• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

مأزق العدالة في سوريا: السير في حقل ألغام بين الانتقام والاستقرار

ملايكة كانانه تابر٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

مع سيطرة المعارضة على السلطة في سوريا قبل عامين، انطلق عثمان في رحلة البحث عن الرجل الذي تسبب في تهشيم أسنانه بالكامل.

كان يستحضر وجه سجّانه السابق في ذهنه، ويعرف طريقة تحرّك جسده وهو يصعقه بالصدمات الكهربائية لكنه كان بحاجة إلى معرفة اسم الرجل الذي عذّبه في سجن المخابرات الجوية.

عثمان، الذي اكتفى بذكر اسمه الأول فقط، تعقّب ضابطاً سابقاً آخر من السجن في بلدة شيعية صغيرة. يقول المقاتل السابق، الذي يعمل الآن دهاناً صناعياً وينحدر من حي البياضة في مدينة حمص بوسط البلاد: “كان هو من أعطانا سيرته الذاتية الكاملة: اسمه، ووصفه، ومكان سكنه”.

تغاضى عن الضابط ويمم وجهه نحو تلال حمص الشمالية الغربية، لم يبتغِ سوى تعقّب جلاده. ويروي موضحاً: ” قصدت قريته وصممنا على الإمساك به. لو ظفرت به حينها لما تركته، ولما أوكلت أمره للأجهزة الأمنية. كان ملجؤه الوحيد على يديّ هو المقبرة”.

يشاركه هذا الشعور العميق بالمظلومية العديد من السوريين العاديين المتلهفين لرؤية العدالة تتحقق في الجرائم التي ارتكبت في ظل نظام بشار الأسد، الدكتاتور الذي حكم لما يقرب من ربع قرن حتى الإطاحة به في عام 2024. والتحدي الماثل الآن هو كيفية تحقيق المساءلة دون تمزيق البلاد.

و​إذا كانت تجارب مثل تشيلي وجنوب أفريقيا قد كابدت لإيجاد التوازن الصعب بين الحقيقة والمصالحة والعدالة عقب التحولات السياسية، فإن هذا التحدي يبدو أكثر تعقيداً في سوريا، حيث القضاء مشلول والبلاد تركن تحت ركام دمار جارف.

في محاولة للعبور نحو المستقبل، يعلن الحكام الجدد في دمشق رغبتهم في إغلاق ملف 14 عاماً من الصراع المسلح الذي صُنّف ضمن أكثر الحروب كلفة ودماراً في العالم. 

رجل يجلس على الأنقاض مطلاً على مبانٍ تعرضت لدمار كبير في جوبر
والد طفلة تبلغ من العمر 10 سنوات قُتلت في غارات جوية يحمل جثمانها إلى الجنازة في قرية دير العصافير بالغوطة الشرقية في أواخر عام 2016
مدنيون ومقاتلون من المعارضة يغادرون بالحافلات أثناء إجلاء عربين في الغوطة الشرقية في مارس/ آذار 2018

قد يكون من المستحيل إجراء محاكمات جماعية بنزاهة، كما أن خطر الصراع الطائفي يظل قائماً بعد انتقال السلطة إلى الأغلبية السنية في البلاد من نظام الأسد الذي كانت تسيطر عليه الأقلية العلوية. والدرس المأخوذ من العراق المجاور، الذي غرق في صراع بعد الإنزال الأمريكي عام 2003 الذي أدى إلى إسقاط صدام حسين، واضح للغاية.

في الوقت نفسه، تعلم الحكومة الجديدة، التي يقودها مسلّحون إسلاميون سنة سابقون، أنه إذا لم يشعر الأشخاص الذين عانوا في ظل الأسد بتحقيق العدالة، فقد يأخذون الأمور بأيديهم. ومن شأن الاضطرابات المدنية أن تضعف الدولة الجديدة في وقت تسعى فيه للحصول على الشرعية الدولية، كما تهدد الانتقال الهش للبلاد الخروج من حقبة الأسد.

وطبيعة النظام السابق جعلت العديد من الضحايا يعانون العنف على أيدي أناس من نفس البلدة أو ممن يبدون معارف سابقين.

