ترجمة وتحرير: نون بوست
ضاعفت إسرائيل ميزانية علاقاتها العامة أربعة أضعاف لتصل إلى 730 مليون دولار في عام 2026، وتفيد تقارير بأنها تدفع للمؤثرين مبالغ تصل إلى 7,000 دولار مقابل المنشور الواحد لدعم المحتوى المؤيد لإسرائيل
أفاد محللون تحدثوا لموقع “ميدل إيست إي” بأن الاستثمار غير المسبوق الذي تدفعه إسرائيل في الدعاية عبر منصات التواصل الاجتماعي يعجز عن كبح التراجع الحاد في مستوى الدعم الشعبي لها داخل العالم الغربي، في ظل الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، ولا سيما أوساط فئات الشباب.
وكان استطلاع رأي أجراه مركز “بيو” للبحوث في مارس/ آذار قد أظهر أن غالبية الشعب الأمريكي، بنسبة 60 بالمئة، ينظرون إلى إسرائيل بنظرة غير تفضلية، وشمل ذلك 57 بالمئة من الناخبين الجمهوريين و84 بالمئة من الديمقراطيين تحت سن الخمسين.
ويُعزى جانب كبير من هذا التحول إلى اعتماد أعداد متزايدة من الشباب على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار بدلاً من وسائل الإعلام التقليدية المنحازة بوضوح لإسرائيل.
ولمواجهة هذا التغير، أقرّ المشرعون الإسرائيليون في مارس/ آذار ميزانية قياسية بلغت 730 مليون دولار لصالح الدبلوماسية العامة، المعروفة عبرياً بـ “الهسبارا”، وهو ما يعادل نحو خمسة أضعاف ميزانيتها السنوية السابقة، والتي كانت بالأساس أعلى بـ20 مرة مقارنة بمستويات ما قبل عام 2023.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعدد من المؤثرين الأمريكيين في نيويورك لتجنيدهم في تعزيز الخطاب المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
وشدد نتنياهو خلال اللقاء على محورية دورهم، قائلاً: “علينا خوض المعركة بالأسلحة التي تناسب ميدان المواجهة القائم، وأهم هذه الأسلحة هي وسائل التواصل الاجتماعي”.
وأضاف أن الصفقة التي استطاع بموجبها الملياردير الأمريكي لاري إيليسون، بالتعاون مع رجال أعمال آخرين داعمين لإسرائيل، الاستحواذ على عمليات “تيك توك” في الولايات المتحدة، تشكل “أهم عملية شراء تجري في الوقت الحالي”.
وفي إطار حملتها الدعائية، اعتمدت إسرائيل على عمليات علاقات عامة سرية وتعاقدت مع شركات تجارية لإدارة شبكات مأجورة من المؤثرين ضمن خطة تحمل الاسم الرمزي “مشروع إستر”.
وتُظهر وثائق أُودعت بموجب قانون تسجيل الخبراء والأجانب الأمريكي أن إسرائيل دفعت للمؤثرين مبالغ تصل إلى 7,000 دولار مقابل المنشور الواحد على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك عبر وكيلها التعاقدي “بريدجز بارتنرز”، التي نسقت مع وكالة الإعلانات العالمية “هافاس ميديا جروب ألمانيا” لإدارة “حملة المؤثرين”.
كما أبرمت “هافاس” عقداً بقيمة 15 مليون دولار مع شركة “كلوك تاور إكس”، المملوكة لمدير حملة ترامب السابق براد بارسكال، والتي كُشف مؤخراً عن وقوفها خلف حملة رقمية هاجمت اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمه الرئيس الأمريكي مع إيران لصالح إسرائيل.
وكشفت مجلة “تايم” الأسبوع الماضي عن توجيه المؤثرين المشاركين في هذه الحملة عبر محادثات جماعية مغلقة بشأن المصطلحات واللغات الواجب استخدامها في منشوراتهم على منصات “إكس” و”إنستغرام” و”تيك توك”، لقاء مبالغ بلغت 4,250 دولاراً للمنشور الواحد.
وعلى صعيد متصل، أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن مجموعة تُدعى “شو فيث باي وركس” قدّمت وثائق تتضمن خططاً لإنفاق أكثر من 3 ملايين دولار للترويج لرسائل مؤيدة لإسرائيل لدى رواد الكنائس الكبرى وطلاب الكليات المسيحية، مقترحة التواصل مع الكنائس والقساوسة والمؤثرين المسيحيين لاستهداف أربعة ملايين شخص في الجنوب الغربي الأمريكي.
