توزع مصر أحدث اتفاقياتها البترولية بين ثلاث مناطق للبحث عن الغاز والزيت الخام في البحر المتوسط ودلتا النيل وشمال سيناء، ومنطقة رابعة لتنمية حقل نفطي قائم في نطاق خليج السويس.
وتجمع الحزمة بين قطاع بحري يمتلك سجلًا طويلًا من الآبار والمسوح الزلزالية، ورقعة برية داخل حوض دلتا النيل الناضج، وجبهة أقل استكشافًا في شمال سيناء، وحقل تسعى الدولة إلى إطالة عمره وزيادة ما يمكن استخراجه من مكامنه.
بدأ مسار مناطق الاستكشاف الثلاث ضمن مزايدة أطلقتها الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية “إيجاس”، وهي الشركة الحكومية المسؤولة عن إدارة أنشطة الغاز الطبيعي واتفاقياته، خلال عام 2024، ثم أعلنت في 25 يونيو/حزيران 2025 إسناد شرق الإسكندرية وشمال طنطا والفيروز إلى الشركات الفائزة.
وفي 4 يونيو/حزيران 2026 وافق مجلس الوزراء المصري على مشروعات الاتفاقيات الأربع، قبل أن يمنحها مجلس النواب موافقته النهائية في جلسته العامة يوم 22 يوليو/تموز 2026. وأعلنت الحكومة حدًا أدنى إجماليًا للاستثمارات يبلغ 52.97 مليون دولار، مع التزام حفر 6 آبار.
ويظهر تقرير لجنة الطاقة والبيئة في مجلس النواب أن هذا المبلغ يتوزع حسابيًا على اتفاقيات الاستكشاف الثلاث، بواقع 42.2 مليون دولار في شرق الإسكندرية، و4.4 ملايين في شمال طنطا، و6.37 ملايين في الفيروز. أما عسران فتخضع لاتفاقية تنمية لحقل قائم وخطة استثمار منفصلة.
1- شرق الإسكندرية البحرية
تغطي منطقة شرق الإسكندرية البحرية نحو 1997 كيلومترًا مربعًا قبالة الساحل الشمالي، داخل الامتداد البحري لدلتا النيل.
وتظهر على خريطة الامتيازات الصادرة عن بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج، وهي المنصة الرقمية الرسمية التابعة لوزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، منطقة مستقلة تجاور امتياز غرب البرلس البحري، وتقع ضمن الممر نفسه الذي يضم مشروعات غرب دلتا النيل البحرية.
تتعاقد “إيجاس” في المنطقة مع شركة كايرون إيجيبت دلتا المحدودة، التابعة لمجموعة كايرون العاملة في الاستكشاف والإنتاج. وتمتد فترة البحث 8 سنوات موزعة على ثلاث مراحل مدتها 3 سنوات ثم 3 سنوات ثم سنتان، مع حد أدنى للاستثمارات يبلغ 14.8 مليون دولار في المرحلة الأولى، و14.4 مليونًا في الثانية، و13 مليونًا في الثالثة.
ويشمل برنامج العمل حفر 3 آبار استكشافية وإعادة معالجة البيانات الزلزالية (إعادة تحليل الصور التي تكشف شكل الطبقات والصخور تحت قاع البحر)، إلى جانب منحة توقيع غير مستردة بقيمة مليون دولار لصالح “إيجاس”، وفق صحيفة “المال” الاقتصادية المصرية، خلال مناقشة مشروع الاتفاقية في لجنة الطاقة والبيئة في يوليو/تموز 2026.
يحمل الامتياز اسمًا جديدًا لقطاع عُرف سابقًا باسم رشيد أو روزيتا، وتفيد مواد الطرح والنشرات المتخصصة بأن 22 بئرًا حُفرت داخل نطاقه خلال مراحل العمل السابقة، فيما تغطي المسوحات الزلزالية ثلاثية الأبعاد (صور تفصيلية للطبقات والصدوع تحت الأرض) نحو 95% من مساحته.
وتدخل كايرون بذلك منطقة تمتلك قاعدة واسعة من البيانات، وتتركز مهمتها على إعادة تفسير الصور الزلزالية وتحديد مواقع محتملة لتجمع الغاز لم تصل إليها الآبار السابقة.
