في الثاني عشر من أغسطس/آب 2025، وخلال مقابلة مع قناة “i24NEWS” الإسرائيلية، جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التزامه برؤية “إسرائيل الكبرى”، التي تشمل، ضمن مناطق أخرى، الضفة الغربية، ولم يستعرض نتنياهو خلال المقابلة حدود الدولة التي تتصورها هذه الرؤية، لكن خرائط ونصوصًا وتصريحات لمسؤولين آخرين سلّطت الضوء على مناطق إضافية تقع ضمن نطاقها، أبرزها الأردن.
وفي معرض تعليقه على تصريح نتنياهو، كتب آري بيلمان، نائب مدير جهاز الأمن الإسرائيلي “الشاباك” والعضو الفاعل في منظمة “قادة الأمن الإسرائيلي” (CIS)، مقالًا في صحيفة “The Jerusalem Post”، اعتبر فيه أن التصريح يشكل خطرًا على العلاقات مع شركاء السلام الحاليين، ويقضي على آمال تطبيع جديد مع دول عربية وإسلامية أخرى، مثل السعودية.
لكن وجهة نظر بيلمان لا تحظى بالضرورة بأهمية لدى أعضاء آخرين في حكومة الاحتلال الإسرائيلية، ولا تملك قوة كافية لمحو الأردن من خرائط “إسرائيل الكبرى” أو تجاهل حضوره فيها، فمنذ المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 وحتى اليوم، ما زال الأردن “الغائب الحاضر” في الفكر الصهيوني.
يبدأ ذلك من وعود التوراة والخرائط، ويمر بخطط التهجير وخطاب “الوطن البديل”، وينتهي عند خرائط سموتريتش وتصريحاته، بما يثبت أن خطاب الأخير يتجاوز ثرثرة سياسي يهوى الأضواء، ويعبّر عن عقيدة متجذرة توارثتها الأجيال السياسية الإسرائيلية المتعاقبة، بيمينها ويسارها، مع فارق دقيق بين من يرى الأردن أرضًا تُبتلع لحساب “إسرائيل الكبرى”، ومن يراه حلًا ديموغرافيًا عبر مشروع “الوطن البديل”، ومن يريده عمقًا أمنيًا بغوره ونهره، ومن يتعامل معه بوصفه ممرًا اقتصاديًا نحو تطبيع إبراهيمي.
من هذه العقيدة وفوارقها، تبحث السطور التالية في حضور “الأردن في المخيال الصهيوني”، وموقعه في النصوص التوراتية، وظهوره في الخرائط الأولى والحديثة، وتطور الخطاب الإسرائيلي تجاهه، وصولًا إلى طموحات ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وأحلام التوسع الإسرائيلي في الضفة الشرقية من النهر.
الأردن على ورق التناخ
قبل أن يصبح شرق الأردن دولةً مرسومة على الخرائط، حضر بوصفه نهرًا في النصوص الدينية، ثم مساحةً في المخيلة الجغرافية للحركة الصهيونية، وتصف الأسفار التوراتية المبكرة نهر الأردن بأنه الحد الفاصل بين ضفتين، أو بين سبطين ونصف سبط من جهة، وبقية الأسباط من جهة أخرى، ورغم اختلاف مكانة كل أرض في الرواية التوراتية، إلا أن الضفتين تشكلان مجالًا واحدًا استقرت فيه أسباط بني إسرائيل قبل دخول أرض كنعان.
يظهر ذلك في سفر العدد، الإصحاح الثاني والثلاثين، حين طلب سبطا رأوبين وجاد، ثم نصف سبط منسّى، الاستقرار في أراضي جلعاد وباشان الواقعة شرقي نهر الأردن، بعد هزيمة الملكين سيحون وعوج. ومنذ ذلك الحين، توالت الإشارات في الأدبيات اليهودية إلى المنطقة باسم “عبر هيردن”، أي “ما وراء نهر الأردن”.
وفقًا لجمعية علم الآثار الكتابية، تضم الأردن، التي توصف بأنها “الأرض التوراتية الأخرى”، عددًا من المواقع التي يمكن تصنيف حضورها في الأدبيات اليهودية ضمن أربعة أنماط رئيسية.
يتمثل النمط الأول في أرض المعارك والفتوحات، ويشمل مواقع باشان وحشبون وجلعاد وديبون وعشتاروت، المرتبطة بانتصارات القادة والأنبياء وتقسيم الأراضي بين الأسباط. أما النمط الثاني، فيشمل أراضي الشعوب المجاورة التي دخلت في صراعات دينية وسياسية متكررة مع بني إسرائيل، مثل مؤاب وعمون وأدوم.
ويرتبط النمط الثالث بالأماكن المتصلة بسيرة موسى قبل دخول أرض كنعان، ومنها وادي مؤاب وسهوله. ووفق الرواية التوراتية، شهدت هذه المنطقة خطابات سفر التثنية وتجديد العهد، واستُدعي فيها بلعام ليلعن بني إسرائيل، كما وقعت فيها حادثة عبادة البعل الواردة في سفر العدد.
وتتقاطع بعض المواقع بين أكثر من نمط، إذ تحمل دلالات لاهوتية ورمزية متباينة، فترمز باشان إلى القوة والخصب، وجلعاد إلى الشفاء، فيما تمثل أدوم العدو التاريخي، وقد وردت بحقها نبوءات عديدة في أسفار إشعياء وإرميا وحزقيال وعوبديا، على خلفية موقفها من الخراب، أما مؤاب وعمون، فترمزان إلى التوتر المستمر بين القرابة والعداء.
ويتكرر ذكر المواقع والأقاليم الواقعة شرقي النهر ما بين 740 و800 مرة في النصوص العبرية، عبر معظم أسفار التناخ، من سفر التكوين حتى ملاخي، كما يرد بعضها أكثر من مرة في الآية الواحدة، وبصيغ مفردة وجمعية ومشتقات متعددة، ما يجعل المنطقة، وفقًا لجمعية علم الآثار الكتابية، واحدة من أكثر الجغرافيا حضورًا في السرد التوراتي بعد القدس ويهودا والسامرة.
ويرجع هذا الحضور، وفق التفسير الإسرائيلي، إلى أن المنطقة تمثل مسرح السنوات الأخيرة من حياة النبي موسى عليه السلام؛ بدءًا من جبل نيبو، الذي نظر منه إلى أرض الميعاد، مرورًا بأول الأراضي التي سيطر عليها بنو إسرائيل، وموطن سبطي رأوبين وجاد ونصف سبط منسّى، ومغارة لوط التي لجأ إليها لوط وبناته بعد تدمير سدوم وعمورة، ومادبا التي تحتضن خريطة فسيفسائية للأرض المقدسة، وصولًا إلى ممالك مؤاب وعمون وأدوم القديمة، التي شكّلت مسرحًا دائمًا للصراع مع بني إسرائيل.
وبمثل هذا الزخم، لم يكن الأردن، أو شرق النهر، هامشًا في الأدبيات اليهودية، بل جزءًا تأسيسيًا من الرواية التوراتية، ثم حجر زاوية في خطاب التيارات الصهيونية الناشئة، التي تعاملت مع شرق الأردن باعتباره مساحة رديفة لـ”أرض إسرائيل”، حتى مع تبدل المواقف السياسية من هذه الفكرة في مراحل لاحقة. ويستند هذا التصور إلى ثلاثة مستويات مختلفة لحضور شرق الأردن ضمن الحدود التي ترسمها النصوص التوراتية.
