• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف مكّن بايدن إسرائيل من شنّ عدوانها على غزة وإيران؟

 ديفيد ماكابي٢١ يوليو ٢٠٢٦

قال لي جيك سوليفان، المستشار السابق للأمن القومي في إدارة بايدن: "سأقولها بصراحة؛ كان ينبغي علينا أن نمارس مزيدًا من الضغط على إسرائيل لاتخاذ نهج مختلف".

ترجمة وتحرير نون بوست

في 5 مارس/ آذار 2024، وبعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب في غزة، أرسلت ميريانا سبولياريتش، رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، رسالة سرية إلى الرئيس جو بايدن؛ فبموجب اتفاقيات جنيف، يتحمل الصليب الأحمر مسؤولية فريدة في تقديم المشورة للدول بشأن تجنب ارتكاب جرائم حرب. في الرسالة؛ التي حصلتُ عليها من مسؤول أمريكي سابق، ذكّرت سبولياريتش بايدن بأن المنظمة قد أدانت هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول “المروع” الذي قامت به حماس بحق الإسرائيليين، وظلت “مصرة” على مطالبة الحركة بإطلاق سراح الرهائن الذين احتجزتهم. لكنها كانت تناشد بايدن الآن “بقلق عميق”، لأن إسرائيل، التي كانت تقصف غزة بالذخائر الثقيلة منذ أكتوبر/ تشرين الأول، تتجاهل الصليب الأحمر كما لم تفعل من قبل. وكتبت تقول: “إن الطريقة التي تُدار بها الأعمال العدائية من قبل إسرائيل تتعارض” مع قوانين النزاعات المسلحة، “لا سيما الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين أو البنية التحتية المدنية، وضمان المعاملة الكريمة للمعتقلين والقتلى، وحماية المنشآت والكوادر الطبية، وتوفير وتمكين وصول المساعدات الإنسانية”.

ويُعد السماح للصليب الأحمر بزيارة المعتقلين أثناء الحرب أو الاحتلال أحد أبرز المبادئ التي أرستها اتفاقيات جنيف، لكن بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، قامت إسرائيل، ربما للمرة الأولى في تاريخها، بمنع المنظمة تمامًا من الوصول إلى المعتقلين الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، مما وضعها في مصاف الدول المنبوذة مثل كوريا الشمالية وإريتريا؛ فحتى الفصائل المتحاربة في اليمن سمحت بزيارات الصليب الأحمر. 

وأشارت سبولياريتش إلى أن المنظمات الإنسانية والصحفيين أبلغوا عن “زيادة هائلة” في عدد الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. وقد أُطلق سراح ما لا يقل عن ألف شخص وأُعيدوا إلى غزة، وأدلى العديد منهم بشهادات عن تعرضهم للتعذيب، على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي قد خلص إلى أنهم ليسوا مقاتلين من حركة حماس. 

وأفادت صحيفة “التايمز” أن أحد المعتقلين المفرج عنهم، وهو طالب قانون يُدعى فادي بكر، وصف كيف تعرض للضرب المبرح لدرجة أن أعضائه التناسلية تحولت إلى اللون الأزرق، وظل الدم يظهر في بوله لأسابيع بعد ذلك. وقال إن الحراس الإسرائيليين شغّلوا الموسيقى بصوت عالٍ لدرجة أن إحدى أذنيه نزفت. (قال متحدث عسكري إسرائيلي لصحيفة “التايمز” إن السجانين التزموا بـ”القانون الإسرائيلي والدولي” وشغّلوا الموسيقى بـ”صوت منخفض”، لمنع المعتقلين من التنسيق فيما بينهم). لكن الصليب الأحمر لم يتمكن من الرد على هذه الادعاءات؛ فقد قالت سبولياريتش إن إسرائيل علقت كل “حوار قانوني-عملياتي”.

وفي محاولة للتأثير على حماس لإطلاق سراح الرهائن؛ فقد كانت سبولياريتش ناشدت قطر وداعمين آخرين للحركة في وقت سابق؛ وهي الآن تستعطف بايدن لـ”إحداث تغيير فوري” في سلوك إسرائيل. وأرفقت سبولياريتش بالرسالة ملحقًا يستشهد بالقوانين الأمريكية وسياسات الإدارة التي تحظر نقل أسلحة يُحتمل استخدامها في جرائم حرب، وحثّت بايدن على حجب الأسلحة “التي لا ينبغي استخدامها في مناطق مكتظة بالسكان، نظرًا لتداعياتها الإنسانية المدمرة.” وحذرت بايدن من أن الفشل في “التمسك بالحد الأدنى من معايير الإنسانية” سيكون “هزيمة أخلاقية” وأن “الأجيال القادمة لن تغفر لنا تقاعسنا عن منعها.”

وبعد عامين من رسالة سبولياريتش، أمر الرئيس دونالد ترامب الجيش الأمريكي بالانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران. وقال لي بعض المسؤولين السابقين في إدارة بايدن إن الحرب في إيران كانت، من بعض النواحي، امتدادًا للصراع في غزة.

وكانت إيران محورًا أساسيًا في تفكير بايدن حول الشرق الأوسط بحسب عدد من كبار مستشاريه؛ فقد كان يخشى أن أي ضغط علني تمارسه الولايات المتحدة على إسرائيل – أو أي “فجوة” بين الحليفين – قد يشجع إيران أو حليفها اللبناني حزب الله على شن هجمات، وحينها ستُجبر الولايات المتحدة على الدفاع عن إسرائيل في مواجهة إقليمية واسعة. وقد تبنى هذا الموقف بريت مكغورك، منسق بايدن لشؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض وربما مستشاره الأكثر نفوذًا، معتبرًا أن الدعم الراسخ لإسرائيل سيساعد في احتواء إيران، التي قتلت ميليشياتها ثلاثة جنود أمريكيين في المنطقة خلال الأشهر الأولى من حرب غزة.

في الوقت نفسه؛ فإن الدعم العلني القوي من إدارة بايدن لإسرائيل خلال حرب غزة خلق ما وصفه فيليب غوردون، مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس كامالا هاريس، بأنه “مخاطرة أخلاقية”؛ إذ شجع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على محاولة توسيع المعركة إلى نطاق إقليمي. ورغم أن بايدن ومستشاريه أبلغوا نتنياهو مرارًا بشكل سري بعدم استفزاز إيران، إلا أن الإسرائيليين فاجأوا الأمريكيين مرارًا بفعل ذلك: ضربة في يناير/ كانون الثاني 2024 على دمشق قتلت خمسة من كبار المستشارين العسكريين الإيرانيين؛ وضربة في أبريل/ نيسان 2024 على بعثة دبلوماسية إيرانية في سوريا قتلت أكثر من اثني عشر شخصًا؛ وضربة في يوليو/ تموز 2024 في طهران اغتالت قياديًا سياسيًا بارزًا في حماس؛ وعملية في سبتمبر/ أيلول 2024 في لبنان فجّرت متفجرات مزروعة في آلاف أجهزة اللاسلكي والبيجر التي كان يحملها مقاتلو حزب الله؛ وغارة جوية لاحقة قتلت زعيم حزب الله حسن نصر الله. 

لم تُعطِ إسرائيل للمسؤولين الأمريكيين أي تحذير ذي مغزى قبل هذه الهجمات، وفي ما وصفه مسؤول سابق في البيت الأبيض بأنه “إهانة” لبايدن، أمر نتنياهو باغتيال نصر الله بعد يومين فقط من دعوة الولايات المتحدة وفرنسا وعدة حلفاء آخرين إسرائيل وحزب الله إلى الالتزام بوقف إطلاق نار لمدة ثلاثة أسابيع. ومع ذلك، لم ينتقد البيت الأبيض إسرائيل علنًا لتصرفها بشكل أحادي، وفي كل مرة تشعل هذه الأفعال مواجهة، كانت الولايات المتحدة تشعر بأنها مضطرة للدفاع عن إسرائيل. وفي أبريل/ نيسان وأكتوبر/ تشرين الأول 2024، ساعدت الولايات المتحدة في صدّ هجمات مضادة إيرانية بفعالية كبيرة لدرجة أن إسرائيل لم تتعرض لأذى يُذكر. وبعد الجولة الثانية، أرسل بايدن نحو مئة جندي أميركي ونظام دفاع صاروخي إلى إسرائيل.

وأعرب بعض مستشاري بايدن في السر عن أسفهم لأن الحماية الأمريكية كانت تشجع سياسة نتنياهو القائمة على المجازفة دون قصد، فقد قال لي غوردون: “كنا ننصحهم بحزم شديد – وقد فعل بايدن ذلك مع بيبي مرارًا –  قائلين: “اللعنة، اغتنموا الفرصة لتحقيق النصر ولا تجرونا إلى حرب أخرى، لكن الإسرائيليين كانوا يعلمون أننا سنقوم بالدفاع عنهم”. وبحسب ما ورد، شبّه لويد أوستن، وزير الدفاع في إدارة بايدن، نتنياهو بمقامر “يلعب بأموال الكازينو”.

وفي إطار هذه الاشتباكات، شنت إسرائيل مرتين غارات جوية كبيرة على إيران، ودمرت في الغارة الثانية الدفاعات الجوية الإيرانية. وأخبرني عدد من مسؤولي إدارة بايدن أن نتنياهو حاول الذهاب إلى أبعد من ذلك؛ فقد سعى للحصول على دعم أمريكي لشن هجمات إضافية على البنية التحتية الإيرانية، ولم يتراجع إلا على مضض. لكن نتنياهو كان يطلب من الولايات المتحدة مساعدته في مهاجمة إيران منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وكان فريق بايدن على يقين من أنه سيحاول مرة أخرى. وأخبرني مسؤول سابق رفيع المستوى في البنتاغون أنه بعد فوز ترامب في انتخابات عام 2024، حذر مستشارو بايدن خلفاءهم من أن “الإسرائليين لن يفوتوا فرصة” وصول إيران إلى أضعف حالاتها منذ عقود. (وقد اعترض مسؤول سابق في فريق ترامب الانتقالي على هذه الرواية).

ووافق ترامب على موقف نتنياهو، وفي يونيو/ حزيران 2025، شن الإسرائيليون هجومًا واسع النطاق بدا أنه يهدف جزئيًا إلى الإطاحة بالحكومة الإيرانية. وبعد حوالي أسبوع، أصدر ترامب أوامره للجيش الأمريكي بالانضمام إلى سلسلة من الضربات الجوية الليلية على المنشآت النووية الإيرانية، ربما خوفًا من أن تفوته فرصة نسب الفضل في تلك الضربة لنفسه. ولكن عندما شن ترامب ونتنياهو هجومًا مفاجئًا بعد ثمانية أشهر، أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو أن الرئيس قرر هذه المرة ضرب إيران “بشكل استباقي” لأن “إسرائيل كانت ستنفذ عملاً” من شأنه “أن يستدعي هجومًا ضد القوات الأمريكية”. وزعم ترامب لاحقًا، بشكل غير مقنع، أنه تولى زمام المبادرة مع الإسرائيليين وربما “أجبرهم على ذلك”؛ لكن رواية روبيو أوحت بشكل أكثر مصداقية بأن إدارة ترامب اعتقدت أنها لا تستطيع منع إسرائيل من شن هجوم، لكنها ستتحمل رغم ذلك أي رد فعل، وهو نمط مألوف بشكل مؤلم لدى البيت الأبيض في عهد بايدن. بالفعل، عند النظر إلى هذه الفترة، يبدو أن بايدن ومستشاريه الأقرب كانوا سلبيين بشكل غريب تجاه مراوغات إسرائيل وتحديها، خصوصًا فيما يتعلق بحماية المدنيين الفلسطينيين.