ومع ذلك، في العامين اللذين مضيا منذ استيلاء القيادة الجديدة على السلطة، لم تُجرَ سوى محاكمات قليلة، واقتصرت الملاحقات القضائية في الغالب على أولئك الذين شغلوا أعلى المناصب داخل نظام الأسد.

وقد أدت حملات التفتيش الدورية لأتباع النظام من المستويات الأدنى إلى احتجاز غير كامل للجناة المفترضين. ولا يزال نحو 5,000 شخص قيد الاحتجاز دون إحراز تقدم يذكر في المحاكمات، مما زاد من تعميق عدم الثقة في المجتمعات العلوية.

تقول زهرة البرزي، نائبة رئيس الهيئة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية: “التحدي يكمن في أن الشخص العادي يشعر بنوع من رد الاعتبار عندما يتم اعتقال هذه الأسماء الكبيرة ومحاكمتها، ولكن الشخص الذي يعيش في الجهة المقابلة لهم وكان مخبراً هو في الواقع ما يخلق المشاكل الأكبر”.

ولأن السلطات لم تكن تلاحق معذّبيه على ما يبدو، سعى عثمان إلى الانتقام بنفسه. ولكن بحلول الوقت الذي وصل فيه إلى فيلا معذّبه المفترض على أطراف المدينة، وجدها فارغة فقد قيل له إن الضابط فر إلى لبنان.

تزاحمت في رأسه الأسماء المستعارة لآخرين أساؤوا معاملته خلال فترتي سجنه السياسي، وقدم له أصدقاء في القوات الأمنية الجديدة معلومات تساعده. كان يقود سيارته عبر الأحياء العلوية في حمص بحثاً عن وجه يتعرّف عليه.

ومع ذلك، لم يقبض على شخص واحد ممن تسببوا في آلامه، ليقول معبراً عن حسرته: “أشعر بالضغط يطبق علي”.

مسكونون بأخطاء العراق

​في أواخر عام 2024، زحفت قوات المعارضة بقيادة أحمد الشرع، المسلح السابق ورئيس المجموعة التابعة سابقاً لتنظيم “القاعدة”، انطلاقاً من الشمال نحو دمشق. وأمام هذا التقدم السريع، تهاوت قوات الأسد بشكل سريع، حيث ألقى الجنود أسلحتهم ولاذوا بالفرار.

وفي غضون أيام، أُغلقت مراكز الاحتجاز التابعة للنظام وتفككت شبكة مخبريه الواسعة. وتدفقت تفاصيل جرائم النظام إلى العلن مع فتح السجون والتحقيق في المقابر الجماعية. فرّ العديد من أزلام النظام، بما في ذلك إلى لبنان، وهرب الأسد وعائلته إلى موسكو، بينما ذاب آخرون في غياهب المجهول داخل سوريا.

تولّى الشرع رئاسة البلاد، وبدأت فصائل معارضة مختلفة، من بينها إسلاميون يحملون آراء متشددة ومناهضة للأقليات، بالاندماج في قوات الدولة الجديدة. وركّز المقاتلون الذين باتوا فجأة في موقع المسؤولية على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في الأمة المحطمة. وأمام أولويات متنافسة وهائلة، كان التقدم في ملف العدالة بطيئاً.

بالنسبة لسكان دير العصافير، وهي قرية في ريف الغوطة الشرقية بالقرب من دمشق، لا تزال هناك أسئلة مؤلمة بلا إجابات. خلال الحرب الأهلية، تعرضت المنطقة لحصار دام خمس سنوات. وعندما حوصرت شريفة حزبر في الغوطة، تعلمت أكل الحشائش والذرة المرة، واللجوء إلى الأماكن المرتفعة كلما شمت رائحة الكلور جراء هجوم كيميائي قريب.

وعندما استسلم المقاتلون في الغوطة عام 2018، غادرت حزبر وعائلتها على متن الحافلات الخضراء إلى مراكز إيواء يديرها النظام هناك حيث يتوفر الطعام الطازج. تتذكر حزبر أن زوجها باسل بكى عندما أدرك أن ابنتهما، التي نشأت تحت الحصار، لا تعرف كيفية تقشير برتقالة.