في المستوى الأول، يندرج شرق النهر ضمن نطاق “الأرض الموعودة” أو “أرض الميعاد”، التي يرد ذكرها في سفر التكوين بصيغة وعد إلهي لإبراهيم، ولا يُذكر الأردن في هذا النص بالاسم، نهرًا أو مساحة، لكن الحدود الواردة فيه تشمل أجزاء من شرق النهر وما وراءها، وفق النص: “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات”.
أما في المستوى الثاني، فيحضر شرق النهر باعتباره أول أرض امتلكها بنو إسرائيل، وفق ما يرد في سفري العدد والتثنية. فبعد هزيمة ملك الأموريين وملك باشان، أصبحت الأراضي الواقعة شرقي النهر من نصيب سبطين ونصف سبط، وشملت جلعاد وباشان وحشبون وديبون وعشتاروت، وهي مناطق تقابل اليوم أجزاء واسعة من شمال الأردن ووسطه.
بينما يضم المستوى الثالث الحدود الكاملة للمملكة الموحّدة في عهد داوود وسليمان، والتي شملت مؤاب وأدوم وعمون وجلعاد وباشان؛ فخضع بعضها للسيادة، مثل أدوم، وبعضها بالحرب، مثل عمون، وبعضها بالتبعية، مثل مؤاب، لكنها عُدّت جميعًا في حينها جزءًا من أرض بني إسرائيل.
الأردن: ضفة الاستيطان الأخرى
نتيجة تعدد هذه المستويات، ظل شرق الأردن حاضرًا بوصفه جزءًا من التاريخ التوراتي، لكن تفسيراته السياسية لم تحظ بإجماع داخل الفكر اليهودي، خاصة أن معظم هذه الأقاليم لم تخضع بصورة متواصلة للسيطرة الإسرائيلية، وظلت ممالك قائمة بذاتها فترات طويلة.
تزامن ذلك مع صعود الأفكار الاستيطانية الأولى، ثم نشوء الصهيونية وتطورها، ففي تلك الفترة لم تكن الحدود الفاصلة بين الدول العربية قد رُسمت بعد، وهو ما استفادت منه الصهيونية في طرح فكرة “الوطن القومي” دون تصور ثابت لحدوده، بما يتيح لها المطالبة بمساحة أكبر من المتاح، لكنه أبقاها في الوقت نفسه تحت رحمة السياسة البريطانية والدولية ومواقف قادتها.
ففي مرحلة الاستيطان الأولى، بين عامي 1882 و1896، التي سبقت المؤتمر الصهيوني الأول وانطلقت بدعم من إدموند روتشيلد، تركزت المستوطنات جميعها غرب نهر الأردن، وداخل متصرفية القدس وولاية بيروت تحديدًا، فظهرت مستوطنات ريشون لتسيون، وزخرون يعقوب، وروش بينا، وغيرها من مستوطنات “العليا الأولى”، التي اعتمدت على تثبيت الوجود الاستيطاني اليهودي الزراعي، داخل المناطق التي سمحت الإدارة العثمانية لليهود بالسكن فيها.
في تلك الفترة، لم يكن شرق الأردن خارج دائرة الاهتمام تمامًا، إذ عُدّ مجاله الحيوي أكثر ملاءمة للاستيطان اليهودي، بسبب انخفاض أسعار الأراضي وقلة عدد السكان. وينقل تسفي إيلان، في كتابه “التوق إلى الاستيطان اليهودي في شرقي الأردن؛ 1871-1947″، أن أول من دعا إلى استيطان اليهود في شرقي الأردن كان ضابط سلاح الهندسة البريطاني السير تشارلز وارن، الذي قدم إلى المنطقة عام 1867 ضمن فريق عمل “صندوق استكشاف فلسطين” البريطاني.
وبناءً على أبحاثه ودراساته، أوصى وارن بالشروع في الاستيطان اليهودي بمنطقة “جلعاد” شرقي الأردن، التي فضّلها على غربه موقعًا للاستيطان. كما دعا إلى تأسيس شركة استيطان يهودية في شرقي الأردن، تعمل بعيدًا عن الرقابة العثمانية على الانتشار اليهودي، وتبدأ نشاطها عبر استئجار الأراضي من الدولة العثمانية.
وفي مرحلة لاحقة، دعا المستوطن الطلائعي يهوشع يلين إلى استيطان شرق الأردن، وأسّس عام 1871 شركة لاستثمار أراضي “غور نمرين” شمال شرقي البحر الميت واستصلاحها، تمهيدًا لإطلاق عمليات استيطان يهودية في المنطقة. وتعاقد يلين مع عدد من شيوخ عرب النمر من سكان المنطقة، لكن المشروع لم يحقق النجاح المأمول.
وتلت ذلك خطة استيطانية أخرى عام 1879، طرحها الرحالة البريطاني لورانس أوليفانت، الذي ألّف كتاب “أرض جلعاد” عقب زيارته المنطقة، وعرض فيه خطة لاستيطان جلعاد وإقامة كيان سياسي يهودي مستقل، عبر المسارات الدبلوماسية وأدوات الضغط البريطانية على السلطان العثماني، أو بشراء الأرض مقابل مبلغ مالي كبير.
وخلافًا للخطط السابقة، وصلت طموحات أوليفانت إلى الباب العالي ووزير الدولة خير الدين باشا، لكن اتصالاته المتواصلة بالدول الأوروبية، ودعوته إياها إلى حث قناصلها على الدفع نحو تحقيق مطالبه، أثارت الشكوك حول نواياه، وأوقفت المشروع في مرحلته التمهيدية.
ولم يعنِ توقف المشروع غيابه عن المخيال الصهيوني، إذ ظل حاضرًا في التصورات التاريخية والدينية، فيما حالت العوامل السياسية والإدارية والاقتصادية دون ضم شرق النهر، وعندما عقد هرتزل مؤتمره الصهيوني، لم يرسم حدودًا للدولة اليهودية المستقبلية، وهو ما عدّه باحثون غموضًا مقصودًا تكشفت مقاصده في مرحلة لاحقة.
وأتاح هذا الغموض خوض تجربة أولية للاستيطان اليهودي شرق النهر، نفذتها مجموعة من المهاجرين اليهود الذين استقروا قرب نهر الزرقاء، القريب من مدينة جرش. وأسست المجموعة مستوطنتين زراعيتين في منطقة وردت في التوراة باسم “نهر ييوك”، ثم أضافت إليهما مستوطنة ثالثة في منطقة السلط عام 1898، وما لبث أهالي المنطقة أن تنبهوا إلى نوايا المستوطنين وهاجموهم، فانتهى الأمر بإخلاء المستوطنات الثلاث ورحيل سكانها.
وهكذا ترسخ في الوعي الصهيوني أن الاستيطان شرق النهر مرهون بضعف الدولة العثمانية، وأن الأولوية للاستيطان في غربه. وظلت الحركة الصهيونية تترقب ظرفًا ملائمًا، حتى أتاحته الحرب العالمية الأولى، التي انتهت بانهيار الدولة العثمانية وإعادة رسم حدود المشرق.
وبدأت ملامح المرحلة الجديدة بمراسلات الشريف حسين بن علي، شريف مكة، والسير هنري مكماهون، المندوب السامي البريطاني في مصر، خلال عامي 1915 و1916، والتي شكلت أساس الوعود البريطانية للعرب بالاستقلال مقابل مشاركتهم في الحرب.
