بأمر عسكري جديد، يضع الاحتلال الإسرائيلي قطاع الغاز الطبيعي في الضفة الغربية تحت إطار تنظيمي يخضع لإدارته، في خطوة تتجاوز تنظيم قطاع الطاقة إلى إنشاء منظومة بنية تحتية مرتبطة بالمستوطنات والمناطق الصناعية الإسرائيلية، إذ لا يتعلق القرار فقط بنقل الغاز وتوزيعه، بل يمنح الاحتلال صلاحيات لإدارة مورد استراتيجي داخل الأراضي الفلسطينية، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الموارد الطبيعية الفلسطينية وفرص بناء قطاع طاقة مستقل.
في هذا الحوار الخاص مع “نون بوست”، يضع المهندس عبد الهادي بركات، مدير عام إدارة المشاريع في سلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية، الأمر العسكري الإسرائيلي في سياقه الأوسع، موضحاً دلالاته السياسية والاقتصادية، وتأثيره المحتمل على مستقبل قطاع الطاقة الفلسطيني، والخيارات المتاحة لتعزيز أمن الطاقة وحماية الحق الفلسطيني في إدارة موارده الطبيعية.
كيف تقرأون الأمر العسكري الإسرائيلي الجديد لتنظيم قطاع الغاز الطبيعي في الضفة الغربية؟ وما الذي يغيره في طريقة إدارة هذا القطاع ودلالاته السياسية والاستراتيجية؟
يأتي هذا الأمر العسكري في سياق سلسلة من القرارات العسكرية والسياسية والمالية التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي تعكس توجهاً واضحاً نحو إحكام السيطرة على الأراضي الفلسطينية ومواردها وثرواتها الطبيعية، بما في ذلك قطاع الغاز الطبيعي.
قد يبدو القرار مفاجئاً من زاوية الجدوى الاقتصادية، لكنه ليس مفاجئاً إذا ما قُرئ في إطار المشروع السياسي و الاستيطاني الذي تتبناه الحكومة الإسرائيلية. فمن الناحية الاقتصادية، لا تبدو الاستثمارات الضخمة المطلوبة لإنشاء شبكات توزيع الغاز الطبيعي في المستوطنات القائمة في الضفة الغربية ذات جدوى كبيرة في الوقت الراهن، بالنظر إلى حجم هذه المستوطنات واحتياجاتها الحالية.
لكن القراءة الحقيقية لهذا القرار تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية، فهو يعكس رؤية استراتيجية مرتبطة بتوسيع المشروع الاستيطاني وتهيئة البنية التحتية اللازمة لترسيخ الوجود الإسرائيلي في مختلف أنحاء الضفة الغربية. ومن هذا المنطلق، يشكل القرار خطوة إضافية نحو فرض السيطرة على الموارد الطبيعية الفلسطينية، وتقليص قدرة الحكومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني على استثمار هذه الموارد وتطوير قطاع الغاز بما يخدم احتياجات المواطنين في الضفة الغربية، ويمتد مستقبلاً إلى قطاع غزة.
ورغم أن تنفيذ شبكات الغاز يحتاج إلى سنوات، فإن أهمية القرار تكمن في دلالاته السياسية والاستراتيجية أكثر من آثاره التنفيذية المباشرة. فهو يكشف عن توجه الحكومة الإسرائيلية اليمينية نحو تكريس سيطرتها على الضفة الغربية، ليس فقط عبر التوسع الاستيطاني، وإنما أيضاً من خلال إحكام السيطرة على مصادر الطاقة والموارد الطبيعية باعتبارها أحد أدوات تثبيت هذا المشروع.
كيف تفسرون توظيف إسرائيل لقطاع الغاز وتطوير شبكات الطاقة في الضفة الغربية؟ وهل يعكس ذلك انتقال الطاقة من مورد اقتصادي إلى أداة تخدم أهدافاً اقتصادية و استيطانية وأمنية؟
يُعد الغاز الطبيعي اليوم المصدر الرئيس للطاقة في مرحلة التحول العالمي من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة النظيفة، ولذلك أصبح عنصراً استراتيجياً في خطط التنمية الاقتصادية والصناعية للدول.