يقع القطاع ضمن حوض دلتا النيل البحري، حيث تراكمت على مدى أكثر من 30 مليون سنة طبقات سميكة من الرمال والطين. ومع تمدد الدلتا نحو البحر، تشكلت طبقات رملية يمكن أن تختزن الغاز، فيما ساعدت الصدوع وانحناءات الصخور على احتجازه داخلها.
وتسمح تقنيات المعالجة الزلزالية الحديثة بتحسين صورة الطبقات والصدوع وإعادة تقييم أهداف ظهرت بجودة محدودة في البيانات القديمة. ولذلك يرتبط الرهان في شرق الإسكندرية بالعثور على فرص جديدة داخل قطاع سبق اختباره على نطاق واسع، مستفيدًا من تطور أدوات التصوير والتحليل ومن المعرفة المتراكمة عن جيولوجيا المنطقة.
وتغيب عن الوثائق المفتوحة خريطة تفصيلية تحدد أعماق المياه داخل حدود الامتياز الجديد، لكن تقدم المشروعات السابقة والمجاورة صورة عن تنوع البيئة البحرية، إذ تقع بعض آبار روزيتا في مياه يبلغ عمقها نحو 160 مترًا، بينما امتدت مشروعات أخرى في المنطقة بين 70 و570 مترًا، ووصلت الأعماق في أجزاء من غرب دلتا النيل البحرية إلى أكثر من ألف متر.
وتقع المنطقة قرب شبكة من الحقول البحرية وخطوط الأنابيب ومحطات استقبال الغاز ومعالجته على الساحل، إضافة إلى مركز إدكو للطاقة ومحطتي إسالة الغاز.
وتحدد مواقع الاكتشافات المحتملة وحجمها وخصائص الغاز المنتج مسار الربط والمنشأة التي يمكن أن تستقبل الإنتاج، فيما بقيت المسافات بين حدود الامتياز والبنية القائمة خارج الوثائق المنشورة.
تستحوذ شرق الإسكندرية على 42.2 مليون دولار من أصل 52.97 مليونًا مخصصة لاتفاقيات الاستكشاف الثلاث، ما يعكس كلفة الآبار البحرية والخدمات المرتبطة بها. كما تجمع المنطقة بين مخاطرة الحفر البحري وميزة توفر البيانات والبنية التحتية والخبرة التشغيلية المتراكمة غرب دلتا النيل.
2- شمال طنطا الأرضية
تمتد منطقة شمال طنطا على مساحة تقارب 1111 كيلومترًا مربعًا داخل دلتا النيل، وتتعاقد “إيجاس” فيها مع شركة أي بي آر ساوث دسوق المحدودة، التابعة لمجموعة “أي بي آر” العاملة في قطاع النفط والغاز المصري. وتمنح الاتفاقية الشركة فترة بحث أولى مدتها 3 سنوات، مع حق الانتقال إلى فترة ثانية مدتها سنتان.
ويبلغ الحد الأدنى للاستثمار 4.4 ملايين دولار، موزعًا بين 2.4 مليون دولار في الفترة الأولى ومليوني دولار في الثانية، إلى جانب منحة توقيع قدرها مليون دولار، كما يلزم البرنامج الشركة بإعادة معالجة البيانات الزلزالية وحفر بئرين استكشافيتين.
وتضع خريطة بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج شمال طنطا ضمن مجموعة مناطق الامتياز البرية في دلتا النيل، في الإقليم نفسه الذي تظهر فيه منطقتا جنوب دسوق وابن يونس. كما يحمل الكيان المتعاقد اسم “ساوث دسوق”، فيما تحتفظ شمال طنطا باتفاقية مستقلة وحدود خاصة بها.
وتوجد في الإقليم منشآت لمعالجة الغاز المنتج من جنوب دسوق وخطوط تربطه بالشبكة القومية، ما يعكس كثافة البنية التحتية في هذا الجزء من الدلتا.
ولم تتضمن الخرائط المتاحة إحداثيات تسمح بقياس المسافة الدقيقة بين شمال طنطا ومحطة معالجة جنوب دسوق أو تحديد المنشآت التي قد تستقبل إنتاج المنطقة مستقبلًا.