ووفقًا لهذه المراسلات، أقرّ مكماهون في تشرين الأول/أكتوبر 1915 بموافقة بريطانيا على قيام دولة عربية مستقلة بعد الحرب. واستثنت الموافقة مناطق محددة بصياغات جغرافية غامضة، من دون أن تذكر فلسطين وشرق الأردن بالاسم، وهو ما أصبح لاحقًا محور نقاش بريطاني عربي مع الأمير عبد الله.
وفي 3 كانون الثاني/يناير 1919، وقّع الأمير فيصل بن الحسين، ممثل الحركة العربية، وحاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية، اتفاقية تقرّ من حيث المبدأ بالتعاون بين الدولة العربية المزمع إنشاؤها والوطن القومي اليهودي في فلسطين. وربط فيصل تنفيذ الاتفاقية بوفاء بريطانيا بوعودها للعرب بالاستقلال.
وبموجب اتفاقية فيصل–وايزمان، اتفق الطرفان على التعاون الاقتصادي، وتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والعمل المشترك على تطوير المنطقة تجاريًا وسياسيًا، وحماية الأماكن المقدسة. ولم تحدد الاتفاقية صراحة حدود فلسطين أو وضع شرق الأردن.
ووفقًا لمذكرات السياسي عوني عبد الهادي، صُدم مستشارو فيصل من توقيعه وثيقة لأجنبي بلغة لا يعرفها، ودافع فيصل عن قراره قائلًا إن “الوثيقة تضمنت مطلب استقلال الأراضي العربية في آسيا، بدءًا من خط يبدأ شمالًا من الإسكندرونة وديار بكر، ويصل جنوبًا إلى المحيط الهندي، وتقع فلسطين ضمن هذه الحدود”، إلا أن نص الوثيقة لم يقرّ هذا التصور.
وبعد شهر، استخدم قادة الحركة الصهيونية الاتفاقية في مؤتمر باريس للسلام دليلًا أمام الوفد الأميركي على أن خططهم المتعلقة بفلسطين حظيت بموافقة عربية. ثم قدموا أول تصور صهيوني رسمي لحدود فلسطين المستقبلية، وذلك في مؤتمر باريس للسلام في 3 شباط/فبراير 1919، إذ طالبوا بامتداد حدودها الشرقية بمحاذاة خط سكة حديد الحجاز حتى خليج العقبة.
وكان هذا التصور سيتيح لـ”الوطن القومي” السيطرة على أجزاء واسعة من شرق الأردن، إلى جانب منابع المياه والأراضي الزراعية المحاذية لنهر الأردن وخطوط المواصلات، وتزامن ذلك مع منح المناطق العربية، التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، حق الانفصال عنها، على أن توضع تحت الوصاية البريطانية والفرنسية لمساعدتها في بلوغ “الاستقلال”.
ورغم الخريطة المقدمة، ظلت حدود المناطق العربية الآسيوية من دون ترسيم، ما أتاح للحركة الصهيونية التركيز في مطالبها على الحدود الطبيعية، والسعي إلى ضم مساحة تعادل 10٪ من الأراضي الواقعة شرق نهر الأردن، وبقيت هذه المطالب من دون موافقة الدول الكبرى حتى انعقاد مؤتمر سان ريمو في نيسان/أبريل 1920، الذي أقرّ وعد بلفور، وكلّف بريطانيا بتنفيذه في فلسطين “داخل الحدود التي تحددها القوى المتحالفة الرئيسية، بريطانيا وفرنسا”.
وفيما ظل مسار ضم شرق الأردن إلى الوطن القومي اليهودي قائمًا، دفعت حركات المقاومة في سوريا ولبنان، والمخاوف من امتدادها إلى شرق الأردن في ظل دعم الملك فيصل للثوار في العراق والشام، إلى فتح باب المفاوضات بين فيصل والبريطانيين في لندن خلال كانون الأول/ديسمبر 1920، في محاولة لتهدئة الأوضاع في المنطقة.
وخلال تلك الفترة، حاولت الحركة الصهيونية، عبر المندوب السامي البريطاني في فلسطين هربرت صموئيل، إقناع وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل باحتلال شرق الأردن احتلالًا كاملًا، وإخضاعه للسياسات المطبقة في فلسطين.
وتجاوز صموئيل صلاحيات وزير الخارجية، فزار شرق الأردن واجتمع مع 600 من زعماء العشائر، وأعلن المنطقة جزءًا من فلسطين الانتدابية. ودفع ذلك وزير الخارجية إلى إصدار تعليمات تمنع إقامة أي صلة بين شرق الأردن وفلسطين، قائلًا: “إن السيد هـ. صموئيل يريد شرق الأردن متاحًا لليهود ملحقًا بفلسطين”.
ولم يكن الموقف البريطاني مدفوعًا بالخوف من السيطرة اليهودية بقدر ما ارتبط بالتحسب من توسع النفوذ الفرنسي على حساب المصالح البريطانية. وبالاستناد إلى التطمينات التي قدمها الملك فيصل، اتجهت بريطانيا إلى مسار آخر، تبلور مع انتقال المحادثات من فيصل إلى الأمير عبد الله، الذي بدأ التفاوض مباشرة مع تشرشل.
وخلال تلك المحادثات، أعلن الأمير عبد الله أن أفضل سبيل لحل مشكلات المنطقة يتمثل في إقامة حكم واحد لفلسطين وشرق الأردن برئاسة عربية، ورفض تشرشل المقترح، استنادًا إلى التزام حكومته بتنفيذ وعودها لليهود. وأسفرت المحادثات، التي عُقدت في القدس بين 28 و30 آذار/مارس 1921، عن إقامة إمارة برئاسة عبد الله بن الحسين، وتشكيل قوة عسكرية بمساعدة بريطانيا لتوطيد الأمن، وتعيين مندوب بريطاني دائم في المنطقة للاستعانة برأيه.
كما تعهد عبد الله بمنع انطلاق أي أعمال عسكرية من شرق الأردن باتجاه سوريا وفلسطين، وبذلك حقق شرق الأردن قدرًا من الاستقرار، وبدأ مسيرة استقلاله قبل لبنان وسوريا وفلسطين.
وفي أعقاب المحادثات، أعلن وزير المستعمرات ونستون تشرشل في آذار/مارس 1921 عبد الله بن الحسين أميرًا على شرق الأردن، في إطار نظام عربي مستقل تشرف عليه بريطانيا. ثم أصدر عام 1922 الوثيقة التي عُرفت بـ”كتاب تشرشل الأبيض”، والتي استبعدت شرق الأردن من نطاق الوطن القومي اليهودي، ووضعته تحت سلطة الأمير عبد الله.
ووفقًا للباحث الإسرائيلي يوآف ألون، في كتابه “شيخ الشيوخ: مثقال الفايز والقيادة القبلية في الأردن الحديث”، تمثل الرد الصهيوني على كتاب تشرشل الأبيض في سعي الوكالة اليهودية إلى شراء الأراضي الأردنية، بدلًا من انتظار موافقة بريطانيا على الاستيطان في شرق الأردن.
ويورد ألون، في مخطوطته التي أرّخ فيها لسيرة مثقال الفايز، صاحب النفوذ والجاه والمساحات الشاسعة من الأراضي، أن استثناء بريطانيا لشرق الأردن من نطاق الوطن القومي اليهودي دفع الوكالة إلى محاولة استغلال الأزمة الاقتصادية التي أصابت الإمارة.