فإن توسيع شبكات الغاز الطبيعي وربط المستوطنات بها لا يقتصر على تلبية احتياجات المستوطنين، بل يرتبط بتهيئة البنية التحتية اللازمة للتوسع الاستيطاني بأبعاده المختلفة. فالمستوطنات السكنية الصغيرة لا تحتاج بالضرورة إلى شبكات غاز واسعة، بينما تعتمد المناطق الصناعية والتجارية والمنشآت الكبرى على إمدادات مستقرة من الغاز الطبيعي لضمان استمرارية عملها.
ومن هنا، فإن هذه الخطوة تعكس، توجهاً استراتيجياً للحكومة الإسرائيلية يتجاوز مجرد التوسع السكاني في المستوطنات، ليشمل توسيع القاعدة الصناعية والتجارية، وربما العسكرية أيضاً، في الضفة الغربية. فتوفير الغاز الطبيعي يخلق بيئة جاذبة لإقامة المزيد من المناطق الصناعية والتجارية والمنشآت الكبرى، ويؤمن احتياجاتها من الطاقة على مدار العام، بما يسمح بتوسيعها دون قيود مرتبطة بتوفر مصادر الطاقة.
وفي الوقت نفسه، ينسجم هذا التوجه مع مساعي إسرائيل لتعظيم الاستفادة من موارد الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، وهي موارد نؤكد أن جزءاً منها يمثل حقاً طبيعياً للشعب الفلسطيني، إلى جانب حقوق الدول الأخرى المطلة على المنطقة. لذلك، لا يمكن النظر إلى التوسع في قطاع الغاز باعتباره مشروعاً اقتصادياً فحسب، بل هو جزء من استراتيجية أوسع توظف الطاقة لخدمة أهداف اقتصادية واستيطانية وتوفر في الوقت ذاته مقومات تدعم الأبعاد الأمنية والعسكرية لهذا المشروع.
كيف يمكن أن يؤثر الأمر العسكري الإسرائيلي لتنظيم قطاع الغاز على مستقبل البنية التحتية للطاقة في الضفة الغربية، وعلى فرص تطوير شبكة غاز فلسطينية مستقلة؟
قبل نحو عامين، أطلقت الحكومة الفلسطينية استراتيجية وطنية لتطوير قطاع الغاز الطبيعي في فلسطين تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان من أبرز مخرجاتها إنشاء بنية تحتية وطنية للغاز الطبيعي، بهدف تزويد محطات توليد الكهرباء المزمع إنشاؤها بالطاقة، إضافة إلى خدمة المناطق الصناعية وتعزيز التنمية الاقتصادية.
لكن إنشاء شبكة غاز إسرائيلية في الضفة الغربية من شأنه أن يعرقل هذا التوجه ويؤخر تنفيذه. فعدد من المناطق الصناعية الفلسطينية، مثل المناطق الصناعية في بيت لحم وجنين، والمشروع المستقبلي في ترقوميا بمحافظة الخليل، يعتمد في خططه المستقبلية على توفير شبكات غاز طبيعي. ومع وجود شبكة إسرائيلية في الحيز الجغرافي نفسه، ستصبح عملية إنشاء شبكة فلسطينية موازية أكثر تعقيداً من الناحيتين الفنية والتخطيطية.
ويزداد الأمر تعقيداً لأن تنفيذ أي بنية تحتية فلسطينية من هذا النوع يتطلب المرور في مناطق مصنفة (ج)، وهو ما يستوجب الحصول على موافقات إسرائيلية. لذلك، من المرجح أن يمهد هذا القرار لمرحلة تستخدم فيها إسرائيل شبكتها القائمة ذريعة لمنع أو تعطيل إنشاء شبكة الغاز الفلسطينية، بحجة وجود بنية تحتية بديلة، الأمر الذي يكرس السيطرة الإسرائيلية على قطاع الطاقة ويقيد قدرة الفلسطينيين على تطوير بنية تحتية مستقلة تخدم احتياجاتهم التنموية والاقتصادية.
