• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

التصعيد الحوثي ضد السعودية.. قراءة في حسابات طهران ورسائل باب المندب

عماد عنان٢١ يوليو ٢٠٢٦

Also available in English

دخل التصعيد بين جماعة الحوثي والسعودية مرحلة حرجة، عقب إعلان جماعة أنصار الله (الحوثيين)  فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية، ردًا على الحظر الذي فرضته الرياض على المطارات اليمنية، وسط تحذيرات من الانزلاق إلى جولة جديدة من المواجهة قد تنذر بتصعيد إقليمي أوسع، في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات متسارعة على خلفية المواجهة الأمريكية الإيرانية.

وبدأ التصعيد الأخير بصورة لافتة في 13 يوليو/تموز الجاري، حين استهدف الحوثيون أهدافًا جنوب السعودية، ردًا على قصف مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، وأعقب ذلك تهديد الجماعة باستهداف المنشآت النفطية والمطارات السعودية، قبل أن يتطور الموقف إلى إعلان فرض حظر بحري على الملاحة السعودية، ليرد التحالف العربي بقيادة الرياض باتخاذ تدابير لحماية السفن، والتأكيد على التعامل «بحزم» مع أي تهديد يستهدفها.

لا يمكن قراءة التصعيد الحوثي-السعودي الراهن باعتباره مجرد جولة عابرة من التوتر على الحدود اليمنية، إذ إن أبعاده تتجاوز الإطار الجغرافي لليمن، وترتبط بالسياق الإقليمي الأوسع، خاصة مع دخول المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من التصعيد، الأمر الذي يثير جملة من التساؤلات حول دلالات فتح الجبهة اليمنية في هذا التوقيت الحساس، وما إذا كانت جماعة الحوثي، ومن خلفها إيران، تسعى إلى توسيع ساحات الضغط الإقليمي، وإعادة خلط أوراق الصراع في المنطقة، أم أن الأمر يقتصر على ردود فعل مرتبطة بالتطورات الميدانية داخل اليمن.

سياق مهم.. دلالة التوقيت

يأتي هذا التصعيد في وقت تدخل فيه المواجهة الإيرانية الأمريكية منعطفًا بالغ الحساسية، بعد فترة من الهدوء النسبي كان للمسار التفاوضي والدبلوماسي خلالها حضور بارز، قبل أن تتعثر الجهود الدبلوماسية بفعل تباين وجهات النظر بشأن عدد من الملفات، من بينها مضيق هرمز، وهو ما أوصل المفاوضات إلى طريق شبه مسدود.

وفي هذا السياق، لم تكتفِ الولايات المتحدة بعملياتها العسكرية التقليدية التي استهدفت المواقع والمنشآت العسكرية، بل وسّعت نطاق عملياتها ليشمل البنية التحتية، ومرافق الطاقة والكهرباء، والخدمات العامة، والجسور في مدن الجنوب الإيراني وعلى امتداد الشريط الساحلي، الأمر الذي خلّف تداعيات إنسانية قاسية طالت عشرات الآلاف من السكان المقيمين في تلك المناطق.

وفي خضم معركة “عض الأصابع” التي يخوضها الطرفان، بدأت طهران بدورها التفكير في خيارات تتجاوز أنماط الرد التقليدية. فتكثيف استهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج لم يعد، على ما يبدو، كافيًا لتحقيق الردع، كما أن توسيع دائرة التهديد للأمن الخليجي عبر استهداف البنية التحتية أو نقل التصعيد إلى مناطق تتجاوز الخليج، مثل الأردن وخليج العقبة، لا يبدو الخيار الأكثر فاعلية في هذه المرحلة.

ومن هنا برز التفكير في خيارات أكثر تأثيرًا، من شأنها إرباك حركة التجارة العالمية وتهديد الاقتصاد الدولي، وهو الرهان الذي يبدو أن طهران تعوّل عليه في هذه المرحلة. وفي هذا الإطار، عاد التلويح بورقة مضيق باب المندب بوصفه أحد أهم أوراق الضغط اللوجستية التي قد تلجأ إليها إيران، عبر حلفائها، في محاولة لفرض معادلة ردع متبادل مع الولايات المتحدة.

إشعال الجبهة اليمنية.. ماذا تريد طهران؟

لا يبدو أن توسيع دائرة المواجهة مع أمريكا من الخليج إلى الساحة السعودية جاء بصورة عشوائية، بل يعكس تحركًا محسوبًا تقوده طهران لتحقيق جملة من الأهداف، على رأسها توجيه رسالة إلى واشنطن وحلفائها في المنطقة مفادها أن المواجهة لن تظل محصورة داخل الأراضي الإيرانية، وإنما يمكن توسيعها لتشمل ساحات إقليمية أخرى أكثر حساسية وتأثيرًا.