وأخبرني جيك سوليفان، المستشار السابق للأمن القومي في إدارة بايدن، أن بايدن ومستشاريه ناقشوا كثيرًا في جلسات خاصة سبل كبح جماح إسرائيل. وقال سوليفان: “طرحنا وناقشنا مرارًا وتكرارًا خيارات حجب الأسلحة” داخل المكتب البيضاوي، لكن باستثناء تعليق شحنة واحدة من القنابل، “كان الرئيس يؤجل دائمًا اتخاذ هذا القرار، لأننا كنا نعتقد دائمًا أننا على وشك التوصل إلى اتفاق” بشأن الإفراج عن الرهائن ووقف إطلاق النار. 

وقال سوليفان: “عندما تنظر إلى الأمر اليوم، يصبح من السهل إدراك الفخ الكامن في هذا النوع من التفكير”، وأضاف: “سأقولها بصراحة؛ كان ينبغي علينا أن نمارس مزيدًا من الضغط على إسرائيل لاتخاذ نهج مختلف”.

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه يلتزم دائمًا بقوانين النزاعات المسلحة ويحاول تقليل الأضرار المدنية، لكن التحذيرات من احتمال ارتكاب جرائم حرب بدأت تتصاعد داخل إدارة بايدن فور بدء إسرائيل هجومها المضاد على غزة. بحلول الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، بلغ عدد القتلى الفلسطينيين ما لا يقل عن 8800، بينهم أكثر من 5800 امرأة وطفل. وكانت الطائرات الإسرائيلية تنفذ ما يصل إلى 800 غارة يوميًا على شمال غزة، وقال لي مسؤولون في الإدارة كانوا يتابعون الحرب عن كثب إنه يستحيل أن يكون المخططون العسكريون الإسرائيليون قد حددوا مسبقًا بهذه السرعة هذا العدد الكبير من الأهداف العسكرية المشروعة، مثل مداخل الأنفاق، ومنصات إطلاق الصواريخ، وقادة حماس. ولم يكن بإمكان الإسرائيليين أن يوازنوا بعناية بين المخاطر على حياة المدنيين والبنية التحتية المدنية وبين القيمة العسكرية لكل هدف. 

والمثير للصدمة أن الغارات بدت وكأنها تتحرك في خط جغرافي يمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، مدمرة أحياء بأكملها بطريقة تشير إلى عدم وجود تمييز يذكر بين المنشآت المدنية والعسكرية. وسأل وزير خارجية بايدن، أنتوني بلينكن، موظفيه بقلق كيف يمكن لإسرائيل تبرير هذا الحجم من الدمار. وقال لي مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية: “لقد صُدمنا جميعًا بمدى عدوانية هذه الغارات وفتكها، وكنا نتساءل: ”ما الذي يفعلونه بحق الجحيم؟“”. 

وذكرت صحيفة “التايمز” لاحقًا أن الجيش الإسرائيلي عدّل رسميًا “قواعد الاشتباك” في يوم هجوم حماس بحيث يمكن للضباط من الرتب المتوسطة تفويض غارات قد تقتل ما يصل إلى عشرين مدنيًا لاستهداف مقاتل عادي من حماس، وكانت القواعد السابقة تسمح بغارات قد تقتل حتى خمسة مدنيين، أو في بعض الحالات عشرة. 

وأرشدني مسؤولون أمريكيون سابقون إلى مقال نُشر على موقع +972 الإخباري الذي يتخذ من تل أبيب مقرًا له، حول الأسابيع الأولى من الحرب، وقالوا إنه يتوافق مع تقارير استخباراتية. ووفقاً للمقال، استهدفت الطائرات الإسرائيلية خلال تلك الفترة عمدًا منشآت مدنية مثل أبراج المكاتب، والمباني السكنية، والوزارات الحكومية، وشركات الخدمات، والبنوك، والجامعات. 

واستخدمت إسرائيل مكالمات هاتفية ورسائل نصية ومنشورات جوية لتحذير المدنيين من الإخلاء، لكن المقال أفاد بأنها بدت أقل حرصًا على هذه الإجراءات مقارنة بالصراعات السابقة. هذه “الأهداف الحيوية”، التي هوجمت في محاولة لترهيب الفلسطينيين ودفعهم للضغط على حماس للاستسلام، شكّلت نحو نصف الغارات في الأيام الخمسة الأولى من الحملة الجوية الإسرائيلية. (نفى متحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن يكون الجيش قد استهدف منشآت مدنية للضغط على السكان).

ويُعد منع المساعدات الإنسانية كوسيلة حرب انتهاكًا لقوانين النزاعات المسلحة، كما أن قانونًا أمريكيًا ساري المفعول منذ عقود يحظر تقديم أسلحة لأي حكومة تمنع إيصال مساعدات مدعومة أمريكيًا. قبل الحرب، كانت غزة تستورد نحو 500 شاحنة يوميًا من الغذاء والإمدادات عبر عدة معابر حدودية. بعد يومين من السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، أغلقت إسرائيل جميع المعابر. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت إنه أمر بفرض “حصار كامل”: “لا كهرباء، ولا غذاء، ولا ماء، ولا وقود، كل شيء سيُمنع. نحن نقاتل حيوانات بشرية، ونتصرف وفقاً لذلك”.

وسافر بلينكن إلى إسرائيل بعد أيام قليلة، والتقى بنتنياهو وغالانت، وبحسب الحاضرين، قال لهما إن السماح بدخول الغذاء ليس فقط “مسؤولية أخلاقية” بل أيضًا “ضرورة استراتيجية وقانونية.” لكن نتنياهو لم يتزحزح إلا عندما هدده بلينكن بإلغاء زيارة مخطط لها من بايدن. حتى حينها، وافق نتنياهو على إدخال كمية صغيرة فقط من الإمدادات، على أن تمر عبر معبر رفح على حدود غزة مع مصر؛ كما طلب إبقاء هذا التنازل المحدود سرًا؛ فقد كان يخشى رد فعل داخلي بسبب عدم تجويع نساء غزة وأطفالها ومدنييها الآخرين. وقام بايدن بزيارته، وعند مغادرته تفاخر نتنياهو علنًا بأنه تحدى الرئيس، وأعلن أن إسرائيل “لن تسمح بدخول المساعدات الإنسانية” من “أراضينا إلى قطاع غزة”. 

وقاوم الجيش الإسرائيلي بشدة السماح بدخول المساعدات الإنسانية لدرجة أن بلينكن وسوليفان اضطرّا يومياً تقريبًا خلال النزاع إلى قضاء جزء من وقتهم المحدود مع المسؤولين الإسرائيليين في مساومات حول تفاصيل مثل عدد الشاحنات التي يمكن أن تدخل غزة. أبقى المفتشون الإسرائيليون على قائمة متغيرة باستمرار من المواد المحظورة بسبب احتمال استخدامها “استخداماً مزدوجاً” كأسلحة؛ فالأسمدة قد تُستخدم في المتفجرات، وأعمدة الخيام قد تصبح رماحًا، وهكذا. وكانت بعض المعدات الطبية تُمنع أحيانًا، بما في ذلك أسطوانات الأكسجين، وأجهزة الأشعة السينية، وحتى أدوات الولادة (التي تحتوي على مقص صغير). وأي شاحنة تحمل مادة محظورة واحدة يمكن أن تُعاد، بغض النظر عن عدم ورود بقية محتوياتها في قائمة المحظورات.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2023، بعد مرور شهرين على اندلاع الحرب، أبلغ موظفو الأمم المتحدة في غزة وزارة الخارجية الأمريكية أن قوات الدفاع الإسرائيلية كانت تقوم بإيداع العشرات من المعتقلين الفلسطينيين عند أحد معابر غزة ليلاً، في برد قارس. وقد تم تبرئتهم من أي دور عسكري في حركة حماس، وقال الكثيرون منهم إنهم تعرضوا لانتهاكات مروعة. واتخذ مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل التابع لوزارة الخارجية الأمريكية خطوات لتطبيق القوانين الأمريكية التي يعود تاريخها إلى عقود مضت والمعروفة باسم “قوانين ليهي”، التي سُميت على اسم السناتور السابق باتريك ليهي، والتي تمنع تقديم المساعدة لأي وحدة عسكرية تُوجه إليها اتهامات موثوقة بارتكاب “انتهاك جسيم” لحقوق الإنسان. ولكن، بموجب إجراء خاص تم التفاوض عليه مع إسرائيل، جرت هذه العملية خلف أبواب مغلقة على مدى عدة أشهر، ولم يكن لها أي تأثير على تصرفات إسرائيل في غزة.

وأثارت تكتيكات “الأرض المحروقة” التي اتبعتها إسرائيل في هجومها قلق إدارة بايدن لأسباب واقعية؛ فقد تولى بايدن وفريقه مهامهم عازمين على استعادة الدعم الأمريكي – ولو رمزيًّا – لتشكيل دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية. وبالنظر إلى تساوي أعداد المسلمين واليهود تقريبًا في الأراضي الخاضعة حاليًا للسيطرة الإسرائيلية، كان المنطق السائد هو أن التعايش السلمي مع دولة فلسطينية هو السبيل الوحيد للحفاظ على أمن إسرائيل ويهوديتها وديمقراطيتها، وبالتالي فهو مصلحة وطنية أمريكية أساسية، حتى لو تعهد نتنياهو وأعضاء حكومته مرارًا وتكرارًا بعدم السماح بذلك أبدًا. وأخبرني مسؤولون سابقون أنه خلال السنة الأولى من ولاية بايدن، تحدى بلينكن نتنياهو قائلًا: “لن يرحل أحد إلى أي مكان، بغض النظر عما يريده بعض الأشخاص من كلا الجانبين. إذن، كيف سينتهي هذا الأمر؟”. 

وبعد فوزه في انتخابات عام 2016، أصبح ترامب – الذي كان يزدري القانون الدولي ولا يكترث بمصير الفلسطينيين – الرئيس الأمريكي الوحيد خلال خمسين عامًا الذي لم يدعم الحكم الذاتي الفلسطيني، لكن فريق الانتقال الرئاسي التابع لبايدن وضع خططًا تفصيلية لاستعادة ما ألغاه ترامب؛ فقد قامت إدارة بايدن على الفور بإعادة تفعيل سياسة أمريكية عمرها خمسون عامًا تعلن أن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية تشكل انتهاكًا للقانون الدولي، وإعادة فرض شرط ينص على أن تُصنف الواردات من الضفة الغربية على أنها كذلك بدلًا من أن يُكتب عليها “صنع في إسرائيل”، وإعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس، التي كانت بمثابة بعثة دبلوماسية فعلية لدى الفلسطينيين. ووصف لي أحد المخططين السابقين في فريق الانتقال هذه الإستراتيجية بأنها “نزع الضمادة دفعة واحدة”.

وبحلول 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يكن بايدن قد نفذ هذه الخطط بعد، والتي لم يُكشف عنها سابقًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى المعارضة الإسرائيلية المتوقعة. لكن بعض المسؤولين الأمريكيين، بقيادة بلينكن، حاولوا اتخاذ خطوة جديدة لتحقيق قيام الدولة الفلسطينية. وقد أبدى محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، استعدادًا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل الحصول على التكنولوجيا النووية الأمريكية، وكان سعيدًا بالاكتفاء بقبول وعود شفوية من إسرائيل بشأن مستقبل الفلسطينيين، لكن بلينكن ودبلوماسيين أمريكيين آخرين ضغطوا على السعوديين للمطالبة بالتزام أكثر صرامة بحل الدولتين. وأخبرني مسؤولون سابقون أن بلينكن جادل داخل البيت الأبيض بأن التطبيع كان “نقطة الضغط الوحيدة التي كانت لدينا” لحمل إسرائيل على إعادة فتح “مسار للفلسطينيين”.

