظفي الاستخبارات في مجلس الأمن القومي التابع لبايدن. مدفوعًا بالتحقيقات الفيدرالية في شركة شياو السابقة، ساعد بيطار في قيادة حملة البيت الأبيض ضد شركات تصنيع برامج التجسس واستخدام القراصنة الأمريكيين المأجورين. وجادل بيطار، وهو أمريكي من أصل فلسطيني يتمتع بشخصية هادئة لكنها حازمة، اعتبرها بعض زملائه متعالية، بأنّ أي صفقات جديدة مع الإمارات قد تنتهي بنتائج عكسية، تمامًا كما كان يُنظر في البداية إلى نقل التصنيع إلى الخارج على أنّه نعمة للاقتصاد الأمريكي، ليؤدي في النهاية إلى نتائج كارثية.

وعلى الجانب الآخر من الجدل، كان هناك أشخاص مثل بريت ماكغورك، مستشار البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط، الذي عمل في الخفاء لسنوات مع أجهزة الأمن الإماراتية لمكافحة الإرهاب وكبح جماح إيران. وكان ماكغورك، الذي ينظر إليه زملاؤه على أنّه شخصية هادئة اللهجة لكنها عملية بشكل صارم، يرى أنه مهما كانت الخلافات التي قد تكون بين واشنطن والإمارات، فإنّ حرمانها من الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية لن يؤدي إلا إلى دفع الدولة الخليجية إلى أحضان الصين.

رافق الشيخ طحنون شقيقه رئيس دولة الإمارات في لقائه مع بايدن عام 2024.

وللوصول إلى الحقيقة وراء هذه الحجج، لجأت وكالة الاستخبارات المركزية إلى غانون.

كان يُنظر إلى المكتب الميداني في الإمارات داخل الوكالة على أنّه موقع عمل هادئ، فقد تضاءلت التقارير الاستخباراتية الواردة من هذا البلد الصغير في السنوات الأخيرة، ومع بروز قضية “جي 42″، احتاج مدير الوكالة، ويليام بيرنز، إلى ضابط ميداني رفيع المستوى قادر على إدارة الأهداف المتضاربة المتمثلة في إدارة عمليات تجسس قوية وإصلاح العلاقات مع قادة حليف مهم. ورأى كبار المسؤولين أنّ غانون هو الشخص الأنسب لهذا الدور: فهو يتمتع بقدرة طبيعية على التعاطف وقدرة غير عادية على التواصل مع الناس، ولديه خبرة في إدارة عمليات صعبة ضد أهم الأهداف الأمريكية.

عزز بيرنز مكانة غانون، إذ أخبر الأمير شخصيًا أنّ هذا الضابط كان الأميركي الوحيد الموجود في الغرفة أثناء مفاوضات إسرائيل مع حماس لإطلاق سراح الرهائن بعد هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول. أما غانون فقد وطّد العلاقة مع طحنون عبر حبهما المشترك لفن الجوجيتسو البرازيلي، إذ كان طحنون يحمل الحزام الأسود بينما كان غانون في مستوى المبتدئين تقريبًا.

ووفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر، استمرت تقارير الاستخبارات المتعلقة بعلاقات “G42” بالصين في التدفق إلى غانون، وعلمت وكالة الاستخبارات المركزية أن عددًا من موظفي الشركة كانوا على صلة بشركات مملوكة للدولة الصينية.

التقى غانون بشياو ونقل له رسالة مفادها أنّ واشنطن تشعر بقلق بالغ إزاء شركة “جي”42، لكنه أبدى استعداده ليكون قناة اتصال منفتحة الذهن. وتقرب الاثنان من بعضهما، إذ كانا يشتركان في حب المشروبات الكحولية باهظة الثمن والفلسفة اليونانية، بينما ساعد غانون الرئيس التنفيذي على فهم مخاوف الولايات المتحدة. وأخبره شياو أنّ واشنطن يمكنها الوصول إلى مراكز بيانات شركة “جي42” وموظفيها، ويمكنها طرح أي أسئلة تريدها للتحقق من أنّ الشركة بصدد قطع علاقاتها بالصين، وفقًا لما ذكره أشخاص مطلعون على الأمر.

وبدعم رؤسائه، ذهب غانون أبعد من ذلك: فعندما كشفت عمليات التجسس أدلة تناقض التزامات شياو، كان الضابط يلمّح بهدوء إلى هذه القضايا لشياو أو لمسؤولين إماراتيين مثل طحنون، وسرعان ما اختفت المشكلات، وأعدت الشركة عرضًا يوضح أنّها أزالت معدات تابعة لشركة “هواوي” بقيمة 150 مليون دولار من أنظمتها.

عاد غانون إلى واشنطن ليطلع عشرات المسؤولين الكبار، بينهم رايموندو وماكغورك، على النتائج التي توصل إليها، وهو دور غير معتاد بالنسبة لرئيس محطة.

ظل بعض المسؤولين الأمريكيين غير مقتنعين، فقد سئموا على مر السنين مما اعتبروه سلوكًا مخادعًا من الإمارات، وبدا الأمر وكأنه تلاعب نفسي. على سبيل المثال، عندما أنكر الإماراتيون أمام واشنطن أنّ بكين تبني منشأة عسكرية سرية بالقرب من أبوظبي، على الرغم من المعلومات التي تفيد بأن الموقع يضم ملعبًا لكرة السلة يحمل أعلام الجيش الصيني والحزب الشيوعي على أرضيته.