إلا أن مؤسس المجموعة، تشاد شنيتجر، صرّح لـ “وول ستريت جورنال” بأن المجموعة صرفت النظر عن هذه الخطط حالياً.
وفي أبريل / نيسان الماضي، تجلّى جانب آخر من إستراتيجية آلة “الهسبارا” عندما كشفت إيلا كينان، النقيب السابقة في الاستخبارات الإسرائيلية، خلال مؤتمر بنيويورك، أنها عملت مع 60,000 مؤثر حول العالم “لخدمة الرواية الإسرائيلية” عقب أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وادّعت كينان، مؤسسة منظمة “برايت مايند” لـ “مكافحة المعلومات المضللة عن إسرائيل”، أن المحتوى الذي أنتجته شبكتها، والذي صُمم جزء كبير منه خصيصاً للمؤثرين غير اليهود، حقق زهاء ثلاثة مليارات مشاهدة عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي.
كما زعمت أنها صاغت شعار “حماس هي تنظيم الدولة”، وهو الشعار الذي تبناه لاحقاً قادة دوليون، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
وحدة المتحدث الرسمي
وعلى صعيد متصل، أطلقت وزارة الخارجية الإسرائيلية مبادرة لتمويل جولة داخل إسرائيل لمؤثري وسائل التواصل الاجتماعي المحسوبين على حركة “ماغا” (اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى).
وأنفقت الوزارة 86,000 دولار بموجب عقد مع منظمة “إسرائيل 365” غير الربحية لإحضار 16 مؤثراً أمريكياً دون سن الثلاثين، بهدف حثهم على نشر مضامين تتماشى مع الموقف الحكومي الإسرائيلي أمام قاعدة جماهيرهم الواسعة من المحافظين المسيحيين الشباب.
وفي شأن آخر، يواجه المؤثر الأمريكي اليميني الملقب بـ “كلافيكولار” انتقادات حادة عقب زيارته لإسرائيل لتبرئة نفسه من اتهامات معاداة السامية، وذلك بعد ظهوره في تسجيلات مصورة برفقة شخصيات مثيرة للجدل، كأندرو تيت و”الوطني الأبيض” نيلسون فوينتس، وهم ينشدون كلمات أغنية “هايل هتلر” للمغني كانييه ويست.
يُذكر أن كلافيكولار، واسمه الحقيقي برادن إيريك بيترز، يُعد من أبرز رموز حركة “لوكس ماكسينغ”، وهي ثقافة فرعية عبر الإنترنت بين الذكور تركز على الهوس بتحسين المظهر الجسدي.
وخلال الزيارة، التي احتفت بها المنصة اليمينية المؤيدة لإسرائيل “ذا فري برس” تحت عنوان “إسرائيل ماكسينغ”، ظهر المؤثر في بث مباشر مع شيرا براون، الجندية في وحدة المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي، وسألها عما إذا كان سيتقاضى 7,000 دولار مقابل نشر محتوى مؤيد لإسرائيل.
وعلى أثر ذلك، أُعفيت براون من منصبها ومُنعت من مواصلة عملها كمنسقة لوسائل التواصل الاجتماعي في الجيش. كما تعرض كلافيكولار لمواجهات من إسرائيليين بسبب تصريحاته السابقة المعادية للسامية، ليخفق الموقف برمته في تقديم الصورة الإعلامية المصقولة التي سعى إليها المسؤولون الإسرائيليون.
وفي تعليق لـ “ميدل إيست إي”، قال مارك أووين جونز، الأستاذ المساعد في تحليليات وسائل الإعلام بجامعة نورث وسترن: “بدلاً من الاعتماد الحصري على الحسابات الحكومية الرسمية، أضحت هذه الحملات تدار عبر شبكات هجينة تجمع مؤسسات الدولة، ومنظمات الضغط، والمانحين الخصوصيين، ومجموعات الشتات، وصناع المحتوى، مما يذيب الفواصل بين الدبلوماسية العامة الرسمية والمناصرة الرقمية اللامركزية”.
وأضاف جونز: “تطرح هذه الإستراتيجية معضلة هيكلية إذ يستمد المؤثرون تأثيرهم الإقناعي من الأصالة المفترضة، غير أن التنسيق العلني أو التمويل المباشر يقوض تلك المصداقية ويستجلب ردود فعل عكسية”، وهو ما تجسد في تداعيات زيارة كلافيكولار.