وتركزت المحاولة على مثقال نفسه، الذي كان يبحث عن مشترٍ لأراضيه، بالتزامن مع اتصالاته بالوكالة اليهودية ومهندسيها الذين أجروا مسوحًا لأملاكه. ثم تسربت تفاصيل تلك الاتصالات إلى الصحف الفلسطينية، فأثارت ضجة أفضت إلى إفشال المخطط.
وبحلول نهاية عشرينيات القرن العشرين، كانت حدود الوطن القومي قد استقرت في المخيال الصهيوني عند الضفة الغربية لنهر الأردن. وتزامن ذلك مع سلسلة من اللقاءات والاتفاقات التي جمعت الأمير عبد الله بن الحسين، الذي أصبح لاحقًا أول ملوك الأردن، بحاييم وايزمان وبن غوريون. وأكد الأمير خلالها التزامه بوعد بلفور وبالحدود الجديدة المرسومة لشرق النهر وغربه، إلا أن موقفه لم يكن كافيًا لإقناع جميع التيارات الصهيونية.
تكشف التحولات التي طرأت على الخرائط والحدود، باختلاف الشخصيات والمراحل، أن الخلاف داخل الحركة الصهيونية انصبّ على إمكانات ضم شرق الأردن وسبل تحقيقه، أيتخذ مسارًا مرحليًا أم يُنجز دفعة واحدة؟ أما أهمية المنطقة في المشروع الصهيوني فحظيت بإجماع مختلف التيارات، وظل الخلاف حول الوسائل والتوقيت حاضرًا بصور متعددة في المراحل اللاحقة.
الأردن: من حلم جابوتنسكي إلى براغماتية بن غوريون
وفقًا للمادة الرابعة من وثيقة الانتداب البريطاني، اتخذت الوكالة اليهودية من فلسطين مقرًا لعملها تمهيدًا لإقامة وطن قومي لليهود، وأدت دور حكومة يهودية غير رسمية تحت سلطة الانتداب، ومثّل ذلك تقدمًا كبيرًا في مسار “الحلم الصهيوني”، فيما أدى استثناء شرق الأردن من نطاق الانتداب المخصص لتنفيذ وعد بلفور إلى انقسام حاد داخل المنظمة الصهيونية.
ورأى التيار المؤيد لوثيقة الانتداب أنها تتيح انتزاع اعتراف من الأمير عبد الله بدولة يهودية في فلسطين، مقابل إسقاط مطالب الاستيطان الصهيوني في شرق الأردن. في المقابل، تزعم فلاديمير جابوتنسكي التيار الرافض لأي تسوية، مطالبًا بإقامة وطن يهودي يشمل فلسطين وشرق الأردن، ولو بالقوة.
وبدأت أطماع جابوتنسكي في مرحلة مبكرة سبقت استقلال إمارة شرق الأردن. واستند في رؤيته إلى مشاركته عام 1918 في احتلال مناطق منها، خلال خدمته في الكتيبة الثامنة والثلاثين من الفيلق اليهودي، ثم عبّر عن هذه الأطماع في سلسلة مقالات نشرها في صحيفة “هآرتس” على مدار عام 1920.
دفعت هذه التجربة جابوتنسكي إلى رفض كتاب تشرشل الأبيض عام 1922، إذ رأى أن اليهود استوطنوا شرق الأردن قبل فلسطين، وأن المنطقة لذلك جزء لا يتجزأ من “أرض إسرائيل”. ومن رحم هذا الرفض نشأت حركة صهيونية جديدة عُرفت بـ”الحركة التصحيحية”، وتصدر برنامجها هدف “إيجاد أغلبية عبرية في أرض إسرائيل على جانبي نهر الأردن”. كما اتخذت الحركة شعار “لنهر الأردن ضفتان، هذه لنا وتلك لنا”، الذي تحول لاحقًا إلى نشيد لحركة بيتار اليمينية المتطرفة.
وتعاظم نشاط هذا التيار رغم حظر بريطانيا الاستيطان الصهيوني شرق نهر الأردن. وحاول جابوتنسكي التأثير في أعضاء اللجنة القومية لتبني اقتراح يطالب حكومة الانتداب بإنشاء قوة عسكرية يهودية خاصة، تُلحق بالقوات البريطانية الموجودة في شرق الأردن، لتأكيد الحضور الصهيوني هناك، وكان الهدف أن يتخذ هذا الحضور طابعًا عسكريًا في البداية، ريثما تتاح إمكانية تحويله إلى أشكال أخرى.
ودفعت حماسة جابوتنسكي للاستيطان في شرق الأردن إلى اعتباره أكثر ملاءمة لهذا الغرض من فلسطين، واستند إلى وصف هربرت صموئيل للأردن بأنه “خاوٍ سياسيًا”، وإلى مساحته الواسعة وقلة عدد سكانه مقارنة بفلسطين، كما رأى أن المشاعر القومية العربية لدى سكانه كانت، وفق تقديره، أضعف منها لدى عرب فلسطين.
واعتبر جابوتنسكي أن قلة الأماكن الإسلامية المقدسة في شرق الأردن من شأنها تسهيل الاستيطان، مقارنة بفلسطين التي تنتشر فيها الأضرحة والمزارات، بما يتيح استيعاب عدد أكبر من المستوطنين، وأكد في مقالاته الصحفية أن “أرض إسرائيل هي الأرض التي يقع نهر الأردن في وسطها، لا على حدودها”.
وهكذا، استمر حضور شرق الأردن في أناشيد بيتار، ومنها: “إن نسيتك يا شرق الأردن، فلتنسني يميني”، وتجسد أيضًا في شعار منظمة “إيتسل” المعروفة بـ”الإرغون”، الذي حمل خريطة تضم الأردن وفلسطين، تعلوها يد تمسك بندقية وعبارة “هكذا فقط”. ثم امتد هذا التصور إلى نشاط “حزب الدولة اليهودية”، الذي طالب بإعادة شرق الأردن إلى فلسطين، على أساس أن كلتا الضفتين تؤلفان “وحدة جغرافية وتاريخية واقتصادية واحدة”.
ووصل موقف الحركة التصحيحية إلى رفض إعلان بريطانيا استقلال شرق الأردن عام 1946 تحت حكم الأمير عبد الله بن الحسين، انطلاقًا من اعتبار المنطقة جزءًا من الوطن القومي اليهودي، وشكلت الحركة تحالفًا مع حزبي “مزراحي” و”الصهيونية العمومية”، أعلن رفضه المطلق لـ”سلخ شرق الأردن من جسد فلسطين، الذي تربطه به صلات تاريخية وجغرافية واقتصادية”، ورأى التحالف أن “إقامة دولة مستقلة في الأردن من دون موافقة الشعب اليهودي تشكل خرقًا للقانون الدولي”.
وفي الواقع، حمل الإعلان البريطاني استقلال الأردن في 25 أيار/مايو 1946، وتنصيب عبد الله الأول ملكًا، منفعة للحركة الصهيونية، فوفقًا لدائرة المعارف البريطانية، كان عبد الله الحاكم العربي الوحيد الذي قبل قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، والقاضي بإقامة دولتين، إحداهما يهودية والأخرى عربية، على أراضيها.
وهذه هي الفائدة التي توخاها بن غوريون من قبول صك الانتداب وفصل شرق الأردن عن فلسطين، وتقاطع هذا الموقف مع مسارات أخرى تبناها، من بينها شراء أراض للاستيطان في شرق الأردن ضمن خطط للتطوير التجاري والاقتصادي، ثم اعتبار المنطقة وجهة أساسية لطرد الفلسطينيين وإفراغ أرضهم منهم. وقد دوّن في مذكراته ضرورة استخدام القوة لدفع العرب “نحو الشرق”.
