• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

اليمن: اشتباكات الحديدة تختبر هدنة الساحل الغربي

بشرى الحميدي٢٥ يوليو ٢٠٢٦

الهجوم الإسرائيلي على ميناء الحديدة أسفر عن مقتل 6 أشخاص وإصابة أكثر من 80 آخرين (الفرنسية)

أعادت اشتباكات متفرقة وتحركات عسكرية في عدد من محاور جنوب محافظة الحديدة، جبهة الساحل الغربي، إلى واجهة المشهد اليمني، بعد سنوات من انخفاض مستوى المواجهات بفعل التفاهمات المرتبطة باتفاق ستوكهولم الموقع عام 2018.

وجاءت عودة الاحتكاك في مناطق التماس وسط تبادل الاتهامات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي بشأن المسؤولية عن المواجهات، دون تسجيل مؤشرات معلنة حتى الآن على تغير واسع في خطوط السيطرة أو انتقال القتال إلى مرحلة جديدة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بسبب موقع الحديدة العسكري والاقتصادي، وارتباطها بملفات تتجاوز الصراع المحلي، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات إقليمية متصاعدة. وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول طبيعة ما يجري: هل يمثل استمرارًا لنمط الخروقات المحدودة، أم أنه مؤشر على هشاشة التهدئة التي حافظت على هدوء نسبي في المحافظة؟

ماذا حدث في الحديدة؟

شهدت جبهات الساحل الغربي مطلع يوليو/تموز 2026 اشتباكات متفرقة وتحركات عسكرية في عدد من مناطق التماس جنوب محافظة الحديدة، وسط تبادل الاتهامات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي بشأن المسؤولية عن اندلاع المواجهات.

ورغم عدم تسجيل تغيرات كبيرة في خطوط السيطرة أو توسع جغرافي للمواجهات، فإن عودة الاحتكاك إلى جبهة بقيت أكثر هدوءًا خلال السنوات الماضية أعادت تسليط الضوء على هشاشة الوضع القائم في المحافظة.

جبهة استراتيجية

لا يمكن فهم حساسية الحديدة دون النظر إلى موقعها في الحرب اليمنية، فالمحافظة الواقعة على الساحل الغربي تضم ثلاثة موانئ رئيسية، هي: الحديدة والصليف ورأس عيسى، وتمثل أحد أهم الممرات التي تدخل عبرها السلع التجارية والمساعدات الإنسانية إلى اليمن.

ومنذ سيطرة جماعة الحوثي على المدينة عام 2014، أصبحت الحديدة إحدى أبرز نقاط الصراع، إذ منحها موقعها المطل على البحر الأحمر أهمية عسكرية واقتصادية تجاوزت حدود المحافظة نفسها، وجعل أي معركة فيها محل اهتمام دولي بسبب تأثيرها المحتمل على الوضع الإنساني وأمن الملاحة.

وفي عام 2018، تصاعدت المعارك حول المدينة بعد تقدم القوات المدعومة من الحكومة اليمنية والتحالف نحو أطراف الحديدة، وسط تحذيرات أممية من تداعيات أي عملية عسكرية داخل المدينة أو قرب موانئها على ملايين اليمنيين الذين يعتمدون على الواردات القادمة عبر البحر.

وأدت الضغوط الدولية حينها إلى دفع الأطراف نحو اتفاق ستوكهولم الذي أوقف المعارك الواسعة حول المدينة وموانئها، لكنه لم ينهِ الخلافات المتعلقة بمستقبل المحافظة.

غارة على ميناء الحديدة

اتفاق هش

وقّعت الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي اتفاق ستوكهولم في ديسمبر/كانون الأول 2018 برعاية الأمم المتحدة، ونص على وقف إطلاق النار في محافظة الحديدة، وإعادة انتشار القوات في مناطق محددة، وإنشاء آلية أممية لمراقبة تنفيذ الاتفاق.

لكن الاتفاق لم يكن تسوية سياسية شاملة للحرب اليمنية، بل ركز بصورة أساسية على منع انهيار الوضع العسكري والإنساني في الحديدة. ومع مرور الوقت، تعثرت عملية التنفيذ بسبب الخلافات بين الأطراف حول تفسير بنوده وآليات تطبيقه، واستمرت الاتهامات المتبادلة بشأن خرقه.