إلى أي مدى يمكن أن يؤدي تعميق ارتباط قطاع الطاقة الفلسطيني بالمنظومة الإسرائيلية إلى زيادة هشاشة الاقتصاد الفلسطيني، وما القطاعات الأكثر تأثراً بذلك؟
تجربتنا مع الجانب الإسرائيلي على مدار السنوات أثبتت أن قطاع الطاقة لم يكن يوماً بمنأى عن الاعتبارات السياسية، بل ظل أداة تُستخدم للضغط على الشعب الفلسطيني. ويظهر ذلك في ممارسات متكررة، مثل احتجاز أموال المقاصة، وتقنين إمدادات الكهرباء إلى المناطق الفلسطينية وفق اعتبارات سياسية .
ففي قطاع غزة، وحتى قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت إمدادات الكهرباء الواردة لا تلبي سوى نحو 45% من الاحتياجات الفعلية، نتيجة تقنين الجانب الإسرائيلي للكميات الموردة لأسباب سياسية. كما لا تزال بعض مناطق الضفة الغربية، ومنها الخليل وطولكرم، تواجه مشكلات مشابهة تتعلق بإمدادات الطاقة.
لذلك، فإن تعميق ارتباط قطاع الطاقة الفلسطيني بالمنظومة الإسرائيلية يعني زيادة مستوى التبعية، ويمنح إسرائيل أدوات إضافية للتأثير في القرار الفلسطيني من خلال التحكم بإمدادات الطاقة، تماماً كما فعلت في ملفات حيوية أخرى. وهذا من شأنه أن يحد من استقلالية القطاع الفلسطيني ويجعله أكثر عرضة للضغوط السياسية في أي وقت.
أما القطاعات الأكثر تأثراً، فهي القطاعات الصناعية في المقام الأول، لاعتمادها الكبير على إمدادات مستقرة من الكهرباء، ولارتباط خططها المستقبلية بالاعتماد على الغاز الطبيعي. كما ستتأثر المناطق الصناعية، والتجمعات التجارية الكبرى، ومراكز الأحمال في المدن الرئيسية، حيث إن أي اضطراب أو تحكم في مصادر الطاقة سينعكس مباشرة على الإنتاج والاستثمار والنشاط الاقتصادي.
وفي المحصلة، تؤكد التجربة أن إسرائيل توظف الطاقة، كما توظف غيرها من المقومات الأساسية للحياة والصمود، كأداة ضغط سياسي على الشعب الفلسطيني والحكومة الفلسطينية.
ما التداعيات الاقتصادية المتوقعة للقرار الإسرائيلي على قطاع الطاقة الفلسطيني وعلى قدرة الشركات الفلسطينية على تطوير مشاريع الاستثمار في هذا المجال؟
في المرحلة الحالية، لا يُتوقع أن يشكل الغاز الطبيعي بديلاً مباشراً للكهرباء، إذ يُستخدم أساساً كوقود لتشغيل محطات توليد الكهرباء الكبرى، وليس للاستهلاك المباشر بديلاً عن الشبكة الكهربائية. ومن هذا المنطلق، فإن التخوف الرئيس يتمثل في أن تتجه إسرائيل إلى إنشاء محطات توليد كهرباء تعتمد على الغاز الطبيعي لتغذية الأحمال الكبيرة في المستوطنات، وهو ما ينسجم مع مشروع أوسع لتوسيع البنية التحتية الاستيطانية.
ولا يقتصر هذا التوسع، على إقامة تجمعات سكانية استيطانية، بل يمتد إلى إنشاء مناطق صناعية وتجارية، وربما عسكرية، بما يعزز ترسيخ الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية ويهيئ له مقومات الاستمرار والتوسع.