وفي إطار المسار الأول، بدأت الوكالة اليهودية الاستثمار في شرق الأردن من خلال مشروع “غور الكبد” عام 1933. واستأجرت أراضي المنطقة لمدة ثلاثة وثلاثين عامًا، قابلة للتجديد مرتين، مقابل ألفي جنيه سنويًا، بهدف استصلاحها زراعيًا وتشغيل السكان، ونص الاتفاق على دخوله حيز التنفيذ بعد إزالة “الصعوبات السياسية”، وهو تعبير كان يشير إلى المقاومة الشعبية والرفض الأردني للمشروع.
أما المشروع الثاني، فتمثل في خطة للاستيطان اليهودي في منطقة غور الصافي، جنوب شرقي البحر الميت، عام 1934، بهدف الحصول على امتياز استخراج البوتاس، واقترنت الخطة، بعد عامين، بمشروع بنحاس روتنبرغ لتوليد الكهرباء، وعُدّت قاعدة متقدمة لدخول اليهود إلى شرق الأردن.
وقامت على توزيع مثير للريبة للاستيطان على جانبي وادي نهر الزرقاء، بحيث يتركز العرب في الضفة الجنوبية للوادي، واليهود في الجهة الموازية لغور بيسان والباقورة، لكن موقف الإدارة البريطانية والاضطرابات التي صاحبت مشروع شركة الكهرباء حالا دون تحوله إلى استيطان مباشر وفعلي.
ثم انتقل بن غوريون إلى مسار “الأردن وطنًا بديلًا” بعد ترحيل الفلسطينيين. ووفقًا للباحث والمؤرخ نور مصالحة، في مقاله “التصور الصهيوني للترحيل”، شكّل ترحيل الفلسطينيين إلى شرق الأردن نواة في الفكر الاستيطاني لدى الآباء المؤسسين.
وقام التصور على مسار تدريجي يبدأ بمضايقة الفلسطينيين ودفعهم إلى شرق الأردن، ثم الاستيلاء على كامل الأرض الفلسطينية وترسيخ القوة فيها، قبل التوجه إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن وطرد سكانها إلى بقية البلاد العربية.
ظهرت أولى ملامح هذه الخطة عام 1930، خلال محادثات خاصة مع مسؤولين عرب، عقب ثورة البراق عام 1929 وصدور تقرير لجنة شو، الذي أكد أن تزايد الاستيطان يؤدي إلى تجريد العرب من أراضيهم ومصادر رزقهم، ودفع ذلك الجانب الصهيوني إلى اقتراح تقديم قرض بقيمة مليون ليرة فلسطينية إلى وزارة المستعمرات، لتمويل نقل الفلاحين الفلسطينيين إلى إمارة عبد الله في شرق الأردن.
وتجدد الطرح عام 1937 خلال أعمال لجنة بيل، وتبناه موشيه شرتوك وبن غوريون ووايزمان، الذين رأوا ضرورة توسيع نطاق الخطة لتشمل جميع الفلسطينيين، وكتب بن غوريون إلى ابنه عاموس في العام نفسه: “لا بد من أن نطرد العرب ونستولي على أماكنهم، وأن نستعمل القوة إذا اضطررنا إلى ذلك؛ لا لتجريد عرب النقب وشرق الأردن من ممتلكاتهم، بل لضمان حقنا في الاستيطان في هذه الأماكن”.
ووفقًا لمصالحة، صيغت وقُدمت بين عامي 1937 و1948 اثنتا عشرة خطة صهيونية للترحيل، كانت شرق الأردن وجهتها الأولى. واستبعدت اثنتان منها نقل الفلسطينيين إلى القسم العربي من فلسطين أو إلى شرق الأردن، لأن المنطقتين كانتا داخل نطاق المطامع التوسعية الصهيونية. واستمر هذا التوجه رغم موقف الأردن الرسمي من قرار التقسيم والتحولات التي أعقبته على الأرض.
ووفقًا لـأهرون بريغمان، في كتابه “تاريخ إسرائيل” الصادر عام 2003، اتخذ الأردن موقفًا لافتًا من إعلان الدولة اليهودية عام 1948، فقد أرسل قواته عبر نهر الأردن إلى القسم الفلسطيني الذي خصصه قرار الأمم المتحدة للعرب، ضمن خطته لتقسيم فلسطين. ويرى بريغمان أن التحرك كان ستارًا لاتفاق بين الملك عبد الله والقيادة الصهيونية على اقتسام فلسطين.
وبحسب الكاتب، تمثلت المعضلة في القدس، التي وضعها قرار التقسيم خارج السيادة العربية واليهودية، وأدى إصرار الطرفين على السيطرة عليها إلى صدام بين القوات الأردنية والإسرائيلية، انتهى بسيطرة الأردنيين على البلدة القديمة والحي اليهودي، واعتقال الرجال وطرد النساء والأطفال إلى القسم الغربي من المدينة.
وبعد حرب عام 1948، ومع امتداد سلطة المملكة إلى الضفة الغربية تمهيدًا لضمها رسميًا، باتت تضم كلتا ضفتي نهر الأردن، الشرقية والغربية. وفي عام 1949، أُقر اسم “المملكة الأردنية الهاشمية” بدلًا من “شرق الأردن”، وشاع منذ ذلك الحين الاسم المختصر “الأردن”.
الأردن وطنًا بديلًا للفلسطينيين
وفقًا للباحث سامي أبو جلهوم، ظل الرضا بالموقف الأردني الرسمي، القابل بقيام دولة يهودية على أرض فلسطين، مقتصرًا على أجنحة محددة داخل التيارات الصهيونية، ففي “خطاب النصر” على العرب عقب “حرب الاستقلال” عام 1948، خاطب مناحيم بيغن الحشود الصهيونية في القدس قائلًا: “لدينا فرصة للوصول إلى نهر الأردن وما بعده. إننا نواجه أميين لا يعرفون الأسباب التي جعلتهم يقاتلون”، كما طالب بضم الجزء الشرقي من القدس إلى الدولة اليهودية.
وجاء ذلك تكرارًا لخطاب سابق ألقاه أمام لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين “الأونسكوب”، وطالب فيه بالتوسع وضم ضفتي النهر، قائلًا: “بلادنا صغيرة جدًا، إلا أن ضفتي الأردن قد توفران مساحة كافية لملايين اليهود الذين يودون الهجرة إليها الآن، ولأولئك الذين سيأتون في المستقبل”، كما رأى أن استقلال الأردن لا يضمن “الاستقلال العبري في أرض إسرائيل”.
وانحصرت الأولوية آنذاك في السيطرة على الضفة الغربية، وترحيل سكانها إلى شرق النهر، والاستيلاء على منابع نهر الأردن. وتوافقت هذه الأهداف مع سلسلة من الخطط، بدأت بخطة شاريت عام 1956 لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي من خلال تعديلات متبادلة على خطوط الهدنة، مقابل توطين الفلسطينيين في الدول العربية وإشراكها في الاستفادة من مياه نهري الأردن واليرموك.
ثم جاءت خطة ديان عام 1959، التي اقترحت اتحادًا كونفيدراليًا مع الأردن يضمن السيطرة على القدس، ويتيح إحداث تغيير مستقبلي في موازين القوى عبر زيادة عدد السكان اليهود.