وقوّض القصف الإسرائيلي العشوائي بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول أيضًا أولويات أخرى لإدارة بايدن؛ فقد كان أوستن، وزير دفاع بايدن، جنرالًا متقاعدًا في الجيش خاض كل العمليات العسكرية الأميركية الكبرى منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول. وكان يقول كثيرًا إنه تعلم أن التسبب بأذى غير ضروري للمدنيين يجعل من الصعب على الجيش تحقيق أهدافه، من السيطرة على الأراضي إلى هزيمة التمرد. 

وقال أوستن: “أنت تخلق المزيد من الإرهابيين”. وبفضل تأثيره، فعل بايدن أكثر مما فعله أي رئيس منذ الحرب العالمية الثانية لترسيخ حماية المدنيين في زمن الحرب؛ ففي أول خطاب له عن السياسة الخارجية، أعلن بايدن أنه سيقطع وصول السعودية إلى بعض الذخائر الأمريكية التي كانت تُستخدم في قصف اليمن منذ ست سنوات. 

وقتلت هذه الغارات الجوية، التي كانت تهدف لهزيمة الطرف المدعوم من إيران في الحرب الأهلية اليمنية، أكثر من 18 ألف مدني، بمعدل يزيد عن ثلاثة آلاف سنويًا، وهو رقم كان يُعتبر فلكيًا قبل حملة إسرائيل في غزة، كما أدت الحصارات التي فرضها السعوديون والإماراتيون إلى مجاعة قتلت آلافاً آخرين. وكرر بايدن كلمات أوستن، واصفًا حرب اليمن بأنها “كارثة إنسانية وإستراتيجية” يجب أن “تنتهي”، وقد توصلت الأطراف إلى وقف إطلاق النار في العام التالي.

وكان من أبرز إنجازات أوستن بصفته وزيرًا للدفاع اعتماد سياسة رسمية للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين على يد القوات الأمريكية وشركائها العسكريين. والتزمت وزارة الخارجية في عهد بايدن بسياسة تكميلية – إرشادات الاستجابة لحوادث الأضرار التي تلحق بالمدنيين – والتي تنص على إجراء تحقيق في أي بلاغ يفيد بأن جيشًا أجنبيًّا استخدم أسلحة أمريكية عمدًا، أو حتى بسبب الإهمال، لإلحاق الأذى بالمدنيين. 

وفي أوائل عام 2023، أصدر بايدن سياسة تحظر نقل الأسلحة الأمريكية إذا كان “من المرجح” استخدامها في ارتكاب جرائم حرب، حتى في غياب دليل على ارتكاب فظائع محددة. وجاء في بيان صحفي لوزارة الخارجية أن هذه السياسة ترسخ “المبادئ التي تعمل الإدارة بموجبها منذ اليوم الأول”.

وأكّد لي كلّ من تحدثت إليهم أن بايدن، بصرف النظر عما ظهر لاحقًا من مؤشرات على تراجعه المعرفي، مارس دورًا محوريًا ونشطًا في رسم السياسة المتعلقة بغزة. وكان يتباهى بأن خبرته في المنطقة تعود إلى أوائل السبعينيات عندما زار إسرائيل بصفته سناتورًا، وظل متمسكًا بثقة مطلقة في خبرته لدرجة التعالي أحيانًا على كبار مستشاريه.

وكان بلينكن، الذي بلغ الحادية والستين في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، قد عمل إلى جانب بايدن لعقود في مجلس الشيوخ والبيت الأبيض خلال عهد أوباما. ووفر له منصبه على رأس وزارة الخارجية الاستفادة من خبرات السلك الدبلوماسي الأمريكي، الذي يضم دبلوماسيين مخضرمين أمضوا سنوات طويلة في الشرق الأوسط، بخلاف الدائرة المقربة من بايدن.

أما سوليفان، الذي كان في السادسة والأربعين عند اندلاع الصراع، فكان باحثًا سابقًا ضمن برنامج “رودس” ومساعدًا قضائيًا في المحكمة العليا، وشغل موقعًا جليًا في قلب المؤسسة السياسية الخارجية للحزب الديمقراطي لأكثر من عقد. ومع ذلك، أفاد مسؤولون في البيت الأبيض بأن بايدن كان يرفض آراء الرجلين بغلظة في بعض الأحيان، ويرفع صوته وكأنه يوبّخ أطفالًا. (وقد رفض بايدن، عبر متحدث باسمه، التحدث معي).

وعقب أهوال هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، لم يشكك أحد داخل الإدارة الأمريكية في حق إسرائيل في الرد، ولا في حتمية تقديم الدعم العسكري الأمريكي لها؛ بيد أن البيت الأبيض اختلف مع نتنياهو بشأن آليات سحق حركة حماس؛ إذ ساد الخوف لدى بايدن وبلينكن وسوليفان في مجالسهم المغلقة من أن شدة الرد الإسرائيلي قد تعرض القوات الأمريكية للخطر، وتُعقّد مفاوضات الإفراج عن الرهائن، وتقوّض الاستقرار الإقليمي طويل الأجل.

وبعد أيام قليلة من الهجوم، فاجأ نتنياهو البيت الأبيض بأمره بشن ضربات جوية استباقية ضد حزب الله. وبينما كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تتأهب لقصف لبنان، حث بايدن نتنياهو، خلال مكالمة هاتفية عاجلة، على إلغاء الهجوم، مؤكدًا أن واشنطن لم تكن جاهزة بعد لحماية قواتها أو الدفاع عن إسرائيل ضد أي تداعيات عكسية. وكانت إحدى مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية قد وصلت للتو إلى المنطقة، بينما كانت الثانية لا تزال في طريقها. كما كانت حكومة الحرب الإسرائيلية المشكلة حديثًا، ضمن حكومة وحدة وطنية للطوارئ، منقسمة بشأن الجدوى من الهجوم، ليعلن نتنياهو موافقته على إلغائه. لكن مناشدات بايدن لضبط النفس غدت أقل فاعلية بمجرد تمركز القوات الأمريكية في مواقعها.

وفي الأسبوع التالي، ومن قلب تل أبيب، أقر بايدن بمخاوفه علنًا في كلمة وجهها للإسرائيليين حثهم فيها على تجنب الأخطاء التي ارتكبتها واشنطن عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، قائلًا: “بينما تشعرون بهذا الغضب، لا تدعوه يلتهمكم”، مضيفًا أن “الغالبية العظمى من الفلسطينيين ليسوا حماس”.

وعلى صعيد الكواليس المغلقة، استغل بايدن ومستشاروه الزيارة لإقناع حكومة الحرب الإسرائيلية بتأجيل الغزو البري لقطاع غزة. وحذر الأمريكيون، بحق، كما أثبتت الأحداث لاحقًا، من أن القوات الإسرائيلية ستغرق في حرب برية من شأنها عرقلة جهود التفاوض للإفراج عن الرهائن، الذين كان يحمل نحو 12 منهم جوازات سفر أمريكية، فضلًا عن أن الغزو يدفع حماس للتخفي في أعماق الأنفاق.

ورأى فريق بايدن أن الضربات النوعية الدقيقة المدعومة بالاستخبارات الأمريكية كفيلة بالقضاء على أكبر عدد من القادة المسؤولين وبفاعلية أسرع؛ وهي العبرة المستفادة من حروب أمريكا ضد طالبان والجماعات المسلحة العراقية وتنظيم الدولة. وعلى إثر ذلك، أوفد البيت الأبيض جنرالًا برتبة فريق (يحمل ثلاث نجوم) وضباطًا كبارًا لمشاركة خبراتهم الميدانية مع الجيش الإسرائيلي.

وفي أحد الاجتماعات، طرح مكغورك هذه الرؤية على بيني غانتس، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق والمنافس المعادل لنتنياهو المنضم لحكومة الحرب. ووفق مصادر مطلعة على الاجتماع، أصر غانتس على ضرورة التوغل البري الفوري للجيش الإسرائيلي في غزة للقضاء على تهديد حماس ولردع الخصوم الآخرين في آن واحد. وعلى ورقة جانبية، رسم غانتس خارطة لهيئة القطاع المبتغاة بعد العملية: شريط مقسم إلى قطاعات عبر ممر تسيطر عليه إسرائيل ومحاط بطوق عسكري إسرائيلي، بحيث “يرى كل من ينظر إلى غزة ظهور الجنود الإسرائيليين”. (وندر أن صرح نتنياهو أو المسؤولون الإسرائيليون بأهداف محددة كهذه، ومع ذلك، يتمركز الجيش الإسرائيلي اليوم في هذه المواقع، بل ويتجاوزها داخل القطاع).

وأفاد العديد من كبار مستشاري بايدن بأنهم مارسوا ضغوطًا في الجلسات المغلقة لحث نتنياهو على توضيح أهدافه؛ ففي 7 أكتوبر/ تشرين الأول، تعهد نتنياهو بـ”تدمير” حماس وتحويل معاقلها إلى “أنقاض”، وهو ما بدا للإدارة الأمريكية بوصفه وعدًا بقتل آخر مقاتل؛ هدفًا مستحيلٕا يجر المنطقة إلى حرب بلا نهاية. علاوة على ذلك، توافق المسؤولون في الإدارة على أن أي هزيمة مستدامة لحماس تشترط وجود حكومة فلسطينية بديلة وذات مصداقية لتولي المقاليد في غزة.

وأشارت مذكرة تداولها مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية إلى ضرورة اقتداء بايدن بنهج الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت؛ إذ اشترط روزفلت على وينستون تشرشل التوقيع على “ميثاق الأطلسي” قبل إرسال قوات أمريكية للدفاع عن بريطانيا ضد هتلر، لإقرار أن الحلفاء يقاتلون لتحرير أوروبا وليس لحفظ أركان الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. ووفقًا لهذا الطرح، كانت واشنطن تمتلك أوراق ضغط قوية لإلزام إسرائيل بالتعهد بوجود هدف واقعي للحرب قبل التعجيل بمبيعات الأسلحة والالتزام بتقديم مساعدات بمليارات الدولارات.

كما سعى الجنرال ذو رتبة الفريق ووفده لدفع الجيش الإسرائيلي لتعريف عملياته بصورة أكثر إجرائية وملموسة. وفضلاً عن ذلك، وفي 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، كشف بلينكن خلال قمة دبلوماسية في طوكيو عن محددات رئيسية تتطلع إليها واشنطن لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، شملت: “رفض التهجير القسري للفلسطينيين”، و”رفض إعادة احتلال غزة”، و”عدم اقتطاع أجزاء من أراضيها”، و”توحيد غزة مع الضفة الغربية تحت مظلة السلطة الفلسطينية”، وهي الهيئة المدعومة غربيًا والتي شُكلت سابقًا لتكون نواة الدولة المستقبلية.

وفي اليوم التالي، وجه كريستوفر لو مون، نائب مساعد وزير الخارجية لمكتب حقوق الإنسان وأبرز الأصوات الناقدة للسلوك الإسرائيلي داخل الإدارة، مذكرة سرية إلى بلينكن يحثه فيها على تحذير نتنياهو من ضوابط إدارة بايدن التي تحظر نقل الأسلحة التي “يُرجَّح” استخدامها في ارتكاب جرائم حرب، والتشديد على ضرورة التحقيق في التجاوزات المحددة ضد المدنيين. وشدد لو مون في مذكرته على ضرورة تجنب المسؤولين الأمريكيين في تصريحاتهم الإعلامية “التعامل مع الأضرار الواقعة على المدنيين بوصفها أمرًا حتميًا لا مفر منه”.