تنتمي شمال طنطا إلى حوض شهد عقودًا طويلة من الاستكشاف والإنتاج، وتراكمت داخله بيانات زلزالية وسجلات آبار واسعة. ويتيح تحديث معالجة هذه البيانات تحسين صورة الطبقات الرملية والصدوع والمصائد، والعثور على تجمعات غاز صغيرة أو متوسطة الحجم بقيت خارج خطط الحفر السابقة.
ويؤدي قرب خطوط الغاز ومنشآت المعالجة إلى خفض كلفة تطوير الاكتشافات مقارنة بالمناطق البعيدة عن الشبكة، كما تحتاج الآبار البرية إلى إنفاق أقل من الآبار البحرية، وهو ما يظهر في تخصيص 4.4 ملايين دولار لحفر بئرين وإعادة معالجة البيانات في شمال طنطا، مقابل 42.2 مليون دولار لثلاث آبار بحرية في شرق الإسكندرية.
ويقوم الرهان في هذه المنطقة على الوصول إلى اكتشافات قابلة للربط داخل إقليم يمتلك منشآت إنتاج ونقل قائمة، حتى عندما جاءت أحجامها أقل من الحقول البحرية الكبرى.
وتؤثر المسافة الفعلية إلى خطوط التجميع (تنقل الغاز من الآبار إلى محطات المعالجة) في تحديد الجدوى الاقتصادية لأي كشف، وهي مسافات تحتاج إلى الخرائط التفصيلية للامتياز.
3- الفيروز الأرضية
تقع منطقة الفيروز على اليابسة في شمال سيناء، وتظهر على خريطة بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج كامتياز مستقل. وقدّر تقرير لجنة الطاقة والبيئة مساحتها بنحو 644 كيلومترًا مربعًا، فيما بقيت خريطة الحدود وجدول الإحداثيات غير معروفة.
وتتعاقد “إيجاس” في المنطقة مع شركة برينكو شمال سيناء للبترول، التابعة لمجموعة برينكو الفرنسية العاملة في الاستكشاف والإنتاج، فيما تلتزم الشركة باستثمار 6.37 ملايين دولار على الأقل، وتنفيذ مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد وإعادة معالجة البيانات السابقة، ثم حفر بئر استكشافية واحدة، مع منحة توقيع بقيمة 500 ألف دولار.
وجاءت الاتفاقية بعد عرض مباشر قدمته برينكو وخضع للتقييم الفني والاقتصادي داخل لجان “إيجاس”، وفق المذكرة الإيضاحية التي استعرضتها لجنة الطاقة والبيئة.
وتملك الشركة خبرة سابقة في شمال سيناء وأصولًا إنتاجية في نطاقها البحري، ما يمنحها معرفة بالبيئة الجيولوجية والظروف التشغيلية وسلاسل الإمداد في المنطقة.
ويبدأ البرنامج بالمسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد قبل اختيار موقع البئر، فيما تستهدف هذه المرحلة رسم شكل الطبقات والصدوع بدقة واختيار الموقع الأكثر احتمالًا لوجود الغاز.
تقع الفيروز عند الطرف الشرقي من منظومة دلتا النيل وشمال سيناء، ضمن إقليم كشفت منطقته البحرية عن وجود نظام غازي نشط.
وتشير الدراسات الفنية المنشورة عن شمال سيناء البحرية إلى وجود خزانات للغاز داخل طبقات رملية تراكمت قبل ملايين السنين، وتراكيب جيولوجية تشكلت بفعل الصدوع في حقول مثل تاو وكاموس.
وتساعد نتائج حقلي تاو وكاموس البحريين على فهم احتمالات وجود الغاز في المنطقة الأوسع، فيما تخضع رقعة الفيروز البرية لاختبار مستقل عبر المسح الزلزالي الجديد والبئر المقررة، لتحديد طبيعة الطبقات ومواقع تجمع الغاز داخل حدودها.
وتظهر الخرائط جوارًا إقليميًا بين الفيروز ومنطقة شمال سيناء البحرية، من دون تحديد خط أنابيب أو محطة معالجة مرتبطة بالامتياز الجديد. ولذلك تتوقف صورة البنية التشغيلية على موقع أي اكتشاف محتمل والمسافة بينه وبين المنشآت القائمة في شمال سيناء.