قبور متراصة بكثافة في مقبرة بجوبر
شريفة حزبر جزء من تحالف لعائلات المفقودين في الغوطة الشرقية
إجمالاً، لا يزال 215 شخصاً من قرية دير العصافير يخضعون للاختفاء القسري، وفقاً لرابطة عائلاتهم

 وبعد وقت قصير من وصولهم، اقتادت قوات الأسد باسل من مركز الإيواء إلى السجن. وتم احتجاز أكثر من 100 شخص من دير العصافير بالطريقة نفسها، وفقاً للمعهد الأوروبي للسلام. وإجمالاً، لا يزال 215 شخصاً من القرية مخفيين قسراً، وفقاً لرابطة من أقاربهم. لم تتلقَ حزبر تأكيداً رسمياً قط، لكنها ترجّح أن باسل توفي في الاحتجاز.

والآن، تشكّل حزبر جزءاً من تحالف لعائلات المفقودين في الغوطة الشرقية إذ يطالبون بالحقيقة، والتعويضات، وبطاقات لأطفالهم تؤكد أن والدهم شهيد وهو أمر يُعدّ مسألة شرف. كما يطالبون بمساءلة المسؤولين، الذين يقولون إنهم يعرفون الكثير منهم شخصياً.

​تصف حزبر واقعها بصراحة: “أنا في مواجهة يومية مع ابني لأكبح جموحه”، مشيرةً إلى أن نيران الغضب تتأجج داخله في كل مرة يلمح فيها أحد المتعاونين السابقين مع النظام ممن انتزعوا أرضهم. وتتابع: “أحاول جاهدة إقناعه بأن هناك دولة ستقتص له وتسترد حقه، وأن علينا انتظار العدالة… لكن السؤال المُرّ: ماذا لو تقاعست الدولة في أداء دورها المنشود؟ حينها لن يتوانى عن أخذ حقه بيده”.

وحتى قبل أن يستولي المقاتلون على دمشق، كان الشرع مدركًا للتهديد الخطيّر جدًا بالاضطرابات المدنية، وفقًا لأربعة أشخاص وصفوا اجتماعات عقدوها معه أثناء التحضير للهجوم وفي أعقابه.

وحرصاً منه على تجنب إشعال صراع طائفي، جادل الشرع بأنه لا ينبغي أن يُحاكم سوى أرفع الشخصيات وأولئك الذين يقفون وراء أسوأ المجازر، بحسب المصادر ذاتها.

لن تتوجه التحقيقات الجنائية إلى الغالبية العظمى ممن عملوا في الأجهزة الأمنية التابعة للنظام أو قاتلوا ضمن الميليشيات الموالية له، كما أن السلطات ستستبقي بعض البيروقراطيين والموظفين العموميين في مناصبهم إذ سيكون على الجميع التطلع إلى الأمام وتجاوز الماضي.

ويُرجع القادة الجدد في سوريا ذلك إلى أن المحاكمات الجماعية قد تُفسَّر على أنها عقاب جماعي للطائفة العلوية. وفي هذا السياق، يُوضح إبراهيم خليل الحسون، رئيس المعهد العالي للقضاء بوزارة العدل، أن “أخطاء التجربة العراقية كانت حاضرة وبقوة في الأذهان”.

​فعقب الغزو الذي شهدته البلاد عام 2003، والذي عبّد الطريق أمام عودة الأغلبية الشيعية لتقلد زمام السلطة في العراق، أفضت وصفةٌ سياسية أعدها الخبراء والسياسيون الأمريكيون إلى بعثرة مفاصل الدولة وتفكيك مؤسساتها إذ أدت تلك القرارات إلى إحلّال المؤسسة العسكرية وتجريد الجيش من وجوده، فضلاً عن الطرد الجماعي للموظفين والإداريين لمجرد انتسابهم السابق إلى حزب البعث.

وانعكس ذلك التوجه بشكل جائر على أفراد الطائفة السنية التي ينتمي إليها الرئيس الأسبق، مما ولّد شعورًا باستهداف جماعي وعمّق الشقاق الطائفي. وعلى مدى السنوات التالية، غرق العراق في أتون صراعات اجتماعية وسياسية، وشهد تصاعدًا للشدة والتشدد السني إلى جانب بروز الفصائل الشيعية المسلحة الموالية لإيران.