وعلى الفور، ذهب بلينكن إلى تل أبيب، وفي مقابلة تلفزيونية تبنى الموقف ذاته مشيرًا إلى أن إخفاق إسرائيل في حماية المدنيين “يصب في مصلحة حماس”، دون أن يتطرق علنًا لملف جرائم الحرب أو الالتزامات القانونية الواقعة على عاتق الإدارة الأمريكية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، ومع حصيلة قتلى في غزة تجاوزت 17 ألف فلسطيني؛ صرح وزير الدفاع أوستن في كلمة له بأن حماية المدنيين تشكل “ضرورة إستراتيجية”، موضحًا: “إذا دفعتموهم إلى أحضان العدو، فإنكم تستبدلون النصر التكتيكي بالهزيمة الاستراتيجية”. (في مقابل ذلك، هاجم السناتور الجمهوري ليندسي غراهام أوستن عبر مقابلة تلفزيونية واصفًا إياه بـ”الساذج”، مُدعيًا أن الفلسطينيين قد تعرضوا للتطرف ومُشَبَّعون بـ”بُغض اليهود”). بالتوازي، عقد بلينكن اجتماعًا مع حكومة الحرب الإسرائيلية للتشديد على عجز العمليات العسكرية المباشرة عن القضاء على الأيديولوجيا التي تمثلها حماس.

ورغم تلك التحذيرات، واصل نتنياهو رفضه لتحديد أهداف واقعية للعمليات العسكرية، بل ذهب إلى توسيع أهدافه المعلنة لتشمل “النصر الكامل” دون إيضاح معالمه، لينتهي الأمر باستسلام بايدن ومستشاريه أمام هذا التعنت. وفي هذا السياق، أفاد آموس هوكشتاين، المستشار الكبير للرئيس: “حاولنا مرارًا، غير أن فرص النجاح كانت منعدمة بآلية استرجاع الأحداث، لأن نتنياهو لم يكن يخاطبنا نحن، بل كان يوجه خطابه إلى الداخل الإسرائيلي”. وفي الواقع، أعرب مسؤولون بارزون في البيت الأبيض عن عجزهم أمام حالة الشحن العاطفي والمجتمعي الإسرائيلي عقب أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول إذ صرح بلينكن قائلًا: “كانت تلك صدمة مجتمعية صُوِّرت بحق أو بغير حق كتهديد وجودي”.

وأوضح مسؤول إسرائيلي بارز شارك في المفاوضات مع البيت الأبيض وجود “فجوة ذهنية” هائلة بين الطرفين؛ فبينما طالب الأمريكيون بتخطيط مسبق ومفصل، أصر الإسرائيليون على التحرك العسكري الفوري والارتجال في كل خطوة. وأضاف المسؤول أن نتنياهو تخوف من أن تحديد أهداف نهائية ومحددة في غزة قد يفجر الخلافات داخل حكومته ويفكك ائتلافه الهش. وبالمحصلة، يظهر الإذعان القسري لإدارة بايدن اليوم كبداية لسلسلة من الاستسلامات والانسياق الساكت؛ فبينما كان بلينكن يصيغ رؤية واشنطن لغزة ما بعد الحرب، كان نتنياهو يضرب بها عرض الحائط، مُصدرًا أوامر بإخلاءات قسرية ومفتوحة لمدينة غزة، ورافضًا أي دور للسلطة الفلسطينية، مع التلميح لإعادة الاحتلال عبر تعهده بتولي إسرائيل “المسؤولية العسكرية الشاملة” عن القطاع.

ورغم هذه المماطلة، تجاوز بايدن مظلة الكونغرس في ديسمبر/كانون الأول 2023 ليمرر صفقة أسلحة طوارئ لإسرائيل بمليارات الدولارات. وبُعيد ذلك، ضغط لإقرار حزمة مساعدات إضافية بقيمة 8.7 مليارات دولار، ووقع عليها كقانون نافذ في أبريل/نيسان 2024. لتصل قيمة الأسلحة المعتمدة من الإدارة الأمريكية لإسرائيل خلال حملتها على غزة إلى أكثر من 20 مليار دولار، يضاف إليها مبلغ 3.8 مليارات دولار المعتاد سنويًا. وبعيدًا عن التحفظات المغلقة للمسؤولين، كشفت حزم المساعدات المتواصلة عن دعم علني وشامل لهدف إسرائيل المائع المتمثل في “النصر الكامل”.

وعلى مدار أشهر، احتدم الجدال داخل أروقة البيت الأبيض حول جدوى وكيفية توظيف الدعم العسكري الأمريكي كأداة ضغط لكبح الجماح الإسرائيلي، خاصة وأن واشنطن تزود إسرائيل بنحو 70 بالمئة من سلاحها، بما يشمل غالبية الصواريخ والطائرات والقنابل، مما يجعل البحث عن أطراف بديلة للتوريد خيارًا شبه مستحيل خلال الحرب.

ومن جانبه، أشرف جون فاينر، نائب مستشار الأمن القومي لبايدن والمراسل السابق لـ “واشنطن بوست” الذي غطى جولات تصعيد سابقة في غزة، على فريق مصغر من مجلس الأمن القومي لاستعراض بدائل تقيد استخدام السلاح الأمريكي دون المساس بأمن إسرائيل. وشملت المقترحات: حجب القنابل الثقيلة التي صنف الصليب الأحمر استخدامها كإجراء غير متناسب في المناطق المكتظة بالسكان، وتعليق بعض الأسلحة ذات الطابع الهجومي الصرف، وقصر استخدام أسلحة نوعية على خارج حدود القطاع. وكان بايدن قد لوّح سابقًا بعواقب وخيمة ضد أي طرف يسعى للتدخل (“لا تفعلوا. لا تفعلوا. لا تفعلوا”). وجادل مسؤولو الإدارة بأن التهديد برادع الدولة العظمى كفيل بضبط إيران وحلفائها حتى لو قيدت واشنطن العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل غزة.

وخلال الأشهر الأولى، تدارس بايدن ومستشاروه خيار إلقاء الرئيس خطاب “الحب القاسي” للتوجه مباشرة للرأي العام الإسرائيلي وتجاوز نتنياهو، مستفيدًا من ارتفاع شعبية بايدن داخل إسرائيل عقب خطابه العاطفي في تل أبيب مقارنة برئيس الوزراء. وكان المفترض للخطاب أن يوضح أن الحرب الشاملة، وإن أرضت غريزة الانتقام، ستلحق ضررًا فادحًا بالمدنيين، وتعمق عزلة إسرائيل الدولية، وتحكم على المجتمع الإسرائيلي بصراع دائم مع أعداد متزايدة من الفلسطينيين الخاضعين لسيطرتها. وفي المقابل، كان الخطاب سيبين أن خوض حرب نوعية ومحددة ضد قادة هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول كفيل بتأمين إطلاق سراح الرهائن، وفتح آفاق التطبيع مع السعودية، والوصول لإمكانية التعايش مع دولة فلسطينية قائمة، مع تعهد واشنطن بضمان أمن إسرائيل في مختلف المراحل. ورغم عدم وجود ضمانات لإقناع الشارع الإسرائيلي، إلا أن الخطاب كان سيقطع الشك باليقين بشأن استقلالية القرارات الأمريكية وفق المصالح الوطنية لواشنطن، وعدم الانصياع لرغبات نتنياهو.

لكن الملمح التاريخي للصدامات الدبلوماسية والسياسية مع تل أبيب حول غزة ألقى بظله على قرارات بايدن؛ ففي عام 2014، أبدى الرئيس باراك أوباما “قلقه البالغ” جراء القتل غير المتناسب للمدنيين الفلسطينيين، وعرض الوساطة لوقف إطلاق النار بعد يومين من القتال، قبل أن يضغط نحو إعلان وقف إطلاق النار من طرف واحد بعد 12 يومًا. وواجه أوباما آنذاك هجومًا حادًا من أعضاء الكونغرس الجمهوريين وبعض الديمقراطيين بتهمة مكافأة “الإرهاب”، ليواصل نتنياهو توغله البري لمدة 7 أسابيع متجاهلاً الضغوط، في جولة أسفرت عن مقتل 73 إسرائيليًا واستشهاد نحو 2200 فلسطيني.

ونتيجة لتلك التجربة، آثر بايدن الاقتصار على إعلان الدعم العسكري للرد الإسرائيلي عند اندلاع المواجهات في مايو/أيار 2021. ورغم أن الغارات الإسرائيلية دمرت عشرات المنشآت المدنية والأبراج السكنية و53 مدرسة و17 مركزًا طبيًا، ومكاتب شبكة “الجزيرة” ووكالة “أسوشيتد برس”، وأسفرت عن مقتل 260 فلسطينيًا مقابل 13 إسرائيليًا بالصواريخ، فإن بايدن امتنع عن الدعوة لوقف إطلاق النار حتى أبدى القادة العسكريون الإسرائيليون استعدادهم لذلك. وتفاخر مسؤولون بالبيت الأبيض أمام الصحفيين بأن إستراتيجية “احتواء بيبي”، القائمة على مبدأ “أختلف معك لكني أحبك”، أنهت التصعيد خلال 11 يومًا، وهو زمن قياسي مقارنة بضغوط أوباما العلنية. وأكد مسؤول بارز في البيت الأبيض أن هذه الأحداث كرست لدى بايدن قناعة مفادها أن “إظهار الخلافات العلنية بين واشنطن وتل أبيب يأتي بنتائج عكسية”.

عقب اجتماع جمعه ببايدن، تفاخر نتنياهو علنًا بتحديه للرئيس الأمريكي، معلنًا أن إسرائيل “لن تسمح بمرور المساعدات الإنسانية” من “أراضيها إلى قطاع غزة”.

كان نهج “تطابق المواقف” جذابًا بشكل خاص للبيت الأبيض في الأشهر التي تلت 7 أكتوبر/تشرين الأول، لأن نتنياهو ورون ديرمر، مستشاره القديم ومبعوثه إلى واشنطن، ظلا يصران على أنهما يتوقعان انتهاء القتال قريبًا جدًا، وقد وعدا مرارًا وتكرارًا بقولهما: “أسبوعان آخران فقط”. وكما قال لي أحد مسؤولي البيت الأبيض: “إذا كان الأمر سيستغرق بضعة أسابيع قليلة أخرى، فلماذا نخوض معركة ضخمة مع إسرائيل؟”. وقال مسؤول آخر: “كنا نعتقد أن هذا الأمر يمكن أن ينتهي، بل وسينتهي، ويفترض أن ينتهي في ديسمبر/كانون الأول”.

ومع ذلك، طالما أكد القادة الإسرائيليون مرارًا أن بعض الاكتشافات الجديدة – مثل مدى شبكة أنفاق حماس، على سبيل المثال – قد فرضت تمديد خطتهم العسكرية. وبعد أن بلغ عدد القتلى جراء الهجوم الإسرائيلي على مدينة غزة عشرة آلاف، ناشد بلينكن شخصيًا كلًا من ديرمر ونتنياهو ومايكل هرتسوغ، السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، قائلًا: “لا تفعلوا في الجنوب ما فعلتموه في الشمال!”. ولكن في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2023، فرضت إسرائيل حصارًا على خان يونس في وسط القطاع، وبحلول العشرين من ديسمبر/كانون الأول، وصل إجمالي عدد القتلى إلى عشرين ألفًا. 

