Also available in English
تحدد عبارة “جنوب الليطاني” في ترتيبات القرار 1701 نطاقًا أمنيًا بين مجرى نهر الليطاني والخط الأزرق، وتستخدم الأمم المتحدة منطقة عمليات قواتها المؤقتة في لبنان، البالغة نحو 1060 كيلومترًا مربعًا، مرجعًا عمليًا له.
يمتد هذا النطاق عبر أجزاء من أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا، من الساحل بين صور والناقورة إلى القطاع الشرقي عند الخيام والقرى المحاذية للغجر وكفرشوبا.
وحدد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في 11 أغسطس/آب 2006، أن تكون المنطقة خالية من الأفراد المسلحين والعتاد والأسلحة، باستثناء ما يعود إلى الحكومة اللبنانية وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل”، وربط ذلك بانتشار الجيش اللبناني وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي.
خلال حرب 2026، وسعت قوات الاحتلال نطاق سيطرتها داخل جنوب لبنان، ثم ربطت الترتيبات الأمريكية–اللبنانية–الإسرائيلية الانسحاب بانتشار الجيش اللبناني وجمع السلاح وتفكيك المواقع المسلحة التابعة لحزب الله.
وبدأ تنفيذ هذه الترتيبات في يوليو/تموز ضمن “مناطق تجريبية” شملت بلدات جنوب الليطاني وأخرى شمال النهر، فأصبحت خطة 2026 أوسع جغرافيًا من النطاق المحدد في القرار 1701، إذ شملت ترتيبات داخل منطقة عمليات اليونيفيل وامتدت إلى مناطق أخرى خضعت لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب.
جنوب الليطاني على الخريطة
تستخدم الأمم المتحدة منطقة عمليات اليونيفيل بوصفها المرجع العملي الأقرب لجنوب الليطاني. وتبلغ مساحة هذه المنطقة نحو 1060 كيلومترًا مربعًا، وتنتشر القوة الدولية داخلها في نحو 50 موقعًا، يقع قرابة نصفها على الخط الأزرق أو بالقرب منه.
ويرسم نهر الليطاني حدها الشمالي عبر مجراه المتعرج باتجاه القاسمية والساحل، بينما يمتد الخط الأزرق جنوبها لنحو 120 كيلومترًا من الناقورة غربًا إلى القطاع الشرقي.
وتعرض خريطة عمليات اليونيفيل المؤرخة في مايو/أيار 2026 الشكل العام للمنطقة، فيما تقدم خريطة الأمم المتحدة، الصادرة في يونيو/حزيران 2022، أسماء البلدات والطرق والتفاصيل الجغرافية الأوسع.
يمتد القطاع الساحلي من صور إلى الناقورة، ويتوسط المنطقة محور تبنين وبنت جبيل والقرى الحدودية المحيطة بهما، فيما يشمل القطاع الشرقي مرجعيون والخيام والبلدات المتاخمة للخط الأزرق وصولًا إلى محيط الغجر وكفرشوبا. وتتوزع في هذه القطاعات مواقع الجيش واليونيفيل، وترتبط بطرق محلية تصلها بالمراكز الرئيسية شمال الليطاني.
وترتبط المنطقة بثلاثة محاور رئيسية، هي الطريق الساحلي بين صور والناقورة، ومحور صور–تبنين–بنت جبيل، والطريق الممتد من النبطية عبر الخردلي إلى مرجعيون والخيام. ويشكل جسر القاسمية ومحور الخردلي عقدتي عبور رئيسيتين لحركة الجيش واليونيفيل والإمدادات وعودة السكان.
وتحدد سلامة هذه الجسور والطرق قدرة الجيش ودوريات اليونيفيل على الحركة ووصول الإمدادات وعودة السكان إلى القرى المتضررة، بعدما تعرض عدد منها للقصف أو القطع خلال الحرب.
يختلف الوضع الجغرافي والقانوني لنهر الليطاني والخط الأزرق والحدود الدولية، فالليطاني نهر لبناني داخلي يبلغ طوله نحو 170 كيلومترًا، وتعتمده ترتيبات القرار 1701 حدًا طبيعيًا شماليًا للمنطقة الأمنية.
