Also available in English
أبلغ جيش الاحتلال الإسرائيلي المجلس الوزاري المصغر “الكابينت”، في 15 يوليو/تموز 2026، بسيطرته على ما بين 67 و70% من مساحة قطاع غزة، بعد توسيع انتشاره إلى ما وراء “الخط الأصفر”، الذي كان يفترض أن يحصر وجوده في نحو 53% من القطاع.
وهو ما أكدته تصريحات لاحقة، على لسان وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بقوله: “قريبًا سنكون قد دمرنا 70% من مساحة قطاع غزة تحت الأرض وفوقها”، وكذلك وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، بقوله: “نسيطر على قرابة 70% من مساحة قطاع غزة وسنسيطر عليه كاملًا خلال أسابيع”.
وبينما تبتلع آلة الاحتلال مساحات جديدة من شرق القطاع، ويتفاخر مسؤولوه علنًا وصراحةً بتدمير أحياء كاملة ومحو معالمها، تكشف صور أقمار صناعية وصور ميدانية وشهادات خاصة جمعها “نون بوست”، انحشار مئات آلاف النازحين على الشريط الساحلي.
تشكل هذا الحزام عبر موجات نزوح متتالية، إذ أجبرت العمليات العسكرية وأوامر الإخلاء وتفريغ مواقع النزوح عشرات آلاف العائلات على حمل نفسها والاتجاه نحو رقعة ضيقة على الساحل الغربي للقطاع، تمتد من مواصي خان يونس جنوبًا، مرورًا بدير البلح، وصولًا إلى ميناء غزة غرب المدينة.
وفي بعض المواقع، لم يعد يفصل الخيام عن مياه البحر سوى أمتار قليلة، فيما لا يحول بين خيام أخرى والأمواج سوى ركام من الصخور والردم أو شريط رملي ضيق.
مساحة النجاة بين الخط الأصفر وحافة البحر
بدأ تضييق المساحة المتاحة للفلسطينيين مع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حين حدد “الخط الأصفر” نقطة الانتشار الأولى لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وأبقى نحو 53% من مساحة القطاع تحت سيطرته، مقابل 47% تجمع فيها معظم السكان غرب الخط.
لكن العلامات الخرسانية الصفراء تحركت لاحقًا نحو الغرب في مواقع متفرقة، بالتزامن مع توغلات جديدة وإقامة سواتر ومواقع عسكرية، ما أخرج أحياء ومساحات إضافية من نطاق السكن والحركة وحرم السكان من العودة إلى منازلهم وأراضيهم.
كتل خرسانية صفراء تحدد مسار “الخط الأصفر” داخل قطاع غزة. المصدر: أسوشيتد برس والأناضول.
وفي مارس/آذار 2026، وسع الجيش نطاق القيود عبر خرائط أرسلها إلى منظمات الإغاثة، تضمنت ما عُرف بـ”الخط البرتقالي” الذي امتد غرب “الخط الأصفر”، داخل المساحة التي يعيش فيها الفلسطينيون.
ومع استمرار توسيع نطاق القيود، قالت الأمم المتحدة في 26 يونيو/حزيران 2026 إن المناطق المقيدة الوصول باتت تشغل نحو 65% من مساحة قطاع غزة، ومعظمها محظور على السكان.
ومع اتساع مناطق السيطرة العسكرية شرقًا، ضاق الحيز المتاح للفلسطينيين أكثر بفعل الدمار، فبحسب أحدث تقييم شامل نشره مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية “يونوسات”، تضرر نحو 81% من منشآت غزة حتى 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بينها قرابة 320 ألف وحدة سكنية.
كما خلّفت الحرب أكثر من 61 مليون طن من الأنقاض، غطت الأحياء وسدّت الطرق وعرقلت الوصول إلى الأراضي والخدمات، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادرة في يوليو/تموز 2026.
حتى آخر متر من اليابسة..