من جانبها، صرحت المتحدثة العسكرية الإسرائيلية السابقة راشيل ليستر، التي عملت لأربع سنوات في الفرع الدولي لوحدة المتحدث الرسمي كمنتجة لمحتوى منصات التواصل، لمطبوعة “ذا ميديا لاين” الأمريكية، بأن إسرائيل تعجز عن حسم المعركة الرقمية ضد المشاعر المناهضة لها لأن “أعداءنا يمتلكون قدرة عالية على التلاعب بمشاعر العالم”.
وأوضحت ليستر أن وحدة المتحدث الرسمي تتألف من ثلاثة فروع: الإعلام العبري، والإعلام الدولي، والإعلام العربي، مشيرة إلى أن الفرع الدولي صب جهوده على إقناع الرأي العام العالمي بعدم اكتراث حركة حماس بالمدنيين في غزة.
وأكدت أنها كانت “تسعى باستمرار لإنتاج مقاطع فيديو تتناول الموضوع الأكثر المتابعة، وهو المدنيون في غزة”، وكيفية “تأثير هذه الحرب المروعة على الأبرياء هناك”. وأضافت أن هذه المقاطع “حققت أعلى معدلات التفاعل”، نظراً لأن “المجتمع الدولي لا يملك تعاطفاً كبيراً مع إسرائيل”.
وفي حوار آخر مع موقع “واينت”، أقرت ليستر بأن “التحدي الأكبر يكمن في استحالة مواجهة صور الأطفال الموتى”.
وأفادت مريم أوراق، أستاذة الأنثروبولوجيا الرقمية بجامعة ويستمينستر في المملكة المتحدة، لموقع “ميدل إيست إي”، بأن المحاولات الإسرائيلية لتجنيد المؤثرين “أسفرت عن نتائج عكسية”؛ إذ لم تكتفِ بالفشل في ترويج الخطاب المؤيد لإسرائيل، بل كشفت عن الآلية الخفية للعملية، حتى أصبحت “آليات التأثير الرقمي ذاتها هي القصة الإعلامية”.
ووصفَت مريم أوراق هذه الإستراتيجية بـ “الفشل الذريع”، مشيرة إلى أنه رغم هيمنة إسرائيل على الإعلام التقليدي وملكيات منصات التواصل، إلا أنها عجزت عن اختراق التحول الثقافي الجاري أو التأثير في الحركة الاجتماعية المنظمة التي تقوده.
ويرجع جزء من هذا الخلل إلى صعوبة صياغة خطاب موجه في آن واحد للداخل الإسرائيلي وللجمهور الدولي.
وأوضحت أن إقناع الإسرائيليين بالبقاء في دولة استعمارية استيطانية تعاني من اضطراب متزايد يتطلب استخدام “أساليب استعمارية” لشحن السكان أيديولوجياً بآراء التفوق العرقي، وهو ما يتناقض كلياً مع تسويق صورة إسرائيل كـ “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.
وقالت مريم أوراق: “أضحت فلسطين القضية السياسية الأبرز لجيلنا، كما كانت حرب فيتنام في الستينيات والسبعينيات”، مؤكدة أنه “من المستحيل اختراق هذا التحول الثقافي بالمال والنفوذ… فهناك أمور لا يمكن شراؤها بالمال”.
إنفاق إيباك في الانتخابات الأمريكية
يُشكل التحول في توجهات الشباب الأمريكي تحديداً تهديداً وجودياً لإسرائيل، التي اعتمدت تاريخياً على مساعدات أمريكية بمليارات الدولارات كُفل استمرارها بفضل الدعم المتبادل من كلا الحزبين بين السياسيين المنتخبين.
غير أن الانتخابات التمهيدية النصفية الجارية داخل الحزب الديمقراطي شهدت تمكن عدد من المرشحين المجاهرين بدعمهم لفلسطين من الإطاحة بسياسيي المؤسسة التقليديين، الذين باتت التمويلات المرتبطة بإسرائيل التي يتلقونها تحت مجهر تدقيق متزايد من قِبل الناخبين.
ويخوض أحد هؤلاء المرشحين، عبد السيد، الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان ضد هايلي ستيفنز، التي تلقت أكثر من 28 مليون دولار من لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل، وفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز”.
وأطلق مشروع “الديمقراطية المتحدة”، التابع للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، وهي أبرز مجموعة ضغط مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، سلسلة إعلانات هجومية ضد عبد السيد، متهمة إياه بـ “امتلاك سجل ينطوي على عدم احترام النساء”، وذلك عقب إظهار استطلاعات الرأي تقدمه في السباق قبل الانتخابات التمهيدية المقرر عقدها في 4 أغسطس/ آب.
وكان مؤثر يهودي قد كشف مؤخراً عن تلقيه “موجزاً سرياً للمؤثرين” من حملة هايلي ستيفنز، يعرض عليه 1,500 دولار مقابل الترويج لنقاط حوارية تعزز صورتها، مشفوعة باتفاقية حظر إفصاح رفض التوقيع عليها.
وقد تواصل موقع “ميدل إيست إي” مع حملة هايلي ستيفنز، وكلافيكولار، والجيش الإسرائيلي للحصول على تعليق، دون تلقي رد حتى وقت النشر.
وخلال الحملة الانتخابية، واجه عبد السيد انتقادات بسبب لقائه بالمعلق السياسي وبث منصة “تويتش” حسن بايكر، وهو صوت بارز مؤيد لفلسطين ويحظى بتأثير واسع لدى القواعد الشبابية، وكان قد تعرض مؤخراً لحملة تشهير منسقة من وسائل إعلام أمريكية تقليدية.
ورغم الهجمات المكثفة، ارتفعت أسهم عبد السيد في استطلاعات الرأي عقب مؤتمره المشترك مع بايكر، مما عكس تأثيراً عكسياً أدى لزيادة التفاعل مع اسمه وترسيخ مكانه كمرشح مناهض للمؤسسة التقليدية.
وسجل بايكر نفسه اتجاهاً مماثلاً؛ فبعد حظره من دخول المملكة المتحدة، وهو قرار عزاه لـ “ضغط إسرائيلي”، شهدت شعبيته قفزة ملحوظة بفعل ما يُعرف بـ “تأثير سترايسند”، حيث تتسبب محاولات الحظر والرقابة في تسليط الضوء على القضية بدلاً من إخفائها.
وأوضحت مريم أوراق أنه بخلاف مؤثري “الهسبارا”، فإن صناع المحتوى المؤيدين لفلسطين “يحددون النبرة، ويصيغون جدول الأعمال، ويدركون تماماً أن التفاعل الرقمي يشكل ركيزة رئيسية لصناعة الخبر”، سواء بالتوازي مع الإعلام التقليدي أو بالتأثير فيه وتوجيهه.
وحذرت مريم أوراق من أن التوجه نحو حظر بايكر يمثل “لعبة خطيرة للغاية إذ إن أي تقويض للحقوق الليبرالية للمواطنين يعد أمراً مفرطاً، ويؤسس لقواعد اشتباك جديدة تكرس تحجيم حرية التعبير”.
من جانبها، أكدت عبير النجار، أستاذة دراسات الإعلام والصحافة في الجامعة الأمريكية في الشارقة، لـ “ميدل إيست إي”، أن السعي لإسكات هؤلاء المؤثرين وشراء الدعم لدى آخرين مآله الفشل، بل إنه “قد يعجّل بما تخشاه إسرائيل”.
وأوضحت عبير النجار أن المؤثرين الداعمين لإسرائيل يمثلون “الواجهة ذات الطابع التلقائي لعملية حكومية مُمأسسة” فقدت قنواتها الرسمية مصداقيتها، وتهدف إلى “تبييض الخطاب الحكومي وتغليفه بطابع ثقافة الأقران”.
واختتمت عبير النجار بالقول: “تكمن مشكلة إسرائيل الحقيقية في الفجوة القائمة بين الخطاب والواقع إذ لا يمكن ‘تفسير’ إبادة جماعية تُبث على الهواء مباشرة”، مضيفة أن “حادثة كلافيكولار تكشف حدود هذا النموذج؛ إذ إن الرحلات المُمولة والمنسقة بعناية تعجز عن تصنيع الأصالة المفترضة”.
وشددت على أن ما يمكنهم توقعه بدلاً من ذلك هو “تراجع العوائد، وبروز ردود فعل عكسية حادة على غرار إخفاق كلافيكولار، إلى جانب تعميق حالة التشكيك والسخرية لدى الفئات الشبابية المستهدفة”.
المصدر: ميدل إيست آي