ورسمت الأمم المتحدة الخط الأزرق عام 2000 للتحقق من انسحاب قوات الاحتلال من لبنان، ويستخدم منذ ذلك الوقت مرجعًا ميدانيًا لمراقبة التحركات والخروقات.
أما المرجعية الحدودية التاريخية فتعود إلى خط عام 1923 بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني وخط الهدنة لعام 1949، فيما تصف الأمم المتحدة الخط الأزرق بأنه أداة للتحقق من الانسحاب من دون أن يمثل ترسيمًا نهائيًا للحدود الدولية.
يقع الجزء الشمالي من بلدة الغجر والمنطقة الملاصقة له شمال الخط الأزرق، أي على الجانب اللبناني منه وداخل الحيز الجغرافي الواقع جنوب الليطاني، ويخضع هذا الجزء لسيطرة الاحتلال خارج سلطة الدولة اللبنانية، في خرق للقرار 1701.
وتضع الخرائط الأممية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا جنوب الخط الأزرق وخارج منطقة عمليات اليونيفيل، مع استمرار مطالبة لبنان بهما وارتباط وضعهما بحدود لبنان وسوريا والجولان السوري المحتل.
وتضاف إلى الخلافات المرتبطة بالخط الأزرق نقاط تحفظ لبنانية موزعة على امتداده. وتشير وسائل إعلام محلية إلى 13 نقطة، فيما لم تنشر السلطات اللبنانية لائحة حديثة موحدة تتضمن مواقعها وإحداثياتها. وترتبط هذه التحفظات باعتراضات على مسار الخط أو مواقع علاماته الميدانية، وتظهر على الخريطة كمواضع متفرقة من دون أن تشكل نطاقًا جغرافيًا متصلًا.
السلاح والقوات وآليات المراقبة
نصت الفقرة الثامنة من القرار 1701 على إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو عتاد أو أسلحة، باستثناء ما يعود إلى حكومة لبنان واليونيفيل. وربط القرار هذا الترتيب بانتشار الجيش اللبناني والقوة الدولية في الجنوب بالتزامن مع انسحاب قوات الاحتلال.
كما أحال القرار إلى اتفاق الطائف وقراري مجلس الأمن 1559 و1680 بشأن نزع سلاح الجماعات المسلحة في أنحاء لبنان، وخص منطقة جنوب الليطاني بترتيب أمني محدد بين النهر والخط الأزرق.
ويتولى الجيش اللبناني جمع السلاح وتفكيك المواقع والتفتيش والمصادرة وبسط السيطرة الأمنية، فيما تسانده اليونيفيل بالدوريات والمراقبة وتوثيق الخروقات والتنسيق. وتنتشر القوة الدولية من مقرها في الناقورة ضمن قطاع غربي مقره شمع وقطاع شرقي مقره إبل السقي، إضافة إلى قوة المهام البحرية العاملة مع البحرية اللبنانية.
وتدير اليونيفيل منذ عام 2007 آلية ثلاثية تضم ضباطًا من الجيش اللبناني وجيش الاحتلال الإسرائيلي برئاسة قائد القوة الدولية. وتتناول الاجتماعات الخروقات والتحركات العسكرية والحوادث القريبة من الخط الأزرق، وتوفر قنوات اتصال عند ارتفاع التوتر.
وأضاف اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 آلية مراقبة تقودها الولايات المتحدة بمشاركة فرنسا، ثم أنشأ الإطار الثلاثي الموقع في 26 يونيو/حزيران 2026 مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، لمواكبة انسحاب قوات الاحتلال وتسلم الجيش المناطق المتفق عليها.
وما تزال هناك فجوة بين انتشار القوات والسيطرة الكاملة على السلاح، ففي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في 11 مارس/آذار 2026، سجلت اليونيفيل “أسلحة غير مصرح بها” في المنطقة بين الخط الأزرق والليطاني في 114 مناسبة، بينها 73 منشأة أو مستودعًا غير محروس.
وتراجع متوسط الأنشطة العملياتية الشهرية لليونيفيل من 13750 نشاطًا بين 21 فبراير/شباط و20 يونيو/حزيران 2024 إلى 6835 نشاطًا بين 21 أكتوبر/تشرين الأول 2025 و20 فبراير/شباط 2026، بفعل القتال والذخائر غير المنفجرة والتهديدات والقيود على الحركة.