وعلى غرار ما أقدمت عليه الولايات المتحدة في العراق، حلَّ الشرع الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد، وسُرِّح العديد من كبار وصغار موظفي الدولة، مما جعل قطاعات واسعة من العلويين يواجهون البطالة.

ورغم الخطاب الودود والحاضن الذي تتبناه الحكومة السورية الجديدة، إلا أن مساعي الانتقام والردع السني تجسدت واقعيًا في ممارسات عنيفة منذ تسلمها السلطة؛ حيث تنوعت بين الإهانات والتشريد وصولًا إلى التصفية والقتل، مما زاد من مخاوف الأقليات وعمّق حالة عدم الثقة.

وخلال العام الأول من حكم الشرع، تفاقمت التوترات مرتين لتتحول إلى مجازر طائفية دامية ففي مارس/ آذار 2025، أدى هجوم شنّه موالون للأسد في المعقل الساحلي للعلويين إلى اندلاع أعمال عنف طائفي أودت بحياة نحو 1,400 شخص، معظمهم من المدنيين. وأفادت تحقيقات لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بأن أجزاءً من تلك المجازر نُفذت على أيدي عناصر تنتمي لمجموعات مسلحة خاضعة لسيطرة حكومة الشرع أو تابعة لها اسميًا.

ولم تلبث الأوضاع أن انفجرت مجددًا بعد أشهر قليلة؛ ففي يوليو/ تموز، أسفرت اشتباكات اندلعت بين ميليشيات درزية ومقاتلين من البدو وقوات حكومية عن سقوط 1,700 قتيل وفق تقديرات الأمم المتحدة، كان معظمهم من أبناء الأقلية الدرزية.

التعفيش

تسود حالة من الشك والريبة الحادة بين الجيران في مدينة حمص، التي تُعد معقل انتفاضة عام 2011 ضد الأسد وشاهدةً على بعض أشد جرائم النظام السابق وحشية.

فعندما عاد طارق بدرخان، وهو ناشط سابق في احتجاجات عام 2011، إلى منزله في حي الخالدية ذي الأغلبية السنية عام 2025 بعد نزوح دام عشر سنوات، وجد أن الأثاث قد أُزيل بالكامل، والأبواب خُلعت، ومفاتيح الكهرباء جُرّدت من الحوائط.

وكان منزله، شأنه شأن بقية منازل الحي، قد تعرض لـ “التعفيش”، وهو نهب ممنهج لممتلكات أحياء المعارضة في حمص مارسه مؤيدو الأسد خلال الحرب الأهلية. كانت الطلاءات تتساقط عن الجدران، وعلى أحدها كتب أحد المقتحمين بالحبر الأسود: “لن نرحم ولا نطلب الرحمة من أحد. [اسمه]، حمص، الزهراء، قوات أبو جعفر الخاصة”.

ذهب بدرخان للبحث عنه في حي الزهراء المنيع والمجاور ذي الأغلبية العلوية، أملًا في تقديم شكوى قانونية ضدّه، ويقول: “سألت الوجيه المحلي هناك، لكنه تظاهر بعدم معرفته”.

وفي حمص، وبدلاً من أن تحل المصالحة والوئام، سادت روح الانتقام حيث اضطر العديد من أبناء الطائفتين العلوية والشيعية إلى بيع منازلهم بأثمان بخسة بدافع الخوف، أو تعرضت عقاراتهم وممتلكاتهم للمصادرة.

كانت الحرب منقسمة بشكل حاد ومأساوي في حمص؛ إذ تشكل الطرق الرئيسية خطوط مواجهة تفصل بين حي وآخر
جدارية متضررة للدكتاتور السابق بشار الأسد على أحد المباني في حمص
فايز الجمال وابنه يتفقدان ما تبقى من منزلهما المدمّر في حمص  

شهدت المنطقة أيضًا حوادث إطلاق نار حيث يجوب مسلحون يستقلون دراجات نارية الأحياء العلوية. وتبدو هذه الهجمات في بعض الحالات أعمال انتقام مستهدفة، بينما تظهر في حالات أخرى كشكل من أشكال العقاب الطائفي الجماعي، وفقًا لسكان محليين وتقرير صادر عن “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، وهو منظمة حقوقية غير حكومية.