وطالب سوليفان بعد ذلك بتعهدات من ديرمر وهرتسوغ بأن الحملة لن تمتد أكثر من ذلك، وفقًا لمسؤولين اثنين مطلعين على المحادثات: “بعد خان يونس، ستودون الذهاب إلى رفح!”. فأصر المسؤولون الإسرائيليون قائلين: “لا، لا، لا، لن نهاجم رفح!”. ومع ذلك، بحلول يناير/كانون الثاني 2024، ألمح نتنياهو إلى أن إسرائيل ستقتحم رفح بالفعل، وسرعان ما اتهم أي شخص يشكك في تلك الخطة – ضمنيًا بايدن – بأنه “يقول لنا فعليًا: ‘اخسروا الحرب'”، وتعهد نتنياهو قائلًا: “لن نخضع لأي ضغط”.

وفي أوائل عام 2024، قال بلينكن لديرمر: “لا أريد أن أسمع عبارة “أسبوعان آخران” هذه مرة أخرى أبدًا!”؛ فرد ديرمر ساخرًا: “حسناً، سأقول “أسبوعين””. وقال لي بلينكن عن الإسرائيليين: “هل كانوا صادقين، أم كانوا مخادعين؟ أعتقد أنه مزيج من الأمرين. لقد كنت أصدق كلامهم، بالتأكيد حتى أوائل عام 2024، ولكن بدرجة أقل كلما مر الوقت، وكان ذلك مصدر إحباط كبير”. (وأصر مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى على أن نتنياهو وديرمر كانا ينقلان بدقة، في كل لحظة، ما كانا يسمعانه من الجيش الإسرائيلي).

وأخبرني مسؤولون آخرون أنه، في اجتماعات موظفي البيت الأبيض، كان فاينر، نائب مستشار الأمن القومي، يسأل غالباً عن عدد القتلى المدنيين الذي يمكن اعتباره غير مقبول. أين كانت نقطة النهاية؟ ورفض فاينر التعليق على مثل هذه المحادثات الداخلية، لكنه قال عن الإسرائيليين: “من الواضح الآن، وكان واضحًا جدًا آنذاك، أنهم ببساطة لم يخبرونا الحقيقة بشأن خططهم والجداول الزمنية الخاصة بهم، ولم يكن من المنطقي قبول تلك الادعاءات كما هي”. وفي الواقع، أخبرني العديد من مسؤولي إدارة بايدن أنهم توصلوا إلى الاعتقاد بأن القادة الإسرائيليين استمروا في تكرار عبارة “أسبوعان آخران” بشكل مؤقت لكسب المزيد من الوقت قبل أن، على حد تعبير أحد المسؤولين، “قبل نفاد صبر الولايات المتحدة”.

وبحلول فبراير/شباط 2024، كانت هناك تلميحات إلى أن صبر أمريكا قد ينفد بالفعل؛ فقد اقترح السيناتور كريس فان هولين، الديمقراطي عن ولاية ميريلاند، تعديلًا مثيرًا للجدل على مشروع القانون المقدم لتقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل. ودعا التعديل إلى الالتزام بالقواعد التي تتطلب من الولايات المتحدة قطع الأسلحة عن أي دولة تعرقل المساعدات المدعومة من أمريكا أو يُرجح استخدامها للأسلحة الأمريكية في ارتكاب جرائم حرب. 

وعلى الرغم من أن التعديل لم يذكر أي دولة محددة، إلا أن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” عارضته، حيث اتهمت فان هولين بأنه “يحاول جعل الأمر أكثر صعوبة على إسرائيل للدفاع عن عائلاتها”. ومع ذلك، مع تجاوز عدد القتلى في غزة 28 ألفًا، حظي التعديل بدعم كافٍ بين التقدميين لدرجة أن السيناتور تشاك شومر، زعيم الأغلبية الديمقراطية، طلب المساعدة من البيت الأبيض لتجنب نشوب خلاف داخل الحزب.

ورأى سوليفان وبلينكن وغيرهما في البيت الأبيض فرصة سانحة؛ فمن خلال إعادة التعهد علنًا باتباع القواعد القائمة مسبقًا – والقول فعليًا إن القوانين الأمريكية قد تجبر الإدارة على وقف توريد الأسلحة – يستطيع بايدن الضغط بشكل غير مباشر على الإسرائيليين لحماية المدنيين الفلسطينيين بشكل أفضل. 

وفي 8 فبراير/شباط 2024، وقع بايدن على مذكرة الأمن القومي رقم 20، والتي شددت على القواعد الحالية بشأن المساعدات وجرائم الحرب بنفس الطريقة التي اتبعها تعديل فان هولين تقريباً. وبعد تسعين يومًا، سيكون بلينكن مطالبًا بإرسال تقرير إلى الكونغرس يشهد بمدى التزام كل دولة تتلقى أسلحة أمريكية، وسحب فان هولين تعديله بعد أن شعر بالرضا.

وبدا أن صبر بايدن قد نفد تجاه نتنياهو؛ ففي اليوم الذي أصدر فيه المذكرة، عاد إلى منصة التحدث بعد مؤتمر صحفي غير ذي صلة للإجابة على سؤال صرخ به أحد الصحفيين، فوصف الحملة الإسرائيلية بأنها “تجاوزت الحد”، وأعلن أن “الأبرياء” “يواجهون الجوع” و”يموتون”، مضيفًا: “يجب أن يتوقف هذا الأمر”. وبعد ثلاثة أيام، وفقًا لبيان صادر عن البيت الأبيض، أبلغ نتنياهو في مكالمة هاتفية أنه يجب على القوات الإسرائيلية عدم التحرك نحو رفح بدون “خطة قابلة للتنفيذ” لحماية أكثر من مليون فلسطيني فروا إلى هناك للاحتماء في مخيمات الخيام.

ووصل خطاب الصليب الأحمر، الذي يحافظ على سرية مثل هذه الاتصالات، في الشهر التالي. وكانت المنظمة قد سهلت عمليات إطلاق سراح الرهائن وتقديم الخدمات في غزة منذ بداية الصراع. وفي الملحق، ذكرت ميريانا سبولياريتش أن إسرائيل كانت تخلق “العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية وتوزيعها” وتصدر “أوامر إخلاء تؤدي إلى نزوح السكان المتكرر إلى مناطق ليست آمنة ولا تتوفر فيها البنية التحتية لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان”. 

وقد وثّق الصليب الأحمر، حتى دون زيارة السجون، “العديد من المزاعم ذات المصداقية” بشأن “الظروف غير الإنسانية” ولاحظ “عددًا مرتفعًا بشكل غير معتاد من الوفيات أثناء الاحتجاز الإسرائيلي”. وكتبت سبولياريتش أن إسرائيل تبدو وكأنها تستحضر مبادئ معينة من اتفاقيات جنيف “ليس لتجنيب المدنيين آثار العمليات العسكرية وتجنب أو تقليل الضرر الذي يلحق بهم قدر الإمكان، كما هو هدفها وغرضها، بل لتبرير الموت والدمار”.

وبعد أربعة أيام؛ أعلن بايدن بانفعال في مقابلة تلفزيونية أنه لا يمكن لإسرائيل “تحمل سقوط ثلاثين ألف قتيل فلسطيني آخرين”، وألمح إلى أن أي عملية في رفح ستتجاوز “خطًا أحمر”. ولكن بعد لحظة واحدة، تراجع عن ذلك، قائلًا إن ذلك لا يعني قطع جميع الأسلحة الأمريكية عن إسرائيل.

ثم في الأول من أبريل/نيسان، أدت غارات جوية إسرائيلية بطائرات مسيرة إلى مقتل سبعة عمال إغاثة في قافلة نظمتها منظمة “المطبخ العالمي المركزي”، وهي منظمة غير ربحية كان مؤسسها، الطاهي الشهير خوسيه أندريس، صديقًا لبايدن. وكانت إسرائيل قد قتلت نحو مئتي عامل إغاثة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، لكن جميعهم تقريبا كانوا من الفلسطينيين. وشملت ضحايا “المطبخ العالمي المركزي” مواطنًا يحمل جنسية مزدوجة لكل من الولايات المتحدة وكندا، إلى جانب مواطنين من بولندا وأستراليا والمملكة المتحدة. 

وحذر بايدن غاضباً، علنًا وللمرة الأولى من أن الدعم الأمريكي المستمر سيُحدد بناءً على تقييم “خطوات إسرائيل المحددة والملموسة والقابلة للقياس” للحد من معاناة المدنيين. وبعد أسبوعين تقريبًا، أرسل بلينكن رسالة – لم يُكشف عنها من قبل – إلى غالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي، محذرًا إياه من المتطلبات التي عززتها مذكرة الأمن القومي رقم 20 ومطالبًا بإحداث تحسينات في إيصال المساعدات.

وفي ذلك الشهر، أرسلت ما لا يقل عن ثماني إدارات أو وكالات أو بعثات تابعة لوزارة الخارجية تقييمات طلبها بلينكن لمراجعته المطلوبة لسلوك إسرائيل. ورأت خمس إدارات على الأقل بأن إسرائيل استخدمت على الأرجح أسلحة أمريكية في انتهاكات لقوانين الحرب وعرقلت إيصال المساعدات الإنسانية الأمريكية. (وأخبرني مسؤولون أن باربارا ليف، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، وافقت على ذلك). 

ومن الجانب الآخر،اعترض جاك لو، السفير الأمريكي لدى إسرائيل – والمدافع الرئيسي عن إسرائيل داخل إدارة بايدن – بأن إسرائيل تمتثل للقوانين ذات الصلة. وخلص المكتب السياسي العسكري، الذي يشرف على مبيعات الأسلحة، إلى أن إسرائيل لم ترتكب انتهاكات باستخدام الأسلحة الأمريكية. وحضّت ديبورا ليبستات، المبعوثة الخاصة لمكافحة معاداة السامية، على عدم معاملة الدولة اليهودية بمعايير أعلى من الدول الأخرى، لكنها لم تصل إلى حد الادعاء بأنها خبيرة في شؤون الحرب أو توزيع المساعدات.

وفي الخامس من مايو/أيار، أبلغ مسؤولون إسرائيليون موقع “أكسيوس”، في محاولة واضحة لحشد المؤيدين الأمريكيين عشية نشر التقرير الموجه للكونغرس، أن إدارة بايدن قد أوقفت بهدوء شحنة مما وصفته الصحيفة بـ “الذخيرة”. وتبين أن الذخيرة المحتجزة كانت عبارة عن آلاف القنابل الضخمة: نصفها تقريبًا يزن ألفي رطل، والبقية تزن خمسمائة رطل. (القنبلة التي تزن ألفي رطل تقتل أي شخص ضمن نطاق ألف ومئتي قدم). 

وفي مقابلة أجراها مع شبكة “سي إن إن” بعد ثلاثة أيام، قال بايدن بشأن الذخائر التي تزن ألفي رطل: “لقد قُتل مدنيون في غزة نتيجة لتلك القنابل”، وأضاف أنه إذا هاجمت إسرائيل “المناطق السكانية” في رفح، فلن يكون هو من “يزودها بالأسلحة”. وقال مسؤولون إسرائيليون إن جيشهم استخدم القنابل التي تزن ألفي رطل لتدمير الأنفاق المحصنة، وعلى الرغم من وجود طرق أقل عشوائية لتحقيق هذا الهدف، إلا أن الجمهوريين انقضوا على القرار. وأعلن السيناتور توم كوتتون، عن ولاية أركنساس، أن موقف بايدن “يعتبر بمثابة دعم فعلي لانتصار حماس”. ووصف النائب كيث سيل، عن ولاية تكساس، بايدن بأنه “بينيديكت أرنولد”. وانضم ستة عشر ديمقراطيًا من مجلس النواب إلى الجمهوريين في إدانة قرار حظر القنابل الكبيرة.