ورغم أن الرياض كانت من أكثر العواصم حرصًا على إبقاء قنوات التواصل والدبلوماسية مفتوحة مع طهران خلال السنوات الأخيرة، فإن القيادة الإيرانية لا تزال تنظر بعين القلق إلى احتمال تقديم المملكة دعمًا لوجستيًا أو تسهيلات للولايات المتحدة في عملياتها العسكرية، ومن هذا المنطلق، يُقرأ التصعيد الحوثي باعتباره رسالة تحذير مبكرة إلى السعودية، مفادها أن أي انخراط إلى جانب واشنطن سيجعل المطارات والمنشآت النفطية ومرافق الطاقة والأهداف اللوجستية السعودية ضمن دائرة الاستهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية.

وفي الوقت نفسه، تسعى طهران، وفق منطق المثل الشعبي “اضرب المربوط يخاف السايب”، إلى توجيه رسائل ردع إلى بقية دول الخليج، مفادها أن أي تعاون مع أمريكا في عملياتها العسكرية ضد إيران لن يمر دون كلفة، فيما جاء اختيار السعودية لتكون ساحة هذه الرسائل باعتبارها الدولة الخليجية الأكبر والأكثر تأثيرًا سياسيًا واقتصاديًا، من أجل أن يمتد تأثير تلك الرسالة إلى بقية العواصم الخليجية، بما يدفعها إلى إعادة حساباتها بشأن أي انخراط محتمل في المواجهة إلى جانب واشنطن.

باب المندب.. الورقة الاستراتيجية المنتظرة

كشفت المواجهة الحالية عن براعة إيران في توظيف الجغرافيا السياسية بوصفها أداة للردع وورقة ضغط في الأزمات الكبرى، وكانت البداية باستخدام ورقة مضيق هرمز، حين أغلق الحرس الثوري المضيق أمام حركة الملاحة في 4 مارس/آذار الماضي، وهو ما أحدث اضطرابًا واسعًا في إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد العالمية، وأربك حسابات الأسواق والدول المعنية.

وقبل ذلك، كانت طهران قد لوّحت، بصورة غير مباشرة، بإمكانية اللجوء إلى أوراق ضغط أخرى لا تقل حساسية، مثل إدخال ساحات إسناد أخرى لدعمها في لبنان والعراق، فضلا عن اليمن،  واستدعاء بعض الملفات مثل مضيق باب المندب، لكنها فضّلت الاحتفاظ بهذه الورقة، على ما يبدو، وفقًا لتطورات الحرب وحسابات التصعيد المرحلية.

واليوم، ومع وصول المواجهة مع الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة، بعد انتقالها إلى استهداف البنية التحتية الإيرانية، يبدو أن طهران تدرس بجدية تفعيل هذه الورقة، وكانت وكالة رويترز قد نقلت عن مصدرين إيرانيين رفيعي المستوى ومصدر إقليمي مطلع، أن إيران طلبت بالفعل من جماعة الحوثي الاستعداد لإغلاق باب المندب إذا استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية داخل إيران.

ويحتل باب المندب موقعًا بالغ الأهمية في معادلة الاقتصاد العالمي، إذ يشكل، إلى جانب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتدفقات الطاقة والتجارة الدولية، وقد تأثرت حركة الملاحة عبره بالفعل خلال العام الماضي نتيجة هجمات الحوثيين في البحر الأحمر منذ اندلاع حرب غزة، حيث تراجعت كميات النفط العابرة للمضيق من نحو 8.7 ملايين برميل يوميًا عام 2023 إلى نحو 4.2 ملايين برميل يوميًا في عام 2025، أي بانخفاض يقارب النصف.

ويُعد باب المندب المدخل الجنوبي الرئيس للبحر الأحمر، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه من شأنه أن ينعكس مباشرة على السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية، ويرفع في الوقت نفسه تكاليف التأمين والشحن، بما يشكل ورقة ضغط مؤثرة على الرياض، قد تدفعها إلى ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة أو إعادة تقييم موقفها من الحرب، وفق الرهان الإيراني.

وفي هذا السياق، تبدو طهران وكأنها تتبنى استراتيجية “اللعب بكل الأوراق والمعروفة بـ “سياسة الكل في الكل”، عبر التلويح باستخدام ورقتي هرمز وباب المندب في آن واحد، وإذا انتقل هذا التهديد من مستوى الرسائل السياسية إلى التنفيذ الفعلي، فإنه قد يوجه ضربة قاسية للاقتصاد العالمي، ويصيب حركة التجارة الدولية بشلل واسع، في خطوة تبدو أقرب إلى مقامرة استراتيجية منها إلى مجرد ورقة ضغط سياسية.