وعلى المدى القصير، لا أرى أن القرار يشكل تهديداً مباشراً لقطاع الكهرباء الفلسطيني، إذ ما زالت لدينا منظومة الكهرباء القائمة، إلى جانب خطط لإنشاء محطات توليد فلسطينية وتعزيز الربط الكهربائي مع المملكة الأردنية الهاشمية. لكن على المدى البعيد، قد تبرز تداعيات أكثر عمقاً، خاصة إذا أصبحت إمدادات الغاز الطبيعي خاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية.
وهذا الواقع سيؤثر سلباً في الشركات الفلسطينية العاملة في قطاع الطاقة، وسيضعف فرص الاستثمار في مشاريع الغاز والطاقة الفلسطينية المستقلة، لأن أي مشروع سيظل مرتبطاً بإمكانية الحصول على الغاز وموافقات الجانب الإسرائيلي.
إسرائيل دولة احتلال وسياستها سياسة عنصرية، وتجربتنا معها تثبت أن الملفات الحيوية، بما فيها الطاقة لم تكن منفصلة عن الحسابات السياسية. وفي حال حدوث أي أزمة أو نقص في إمدادات الغاز، فإن الأولوية ستكون، بطبيعة الحال، لتلبية احتياجات السوق الإسرائيلية والمستوطنات، بحكم سيطرة إسرائيل على مصادر الإمداد والبنية التحتية، الأمر الذي قد يعرّض الإمدادات المخصصة للفلسطينيين للتقليص أو وقفها بالكامل.
ما المسارات التي تعمل عليها سلطة الطاقة الفلسطينية للتعامل مع هذا القرار وتعزيز استقلالية قطاع الطاقة وتقليل الاعتماد على الجانب الإسرائيلي؟
أطلقت سلطة الطاقة الفلسطينية مجموعة من الاستراتيجيات الهادفة إلى تقليل الاعتماد على الجانب الإسرائيلي وتعزيز قدرة قطاع الطاقة الفلسطيني على تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية. فقد كان الاعتماد على الكهرباء الإسرائيلية في الضفة الغربية حتى عام 2023 يتراوح بين 96 و98%، بينما انخفضت هذه النسبة حالياً إلى أقل من 88% نتيجة التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، التي تشهد إقبالاً متزايداً من القطاعين العام والخاص.
ومن أبرز الخيارات التي تعمل عليها سلطة الطاقة تطوير قدرات توليد الكهرباء محلياً، حيث يجري التخطيط لإنشاء محطات توليد في جنين وجنوب الخليل، بما يسهم في تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية. كما تعمل فلسطين على تعزيز الربط الإقليمي مع المملكة الأردنية الهاشمية، باعتبارها جزءاً من شبكة كهربائية إقليمية تضم عدداً من الدول العربية والإقليمية، من بينها الأردن ومصر وتركيا والعراق وسوريا ولبنان. ومن شأن هذا الربط أن يتيح لفلسطين الاستفادة من هذه الشبكة، وتوفير ما لا يقل عن 25% من احتياجات الضفة الغربية من الكهرباء عبر الجانب الأردني.
وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي، فقد أعدت سلطة الطاقة خططاً ودراسات لتطوير البنية التحتية اللازمة لهذا القطاع، وتمت مشاركة هذه الرؤية مع المجتمع الدولي. والموقف الفلسطيني واضح بأن الموارد الطبيعية الفلسطينية، بما فيها الغاز الطبيعي، هي حق حصري للشعب الفلسطيني، وله كامل الحق في استثمارها وإدارتها بما يخدم مصالحه الوطنية والتنموية.
كما أن أي تطوير لشبكات الغاز الطبيعي يرتبط ارتباطاً مباشراً بالسيطرة على الأرض، باعتبارها عنصراً أساسياً لإنشاء البنية التحتية للطاقة. ولذلك، ترفض السلطة الفلسطينية أي إجراءات إسرائيلية تهدف إلى إقامة شبكات غاز خاصة بها داخل الأراضي الفلسطينية في مختلف المناطق المصنفة (أ، ب، ج)، باعتبار ذلك انتقاصاً من الحقوق الفلسطينية في الموارد والأراضي.