وفي الوقت نفسه، داخل البيت الأبيض، كان النقاش يعود مجددًا بشأن إيران؛ ففي يوم وقوع حادثة منظمة “المطبخ العالمي المركزي”، كانت إسرائيل قد ضربت البعثة الإيرانية في سوريا. وأطلقت إيران، لأول مرة في تاريخها، هجومًا مباشرًا على إسرائيل، مستخدمة أكثر من ثلاثمائة صاروخ وطائرة مسيرة. واعترض الجيش الأمريكي (إلى جانب بعض الحلفاء العرب) معظمها، وتمكنوا بصعوبة من إقناع نتنياهو بأن يقتصر رد إسرائيل في الجولة التالية على استعراض رمزي لقوتها، تمثل في تدمير منشأة رادار إيرانية قرب أصفهان.

وتركت إيران هذا الهجوم دون رد، ورأى مسؤولو الاستخبارات وبعض موظفي مجلس الأمن القومي أن هذا القرار أظهر أن قادة الجمهورية الإسلامية، على حد تعبير مسؤول أمريكي رفيع المستوى، “لم يكونوا متعطشين لصراع أكبر”. وربما كان بإمكان بايدن آنذاك الكف عن القلق من أن أي تباين في المواقف بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد يدفع إيران إلى شن حرب إقليمية.

لكن مكغورك وغيره من المتشددين عارضوا ذلك بالقول إن الهجوم الجوي الإيراني كاد أن ينجح؛ فلم تكن القيادة المركزية الأمريكية متأكدة مما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة صد هذا العدد الهائل من الصواريخ. وقال القادة العسكريون إن إسرائيل كانت محظوظة، وأعربوا عن قلقهم من أن المزيد من الهجمات المكثفة قد يستنفد مخزونات الولايات المتحدة من صواريخ الاعتراض. والأكثر من ذلك، أن بعض الأسلحة الإيرانية قد وصلت إلى المجال الجوي الإسرائيلي، مما يمكن القول إنه أعطى حماس سبباً أكبر من أي وقت مضى للتطلع إلى اندلاع حرب إقليمية.

وكان مكغورك، الذي كان يساعد في قيادة المحادثات للإفراج عن الرهائن، قد حث زملائه مرارًا وتكرارًا على أخذ التاريخ الطويل للخطاب الإيراني بشأن محو إسرائيل “من على الخريطة” على محمل الجد؛ فقد عمل سابقًا كاتباً قضائياً لدى رئيس المحكمة العليا وليام رينكويست ومستشاراً قانونياً للاحتلال الأمريكي للعراق، وذكر زملائه بأن تعهدات أبو مصعب الزرقاوي بتأسيس خلافة جديدة كانت تبدو أيضًا مستبعدة الحدوث؛ إلى أن أعلن نفسه خليفة للدولة الإسلامية. 

ورغم أن وكالات الاستخبارات الأمريكية كانت تعتبر المرشد الإيراني المسن حذرًا ويتجنب المخاطرة، ويميل إلى ترك القتال الفعلي لوكلاء أجانب مثل حزب الله وحماس، إلا أن تقارير استخباراتية صدرت بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول أشارت إلى أن بعض الإيرانيين على الأقل كانوا يعتقدون أن هذه هي اللحظة المناسبة لهم.

وأشار مكغورك وغيره من مفاوضي الرهائن، مدعومين بمعلومات استخباراتية أكثر تحديدًا، إلى أنه كلما مارس بايدن ضغوطًا علنية على الإسرائيليين – مثل تحذيرهم من التسرع في دخول رفح – فإن ذلك كان يعيد إحياء آمال قادة حماس في أن إيران قد تأتي لإنقاذهم، ويحثهم على رفع مطالبهم، بما في ذلك عدد الأسرى الفلسطينيين الواجب الإفراج عنهم مقابل كل رهينة. ورأى ماكغورك أن عودة الرهائن إذا كانت هي الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب، فإن الضغط العلني على إسرائيل لحماية المدنيين قد يؤدي بصورة متناقضة إلى إطالة أمد القتال، مما يسفر عن سقوط المزيد من القتلى الفلسطينيين.

وأخبرني العديد من كبار المسؤولين الأمريكيين أن جميع المشاركين في صياغة سياسة غزة تقريبًا – بما في ذلك الوزير أوستن – كانوا يعتقدون أن إسرائيل تقتل عددًا من الفلسطينيين أكبر مما هو ضروري لتحقيق أي هدف مشروع. ومع ذلك، توصلت الإدارة تدريجيًا إلى قناعة بأنها لن تتمكن من إقناع إسرائيل بتغيير نهجها في غزة. وكما قال لي أحد كبار المسؤولين في البيت الأبيض، فإن الإسرائيليين “يعملون ببساطة بطريقة مختلفة تمامًا عن الطريقة التي نعمل بها كقوة برية”. ومن هذا المنظور، واجه بايدن خيارًا صارخًا: إما أن يدعم بشكل أو بآخر الحملة ضد غزة بالطريقة التي خاضتها إسرائيل، أو يجبر إسرائيل على التوقف عبر قطع إمدادات الأسلحة عنها، مما قد يترك حماس مسيطرة على غزة وتظل محتجزة الرهائن.

وتبين أن تهديدات بايدن تجاه إسرائيل كانت أقل حدة مما بدت عليه. فقد أبلغني مسؤولو البيت الأبيض أن تعليقاته على قناة “سي إن إن” بشأن عدم تزويد إسرائيل بالأسلحة إذا هاجمت رفح لم تكن مخططة مسبقاً ولم تعكس قراراً رسمياً. 

وفي الواقع، أبلغني مسؤولون آخرون أنه بعد تعليق شحنة القنابل الكبيرة، اقترح فاينر حجب القنابل التي يبلغ وزن كل منها 500 رطل أيضاً، نظراً لتعبئتها جنباً إلى جنب مع القنابل التي تبلغ كل منها 2000 رطل. لكن سوليفان طلب منه طرح هذا السؤال على بايدن، ليأمر الرئيس إثر ذلك بشحن القنابل الأصغر حجماً بشكل منفصل.

وتجدر الإشارة إلى أن الذخائر التي يبلغ وزن كل منها 500 رطل – وهي الأكبر التي ألقتها الولايات المتحدة على مدينة الموصل العراقية التي تم إخلاؤها خلال الحرب ضد تنظيم الدولة – كفيلة بقتل أي شخص ضمن نطاق 65 قدماً، وإصابة أي شخص ضمن نطاق 150 قدماً.

وبدا التعهد الظاهري لحجب الأسلحة في “مذكرة الأمن القومي رقم 20” محرجة أكثر بمرور الوقت. ولجأ بلينكن والبيت الأبيض إلى محامين في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، والذين تبنوا نهجاً تقنياً بحتاً: فكم عدد الضحايا المدنيين الذي يعتبر “متناسباً” مع الميزة العسكرية لأي هجوم؟ كانت الإجابة تعتمد على ما يعرفه مخططو الهجوم وينوونه.

ورغم أن الإسرائيليين نادراً ما شاركوا الاستخبارات الأولية بما وراء غارة جوية معينة – إن حدث وشاركوها أصلاً – إلا أنهم قدموا معلومات وفيرة حول بروتوكولاتهم المعقدة لاختيار الأهداف وتحذير المدنيين، حتى لو أثارت أعداد القتلى المتصاعدة تساؤلات حول مدى فعالية تلك الاحتياطات. وإلى أي مدى يميز الإسرائيليون بعناية بين الأهداف العسكرية والمدنية. وكان ذلك الفاصل ضبابياً؛ فعلى سبيل المثال، يمكن القول إن أي مبنى مكون من ثلاثة طوابق هو “نقطة مراقبة” عسكرية محتملة، يمكن لمقاتلي حماس من خلالها رصد القوات البرية الإسرائيلية المتقدمة. وكان المسؤولون الإسرائيليون يصرون دائماً على أن حماس كانت تنشط داخل المستشفيات وغيرها من البنى التحتية المدنية التي دمرتها قواتهم. وقال لي محامٍ أمريكي مشارك: “لقد كانت حماس مندمجة بين السكان المدنيين، لذا تحدث الجميع عن هذه الدقائق والتعقيدات لأشهر وأشهر.”

وبدا حظر إدارة بايدن لنقل الأسلحة التي يُرجح استخدامها في جرائم حرب وكأنه يوفر معياراً أكثر وضوحاً، لكن المحامين المشاركين أبلغوني أن صانعي السياسات في الإدارة بدا وكأنهم يريدون دليلاً قاطعاً على ارتكاب جريمة حرب، وبما أن وزارة الخارجية لا تدير محاكم لتقييم الأدلة، فلم يستطع المحامون إثبات أي شيء. وأوضح المحامي الأمريكي قائلًا: “إن دقة صياغة اللغة – مثل عبارات “ليس لدينا دليل قاطع، لكننا قلقون للغاية من أن إسرائيل ترتكب جرائم حرب” – بدا أن كبار المسؤولين فهموها، عملياً، على أنها تعني: “كل الأمور على ما يرام!””.

كما تضمنت اشتراطات اتفاقيات جنيف التي يُلزم الطرف المتحارب بـ”تسهيل” إيصال المساعدات الإنسانية “بكل الوسائل المتاحة له” ثغرات أيضاً؛ فقد منحت الاتفاقيات الأطراف المتحاربة الحق في “تفتيش الشحنات”، و”تنظيم مرورها وفقاً لأوقات ومسارات محددة”، و”التأكد بشكل معقول” إلى أن الإمدادات لا تهدف إلى إفادة خصم عسكري. وعلاوة على ذلك، لم تأخذ وزارة الخارجية في الاعتبار نمط إسرائيل المستمر لأشهر في عرقلة المساعدات؛ حيث اقتصرت الوزارة على تقييم حجم المساعدات المتدفقة وقت إعداد التقرير بصيغته النهائية. وبعد غارة منظمة “المطبخ العالمي المركزي” في الأول من أبريل/ نيسان، عمدت إسرائيل لفترة وجيزة إلى زيادة عدد شاحنات الإمداد الداخلة إلى غزة لتبلغ مستويات قريبة ممّا كانت عليه قبل الحرب.

وقام مسؤول كبير في البيت الأبيض بإعادة صياغة رسالة المحامين بالقول: “نحن لا نخبركم بوجود انتهاك، بل نقول إنه من الممكن تماماً الاستنتاج بحدوثه. لقد أراد الرئيس المضي قدماً ما لم يُقال له “لا يمكنك ذلك”، ولم يُقل له ذلك”. وقال مسؤول آخر في البيت الأبيض إنه لو خلصت الإدارة إلى أن جرائم الحرب الإسرائيلية كانت هي الاحتمال الأرجح، لكان “الجمهوريون في الكونغرس قد صرخوا قائلين: “أروني الأدلة!”، ولكان لدينا محامون من جانبهم يقولون: “هذا هراء، والأمر غير قاطع!””.

وعادةً ما تُصاغ تقارير وزارة الخارجية الموجهة إلى الكونغرس بواسطة عدة مساهمين في وثيقة عبر الإنترنت، وسرعان ما تحول الجزء المتعلق بإسرائيل من التقرير المطلوب بموجب مذكرة بايدن إلى مزيج غير قابل للقراءة تقريبًا من التعديلات والتعليقات المتضاربة. ثم، في 27 أبريل/ نيسان، تسربت بعض التقييمات المقدمة إلى بلينكن إلى وكالة “رويترز”. ونتيجة لغضبه، أمر بنقل المسودة إلى نظام سري، حيث اندلعت معركة سطرًا سطرًا حول كل جملة تقريبًا. وتولى مستشاران رفيعا المستوى لوزير الخارجية المهمة الحساسة المتمثلة في مطابقة المسودة مع الحقائق المزعجة. وكان يعمل ضدهم المعارضون في وزارة الخارجية، وهم ممثلون لعزرا زيا، وكيلة الوزارة لشؤون الأمن المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبشكل أكثر قوة، كريستوفر لو مون، الذي أمضى أيامًا في منشأة محصنة محاولًا إدراج أدلة دامغة تدين الحملة الإسرائيلية.