وبذلك بقيت المحافظة في وضع بين الحرب والسلام؛ إذ توقفت المعارك الكبرى، لكن الترتيبات الأمنية والسياسية التي نص عليها الاتفاق لم تكتمل بصورة نهائية.

كما أضاف انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بُعدًا جديدًا إلى المشهد، بعد أن ظلت البعثة خلال السنوات الماضية جزءًا أساسيًا من آليات متابعة الاتفاق والحد من التصعيد.

مؤشرات ميدانية

رغم عودة الاشتباكات والتحركات العسكرية، لا توجد حتى الآن مؤشرات معلنة على تغير في خريطة السيطرة الميدانية أو انتقال المواجهات إلى مرحلة عمليات عسكرية واسعة.

وتبقى التطورات الحالية ضمن نطاق الاحتكاكات التي شهدتها مناطق التماس خلال السنوات الماضية، إلا أن أهميتها ترتبط بتوقيتها، إذ تأتي في ظل بيئة إقليمية مضطربة قد تجعل أي تصعيد محلي أكثر ارتباطًا بحسابات تتجاوز الداخل اليمني.

ويرى الصحفي والكاتب عبدالله دوبلة أن ما يحدث في الساحل الغربي لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية، معتبرًا أن التحركات العسكرية الأخيرة تأتي ضمن سياق أوسع مرتبط بالتوترات القائمة في المنطقة.

وقال دوبلة لـ”نون بوست” إن مستوى التصعيد في الحديدة يرتبط بدرجة كبيرة بمسار المواجهة الإقليمية، موضحًا أن أي تصعيد بين القوى المؤثرة في المنطقة قد ينعكس على الجبهات اليمنية المختلفة.

في المقابل، يرى العميد عبدالسلام عامر، الخبير العسكري والاستراتيجي في وزارة الدفاع التابعة لحكومة صنعاء، أن التطورات الأخيرة لا تمثل تحولًا جديدًا في مسار الجبهة، وإنما تأتي ضمن استمرار الخروقات المتبادلة منذ توقيع الاتفاق.

وقال عامر لـ”نون بوست” إن اتفاق وقف القتال لم يشهد، من وجهة نظره، التزامًا كاملًا من أي طرف، معتبرًا أن التحركات الأخيرة تأتي في إطار محاولات لإظهار القوة وفرض وقائع ميدانية.

تحول ميناء المخاء إلى ممر عسكري للإمارات (فرانس برس)

دور أممي

تؤكد الأمم المتحدة أن الحفاظ على الهدوء في الحديدة يمثل أولوية لمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع، خصوصًا في ظل حساسية المحافظة وارتباطها بالوضع الإنساني وأمن البحر الأحمر.

وقال مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن لـ”نون بوست” إن التطورات الأخيرة في الحديدة لا تغير من هدف الأمم المتحدة المتمثل في منع توسع دائرة العنف، مشيرًا إلى استمرار التواصل مع الأطراف عبر القنوات العسكرية لاحتواء التوترات.

وأوضح المكتب أن اليمن شهد منذ الهدنة المعلنة عام 2022 فترة من الهدوء النسبي على خطوط التماس، رغم استمرار وقوع حوادث محدودة، وأنه يواصل متابعة التطورات والعمل على تهيئة الظروف للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار واستئناف العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة.

ويأتي ذلك بعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها)، التي لعبت خلال السنوات الماضية دورًا في مراقبة تنفيذ الاتفاق ومتابعة خروقات وقف إطلاق النار، ما يثير تساؤلات حول مستقبل الآليات الدولية المعنية بمنع التصعيد في المحافظة.

حسابات إقليمية

لا ينفصل مستقبل الساحل الغربي عن البيئة الإقليمية المحيطة باليمن، فموقع الحديدة على البحر الأحمر يجعلها مرتبطة بملفات تتجاوز الصراع الداخلي، من أمن الملاحة إلى التوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة.