وعليه، تعمل سلطة الطاقة على مسارين متوازيين: الأول يتمثل في تطوير بدائل وطنية وإقليمية تقلل من التبعية للطرف الإسرائيلي، والثاني يتمثل في التحرك السياسي والقانوني دولياً لحماية الحقوق الفلسطينية في الموارد الطبيعية ووقف تنفيذ الإجراءات الإسرائيلية التي تمس حق الفلسطينيين في إدارة قطاع الطاقة وبناء منظومة مستقلة تخدم احتياجاتهم المستقبلية.
كيف يمكن لمشاريع الطاقة المتجددة أن تسهم في تعزيز قدرة قطاع الطاقة الفلسطيني على الصمود في ظل القيود والأزمات؟
يمتلك المواطن الفلسطيني وقطاع الطاقة الفلسطيني قدرة كبيرة على التكيف والصمود، وقد أثبتت التجربة في قطاع غزة، رغم الظروف الصعبة، أهمية رفع الوعي وتعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة. وقد ساهمت هذه التجربة في دفع جهود التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة في الضفة الغربية، سواء على المستوى المنزلي أو التجاري أو الصناعي.
إن التوسع في أنظمة الطاقة الشمسية يمثل أحد المسارات الأساسية لتقليل الاعتماد على الجانب الإسرائيلي وتعزيز استمرارية التيار الكهربائي، خاصة للمؤسسات والمرافق الحيوية، في حال حدوث أزمات أو استخدام الكهرباء كأداة ضغط سياسي. وخلال السنوات الماضية، تم تنفيذ مئات وآلاف المشاريع في هذا المجال، وندعو المواطنين والمؤسسات والشركات إلى مواصلة الاستثمار في هذا الاتجاه.
كما أن تطور تقنيات الطاقة الشمسية، وخاصة أنظمة التخزين، ساهم في خفض التكلفة وجعل هذه الحلول أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية، إضافة إلى توفر جهات تمويلية مستعدة لدعم هذه المشاريع.
وأطلقت سلطة الطاقة الفلسطينية عدداً من المبادرات لتعزيز الطاقة المتجددة، من بينها تركيب أنظمة طاقة شمسية على المستشفيات والعيادات في مختلف محافظات الضفة الغربية لضمان استمرار عملها خلال الأزمات، إلى جانب مشاريع لتركيب الطاقة الشمسية في مئات المدارس والمباني الحكومية، والعمل على التوسع التدريجي لتشمل مختلف المرافق العامة.
كما أطلقت السلطة برامج تمويل ميسرة للأفراد والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى مبادرات تستهدف المجالس القروية والبلديات، من خلال توفير الدعم الفني والمالي، حيث بدأت المرحلة الأولى من هذه المشاريع بتمويل وصل إلى نحو 20 مليون دولار، مع استمرار الجهود لتوسيع نطاق الدعم الدولي والمحلي.
وبالتوازي مع الطاقة المتجددة، تعمل فلسطين على تعزيز مصادر التوليد المحلية، حيث تتضمن الاستراتيجية الوطنية إنشاء محطات توليد كهرباء فلسطينية كبيرة. وتشمل الخطط بناء ثلاث محطات على الأقل في شمال ووسط وجنوب الضفة الغربية بحلول عام 2035، بما يمكن أن يوفر نحو 25% من احتياجات فلسطين من الكهرباء، خاصة أن محطة التوليد الوحيدة في غزة أصبحت متوقفة منذ الحرب.
إضافة إلى ذلك، تعمل فلسطين على استكمال مشروع الربط الكهربائي مع المملكة الأردنية الهاشمية باعتباره أحد المسارات المهمة لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الجانب الإسرائيلي.
لكن تنفيذ هذه المشاريع لا يزال يواجه تحديات كبيرة، وفي مقدمتها القيود الإسرائيلية، خاصة أن جزءاً كبيراً من شبكات الطاقة والبنية التحتية يمر في المناطق المصنفة (ج)، ما يجعلها بحاجة إلى موافقات إسرائيلية. وتتمثل أبرز العقبات في التأخير والمماطلة في منح التراخيص اللازمة، الأمر الذي يعيق تطوير مشاريع استراتيجية لقطاع الطاقة الفلسطيني.