ويؤكد المسؤولون أنهم يحاسبون مرتكبي حوادث الأمن الذاتي والاقتصاص الطائفي، إلا أن المحللين ي يرون أنه يتعين عليهم بذل المزيد من الجهد لكسر الشعور بالإفلات من العقاب.

ورغم غياب الملاحقات القضائية حتى الآن، يصر المسؤولون السوريون علنًا على أن جميع المتهمين بشكل موثوق بارتكاب “انتهاكات جسيمة” خلال فترة نظام الأسد يقعون ضمن نطاق المحاكمات الجنائية. وكان بعض المشتبه بهم البالغ عددهم 5,000 شخص والمحتجزين لدى السلطات قد أُوقفوا خلال حملات تمشيط في الأسابيع التي تلت سقوط النظام، وذلك بناءً على رتبهم العسكرية أو الأمنية.

غير أن عدد المشتبه بهم يفوق بكثير قدرة الجهاز القضائي على الاستيعاب والتعامل. وإذا جرت ملاحقة جميع مرتكبي “الانتهاكات الجسيمة”، فإن ذلك سيعني إجراء محاكمات جماعية تعتبرها الدولة خيارًا ينطوي على مخاطر عالية. كما أن الأدلة القاطعة على الجرائم غالبًا ما تكون مفقودة، مما يعقد إجراءات المحاكمة.

وتقول البرزي، من لجنة العدالة الانتقالية، إن هناك حاجة إلى “بدائل للمساءلة الجنائية” لمعالجة الكم الهائل من الانتهاكات. وقد تشمل هذه البدائل الاعتراف، أو الانتقال إلى مدينة أخرى، أو طلب العفو والمغفرة. لكنها تضيف أن هذه الأساليب يجب أن تُحدد وتُقر على المستوى المحلي.

جنود الأسد

في هذا الصيف، نظم مقاتلون سابقون من المعارضة موالون للإدارة مظاهرات تطالب بزيادة مستويات المساءلة والمحاسبة.

وإزاء ذلك الشعور بالقلق، سارعت السلطات إلى عقد حزمة أولى من المحاكمات لشخصيات بارزة في النظام؛ حيث حُكم على بشار الأسد وشقيقه ماهر بالإعدام غيابياً، بينما حُكم بالإعدام أيضاً على عاطف نجيب، وهو رئيس جهاز أمني أسهم قمعه للمظاهرين في درعا في إشعال شرارة الثورة الموسعة، وهو يقبع حاليًا في الاحتجاز. كما أُدينت حفنة من رموز النظام البارزين منذ ذلك الحين، وهو ما لاقى ترحيباً واحتفالاً من العديد من السوريين.

وانتقدت بعض المنظمات الحقوقية الطبيعة المتسرعة والمسرحية للمحاكمات، مشيرةً إلى أنه كان ينبغي الانتظار حتى يُقر البرلمان السوري قانون العدالة الانتقالية.

لكن الحسون، من وزارة العدل، يقول إن الحكومة أدركت عدم قدرتها على تحمل تكلفة الانتظار لحين صدور التشريع الذي لا يزال قيد البحث في البرلمان. ومن جانبه، أوضح نور الدين بابا، المتحدث باسم وزارة الداخلية، أن “تهديد” الغضب الشعبي وانعدام الثقة في الأجهزة الأمنية والقضائية قد تراجع منذ صدور تلك الأحكام.

أما بالنسبة للعديد من الأشخاص الذين عملوا لصالح النظام في المراتب الأدنى، فقد خيّم عليهم شلل قانوني وركود تام.

عاطف نجيب، رئيس الجهاز الأمني الذي أسهم قمعه للمتظاهرين في درعا في إشعال شرارة الثورة الموسعة، يُقتاد إلى المحكمة في أبريل / نيسان
حُكم على نجيب بالإعدام لارتكابه جرائم ضد الإنسانية من قبل محكمة في دمشق
عناصر من قوى الأمن التابعة للحكومة الانتقالية يتحققون من أوراق إثبات الشخصية لرجل في حمص

في ظل حكم الأسد، كان العديد من سكان قرية “نوَى” العلوية الهادئة شرق حمص يعملون في الأجهزة الأمنية التابعة للنظام أو كموظفين حكوميين. ومنذ سقوطه، فرّ العديد منهم أو حاولوا الهجرة. بينما اصطف آخرون عند مدرسة القرية في يناير/ كانون الثاني 2025 لتسليم أسلحتهم وتسوية أوضاعهم ضمن عملية التسوية التي أطلقتها السلطات الجديدة.