ويرى العميد الركن الدكتور عبد الإله عبد الواسع الخضر، المحلل السياسي، أن التطورات في الحديدة تعكس بدرجة كبيرة طبيعة التوازنات الإقليمية أكثر من كونها تغيرًا في موازين القوى داخل المحافظة.

وقال الخضر لـ”نون بوست” إن مسار الحرب والتهدئة في اليمن أصبح مرتبطًا بتأثيرات خارجية تطال مختلف الأطراف، مشيرًا إلى أن ما تشهده الحديدة لا يرقى حاليًا إلى مستوى معركة شاملة، وإنما يأتي ضمن ضغوط وتحركات مرتبطة بالمشهد الإقليمي.

وأضاف أن أي تحول عسكري واسع في الساحل الغربي سيظل مرتبطًا بالتفاهمات الإقليمية والدولية، وليس بقرار ميداني منفرد، مؤكدًا أن مستقبل الجبهة لا يمكن قراءته بمعزل عن مسار الأزمة اليمنية ككل.

كلفة إنسانية

ومع استمرار التوتر في مناطق التماس، تظهر تأثيراته سريعًا على السكان القريبين من خطوط المواجهة، حيث تؤدي أي زيادة في العنف إلى تعقيد حركة المدنيين والتأثير على الأنشطة الاقتصادية وصعوبة وصول المساعدات.

وقال الإعلامي والحقوقي محمد الشلي لـ”نون بوست” إن تجدد التوتر في الساحل الغربي يؤثر على حياة السكان، خصوصًا في مجالات التنقل والصيد والزراعة، كما يزيد من التحديات أمام وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

وأضاف أن استمرار الاشتباكات قد يدفع مزيدًا من الأسر إلى النزوح نحو مناطق الخوخة والمخا، في ظل محدودية الخدمات داخل مخيمات النزوح، محذرًا من أن اتساع نطاق المواجهات قد يفاقم الوضع الإنساني في المحافظة.

وأشار إلى أن الألغام والذخائر غير المنفجرة ما تزال تمثل أحد أبرز التهديدات التي تواجه المدنيين في الساحل الغربي، داعيًا إلى حماية المناطق المدنية وضمان استمرار وصول المساعدات والخدمات الأساسية.

اختبار التهدئة

لا تبدو الحديدة، حتى الآن، أمام عودة إلى مشهد المعارك الواسعة التي سبقت اتفاق ستوكهولم، لكن التطورات الأخيرة كشفت أن الهدوء القائم في المحافظة ما يزال مرتبطًا بقدرة الأطراف على ضبط إيقاع المواجهة أكثر من كونه نتيجة تسوية سياسية مكتملة.

فالمحافظة التي نجحت التفاهمات الدولية في إبقائها خارج دائرة الحرب الواسعة، لم تدخل بعد مرحلة سلام مستقر؛ إذ تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية والإنسانية والإقليمية، ما يجعل أي تغير في حسابات الأطراف المحلية أو المحيطة بالملف اليمني عاملًا قادرًا على التأثير في مستقبلها.

وبينما لا تشير المؤشرات الحالية إلى عودة وشيكة للمعارك الكبرى، فإن استمرار الاحتكاكات يضع تهدئة الحديدة أمام اختبار جديد؛ قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط المتزايدة، والحفاظ على المساحة التي أبعدت المحافظة عن جولة جديدة من الحرب.

علاماتأزمة اليمن ، أنصار الله الحوثي ، الازمة اليمنية ، الشأن اليمني ، انقلاب الحوثيين
مواضيعالأزمة اليمنية ، الأمن في اليمن ، الحديدة ، الحوثيون ، الشأن اليمني

قد يعجبك ايضا

سياسة

“رواد الباشان” في الجنوب السوري.. وصفة قديمة لمشروع استيطاني جديد

زينب مصري٢٥ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

ترسانة الجمهورية التركية.. قرن من الحظر والتوطين والبحث عن الاستقلال

خالد أصلان٢٤ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

الأقصى تحت التهويد العلني.. سوابق ميدانية ترسم التقسيم

فريق التحرير٢٤ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