وتحمل الفيروز درجة أعلى من عدم اليقين الجيولوجي مقارنة بشمال طنطا، وهو ما يفسر تخصيص مسح ثلاثي الأبعاد قبل البئر الأولى. وتمثل المنطقة محاولة لفتح جبهة برية جديدة مستفيدة من خبرة المشغل في الإقليم ومن الشواهد الغازية التي ظهرت في النطاق البحري المجاور.
4- عسران بشمال عامر
تتعلق الاتفاقية الرابعة بمنطقة تنمية حقل عسران بشمال عامر، وتتعاقد فيها الدولة مع الشركة العامة للبترول المملوكة للدولة والتي تعمل في البحث والإنتاج وتدير حقولًا برية وبحرية. وتغطي الاتفاقية استمرار البحث والتنمية والاستغلال داخل حقل قائم بعد انتهاء مدة الإسناد الجارية.
وقدّر تقرير لجنة الطاقة والبيئة مساحة منطقة التنمية بنحو 909 كيلومترات مربعة، فيما تمنح الاتفاقية الشركة العامة مدة استغلال تبلغ 20 عامًا قابلة للتجديد، ضمن سقف إجمالي يصل إلى 30 عامًا.
وتضع بعض ملخصات مشروع الاتفاقية بداية الإسناد في ديسمبر/كانون الأول 2030، فيما تربط مصادر أخرى نفاذه بانتهاء الاتفاقية الحالية في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2032.
بدأت إجراءات إعادة الإسناد بطلب قدمته الشركة العامة للبترول في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2024 لضمان استمرار أعمال التنمية والإنتاج.
وفي فبراير/شباط 2026 وافق وزير البترول والثروة المعدنية على خطة استثمار الشركة، وتضمنت تسريع تنمية حقل عسران باستثمارات تبلغ 350 مليون دولار خلال أول 5 سنوات. ويمثل هذا المبلغ خطة تنمية للحقل منفصلة عن استثمارات اتفاقيات الاستكشاف الثلاث.
يربط الاسم الرسمي الحقل بمنطقة شمال عامر في الصحراء الشرقية، فيما تضع البيانات الفنية لنطاقي شمال وغرب عامر المنطقة ضمن الحزام الساحلي لخليج السويس قرب رأس غارب.
وتوضح بيانات قطاع غرب عامر المجاور وجود أجزاء برية وأخرى بحرية ضحلة، بينما تحتاج حدود منطقة عسران نفسها إلى الخريطة الملحقة بالقانون لتحديد امتدادها الدقيق.
وتدير الشركة العامة للبترول في نطاق شمال وغرب عامر آبارًا ومنصات ومرافق إنتاج قائمة، ما يسمح لخطة عسران بالاستفادة من شبكة تشغيلية بُنيت خلال عقود. وتتركز الاستثمارات في حفر آبار إضافية، وإعادة بعض الآبار المتوقفة إلى الإنتاج وصيانة المنشآت وإعادة تقييم المكامن التي بلغت مرحلة متقدمة من عمرها.
ينتمي الحقل إلى إقليم خليج السويس، أحد أقدم وأهم مناطق إنتاج النفط في مصر. وتكوّن الخليج بفعل صدوع شقت القشرة الأرضية وخلقت أحواضًا تراكمت فيها المواد العضوية والطبقات الرملية والصخور التي أسهمت في توليد النفط وتخزينه ومنع تسربه
وتتجه خطط تطوير الحقول الناضجة إلى تحديد الكميات المتبقية القابلة للاستخراج، ورفع نسبة النفط التي يمكن استخراجها من الحقل، وحفر أهداف قريبة من الآبار والمنشآت العاملة. ويتطلب ذلك تحديث النماذج التي تتابع حركة النفط والمياه والضغط داخل المكمن، وربط نتائج الآبار القديمة بالبيانات الزلزالية والإنتاجية الحديثة.
وتنسجم خطة عسران مع توجه وزارة البترول إلى توسيع استخدام التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحقول الناضجة. وتساعد هذه الأدوات على مراجعة سجلات الآبار ومعدلات الإنتاج والضغط، وتحديد المواقع المناسبة لحفر آبار جديدة، والآبار التي تحتاج إلى إصلاح أو إعادة تشغيل.