في ذلك اليوم، أُفردت مجموعة من الرجال بناءً على رتبهم العسكرية واقتيدوا إلى السجن، حيث لا يزالون هناك منذ ذلك الحين. وقد حدثت حملات تمشيط مماثلة في الأحياء العلوية بمدينة حمص.

وتعاني وزارة العدل السورية من نقص الإمكانيات والجاهزية لمعالجة هذا الكم الهائل من القضايا؛ إذ أقال القادة الجدد نحو 300 قاضٍ، لكنهم أبقوا على بعض القضاة من عهد النظام للاستمرار في تسيير عمل المؤسسة. ويقول الحسون، الذي يشرف على العملية، إن توظيف البدلاء وتدريبهم قد يستغرق سنوات.

كانت “أم عزيز” تدير دكانًا للبقالة في غرفة بلا نوافذ على الطريق الرئيسي بقرية نوَى. لكن بعد أن نفدت أموالها ولم تعد قادرة على التزود بالبضائع، أصبحت تقتصر على توزيع الخبز فقط. وتقول أم عزيز إن ابنها، الذي كان يعمل في المخابرات الجوية، وصهرها، الذي كان برتبة مقدم، لم يعودا إلى المنزل مطلقًا بعد أن ذهبا لتسوية أوضاعهما وبدلاً من ذلك، اقتيدَا إلى السجن وما زالا قيد الاحتجاز.

وتضيف أن هذين الرجلين، كحال العديدين في نوَى وحمص، تطوعا للانضمام إلى القوات الأمنية التابعة للأسد بدافع الحاجة الاقتصادية. وغالبًا ما تعترف أسر الجنود السابقين، حتى أولئك الذين خدموا لأكثر من عقد ووصلوا إلى رتب متوسطة، بوقوع العنف من جانب النظام، لكنها تعجز عن الإقرار بمشاركة أقاربها فيه، وتدعي أنهم كانوا مجرد مراسلين أو سائقين أو طباخين.

ويقول “بابا”، المتحدث باسم وزارة الداخلية، إنه بعد سقوط النظام كانت عملية تسريح الجنود تُشكل الأولوية القصوى للقوات الأمنية الجديدة. وأضاف بابا: “كان الخيار الأساسي هو الدفع نحو التسوية وتسليم السلاح، بدلاً من الاعتقال”.

لكنه أردف أن هذه العملية، التي أوضح أنها شملت نحو 250,000 شخص، كانت مفيدة أيضًا في جمع المعلومات حول المشتبه بهم من عناصر النظام.

أما “أبو علي”، وهو ضابط سابق في الأمن الداخلي فضل عدم الكشف عن اسمه الحقيقي، فقد أُوقِف عندما داهمت قوات الشرع منزله في حي الزهراء بحمص في يناير/ كانون الثاني 2025، بعد أيام قليلة من بدئه إجراءات التسوية. ووصف العملية، كغيره من المعتقلين، بأنها كانت “فخًا”.

وكحال العديد من المعتقلين الآخرين الذين تحدثت عائلاتهم لصحيفة “فاينانشال تايمز”، أحتجز أبو علي في سجن حمص المركزي ثم نُقل إلى سجن في حسياء، حيث يُحتجز جزء كبير من معتقلي النظام، وفقًا لموظف في وزارة العدل على دراية بملفات القضايا.

ويذكر أبو علي أنه خضع للتحقيق أربع مرات على الأقل. وبعد أكثر من عام ونصف، أُفرج عنه في أواخر الصيف دون أن يواجه أي محاكمة. ولأنه لا يملك أي وثائق تثبت أنه خضع للتحقيق بالفعل، يخشى أبو علي من التعرض للاعتقال مجددًا، ويؤكد أنه بات لا يغادر الحي إلا نادراً.