واستمر هذا المسار حتى هزيمة العرب عام 1967، حين انتقلت المشاريع الصهيونية من التفاوض على الأرض والمياه إلى ترحيل الفلسطينيين وكبح نموهم السكاني، بالتوازي مع رفض ترسيم حدود دائمة وثابتة، وانعكس هذا التوجه في خطاب يتسحاق رابين عام 1974، حين دعا إلى تهيئة أوضاع تدفع الفلسطينيين إلى الهجرة الطوعية من قطاع غزة والضفة الغربية إلى الأردن خلال فترة تتراوح بين عشر وعشرين سنة.
ثم تصدر أرييل شارون المشهد بعد تأسيسه تكتل الليكود، وروّج لفكرة أن “الأردن هو المكان الذي يستطيع الفلسطينيون فيه التعبير عن طموحاتهم الوطنية”، وعُدّ هذا الطرح أول مشروع سياسي وديموغرافي وأمني إسرائيلي متكامل يتعلق بالأردن، ويقوم على تحويله إلى بلد ذي أغلبية فلسطينية، فيما يصبح غرب النهر جزءًا من “أرض إسرائيل الكاملة”.
وعُرفت صيغة شارون لاحقًا في الأدبيات السياسية بمقولة “الأردن هو فلسطين” (Jordan is Palestine). وطرحها صراحة في مقابلة عام 1981، قائلًا: “أعتقد أن نقطة البداية للحل هي إقامة دولة فلسطينية في ذلك الجزء من فلسطين الذي فُصل عما أصبح إسرائيل عام 1922، والذي يُعرف الآن بالأردن. الغرباء الوحيدون هناك هم أفراد الأسرة الهاشمية التي يحكم باسمها الملك حسين، ولا يهمني من يتولى إدارة الأردن”.
وأعاد شارون طرح الفكرة في العام التالي، خلال مقابلة مع الصحفية أوريانا فالاتشي، وردًا على سؤالها عن حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية، قال: “إنهم يحصلون على وطن؛ إنها فلسطين التي تُسمى الأردن. لقد حيّرتني القضية الفلسطينية طوال 12 عامًا، وكلما فكرت فيها ازددت اقتناعًا بأن الأردن هو الحل الوحيد. ما يهمني أن فلسطين موجودة بالفعل، فلا حاجة إلى إنشاء أخرى”.
وتكررت رؤية شارون للأردن وطنًا بديلًا للفلسطينيين على لسان رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير، التي صرحت: “لا يوجد فلسطينيون، بل أردنيون فقط”، وانسجمت معها رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير، الذي أيّد موقف شارون عام 1983 بقوله: “إن قيام دولة فلسطينية ثانية غرب النهر وصفة للفوضى”.
ومع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، وتحت وطأة الضغوط العربية المؤيدة لياسر عرفات، سارع الملك حسين إلى إعلان فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام 1988، ونقل تمثيل الفلسطينيين إلى منظمة التحرير الفلسطينية.
وقُدمت الخطوة استجابة للموقف العربي العام، وحملت في الوقت نفسه طابعًا استباقيًا؛ إذ سحبت الذريعة القانونية والتاريخية التي استندت إليها أطروحة “الأردن هو فلسطين”، وفتحت المجال أمام حل الدولتين بدلًا من ضم الفلسطينيين إلى الأردن.
وبعد عامين، بدأت مبادرات السلام العربية مع الإسرائيليين، فيما ظل الموقف الإسرائيلي على حاله. فقد تمسك شامير بمقولة “الأردن هو فلسطين” عقب مبادرة سلام أطلقها الملك حسين، وإن تجنب إعلانها صراحة كي لا يثير عداء الملك ومخاوفه. ويشير ذلك إلى توظيف الفكرة أداةً تكتيكية، يجري التصريح بها أو حجبها وفق الظرف الدبلوماسي، بعيدًا عن طرحها موقفًا معلنًا في جميع المراحل.
واستمرت هذه الموازنة الدبلوماسية حتى بعد توقيع معاهدة وادي عربة عام 1994، التي أنهت رسميًا حالة الحرب بين الأردن وإسرائيل. وأعادت المعاهدة، للمفارقة، صياغة منطق “العمق الاستراتيجي” في قالب دبلوماسي، فيما واصل رابين التمسك بمبدأ “تهيئة الظروف لترحيل الفلسطينيين”، والسيطرة على الحدود الشرقية على أساس أنها “حدود طبيعية قابلة للدفاع”.
وفي الجانب المائي، كرّست المعاهدة المصالح الإسرائيلية في مياه الأردن عبر ملحقها الثاني الخاص بشؤون المياه، الذي مثّل أول إطار قانوني تفصيلي لعلاقة الأردن المائية بإسرائيل، ونص الملحق على السماح لإسرائيل بضخ 12 مليون متر مكعب صيفًا و13 مليون متر مكعب شتاءً من نهر اليرموك، على أن يحصل الأردن على بقية التدفق. كما وافق الأردن على ضخ إسرائيل 20 مليون متر مكعب إضافية شتاءً، مقابل تحويلات صيفية إليه من نهر الأردن.
كما نص الملحق على تزويد الأردن بعشرة ملايين متر مكعب من المياه المحلاة سنويًا، ما رسخ السيطرة الإسرائيلية على مصادر المياه الأردنية. وكانت هذه السيطرة قد بدأت فعليًا مع تشغيل الناقل القطري عام 1964، ثم امتدت إلى حوض اليرموك وتحويل مياهه.
وجاءت معاهدة وادي عربة لتحدد حصص الأردن من نهري الأردن واليرموك، مع احتفاظ إسرائيل بتحكمها الفعلي في كميات المياه وتدفقها. وبدأت نتائج هذا الترتيب بالظهور بعد عقد من توقيع المعاهدة.
وبالتوازي مع المطامع المائية، تواصلت الرغبة الإسرائيلية في تقديم الأردن باعتباره “فلسطين”. ففي نيسان/أبريل 2001، صرّح أرييل شارون مجددًا: “لم أؤمن قط بضرورة وجود دولتين فلسطينيتين. الشيء الوحيد الذي لم يتغير في نظرتي إلى العالم هو اعتبار الأردن فلسطين”.
وأعاد عضو الكنيست أرييه إلداد، أحد أبرز وجوه اليمين القومي الإسرائيلي، طرح الفكرة عام 2012 في قالب سياسي وقانوني، داعيًا إلى “إقامة دولة فلسطين على الضفة الشرقية لنهر الأردن”. وجاءت دعوته في خضم موجة الربيع العربي، والتقديرات الإسرائيلية بشأن مدى استقرار الأنظمة الملكية المجاورة، وقوبلت برفض فلسطيني وأردني واسع.
ثم أعاد بتسلئيل سموتريتش، المنحدر من عائلة ارتبطت بعصابة “الإرغون” وأحد رموز التطرف الاستيطاني، طرحها عام 2017 ضمن مشروع حمل عنوان “خطة الحسم”، واستبعد في خطته حل الدولتين، وخيّر الفلسطينيين بين ثلاثة مسارات: هجرة فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل طوعًا إلى خارج ما سمّاه “أرض إسرائيل الكاملة”، أو العيش تحت السيادة الإسرائيلية من دون حقوق قومية جماعية، أو مواجهة أمنية تستهدف من وصفهم بـ”المخربين”.
وتجدد الطرح عام 2019، هذه المرة في إطار تسوية أميركية وإقليمية للقضية الفلسطينية عُرفت بـ”صفقة القرن”. وقوّضت الخطة حل الدولتين وحق الفلسطينيين في ممارسة حقوقهم السياسية على أراضي عام 1967، ما أثار مخاوف أردنية من وضع المملكة أمام سيناريو “الوطن البديل” فعليًا.