أما النتيجة التي صُدرت في الحادي عشر من مايو/ أيار، فقد اتسمت بالتناقض الحاد. وأشار التقرير إلى أن المسؤولين الإسرائيليين صرحوا رسمياً بأنهم يعززون “الجهود المبذولة لتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين”. وذكر، بقدر من التساهل، أن “الالتزام العام” لدولة ما بالقانون الدولي “لا يُدحض بالضرورة” من خلال انتهاكات فردية إذا كانت “تتخذ خطوات مناسبة للتحقيق”. وقدّم تحفظاً مفاده افتقار الولايات المتحدة إلى الوعي الميداني اللازم “للتحقق” من استخدام الأسلحة الأمريكية في حوادث محددة، وأشاد بإسرائيل لتنفيذها “تدابير إضافية” لتجنب قتل عمال الإغاثة.

ومع ذلك، ذكر التقرير أيضاً أنه “من المعقول التقييم” بأن إسرائيل استخدمت بالفعل الأسلحة الأمريكية بطرق “تتعارض” مع قوانين الحرب أو مع “أفضل الممارسات المتبعة للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين”. وأشار صراحة إلى أن بعض المعدات الإسرائيلية كانت “أمريكية الصنع بالكامل (مثل طائرات الهجوم المأهولة)” و”من المحتمل أن تكون متورطة” في جرائم حرب، وأن الحكومة الأمريكية “غير مطلعة” على أي ملاحقات قضائية ناتجة عن تحقيقات الإسرائيليين أنفسهم في الانتهاكات، وأن تعهدات إسرائيل بحماية عمال الإغاثة بعد ضربة منظمة “المطبخ العالمي المركزي” “لم تمنع تماماً” وقوع المزيد من الوفيات. وقد ظهرت كلمات مثل “مع ذلك”، و”وعلى الرغم من ذلك”، و”على الرغم من” عشرات المرات في عدد مماثل من الصفحات، وهو ما شكل منطقًا معقدًا يوضح المدى الذي وصلت إليه إدارة بايدن في تحريف الأمور وتناقضها.

وأخبرني فيليب غوردون، مستشار كامالا هاريس، أن مذكرة الأمن القومي رقم 20 “كان من الممكن، بل كان يجب، أن تكون الأداة التي نستخدمها لحمل الإسرائيليين على التصرف بشكل مختلف”. ولكن، بعد صدور التقرير النهائي، “كانوا يدركون أننا لن نفعل ذلك”. وقد أثار التقرير غضب فان هولين، صاحب التعديل الذي تم تأجيله، حيث أخبرني أنه يعتبر التقرير “تستراً كاملاً” وينطوي على “سوء نية”.

وبحلول وقت نشر التقرير، كان بايدن، بتشجيع من كل من بلينكن وسوليفان، قد قرر إلقاء خطاب “الحب القاسي” الذي طال الحديث عنه. وكان بعض المسؤولين الأمريكيين المشاركين في محادثات إطلاق سراح الرهائن قد خلصوا إلى أن نتنياهو، لأسباب سياسية داخلية، يفضل إطالة أمد الحرب على إبرام صفقة لإطلاق سراح الرهائن، ولذا خطط بايدن لمحاولة تجاوز نتنياهو وحث الجمهور الإسرائيلي على التخلي عن الحرب الشاملة.

ومع ذلك، وبعد مراجعات متعددة، تدخل ديرمر ونتنياهو؛ ربما لعلمهما بما كان يجري التحضير له. وأبلغا البيت الأبيض أن إسرائيل تدرس بجدية خطة مرحلية لوقف إطلاق النار وتبادل الرهائن قدمتها الولايات المتحدة، ويبدو أن حماس تقبلها. (وأخبرني أشخاص شاركوا في المفاوضات أنه، طوال فترة الصراع، سعت حماس بشكل عام إلى مقايضة رهائنها بالإفراج عن الأسرى، وإنهاء الحرب، وفرصة للاحتفاظ بالسيطرة على غزة، في حين اعتبرت حكومة نتنياهو تلك النتيجة غير مقبولة).

وتخلى بايدن عن خطاب “الحب القاسي” وطلب تحويله إلى دعوة للقادة الإسرائيليين لقبول الصفقة المطروحة على الطاولة. وفي خطاب ألقاه من البيت الأبيض في 31 مايو/أيار، قال بايدن إن الاتفاق المقترح سيبدأ بوقف لإطلاق النار مدته ستة أسابيع، وإذا أفرجت حماس عن الرهائن من النساء والمسنين والجرحى، ستنسحب إسرائيل من المراكز السكانية في غزة وتفرج عن مئات السجناء الفلسطينيين. وبعد ذلك، في انتظار مفاوضات أخرى غير محددة، ستنسحب إسرائيل بالكامل من غزة وتلتزم بـ “وقف الأعمال العدائية بشكل دائم” إذا أفرجت حماس عن الرهائن المتبقين. وفي محاولة لإقناع نتنياهو بالموافقة، نسب بايدن -بشكل مضلل- للإسرائيليين وضع مخطط الصفقة، على الرغم من أن مناشداته المتكررة للإسرائيليين قبول الشروط أثارت تساؤلات حول واضعها الحقيقي.

وبقيت بضع مقاطع متبقية من مسودة “الحب القاسي”؛ فقد قال بايدن للإسرائيليين إن الحرب قد “دمرت حماس” بالفعل، وضمنت عدم قدرة الحركة على شن هجوم آخر مثل هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وأضاف أن “الحرب اللانهائية سعيًا وراء مفهوم غير محدد للـ ‘النصر الشامل'” من شأنها أن تورط الجيش الإسرائيلي في مستنقع وتعزل الدول الأخرى. علاوة على ذلك، لا يمكن لمثل هذه الحرب أن تؤدي إلى عودة الرهائن أو أي “هزيمة دائمة لحماس”. ومع ذلك، أشاد جوهر الخطاب بما صوره بايدن على أنه مقترح نتنياهو لوقف إطلاق النار.

هل كان نتنياهو جادًا بشأن مثل هذه الصفقة؟ أصر مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى مقرب منه على أنه كان جادًا، وألقى باللوم على حماس في التراجع لأنها كانت لا تزال تأمل في دخول حزب الله وإيران الحرب. غير أن العديد من المسؤولين الأمريكيين الكبار وإسرائيليًا مقربًا من مداولات مجلس الوزراء أخبروني أنهم يعتقدون أن نتنياهو تظاهر بالاهتمام فقط. وقال الإسرائيلي إن نتنياهو فعل ذلك لتهدئة المنتقدين الداخليين الذين يضغطون من أجل إطلاق سراح الرهائن، وأشار الأمريكيون إليّ إلى أنه كان يطمح أيضًا إلى التلاعب ببايدن. وقد وافقت حماس على الشروط التي حددها بايدن، ولكن بمجرد إلقاء خطاب “اقبل الصفقة” الأكثر اعتدالاً، بدأ نتنياهو في طرح مطالب جديدة كان يعرف أن حماس سترفضها، مثل السماح لإسرائيل بالاحتفاظ بالسيطرة على ممر مركزي عبر غزة وممر آخر داخل الحدود المصرية. ثم، بعد أسابيع قليلة، نسفت إسرائيل المحادثات الجارية عبر اغتيال كل من إسماعيل هنية، زعيم حماس الذي يقود محادثات السلام في قطر، ومحمد الضيف، وهو صانع قرار بارز داخل غزة. وقال لي مسؤول سابق في البيت الأبيض: “كان بيبي يلعب ألعابًا”.

وفي سبتمبر/أيلول 2024، أجرت حكومة عمالية جديدة في بريطانيا مراجعتها الخاصة لامتثال إسرائيل للقانون الدولي. ومستشهدة بعرقلة إسرائيل لـ “المواد الغذائية والإمدادات الطبية المنقذة للحياة”، وسوء معاملتها للمحتجزين، و”الخطر الواضح” المتمثل في احتمال استخدام الأسلحة البريطانية في ارتكاب جرائم حرب؛ أعلن وزير الخارجية ديفيد لامي، بـ “أسف”، أن القوانين البريطانية تفرض “واجبًا قانونيًا” بتعليق نقل الأسلحة إلى إسرائيل لاستخدامها في غزة. لكن إسرائيل كانت تعتمد على بريطانيا في القليل نسبياً من المعدات العسكرية -حيث تأثرت نحو ثلاثين رخصة تصدير بريطانية فقط- لذا كان القرار رمزيًا إلى حد كبير.

وفي الشهر التالي، قادت زيا، وكيلة وزارة الخارجية، وليز غراندي، مسؤولة الإغاثة المخضرمة في الأمم المتحدة والتي كانت مبعوثة بايدن الخاصة للشؤون الإنسانية في الشرق الأوسط، صياغة رسالة سرية إلى غالانت وديرمر تحذران فيها من أن مذكرة الأمن القومي رقم 20 تتطلب إعادة تقييم دورية لسلوك إسرائيل. وأشارت الرسالة إلى أن إسرائيل كانت تحظر حالياً المساعدات القابلة للتلف والممولة من أمريكا، وأن الكمية الشهرية للمساعدات التي تعبر الحدود انخفضت مؤخراً إلى أدنى مستوى جديد لها. وقالت الرسالة: “ابتداءً من الآن وفي غضون 30 يومًا”، كان على إسرائيل الامتثال لنحو عشرين مطلبًا، بما في ذلك استعادة زيارات الصليب الأحمر للمعتقلين. ووقع كل من أوستن وبلينكن على الرسالة في 13 أكتوبر/تشرين الأول، وبعد يومين، تم تسريب الوثيقة إلى موقع “أكسيوس” -في محاولة أخرى على ما يبدو من جانب الإسرائيليين لدفع مؤيديهم الأمريكيين للضغط على بايدن للتخلي عن تهديدات بقطع الأسلحة-.

مع ذلك، بدت الرسالة وكأنها دفعت إسرائيل مرة أخرى إلى زيادة كمية المساعدات التي تدخل غزة بشكل كبير. كما حددت إسرائيل موعدًا لاجتماع ثنائي في نوفمبر/تشرين الثاني للتعاون مع بروتوكول التوجيه الأمريكي للاستجابة لحوادث إلحاق الضرر بالمدنيين. وكان لدى وزارة الخارجية بحلول ذلك الوقت قائمة تضم عدة مئات من حوادث الأضرار التي لحقت بالمدنيين لمناقشتها.

ومع ذلك، بعد أسابيع قليلة، فاز ترامب بالانتخابات. وفي اليوم التالي، ألغت إسرائيل الاجتماع. وبحلول أبريل/نيسان 2025، كانت إسرائيل قد خفضت تدفق المساعدات الإنسانية بشكل أكبر من أي وقت مضى؛ وبحلول أغسطس/آب، حدثت مجاعة كاملة المعالم. وفي سبتمبر/أيلول، أرجع مسؤولو الصحة في غزة 440 حالة وفاة إلى سوء التغذية، بما في ذلك 147 طفلاً.