كانوا قلقين من أن يخدعهم طحنون مرة أخرى، فضغطوا على غانون بشأن استمرار الاتصالات بين “جي 42” والشركات الحكومية الصينية، مستندين إلى محللي وكالة الاستخبارات المركزية المتشككين الذين شاركوا وجهة نظرهم. أجاب غانون بأنّ هذه الاتصالات لم تثبت أن شياو كان يخون التزاماته، مجادلًا بأنّ الموظفين المعنيين كانوا من ذوي الرتب الدنيا، والذين ربما كانوا يعملون دون علم شياو. ولم يرَ أي دليل على أن شياو كان عميلًا صينيًا، كما كان يشك البعض.

لم يثق المعسكر المؤيد لمنح الإمارات وصولًا إلى الرقائق الأميركية داخل مجلس الأمن القومي بمحللي وكالة الاستخبارات المركزية، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر، وكانوا يتصلون بغانون هاتفيًّا ويسألونه عن رأيه الشخصي بشأن التقييمات، كما كانوا يوجهونه بطلبات محددة بشأن ما يجب أن ينقله إلى طحنون.

بلغ الخلاف ذروته عندما زار طحنون واشنطن في يونيو/ حزيران 2024 برفقة غانون، واجتمع الأميركيون من كلا المعسكرين في قصر طحنون بماكلين، وجلسوا في غرفة المعيشة. قدّم شياو عرضًا عن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الصينية التي تطورها شركة “ديب سيك”، وقال إنها ستشكل تهديدًا وشيكًا لهيمنة أميركا في المجال دون مساعدة “جي42″، وفقًا لأشخاص على اطلاع على الأمر.

أثار كشف شياو جدلًا علنيًا بين الأميركيين، إذ رفض أحد المسؤولين تقييماته ليجد نفسه في مواجهة مع زملائه الذين عارضوه. وجلس الإماراتيون يراقبون بينما كان الحاضرون في واشنطن يتجادلون. وعندما أطلقت الأداة بعد سبعة أشهر، أثار تطورها ذعرًا في وادي السيليكون وتسبب في انهيار أسهم شركات التكنولوجيا.

“كل الرقائق التي أرادوها”

زار الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” سام ألتمان أبوظبي العام الماضي.
يجري بناء مشروع “ستارغيت الإمارات”، وهو مجمع ضخم للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في أبوظبي.

قبل أسبوع من مغادرة بايدن منصبه، وضعت إدارته إطارًا يتيح للإماراتيين الوصول إلى الرقائق، وانتقد المسؤولون الإماراتيون القيود باعتبارها مفرطة، لكنها فتحت الباب لما سيأتي لاحقًا.

بالنسبة للمسؤولين في إدارة بايدن الذين دعموا حصول “جي42” على الرقائق الأميركية، ساعدت الخطوة الإمارات على الانحياز إلى جانب واشنطن عبر التخلص من التكنولوجيا الصينية. وقال أحد كبار المسؤولين الذين ساهموا في صياغة القاعدة: “كنت سأمنحهم كل الرقائق التي أرادوها”.

في مايو/ أيار 2025، بعد عامين من قرب إدراج شركة “جي42” على القائمة السوداء الأمريكية، اجتمع نخبة من قادة قطاع التكنولوجيا العالميين، ومن بينهم سام ألتمان من “أوبن إيه آي” وجينسن هوانغ من “إنفيديا”، في أبوظبي للتعهد بمساعدة G42 في بناء أحد أكبر مراكز الذكاء الاصطناعي في العالم، والذي أُطلق عليه اسم “ستارغيت الإمارات”.

قال ألتمان: “نحن نحول رؤية جريئة إلى واقع ملموس”.

وتتجلى ثمار جهود طحنون في شكل موقع بناء ضخم على قطعة أرض رملية تبعد أميالًا عن وسط أبوظبي، حيث يعمل آلاف العمال ليل نهار لبناء المركز العصبي لجهود أبوظبي في مجال الذكاء الاصطناعي، والذي من المقرر أن يكون مزودًا بأحدث الرقائق الأمريكية.

أما غانون، الذي ترك وكالة الاستخبارات المركزية العام الماضي، فقد حافظ على علاقاته في الإمارات، إذ يسافر إلى هناك بشكل متكرر لتقديم المديرين التنفيذيين الأمريكيين إلى مسؤولي الأمن الإماراتيين. وقد ساعد مقاولي الأمن القومي في الفوز بعقود استشارية مع أجهزة الأمن الإماراتية، كما ساعد في استقطاب عميل محتمل آخر: شركة “جي42”.

وأصبح ماكغورك بدوره بمثابة صانع صفقات في الإمارات فهو مستشار لشركة “سيسكو”، التي شكر رئيسها التنفيذي علنًا ماكغورك على مساعدته في إبرام صفقة ضمن مشروع “ستارغيت” الضخم التابع لشركة “جي42”. وفي مؤتمر استضافته الشركة في فبراير/ شباط، قال ماكغورك إنّ النقاش حول وصول الإمارات إلى التكنولوجيا الأميركية كان محتدمًا خلال سنوات إدارة بايدن.

وأضاف: “ما يقلقني أحيانًا في واشنطن هو أن هناك بُعدًا صفريًّا في هذا النقاش لدى بعض الأطراف”.

المصدر: وول ستريت جورنال

علاماتالإمارات وأمريكا ، السياسة الأمريكية ، الصراع الصيني الأمريكي ، العلاقات الإماراتية الأمريكية
مواضيعالسياسة الأمريكية ، النفوذ الصيني ، ترجمات ، سياسات الإمارات الخارجية

قد يعجبك ايضا

سياسة

غادي آيزنكوت: منافس بنيامين نتنياهو الشرس على مقعد رئاسة الوزراء

نيري زيلبار٢١ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

صدمة هرمز.. الاختناق الذي غيّر الخليج

مصطفى علي٢٠ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

معركة السيطرة على “برك سليمان”.. إسرائيل تهدد بابتلاع تاريخ بيت لحم

جوليان بورجر٢٠ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