وجاءت ردود الملك عبد الله الثاني حاسمة، إذ أكد أن “القدس ومستقبل فلسطين خط أحمر بالنسبة إلى الأردن”، وأن “موقف المملكة من الوطن البديل والتوطين ثابت لا يتغير”. وفي الوقت نفسه، توالت التقارير عن ترتيبات كونفدرالية أو إدارية تُفرغ الدولة الفلسطينية المستقلة من مضمونها، لمصلحة صيغة تشمل الأردن، ولا سيما بعد توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020.
الأردن في الواجهة: من التطبيع الإبراهيمي إلى السابع من أكتوبر
بحلول نهاية عام 2020، وقّعت الإمارات والبحرين “اتفاقيات أبراهام” مع إسرائيل، ثم لحق بهما السودان والمغرب، ضمن موجة تطبيع إقليمية واسعة رعتها إدارة ترامب الأولى. وأزاحت هذه الموجة إلى الخلف تجربتي “السلام البارد” في مصر والأردن، الذي كان قد طبّع علاقاته مع إسرائيل قبل ذلك بستة وعشرين عامًا عبر معاهدة وادي عربة، ثم وجد نفسه مهمشًا مع تصدر دول “التطبيع الدافئ” المشهد.
وواصل الأردن تنفيذ التزاماته التعاقدية، وفي مقدمتها اتفاقية استيراد الغاز الموقعة عام 2016 لمدة خمسة عشر عامًا، وخطط الحصول على حصص من المياه. وفي الوقت نفسه، تمسك باستعادة منطقتي الباقورة والغمر بعد انتهاء المدة القانونية لانتفاع إسرائيل بهما.
ودفعت حمى التطبيع الإبراهيمي اليمين الإسرائيلي بعيدًا عن الأردن، على المستوى الدبلوماسي على الأقل. في المقابل، واصلت مراكز الأبحاث والدراسات دعوة صناع القرار إلى إبقاء المملكة ضمن معادلة التطبيع، باعتبارها جزءًا من شبكتي الأمن والاقتصاد الإقليميتين، وطرفًا أساسيًا في القضية الفلسطينية. فالأردن ركيزة لنجاح أي نظام إقليمي جديد، وحلقة وصل بين إسرائيل والخليج، وبين العراق والموانئ العربية مستقبلًا.
ولهذا ربطت دراسات إسرائيلية الأردن بمشاريع الربط الكهربائي وخطوط الطاقة والسكك الحديدية والممرات التجارية التي نشأت في ظل اتفاقيات أبراهام، ورأت أن استقرار المملكة شرط لاستدامتها. وجاء المسار السياسي الفعلي في اتجاه مختلف.
فقد توجس الأردن من خطط نقل الوصاية على المواقع المقدسة في القدس الشرقية، وتصفية قضية اللاجئين، واحتمال تراجع إسرائيل عن قرار وقف ضم أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية، لذلك حافظ على مسافة من الاتفاقيات وأطرافها. وعندما استضافت إسرائيل قمة النقب عام 2022، بمشاركة وزراء خارجية مصر والإمارات والبحرين والمغرب، امتنعت المملكة عن إرسال وزير خارجيتها أيمن الصفدي إلى الاجتماع.
في الواقع، تمس اتفاقيات أبراهام استقرار الأردن مباشرة، بما تفرضه من علاقات ثنائية منفصلة بين كل دولة عربية وإسرائيل. فهي لا تحقق تقدمًا ملموسًا على الجبهة الفلسطينية، وتُبقي ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن من دون حل، كما تتجاهل خصوصية العلاقة الأردنية الإسرائيلية، واختلافها عن علاقات إسرائيل بالدول العربية الأخرى التي لا ترتبط بفلسطين جغرافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا على النحو نفسه.
واستغل اليمين الإسرائيلي هذه الفجوة لمواصلة خطابه التوسعي تجاه الأردن مطلع عام 2023. وبدأ ذلك مع بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد أصبح وزيرًا للمالية، حين ألقى كلمة أمام ناشطين مؤيدين للصهيونية في باريس، واقفًا خلف منصة تحمل شعار “الإرغون” وخريطة تضم فلسطين والأردن، وقال: “لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطيني”.
وتصاعد هذا الخطاب منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحت ذريعة الأمن والخشية من “طوفان” آخر يأتي من الشرق، واندرجت ضمن ما سُمي “تهديدات الجبهة الشرقية” عمليات التهريب، والتدخل الإيراني، واحتمالات التسلل، واتسعت أدوات الهيمنة على الأرض لتشمل بناء جدار على امتداد الحدود مع الأردن، وتعزيز صلاحيات الجيش والمستوطنين، ومصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية وتصنيفها “أراضي دولة”.
وفي إطار هذا الخطاب، تحول الأردن إلى عمق أمني ووجهة محتملة لتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية، بما يخدم خطة سموتريتش لفرض سيادة إسرائيلية كاملة على غرب النهر، وتقليص أعداد الفلسطينيين ونطاق وجودهم إلى أقصى حد ممكن.
وأُريد للأردن أن يسهم في منع انتقال السلاح إلى الضفة الغربية، والحيلولة دون تشكل فراغ أمني يمتد من سوريا والعراق، مرورًا بالحدود الشمالية للأردن، وصولًا إلى إسرائيل. كما عادت الأغوار إلى صدارة الخطاب الإسرائيلي باعتبارها حدًا دفاعيًا ينبغي الاحتفاظ بالسيطرة عليه بالقوة.
وفي موازاة ذلك، تعرضت الأغوار الأردنية لإغراق بالمياه العادمة، وحرائق متصاعدة، وتلوث ناجم عن ضخ المياه والنفايات من الجانب الإسرائيلي نحو الأراضي الأردنية، كما أقامت إسرائيل أكثر من 18 مشروعًا لتحويل مياه النهر إلى مشروعاتها الزراعية في صحراء النقب.
ودفع احتراق نحو ألف دونم من الأراضي الزراعية في مناطق الأغوار المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة، الأمين العام لاتحاد المزارعين الأردنيين محمود العوران إلى مطالبة الحكومة الأردنية باللجوء إلى المحاكم الدولية، ورفع دعاوى ضد الاحتلال.
وفي صورة تستدعي المثل العربي “أحشفًا وسوء كيلة؟”، وجد الأردن نفسه تارة في موقع الدولة العازلة، وتارة أخرى مكبًا لنفايات الاحتلال، وخلال التصعيد الإسرائيلي الإيراني بين عامي 2024 و2026، تحول إلى خط دفاع جوي أول وعنصر رئيسي في منظومة الأمن الإسرائيلية.
وكان هذا التحول أحد أبرز الدروس التي خلصت إليها مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية من المواجهة الإسرائيلية الإيرانية الأولى، فقد اعتبرت استمرار التنسيق العسكري مع الأردن رصيدًا استراتيجيًا ينبغي الحفاظ عليه، رغم التوتر السياسي غير المسبوق بين قيادتي البلدين.
وعملت المملكة، وفق هذه المراكز، شبكة إنذار ودفاع عن المجال الجوي الإسرائيلي في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، فيما أكدت رسميًا أنها تحمي مجالها الجوي ولا تدافع عن إسرائيل. ووصفت مراكز الأبحاث هذا الموقف بـ”الحياد الإيجابي”.