واليوم، يرى العديد من المسؤولين السابقين في إدارة بايدن بأن ضغطهم على الإسرائيليين منع حدوث مجاعة في وقت مبكر. ويؤكد المسؤولون بمرور الوقت أن جهود بايدن أبطأت أيضًا عمليات القتل: حيث قُتل نحو خمسة وعشرين ألف فلسطيني في الأشهر الثلاثة الأولى من صراع غزة، واستغرق الأمر اثني عشر شهرًا لتتضاعف حصيلة القتلى. (ولا تفرق وزارة الصحة في غزة، التي تتبع الوفيات، بين المدنيين والمقاتلين). 

وعلى وجه الخصوص، يبدو أن تحذيرات بايدن بشأن رفح قد دفعت إسرائيل إلى بذل جهود أكبر بكثير لإجلاء المدنيين مقارنة بما فعلته قبل تسوية مدينة غزة وخان يونس بالأرض. وأخبرني مسؤول كبير في البيت الأبيض أن الضغط الأمريكي جعل تدمير رفح “أقل رعبًا للمدنيين مما كان يمكن أن يكون عليه”، حتى لو قامت إسرائيل مع ذلك بـ “تسويتها بالأرض”. وأشار العديد من المسؤولين السابقين لي بفخر إلى أنه بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول أصبحت إدارة بايدن هي الإدارة الأولى التي تفرض عقوبات على مستوطني الضفة الغربية العنيفين. ويلقي الجميع في إدارة بايدن باللوم على ترامب لسماحه باستمرار الحرب حتى أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ولإبقاء القوات الإسرائيلية تحتل ما لا يقل عن ستين بالمائة من غزة، ولسماحه للحرب بإشعال الشرق الأوسط.

ورفض مكغورك، الشخص الأكثر تشدداً في محيط بايدن، التعليق أو نقل اقتباسات عنه لهذا المقال، لكن أشخاصًا مقربين منه أخبروني أنه يعتقد أن تحذيره ثبتت صحته: فالضغط العام المحدود الذي فرضته إدارة بايدن على إسرائيل لحماية المدنيين أدى في الواقع إلى إطالة أمد الحرب. وفي مقال رأي نشرته صحيفة “واشنطن بوست” العام الماضي، رأى ماكغورك بأن حماس أفرجت عن الرهائن لأن إسرائيل أهلكت مقاتليها بينما أدت “قوة السلاح عبر الشرق الأوسط” التي استخدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى شلل إيران ووكلائها، مما ترك حماس “معزولة ولم تعد قادرة على التعويل على صراع متعدد الجبهات”، وانتهى إلى أنه على الرغم من الخسائر الفادحة التي خلفتها الحرب، “لم يكن هناك طريق مختصر”.

ومع ذلك، ومع سقوط أكثر من سبعين ألف قتيل فلسطيني، وتشريد معظم ما تبقى من سكان غزة، واحتلال الجيش الإسرائيلي لجزء كبير من الأراضي، قوض الصراع المصلحة طويلة الأجل للولايات المتحدة التي زعمت إدارة بايدن أنها سعت لتحقيقها: دولة يهودية ديمقراطية تتعايش بسلام مع دولة فلسطينية؛ فبين الإسرائيليين، أدت محنة الرهائن الممتدة إلى تصلب المعارضة ضد فكرة إقامة دولة فلسطينية التي كانت تتبدد بالفعل، وتسارعت عمليات الاستيطان في الضفة الغربية بشكل حاد. 

أما بين الفلسطينيين، فلم يؤدِ عدد القتلى المدنيين إلا إلى زيادة جاذبية المقاومة المسلحة على طريقة حماس، تمامًا كما حذر الوزير أوستن؛ فحماس – التي أنهت الحرب بنحو عشرين ألف مقاتل، تم تجنيد بعضهم وتدريبهم خلال الحرب – تسيطر على ما تبقى من غزة. وقبل السابع من أكتوبر، قدرت إسرائيل والولايات المتحدة أن لدى حماس أقل من ثلاثين ألف مقاتل، وقد انخفضت صفوف حماس بنحو عشرة آلاف مقاتل؛ في حين قُتل أكثر من سبعين ألف فلسطيني في هذه العملية. 

وعلاوة على ذلك وفي الولايات المتحدة، أدى عدد القتلى الفلسطينيين إلى الإضرار بشدة بالتعاطف الأمريكي التاريخي مع الدولة اليهودية؛ ففي الانتخابات التمهيدية للكونغرس، أدى نقاش حاد ومرير حول الدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل إلى تمزيق الحزب الديمقراطي لدرجة لم تكن متخيلة قبل خمس سنوات فقط، وهو يهدد بتقسيم الجمهوريين أيضًا. وقد أخبرني جون فاينر أن السمة المميزة لصراع غزة كانت أنه، بالنسبة لحماس وإسرائيل على حد سواء، “لم يكن إلحاق الأذى بالمدنيين تأثيرًا جانبيًا بل جزءًا من الإستراتيجية”، مبينًا أن الولايات المتحدة “يجب ألا تتسامح مع حروب يكون فيها إلحاق الأذى بالمدنيين هدفًا، وألا تسمح باستخدام أسلحتنا لهذا الغرض”.

وأخبرني بلينكن وسوليفان أنهما شعرا بالندم هما أيضًا،  فقد قال بلينكن: “كيف لا تشعر بالندم بالنظر إلى الخسائر البشرية التي ألحقتها هذه الحرب برجال ونساء وأطفال أبرياء؟”، لكنه كرر مقولة لبايدن: “شككوا في قراراتي، ولكن لا تشككوا في دوافعي”. وأخبرني سوليفان، الذي جعله دوره مستشارًا للأمن القومي آخر من يغادر الغرفة قبل أن يتخذ بايدن قرارًا، أنه ظل مستيقظًا طوال العديد من الليالي يفكر فيما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة فعله بشكل مختلف. وفيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية، قال: “كنا نحقق تقدمًا ثم نتراجع، وتقدمًا ثم نتراجع مرارًا وتكرارًا”، مضيفًا: “كان يجب أن نجد طريقة للخروج من حالة الشد والجذب المستمرة هذه”.

ومع ذلك، قال سوليفان إن بايدن وكبار مستشاريه كانوا قلقين من أن اتخاذ إجراء لجعل إسرائيل تحمي المدنيين بشكل أفضل قد “ينطوي على مخاطرة تتمثل في الفشل في تغيير السياسة الإسرائيلية وفي دفع حماس لزيادة مطالبها في الوقت نفسه”، وتابع قائلًا: “ومتى كانت اللحظة المناسبة؟”. وأخبرني أن الإدارة قد “فكرت بجدية في إحداث قطيعة حاسمة مع إسرائيل” في ربيع عام 2024، “في الفترة التي سبقت الهجوم على رفح، عندما كانت حماس تماطل في المفاوضات”، ومرة أخرى في يوليو/تموز 2024، “عندما عادت حماس للطاولة”. ولكن، في كل محطة، كانت هناك مخاطر: “ماذا عن الرهائن؟ وماذا عن إسرائيل وهي تتعرض للهجوم من جميع الجهات؟ ما التأثير الذي سيحدثه ذلك على محادثات وقف إطلاق النار وإنهاء هذه الحرب البغيضة؟”.

قرب نهاية ولاية بايدن، ركز التحقيق الذي أُجري بموجب “قوانين ليهي” — والذي أطلقه المعتقلون السابقون الذين أُعيدوا قسراً إلى غزة — على قاعدة عسكرية تُدعى “سدي تيمان”. وفي ذلك الصيف، وصل سجين فلسطيني من تلك القاعدة إلى مستشفى إسرائيلي مصابًا بكسور في الضلوع وتمزق في المستقيم، وأظهرت لقطات فيديو مسربة جنودًا إسرائيليين وهم يرفعون دروع مكافحة الشغب لحجب كاميرات المراقبة بينما بدا أنهم يضربونه ويعتدون عليه. وبلغت عملية “قوانين ليهي” ذروتها بتقديم وثيقة ليوقع عليها بلينكن من شأنها قطع المساعدات الأمريكية عن قاعدة “سدي تيمان”. ومع ذلك، أخبرني بلينكن أنه اعتقد مرة أخرى أننا “كنا على وشك التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ولم أكن أريد تعريضه للخطر”. (وقد أُعلن عن اتفاق لوقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن كان مكجورك يعمل عليه مع مغادرة بايدن لمنصبه، لكنه كان عابرًا ولم يدم). كما ناشد مايكل هرتسوغ، السفير الإسرائيلي، بلينكن ألا ينفذ العقوبات. وكان أحد المدعين العامين العسكريين الإسرائيليين قد احتجز عدة جنود للتحقيق معهم، وأكد هرتسوغ لبلينكن أن لائحة اتهام ستصدر قريبًا؛ فغادر بلينكن منصبه دون أن يوقع على الوثيقة.

وفي شهر مارس/آذار الماضي، أسقط الجيش الإسرائيلي التهم الموجهة ضد خمسة من الجنود، على أساس أن مقطع الفيديو المسرب قد مس بنزاهة المحاكمة العادلة وأن الشاهد المصاب قد أعيد إلى غزة، وأشاد نتنياهو بإسقاط التهم ووصف القضية بأنها “فرية دم”.

وبعد خسارة بايدن للانتخابات، وزعت مجموعة عمل من محامي الإدارة مجموعة جديدة وقوية من النقاط لمسؤولي الولايات المتحدة ليطرحوها على نظرائهم الإسرائيليين. وقد تكون العديد من تلك النقاط قد كُتبت في وقت ما من ربيع عام 2024، ومنها: “على ضوء الدمار والأضرار الهائلة في غزة، فضلاً عن فهمنا بأن حماس قد تعرضت للدمار كقوة عملياتية… نحن في الحكومة الأمريكية لا نرى ضرورة عسكرية واضحة لاستمرار العمليات”. وتحت عنوان “التهجير القسري”، أبدى المحامون ملحظة بأن “التهجير يبدو بشكل متزايد واضحًا ومقصودًا”. وتحت عنوان “تجويع المدنيين”، كتبوا أن “الحقائق على الأرض” أثارت “مخاوف جسيمة” بشأن “التجويع المتعمد للمدنيين لدفعهم لمغادرة المنطقة”، وأن القيود التي فرضتها إسرائيل على المساعدات كانت تلحق الضرر بالمدنيين الفلسطينيين “بما يتجاوز بكثير أي ميزة عسكرية متوقعة أخرى”. وتحت عنوان “الاستهداف/سلوك الأعمال العدائية”، أشاروا إلى أن الأضرار التي لحقت بالمدنيين تبدو متزايدة التعمد، مضيفين: “نواجه صعوبة حقيقية في فهم الضرورة العسكرية لتنفيذ ضربات أدت إلى مثل هذه المستويات العالية من الخسائر في صفوف المدنيين والدمار الواسع النطاق للممتلكات”. ودعت هذه النقاط إلى المتابعة، في غضون “أيام لا أسابيع”، بشأن “خطط للتحسين”. ولكن بحلول ذلك الوقت لم يكن أحد يستمع بالتأكيد. فقد كان ترامب في طريقه للعودة إلى البيت الأبيض.

المصدر: نيويوركر

مواضيعالحرب على غزة ، السياسة الأمريكية ، عهد جو بايدن

قد يعجبك ايضا

سياسة

جزيرة تحت النار.. لماذا أصبحت “زُقَر” نقطة اشتباك استراتيجية بالبحر الأحمر؟

نون إنسايت٢١ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

100 مليون دولار لتجميل صورة إسرائيل.. والنتيجة مزيد من العزلة

أومير بنجاكوب٢١ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

التصعيد الحوثي ضد السعودية.. قراءة في حسابات طهران ورسائل باب المندب

عماد عنان٢١ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