ولهذا، تعمل سلطة الطاقة على الاستفادة من الدعم الدولي والاتصالات مع الجهات المختلفة لتسريع تنفيذ هذه المشاريع، باعتبار أن تعزيز أمن الطاقة الفلسطيني ليس فقط قضية اقتصادية، بل عنصر أساسي في حماية صمود المجتمع الفلسطيني وبناء قدرة أكبر على الاستقلال في إدارة موارده.
إلى أي مدى يمكن أن يسهم تطوير شبكات الطاقة الإسرائيلية، وفي مقدمتها شبكات الغاز، في إعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والجغرافي في الضفة الغربية؟ وما انعكاساته المحتملة على مستقبل التنمية والسيادة الفلسطينية؟
على المدى البعيد، يمثل هذا القرار مشروعاً طموحاً يحمل تداعيات كبيرة، إذ يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والجغرافي في الضفة الغربية من خلال منح المستثمرين الإسرائيليين في المستوطنات مقومات أساسية للتوسع، وفي مقدمتها بنية تحتية للطاقة والغاز الطبيعي.
إن توفير هذه التسهيلات للمستوطنات سيمنح المستثمر الإسرائيلي أفضلية اقتصادية واضحة، في الوقت الذي يواجه فيه القطاع الخاص الفلسطيني قيوداً كبيرة ونقصاً في المقومات الأساسية التي يحتاجها للنمو والمنافسة. وهذا سيؤثر بشكل خاص على القطاع الصناعي الفلسطيني، الذي يعتمد على توفر مصادر طاقة مستقرة وتكاليف تشغيلية قادرة على المنافسة.
لكننا في المقابل لن نقف مكتوفي الأيدي، وسنواصل العمل والضغط على مختلف الجهات الدولية لمنع إسرائيل من المضي في تنفيذ هذا المشروع، باعتباره جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى تعزيز الاستيطان وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض والموارد الفلسطينية.
كما أن مواجهة هذه المخططات لا تقتصر على التحرك السياسي والدبلوماسي، بل تتطلب تعزيز الصمود الفلسطيني على الأرض، وتطوير بدائل وطنية تمكن القطاعات الاقتصادية الفلسطينية من الحفاظ على قدرتها التنافسية. لذلك ندعو مختلف القطاعات الفلسطينية إلى الاستثمار في تطوير قدراتها وتعزيز استقلاليتها لمواجهة الامتيازات التي تمنحها الحكومة الإسرائيلية للمستثمرين في المستوطنات.
ويأتي قرار تنظيم قطاع الغاز الطبيعي ضمن منظومة إسرائيلية أوسع تشمل السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وتقديم التسهيلات للمستوطنين والمستثمرين الإسرائيليين، والاستحواذ على الموارد الطبيعية الفلسطينية، بما فيها المياه والطاقة الشمسية ومصادر الطاقة الأخرى، وتوفيرها للمستوطنات بشروط تفضيلية.
إن النهج الإسرائيلي الحالي واضح في اتجاهه نحو توسيع وتعزيز المشروع الاستيطاني وإحكام السيطرة على الضفة الغربية، وقطاع الغاز الطبيعي ليس مشروعاً اقتصادياً منفصلاً، بل جزء من هذا المسار. ومع ذلك، فإن التجربة الفلسطينية أثبتت أن الشعب الفلسطيني استطاع في مراحل سابقة مواجهة العديد من المخططات التي استهدفت أرضه وحقوقه، وسيواصل العمل من أجل حماية حقوقه وموارده ومستقبله.
في النهاية، فإن هذا القرار يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ يهدف إلى توفير بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، بما يؤثر على فرص التنمية الفلسطينية وعلى قدرة الشعب الفلسطيني على بناء اقتصاد مستقل قائم على موارده وحقوقه.