وتزامن ذلك مع سقوط نظام الأسد في سوريا، وموقف الأردن من السلطة الجديدة، فتحول إلى وسيط تتقاطع مصالحه الأمنية مع إسرائيل في التعامل مع المشهد السوري. وفي المحصلة، صبت جهود دمشق لطمأنة الأردن والتأكيد على أهمية استقراره في مصلحة إسرائيل أيضًا.
وحتى في مجالات التعاون الأردني السوري الجديدة، مثل الغاز والطاقة والنقل، مالت التحليلات الإسرائيلية إلى اعتبار الأردن شريكًا في أي ترتيبات اقتصادية أو أمنية ناشئة في المشرق، كما أصبح محورًا تتقاطع عنده ملفات سوريا وغزة والضفة الغربية وإيران، ما عزز أهميته الاستراتيجية، وحوّل اتفاقيات الغاز والمياه معه إلى أدوات ذات أبعاد أمنية تربط استقراره الاقتصادي باستقرار الحدود الشرقية.
ودخلت مشاريع الربط الإقليمي، عبر السكك الحديدية وخطوط المواصلات والممرات الاقتصادية، ومنها ممر الهند–الإمارات–إسرائيل–أوروبا والطرق البديلة التي برزت عقب اضطرابات البحر الأحمر وهجمات الحوثيين، في صلب النقاش حول أهمية الأردن باعتباره الممر البري الأكثر أمانًا بين البحر المتوسط والخليج.
وفي المقابل، أدت الحرب على غزة إلى تصاعد التوتر السياسي، بدءًا من المظاهرات الشعبية في الأردن، ووصولًا إلى العمليات الفردية التي انطلقت من أراضيه، وأثارت هذه التطورات مخاوف بشأن مستقبل معاهدة السلام والتنسيق الأمني، من دون أن تغير الخطاب اليميني الإسرائيلي، بما فيه الخطاب الرسمي.
ففي كانون الثاني/يناير 2025، نشر حساب “إسرائيل بالعربية” التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية مادة إعلامية تضمنت خريطة قُدمت باعتبارها تمثل “إسرائيل التاريخية”، وامتدت إلى أجزاء من الأردن وسوريا ولبنان، ما أثار إدانات أردنية وعربية واسعة.
ثم سُئل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في آب/أغسطس من العام نفسه، خلال مقابلة مع قناة “i24” الإسرائيلية، عن فكرة “إسرائيل الكبرى”، فيما كان المحاور يحمل تميمة تجسد “خريطة الأرض الموعودة”، فأجاب بأنه مرتبط بالفكرة “كثيرًا”، وأضاف أنه يرى نفسه صاحب “مهمة تاريخية وروحية”.
وسبق ذلك بأشهر تصريح منسوب إلى سموتريتش في مقابلة تلفزيونية وثائقية، قال فيه إن مستقبل القدس يتمثل في “التمدد نحو دمشق”، وعرض رؤية تشمل فلسطين والأردن ولبنان ومصر وسوريا والعراق والسعودية.
ووصل هذا الخطاب إلى السفير الأميركي ذي التوجه الصهيوني مايك هاكابي، الذي لم يبدِ، خلال مقابلة مع الإعلامي تاكر كارلسون، ممانعة إزاء سيطرة إسرائيل على الأرض العربية الممتدة من النيل إلى الفرات، قائلًا: “لا بأس لو أخذوها كلها”.
وفي الفترة نفسها، أعلن زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد تأييده لكل ما يمنح اليهود أرضًا واسعة ودولة قوية وملاذًا آمنًا، مضيفًا أن “حدود أرض إسرائيل هي حدود الكتاب المقدس”، وأدانت دول عربية وإسلامية وإقليمية تصريحات نتنياهو وسموتريتش وهاكابي، فيما وصف الناطق باسم الحكومة الأردنية محمد المومني تصريحات نتنياهو بأنها “استفزاز سافر يصعّد التوترات الإقليمية ويهدد سيادة الدول”. ورغم الإدانات، بقي صدى هذه التصريحات حاضرًا في الوعي العربي والأردني.
محاولة أخيرة في الوقت الضائع
بُعيد تصريحات نتنياهو، استشعر الأردن قلقًا حقيقيًا، لا سيما مع تصاعد التأييد لليمين المتطرف وتماهي الخطاب الأميركي معه، فأعاد العمل بنظام الخدمة العسكرية الإلزامية للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود، واختار بالقرعة نحو ستة آلاف شاب لأداء خدمة مدتها عام، تجمع بين التدريب العسكري ومناهج التربية الوطنية. وربط مراقبون هذه الخطوة بالمخاوف من التوسع الإسرائيلي.
واقتصر المسار الأردني المضاد على هذه الخطوة تقريبًا، إذ استمر التعاون بين الجانبين حتى في ذروة التصعيد الخطابي، ودفع ذلك أرييل كهانا، المحلل السياسي في صحيفة “يسرائيل هيوم”، إلى اعتبار الحديث عن تدهور العلاقات مبالغة تتجاهل “النصف الممتلئ من الكأس”، والمتمثل في مصالح استراتيجية مشتركة يصعب معها زعزعة العلاقة بين البلدين.
وبحسب كهانا، توفر إسرائيل للأردن ظهيرًا استراتيجيًا يساعده على مواجهة التحديات، وتدعم بقاء المملكة الهاشمية، وتعارض عمليًا مقولة “الأردن هو فلسطين”، كما تقرّ بالمكانة الأردنية في القدس من خلال الوصاية الهاشمية، وتبيع المملكة الغاز، وتزودها بنحو 10٪ من احتياجاتها المائية، وتتيح نقل المنتجات الأوروبية إليها عبر ميناء حيفا والمعابر الحدودية. وفي المقابل، يؤدي الأردن دورًا في تهدئة الفلسطينيين في المسجد الأقصى والمنطقة عمومًا، ويشكل “عمقًا استراتيجيًا” لإسرائيل، وهو الدور الأهم وفق تقديره.
وفي المحصلة، يجد الأردن نفسه، بفعل عوامل متشابكة، أسيرًا لمخيال صهيوني مشدود إلى التوسع والسيطرة. تحاصره الجغرافيا، والاقتصاد المتعثر، والتركيبة السكانية التي يشكل الفلسطينيون ثقلًا فيها، ونهر الأردن الذي تتطلع إسرائيل إلى مياهه، كما يضغط عليه موقعه بين دول تسعى إلى تطبيع دافئ، وكيان لا يريد منه سوى “تدجينه”، إلى جانب تاريخ تعيد الصهيونية توظيفه، ومستقبل يكشف تدريجيًا عن أطماع تتجاوز التطبيع.
وفي خضم ذلك كله، ظل الأردن حاضرًا في التصورات الصهيونية: امتدادًا لـ”أرض الميعاد”، أو مجالًا استيطانيًا، أو وطنًا بديلًا، أو عمقًا أمنيًا، أو شريكًا استراتيجيًا، أو عقدة وصل اقتصادية، أو خط دفاع أول أمام أزمات تمتد من إيران إلى العراق وسوريا.
تغيرت وظائفه وتبدلت أدواره وتقلبت الطموحات تجاهه عقدًا بعد آخر، فيما بقي في الخطاب الإسرائيلي، الرسمي والديني والشعبي، “الغائب الحاضر”؛ يُستدعى كلما احتاج المخيال الصهيوني إلى حدود جديدة لتوسعه وتطرفه، ويتراجع كلما فرضت الضرورات الأمنية والاقتصادية والسياسية أولويات أخرى.