وبحسب الأمم المتحدة، فرّ 90% من سكان غزة، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، من منازلهم خلال الحرب، في ظل حدود شبه مغلقة، ومع تعذر العودة وامتلاء مراكز الإيواء والمناطق الداخلية، اتجهت موجات النزوح المتتالية نحو المساحات المفتوحة غربًا.
وتظهر صور أقمار صناعية رصدها “نون بوست” امتداد تجمعات خيام النازحين حتى رمال البحر، حيث أقامت عائلات داخل مآوٍ تفتقر إلى المياه والصرف الصحي والحماية من حر الصيف وبرد الشتاء.
وتؤكد شهادات خاصة جمعها “نون بوست” أن الوصول إلى الساحل جاء بعد استنفاد أماكن النزوح الأخرى، إذ اضطر بعض النازحين إلى التنقل مرات عديدة قبل أن ينتهي بهم المطاف داخل خيام مهترئة أو منشآت آيلة للسقوط، بين البحر ومناطق انتشار جيش الاحتلال الإسرائيلي.
تجسد شهادة الحاج شعبان سعيد عليوة ما تكشفه هذه الصور؛ فقد نزحت عائلته نحو 20 مرة، وتنقلت بين المدارس والمؤسسات والمساجد وبيوت الأقارب قبل أن تصل إلى الساحل، ويقول: “لم نجد مكانًا آخر نذهب إليه، فانتهى بنا المطاف على الشاطئ، حيث نقيم منذ نحو عام ونصف، بعضنا داخل خيام وبعضنا في مبانٍ مهدمة لا تصلح لسكن الإنسان”.
يقيم عليوة داخل مبنى مدمر تابع للدفاع المدني، قصفه جيش الاحتلال، ثم نظفته العائلة واتخذته مأوى رغم انهيار أجزاء من سقفه وغياب المياه والحمامات وشبكات الصرف الصحي، ويقول: “في الشتاء تحاصرنا المياه من الأعلى والأسفل، وفي الصيف نعاني الحر والحشرات”.
ويصف المكان بأنه أقرب إلى العيش في الشارع، وسط القوارض والنفايات ودرجات حرارة تتجاوز 40 درجة. ومع تقدم خطوط سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، تتقلص الرقعة التي يمكنهم الاحتماء بها، فيقول عليوة: “كلما اقترب الخط الأصفر، ازداد الضغط علينا وضاقت المساحة. نحن عالقون هنا بلا مياه كافية ولا طعام ولا مكان آخر ننتقل إليه”.
وتدعم صور ومقاطع ميدانية وثقها مراسل “نون بوست” في قطاع غزة ما بينته صور الأقمار الصناعية وروته شهادات النازحين، إذ تظهر خيام متلاصقة تغطي الشريط الضيق بين الطرق الساحلية والشاطئ، ولا تفصلها عن المياه سوى مساحة محدودة من الرمال، في مواجهة مباشرة مع الأمواج والرياح.
ميناء غزة.. الخيام تملأ الأرصفة
يمتد حزام الخيام شمالًا إلى ميناء غزة، حيث تكشف صور أقمار صناعية رصدها “نون بوست”، وتؤكدها مشاهد ميدانية وثقها مراسل الموقع، تجمعات كثيفة من الخيام والمآوي فوق الأرصفة الجنوبية والشرقية وعلى الطريق المحيط بالحوض، حتى لم يعد يفصل بعضها عن المياه سوى كتل صخرية محدودة.
وهناك، تواجه يواجه النازحون ظروفًا قاسية على مدار العام؛ حرارة ورطوبة مرتفعتان صيفًا، ورياح وأمطار تقتلع الخيام والشوادر شتاءً، إذ يروي عاطف الفران لـ”نون بوست”، أن عائلته اضطرت إلى النزوح مرات متتالية، قبل أن تستقر في منطقة الميناء على شاطئ البحر، فيقول: “نزحنا 3 أو 4 أو 5 مرات، وكان آخر ما وصلنا إليه منطقة الميناء، حيث نقيم حاليًا على الشاطئ”.