وسجلت تقارير ما قبل اتساع الحرب وجود ميادين رماية غير مرخصة وأسلحة ومواقع عسكرية، إلى جانب عراقيل واجهت وصول اليونيفيل إلى مواقع مرتبطة بأنفاق وحوادث أمنية، كما وثقت استمرار الطلعات الجوية الإسرائيلية وعمليات اجتياز الخط الأزرق والسيطرة على شمال الغجر.
وظل جنوب الليطاني يشهد انتشارًا واسعًا للجيش واليونيفيل، إلى جانب أسلحة ومواقع عسكرية وخروقات تتعارض مع الترتيب الأمني الذي حدده القرار.
من اتفاق 2024 إلى مناطق 2026 التجريبية
ربط اتفاق وقف إطلاق النار انسحاب قوات الاحتلال بانتشار الجيش اللبناني وتفكيك المنشآت العسكرية غير التابعة للدولة جنوب الليطاني.
وبعد إبقاء “إسرائيل” قواتها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية، كلف مجلس الوزراء الجيش إعداد خطة لحصر السلاح بيد الدولة، ثم أعلن الجيش تقدم مرحلتها الأولى وتوسيع سيطرته العملياتية داخل القطاع، مع استثناء المواقع التي بقيت قوات الاحتلال داخلها واستمرار العمل في الأنفاق والذخائر غير المنفجرة.
تغيرت الظروف الميدانية مع اتساع التوغل الإسرائيلي خلال حرب 2026. ونقلت وكالة رويترز للأنباء عن مسؤولين مطلعين أن خرائط الانتشار الإسرائيلية حددت شريطًا يتراوح عمقه بين 5 و10 كيلومترات في بعض القطاعات، وسط أعمال هدم ومنع للسكان من العودة.
وأدخل هذا الانتشار قرى وطرقًا ضمن منطقة عمل الجيش اللبناني واليونيفيل في نطاق السيطرة العسكرية للاحتلال أو تحت نيرانه، فأصبح تقدم الجيش مرتبطًا بانسحاب إسرائيلي سابق أو متزامن.
أطلقت الترتيبات الأمريكية–اللبنانية–الإسرائيلية بعدها فكرة “المناطق التجريبية”، بحيث يتولى الجيش السيطرة الحصرية على المناطق التي تنسحب منها قوات الاحتلال، مع استبعاد الجهات المسلحة غير الحكومية.
وترك الإطار الثلاثي توقيت الانسحاب وتسلسل مراحله للمفاوضات والاتفاقات الميدانية اللاحقة، فيما تغيرت قائمة المناطق بين الاقتراح اللبناني الأول وبدء التنفيذ من دون تفسير رسمي منشور، فيما شملت المرحلة الأولى فرون وصريفا وزوطر الغربية.
وتقع فرون وصريفا جنوب الليطاني، بينما تقع زوطر الغربية شمال مجرى النهر، ما وسع نطاق الخطة خارج منطقة عمليات اليونيفيل.
وبدأ الجيش اللبناني الانتشار في زوطر الغربية بعد انسحاب قوات الاحتلال منها، ونفذ أعمال المسح الهندسي والتمشيط وإزالة الذخائر، فيما بقيت زوطر الشرقية خارج نطاق التسليم.
وأعلنت قيادة الجيش لاحقًا أن القصف وإطلاق النار وأعمال التجريف الإسرائيلية تعرقل استكمال الانتشار في المناطق الثلاث. كما بقي التنفيذ مرتبطًا بقدرة الجيش على تثبيت وجوده، ومعالجة الدمار والذخائر، وجمع الأسلحة وتفكيك المواقع المسلحة.
وفي المقابل رفض الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الإطار الثلاثي، وربط بحث سلاح الحزب بانتهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، فيما تمسكت الحكومة بخطة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة.
بحلول أواخر يوليو/تموز 2026، كان الجيش قد بدأ تسلم مناطق محددة، بينما بقيت أجزاء من الجنوب تحت سيطرة الاحتلال واستمرت اليونيفيل في توثيق “أسلحة غير مصرح بها”.
ويظل نطاق القرار 1701 محصورًا بين الليطاني والخط الأزرق، في حين امتدت خطة 2026 إلى مواقع شمال النهر، وبقي استكمالها مرتبطًا بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي وتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة.