Also available in English
تقوم العقيدة الأمنية الإسرائيلية المتدحرجة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول على قاعدة استبدال الردع بالهجوم الضاري، والانتقال من وضعية السكون إلى المبادرة الخاطفة عند أي إشارة تهديد، وقد لخّص رئيس أركان الاحتلال إيال زامير هذا التحوّل بقوله إن الجيش “غيّر عقيدته الدفاعية من أساسها: نبادر، نضرب، ونزيل أي تهديد للدولة”.
هذه الاستجابة السريعة، التي صارت هاجسًا يحكم بنية الجيش وانتشاره، تعيد الأنظار إلى الوحدة متعددة الأبعاد 888، المعروفة باسم “الأشباح”، بوصفها الأداة الأبرز التي تُجسّد هذا النمط عمليًا.
فمع اتضاح النشاط العملياتي لهذه الوحدة، صار جليًا أنها تؤدي أدوارًا رئيسية في أكثر مناطق القتال اشتعالًا؛ إذ وُثّق لها نشاط في مخيم جباليا شمال قطاع غزة إبان تطبيق “خطة الجنرالات“، حيث استهدفتها المقاومة الفلسطينية، كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنها كانت الجزء الرئيسي في احتلال قلعة الشقيف وعبور نهر الليطاني ضمن عملياته جنوب لبنان.
غير أن أولى الضربات التي تلقّتها هذه الوحدة سبقت كل ذلك؛ ففي السابع من أكتوبر 2023 قُتل قائدها العقيد روعي ليفي في معركة رعيم قرب حدود غزة خلال ساعات الانهيار الأولى. والمفارقة أن الأداة التي صُمّمت أصلًا للاستجابة الخاطفة والكشف الاستباقي كانت من أوائل المنهارين والمخفقين في الاستجابة ذلك اليوم، لتخرج من التجربة التي كُشف عنها عام 2019 إلى موقع الركيزة التي يُعوَّل عليها في العقيدة الجديدة.
هوس الاستجابة السريعة
يقوم النمط الأمني الإسرائيلي الجديد على فرضية مركزية مفادها أن الفشل في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول كان في جوهره فشلًا في سرعة الاستجابة قبل أن يكون فشلًا استخباراتيًا، ومن هنا تحوّلت “الاستجابة الخاطفة” إلى ما يشبه الهوس المؤسسي الذي يركز على استنفار عالٍ على مدار الساعة، ونباهة استخباراتية ترفض إهمال أي إشارة تحذيرية مهما بدت بسيطة أو هامشية، واستعداد هجومي دائم يُفترض ألا يترك للخصم فرصة لتكرار المباغتة.
ويزداد هذا التحدي حدّة مع اتساع مساحات انتشار الجيش داخل الأراضي في قطاع غزة وجنوب لبنان والجنوب السوري؛ فكل توسّع في الانتشار يعني مساحة أكبر من التهديدات والتحديات الأمنية على مدار الساعة، ويستدعي جهوزية عملياتية دائمة للتعامل مع التطورات.
ومع هذا الوضع، تنشأ الخشية الإسرائيلية الأعمق في أن يتحوّل أي استرخاء في الجيش، أو أي قصور في كفاءة الوحدات المنتشرة، إلى ثغرة تجعلها أهدافًا سهلة مستقبلًا، خاصة إذا تبلورت قواعد اشتباك جديدة أو دُشّنت مراحل استنزاف عملياتي من قوى المقاومة في هذه الساحات.
هذا المناخ يجعل الحاجة ملحّة إلى وحدات ذات قدرة عملياتية عالية على التعامل مع نمط غير مألوف من القتال المفتوح والممتد. مع أهمية لفت النظر حول حدود قدرة هذه الاستراتيجية نفسها على الصمود؛ فهي استراتيجية تبلورت مدفوعةً بحجم الصدمة في السابع من أكتوبر، ولم تخضع بعدُ لنقاش جدّي داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية، نتيجة استمرار موجات الحروب المفتوحة، وسعي حكومة بنيامين نتنياهو للتهرّب من استحقاقات الفشل ومراجعته. وبذلك يظل الرهان على الهجوم الدائم قائمًا على افتراض لم يُختبر بالكامل، أكثر من كونه خلاصة مراجعة معمّقة.
من “تنوفا” إلى وحدة القتال.. أصل الفكرة
لا تُفهم الوحدة متعددة الأبعاد بمعزل عن السياق الذي أنتجها، وهو خطة “تنوفا” التي أطلقها رئيس الأركان الأسبق أفيف كوخافي في فبراير 2020 كبرنامج متعدد السنوات لبناء القوة (2020–2024). قامت الخطة على فكرة محورية هي رفع “الفتك” كمًّا ودقةً، عبر ثلاث قدرات متلازمة: تعزيز القدرة على كشف العدو، وتعزيز القدرة على تدميره، والعمل متعدد الأذرع الذي يجمع نيران أكبر عدد من الوحدات في آنٍ واحد. وكان الهدف المعلن تقصير أمد الحروب وصولًا إلى ما سُمّي “الحسم”، عبر تصعيد مبكر وسريع بقوة نارية كثيفة.
في قلب هذه الفلسفة برزت مشكلة عملياتية قديمة في جيش الاحتلال؛ فبنيته تقوم على أذرع منفصلة، إذ لا تملك الوحدات المدرعة مثلًا مشاةً عضويًا أو إسنادًا جويًا قريبًا من داخلها، ما يجعل التنسيق بينها في العمليات المعقدة بطيئًا ومكلفًا زمنيًا.
ومن هذه الثغرة تحديدًا وُلدت الحاجة إلى وحدة تجمع بين وتيرة التطور التكنولوجي المتسارع والقدرة الميدانية في هيكل واحد، بحيث تُصمَّم منذ البداية لتكون مختبرًا حيًّا يبتكر التكتيكات والتقنيات، ثم يُعمَّم ما ينجح منها على باقي الجيش.
وقد كانت الوحدة متعددة الأبعاد من أوائل الثمار الملموسة لخطة “تنوفا”؛ أُعلن عنها مطلع 2020، ودمجت في هيكلها عناصر من المشاة النخبويين والمدرعات والاستخبارات وسلاح الجو والاتصالات، مع استقطاب مقاتلين من وحدات خاصة كـ”ميغلان” و”يهلوم” و”دوفدفان”.
لماذا “متعددة الأبعاد”؟
تكمن قيمة الوحدة في المعنى العملياتي لتسميتها؛ فـ”تعدد الأبعاد” يُعد المبدأ التصميمي الذي وُضع بحيث تكون الوحدة مكتفية ذاتيًا قدر الإمكان، فلا تحتاج لطلب إسناد من خارجها. وهو حلٌّ مقصود لتحديات ظلّت تُبطئ استجابة الجيش التقليدي.
التحدي الأول، تشتّت القوات: في البنية التقليدية يستغرق التنسيق بين المشاة والطيران والاستخبارات وقتًا طويلًا لتمرير الأوامر عبر سلاسل قيادة منفصلة، والحل الذي تقدّمه الوحدة هو الدمج الفوري للأذرع داخل هيكل صغير واحد؛ إذ تضمّ في تشكيلها مقاتلين من المشاة والهندسة والمدفعية، إضافة إلى طيارين وخبراء استخبارات وسايبر، يعملون كفريق واحد على الأرض.
والأهم أن هذه الأذرع تخضع لقائد واحد و”لغة تشغيلية” واحدة، فتتوحّد القرارات داخل التشكيل بدل أن تتوزّع على سلاسل قيادة تتبادل الطلبات، وهو ما يختصر مصدر البطء الأصلي ويتيح استجابة خاطفة.
التحدي الثاني، العدو الخفي والساحات المعقدة: القتال في المناطق الحضرية المحصّنة والأنفاق والبيئات الجغرافية الصعبة، كما في غزة وجنوب لبنان، يُفقد القوة التقليدية الكثير من تفوّقها، ولهذا صُمّمت الوحدة كقوة مرنة عابرة للأذرع، تعتمد على الذكاء الاصطناعي وشبكات المسيّرات لرصد الأهداف وتصفيتها فوريًا.
وتقوم فلسفتها على تسريع ما يُعرف بـ”حلقة الكشف والقتل“، عبر توليفة عريضة من الأسلحة تمتدّ من المقاتلات عالية الارتفاع كالـF-16، نزولًا إلى المروحيات والمسيّرات ثابتة الجناح كالـSkylark، وصولًا إلى الكوادكابتر والمسيّرات العمودية الصغيرة التي تدخل الأنفاق لرصد الهدف من داخله، إلى جانب البنادق الآلية وبنادق القنص.
كما يُدمج المستوى البري بأكمله، شاملًا أسلحة المدرعات والهندسة القتالية والمشاة المجنزَر والقوات العاملة تحت الأرض.
ويعمل هذا التركيب عبر عدد قليل جدًا من الفصائل المتخصصة، إذ يتفرّغ كل فصيل لمهمة بعينها من استطلاع أو توجيه نيران أو ضربات، ضمن مقاربة وصفها ضابط إسرائيلي كبير بـ”الحرب المتراكبة البيانات”؛ أي تحويل اللقطات الجوية الحية والتعرّف على الأنماط إلى فعل قاتل خلال دقائق.
يمنح موقع الوحدة في البنية التنظيمية مفتاحًا لفهم دورها؛ فهي، على خلاف معظم الوحدات، لا تتبع قيادة منطقة جغرافية بعينها، إذ تخضع مباشرة لذراع المناورة في القيادة العامة للقوات البرية. هذا الموقع المرتفع يجعلها أصلًا استراتيجيًا يُحرَّك حيث تدعو الحاجة، لا قوة مقيّدة بجبهة واحدة.
وقد أُلحقت في مرحلة سابقة بالفرقة 99، وهي “فرقة مشاة متعددة الساحات” صُمّمت خصيصًا لدمج القوات البرية مع سلاح الجو وأصول أخرى، ثم فُصلت عنها لتبقى تابعة لذراع المناورة مباشرة، بما يحفظ مرونتها وقابليتها للانتقال بين الجبهات.
أما موقعها الهجومي فيتضح في الفرق التي قاتلت ضمنها؛ ففي غزة انخرطت منذ اليوم الأول للمناورة البرية مع ألوية الفرقة 162 (المدرعة)، ثم أُعيد تكليفها للعمل تحت الفرقة 252 الاحتياطية فالفرقة 99، وعملت في محور نتساريم، ودُمجت في حملة “خطة الجنرالات” في جباليا في أكتوبر/ تشرين الأول 2024.
وفي جنوب لبنان قاتلت ضمن الفرقة 36 في عملية احتلال حافة قلعة الشقيف وعبور نهر الليطاني. اللافت في هذا التوزّع أن الوحدة كثيرًا ما تتقدّم أمام الوحدات المدرعة لتكشف التهديدات وتجمع الاستخبارات وتصفّي الخلايا قبل وصول القوة الرئيسية، وهو الدور الذي يجسّد وظيفتها كرأس حربة استطلاعي-هجومي متقدّم، لا كقوة إسناد خلفية.
ما بين التصور والواقع.. الرهان والاختبار
تتجاوز وظيفة الوحدة القتال المباشر إلى كونها “حقل تجارب” لحرب المستقبل؛ فهي النموذج الاختباري الذي يُقاس عليه نجاح تكتيكات وتقنيات جديدة، وكل أسلوب قتالي يثبت نجاعته معها يُعمَّم لاحقًا على باقي فرق الجيش النظامية لتحديث منظومتها الهجومية والدفاعية. وهذا ما يفسّر تزايد الاستثمار فيها، الذي بلغ ذروته في تشكيل وحدة احتياط نخبوية للضربات بالمسيّرات، كُشف عنها نهاية مايو/ أيار الماضي، تتكوّن من قدامى محاربي الوحدة متعددة الأبعاد وتخدم ضمن الفرقة 162.
غير أن موضع الاختبار الميداني يكشف الفجوة الأهم؛ فرغم ضخامة الاستعراض المفترض لقدرات هذه القوة، لم ينعكس ذلك في الميدان بشكل نوعي وملموس، وتلقّت ضربات موجعة من المقاومة في التصدي لها. فمنذ اليوم الأول سقط مع سقوط فرقة غزة في معركة رعيم قائد الوحدة العقيد روعي ليفي، الذي تسلّم القيادة قبل أسابيع قليلة من الحرب، وثلاثة من ضباطها: قائد فصيل التدريب يوتام بن بيست، وضابط التنسيق يوناتان غوتين، والضابط إيتاي ناحياس.
وفي شمال القطاع، أعلن الجيش في التاسع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2024 مقتل خمسة من الوحدة في اشتباكات جباليا، بينهم قائدا سرية هما النقيب يهوناتان كيرين والرائد هود شرايبمان، إلى جانب ثلاثة من جنودها هم نيسيم ميطال وأفيف غلبوع وناؤور حايموف، مع إصابة ضابط بجروح خطيرة. وهي خسائر مُعلَنة تخصّ وحدة تُقدَّم بوصفها ذروة الحرب الدقيقة قليلة الكلفة البشرية، فتدفع مع ذلك كلفةً نوعية في صفوف قياداتها تحديدًا.
ومع هذا تبقى الأداة الرئيسية التي يُركن إليها في التعامل مع النمط الأمني الحالي لجيش الاحتلال، في ظل غياب بديل جاهز عن عقيدة الهجوم الدائم. وهنا تكتمل المفارقة؛ فالجيش يراهن على وحدة تختصر الزمن والمسافة بين الرصد والقتل، بوصفها الترجمة العملياتية لاستراتيجية استبدال الردع بالهجوم الضاري.
هذه الاستراتيجية ذاتها، كما الوحدة التي تجسّدها، ما تزال رهانًا مدفوعًا بصدمة الفشل أكثر من كونه خلاصة اختبار حاسم، سيبقى معلقًا إلى حين انكسار الاندفاعة وبداية تغير المعادلات، ليكون التساؤل حينها: إلى أي مدى يصمد هذا النموذج إذا تبلورت قواعد اشتباك جديدة، أو دخلت قوى المقاومة في مراحل استنزاف طويل تُفقد “الاستجابة الخاطفة” معناها؟