ويستعيد الفران ما حدث خلال الشتاء الماضي، حين ضربت المنطقة عدة منخفضات جوية وغمرت المياه الخيام وأتلفت محتوياتها، قائلًا: “لم تبقَ خيمة في مكانها، واضطررنا إلى إنزال الشوادر على الأرض، وفقدنا معظم ما نملكه”.
ورغم إقامة العائلة بمحاذاة البحر، تعاني نقصًا حادًا في المياه الصالحة للاستخدام، إذ تصلها كميات محدودة، وتكون مالحة في أحيان كثيرة، إذ يقول الفران إنهم ينتظرون انسحاب جيش الاحتلال ليتمكنوا من العودة إلى منطقتهم الواقعة خلف “الخط الأصفر”، بعدما لم يعد أمامهم سوى البقاء في هذا الموقع الساحلي.
وكما هو الحال في الشهادات السابقة، يروي سالم يعقوب إبراهيم، الذي نزح من شرق حي التفاح إلى منطقة الميناء غرب مدينة غزة، بعد رحلة طويلة من النزوح المتكرر كلما توغل جيش الاحتلال، وفي بعض الأيام، كما يقول، كان يضطر إلى الهرب بأطفاله 3 أو 4 مرات.
انتهت الرحلة بعائلته المكونة من 8 أفراد داخل خيمة متهالكة قرب البحر، ويقول لـ”نون بوست” إن: “الحياة بجوار البحر صعبة جدًا بسبب الرياح والبرد ليلًا، بينما تتحول الخيمة نهارًا إلى كتلة من النار لا يمكن احتمالها”، ولذلك يبقى أطفاله خارج الخيمة معظم ساعات النهار، قبل أن يعودوا إليها بعد انخفاض الحرارة عصرًا.
وتصل أزمة المياه إلى حد اضطرار العائلة إلى استخدام مياه البحر في احتياجاتها اليومية، إذ يوضح سالم: “ننزل إلى البحر ونملأ بعض الأوعية حتى تصل شاحنة المياه، ونستخدم مياهه لغسل الأطفال والملابس وقضاء الاحتياجات اليومية، رغم تلوثها بالمياه العادمة، لأن المياه العذبة التي تصلنا لا تكفي”.
وتثقل حالته الصحية، إلى جانب إصابة أحد أطفاله بمرض في القلب، أعباء الحياة اليومية وصعوبة الوصول إلى الماء والطعام، ويرى سالم أن اتساع “الخط الأصفر” قلص المساحات المتاحة أمام النازحين وأغلق طريق العودة إلى مناطقهم، فيقول: “استحوذ الخط الأصفر على مساحة واسعة، ولم يعد أمام الناس مجال للانتقال إلى أماكن أخرى، كما باتت العودة إلى شرق حي التفاح شديدة الصعوبة”.
ولا تنحصر الأخطار التي تحاصر هذه العائلات في أمواج البحر واحتمالات الغمر، إذ تلاحقها الغارات الإسرائيلية حتى آخر الأمتار المتبقية لهم للنجاة، ففي 29 يونيو/حزيران، قتلت غارة جوية أمًا وطفلتها في المنطقة، ودمّرت خيام أكثر من 150 أسرة، وألحقت أضرارًا بخيام نحو 250 أسرة أخرى، ثم أصابت ضربة إسرائيلية، في 12 يوليو/تموز، مخيمًا للنازحين في مواصي خان يونس، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة آخرين، بينهم أطفال.
وبعد أن اعتاد الغزيون النظر إلى البحر كمتنفس مؤقت من الحصار أو حد جغرافي طبيعي للقطاع، صار آخر ما يعرفونه مستقرًا، فانحشروا عند حافته في هامش ضيق للنجاة؛ خلفهم تتسع رقعة الإبادة، وفي داخلهم خوف من نزوح جديد إلى مكان لم يعد موجودًا أصلًا.