ماذا عن الحوثيين؟

رغم الارتباط الاستراتيجي الواضح، والذي يصل حد التبعية،  بين جماعة الحوثي وإيران، فإن الجماعة تسعى من خلال هذا التصعيد إلى تحقيق مكاسب تتجاوز خدمة الأجندة الإيرانية، إذ تعمل على تثبيت معادلات نفوذ جديدة تعزز حضورها في المشهد اليمني، وترسخ سلطتها على الأرض، كما أن فرض حصار بحري على السعودية قد يسهم في تعزيز شرعيتها لدى أنصارها، ويكرسها لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه في أي مفاوضات أو ترتيبات تتعلق بمرحلة ما بعد التصعيد.

وتكشف العبارة التي أطلقها زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، حين قال: “المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار”، أن الهدف لا يقتصر على إدارة هذه الجولة من التصعيد أو الاستجابة للحسابات الإيرانية فحسب، وإنما يتجاوز ذلك إلى فرض معادلة تفاوضية جديدة، تجعل السعودية أمام خيار تقديم تنازلات مقابل وقف التهديدات، بما يرفع سقف التفاوض في الملف اليمني ويمنح الجماعة أوراق ضغط إضافية.

ورغم تأكيد الحوثيين باستمرار -عبر شعاراتهم الشعبوية المعهودة-  أن قرارهم مستقل وأنه ينطلق من مقاربة وطنية خالصة، فإن تزامن التصعيد في باب المندب مع ما كشفته وكالة رويترز قبل أيام، نقلًا عن مصادر إيرانية، بشأن طلب طهران من الجماعة الاستعداد لإغلاق المضيق في حال تعرض البنية التحتية الإيرانية لهجمات أمريكية، يثير تساؤلات حول حدود استقلالية هذا القرار، ويعزز ذلك الانطباع بأن ما يجري في الساحة اليمنية بات متداخلًا بصورة وثيقة مع الحسابات الإقليمية، بحيث أصبح الفصل بين البعدين اليمني والإيراني أكثر تعقيدًا وصعوبة.

الحرب الشاملة ام تبادل الرسائل؟

وبمنطق براغماتي بحت، لا يبدو أن أيًا من الرياض أو طهران أو جماعة الحوثي يرغب في استمرار هذا التصعيد، في ظل الظرف الإقليمي شديد الحساسية والكلفة الباهظة التي ستتحملها جميع الأطراف دون استثناء، غير أن الضغوط المتزايدة التي تواجهها إيران، ومن خلفها الحوثيون، قد تدفعهما إلى إشعال هذه الجبهة بصورة مؤقتة، بهدف تحقيق مكاسب سريعة وإيصال رسائل سياسية وأمنية محددة.

ورغم حدة السجال السياسي والإعلامي بين التحالف العربي بقيادة السعودية وجماعة الحوثي، فإن هذه الجولة من التصعيد تبدو، على الأرجح، محكومة بسقف منخفض نسبيًا، بحيث تقتصر على تبادل الرسائل وإبراز أوراق الضغط، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا تبدو أي من الأطراف مستعدة لتحمل كلفتها في الوقت الراهن.

لكن ذلك لا يعني أن سيناريو التصعيد الواسع مستبعد تمامًا، إذ قد تنزلق الأوضاع سريعًا إلى حرب مفتوحة إذا تجاوز الحوثيون، ومن خلفهم إيران، الخطوط الحمراء، عبر استهداف مباشر للسفن السعودية أو ناقلات النفط، أو تنفيذ هجمات واسعة على منشآت ومرافق لوجستية داخل المملكة، وعندها قد تجد الرياض نفسها أمام خيارات أكثر حسمًا، بما ينذر بانزلاق المشهد إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا.

في المحصلة، يبدو أن طهران أوصلت رسائلها، كما نجح الحوثيون في إيصال رسائلهم هم أيضًا، الأمر الذي يجعل من المرجح أن يستعيد المسار الدبلوماسي حضوره خلال المرحلة المقبلة، عبر وساطات وتحركات إقليمية تستهدف احتواء التوتر، ودفع الأطراف إلى التراجع خطوة إلى الوراء، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة لا يرغب فيها أحد، ولن يخرج منها أي طرف منتصرًا.

مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحوثيون ، الشأن السعودي ، الشأن اليمني

قد يعجبك ايضا

سياسة

جزيرة تحت النار.. لماذا أصبحت “زُقَر” نقطة اشتباك استراتيجية بالبحر الأحمر؟

نون إنسايت٢١ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

100 مليون دولار لتجميل صورة إسرائيل.. والنتيجة مزيد من العزلة

أومير بنجاكوب٢١ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

“دمشق يحكمها إرهابيون”.. شبكة حسابات تضخّم خطاب الفوضى والطائفية في سوريا

فريق التحرير٢١ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