أدلة غير كافية

وفي الوقت الذي كان فيه الناس يحتفلون بالأحكام الصادرة بحق الأسد ونجيب هذا الصيف، كان عامر زيدان، وهو ساكن سابق في حي جوبر بضواحي دمشق، ينظم مظاهرة احتجاجية.

وفي كل أسبوع تقريبًا، يسير زيدان مع سكان آخرين من جوبر عبر شوارعها المغبرة. وبين أطلال منازلهم المتهدمة، يمكن رؤية السماء بوضوح من الطابق الأرضي بسبب انتزاع الأسقف واستخراج المعادن من داخلها.

وبعد محاكمة الأسد في أغسطس/ آب، كان الهدف التالي لـ”زيدان” هو المنزل الفاره لمحمد حمشو، رجل الأعمال المقرب من النظام والمُتهم بتدمير حي جوبر لاستخراج الحديد منه. وخلال هذا العام، أتمّ حمشو صفقة تسوية مع الحكومة الجديدة.

في العديد من المنازل في حي جوبر، يمكن رؤية السماء بوضوح من الطابق الأرضي بسبب انتزاع الأسقف واستخراج الحديد والمعادن من داخلها
في كل أسبوع تقريبًا، يسير عامر زيدان برفقة سكان آخرين من جوبر عبر شوارعها المغبرة
واُّهِم رجل الأعمال محمد حمشو بتدمير حي جوبر لاستخراج الحديد والصلب منه

“يا للعار.. يا للعار! هو من نهب البلاد”، هكذا كان المحتجون يصفقون ويرددون أهازيج موزونة باللغة العربية.

وفي يناير/ كانون الثاني، أفادت الهيئة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع بأن التسوية الرسمية المبرمة مع حمشو تأتي في إطار برنامج اتفاقيات يتيح لرجال الأعمال تسوية أوضاعهم القانونية وتقديم معلومات دقيقة عن أصولهم وممتلكاتهم.

ويرى المدافعون عن هذه الصفاقات أنها الطريق الوحيد للوصول إلى معلومات متعلقة بأموال المقربين من النظام، مؤكدين أنها لا تمنع الملاحقة الجنائية المستقبليّة.

غير أنه بالنسبة للعديد من المواطنين، فإن الاتفاقيات المبرمة مع من يُعتقد أنهم متآمرون ومقربون من النظام مثل حمشو قد قوضت وعود الحكومة بتحقيق العدالة.

ويقول زيدان: “لقد أدنتم عاطف نجيب وحكمتم عليه بالإعدام. عمل رائع، ولكن ماذا نطالب به الآن؟”، مضيفاً أنه يجب أن يواجه أشخاص مثل حمشو العدالة أيضاً، “فهو لا يزال هناك، وكل أموره تسير على ما يرام”.

ثم يتصفح حسابه على تطبيق “إنستغرام”، محدقاً في صور رجل يقول إنه كان مخبراً لصالح النظام في حي جوبر، مستعرضاً منشورات سابقة للرجل وهو يدعم الأسد قبل سقوطه، وأخرى أحدث يظهر فيها مصوراً نفسه مع مسؤولين في الحكومة الجديدة.

ويوضح زيدان أنه أبلغ السلطات عن ذلك الرجل، مما أدى إلى اعتقاله مرتين، لكن في كلتا المناسبتين كان يُطلق سراح المشتبه به دون توجيه أي تهم إليه. ويشير زيدان إلى أن السبب في ذلك، حسب ما قيل له، هو “عدم كفاية الأدلة”.

المصدر: فاينانشال تايمز

علاماتأثر الحرب على المجتمع السوري ، الإبادة الطائفية ، الشأن السوري ، العدالة الانتقالية في سوريا ، جرائم الأسد
مواضيعالشأن السوري ، العدالة في سوريا ، ترجمات ، جرائم الأسد

قد يعجبك ايضا

سياسة

القضية الكردية أكبر من “قسد”.. حوار مع عبد الباسط سيدا

علي مكسور٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

محمد أحمد الراشد.. المفكر العراقي الذي مزج الأدب بفقه الدعوة

فريق التحرير٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

سوريا على المحك: كيف يعرّض “العلاج بالصدمة” استقرار ما بعد الأسد للخطر؟

سام هيلر٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