• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

23 مليون دولار لإسقاطه.. هل تهزم “أيباك” عبدول السيد؟

مايكل كروز٢٨ يوليو ٢٠٢٦

عبدول السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، يقف خارج مقر التجمع الموحد الأول في مدينة آن أربور خلال الشهر الماضي.

ترجمة وتحرير: نون بوست

تمثل الانتخابات التمهيدية في ولاية ميشيغان جبهة حاسمة في الصراع الدائر بين الجناحين التقدمي والمعتدل داخل الحزب الديمقراطي، وتعد بمثابة بروفة استباقية للانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 2028.

خطاب الاستقلال.. هوية أمريكية ووعود منقوصة

قبيل حلول ذكرى الرابع من يوليو/تموز (عيد الاستقلال الأمريكي)، وقف عبدول السيد، وهو نجل لمهاجرين مصريين والمرشح لانتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان، ليلقي نظرة على بضع مئات من الحاضرين في تجمع انتخابي أُقيم في إحدى كليات المجتمع بمدينة ديترويت، متحدثاً بشغف عن عيد الميلاد التاريخي للبلاد. وقال للمحتشدين إنهم يقفون الآن على أعتاب الذكرى المئتين والخمسين لتأسيس الأمة.

وفي تلك اللحظة، أطلق شخص من الصفوف الأمامية صيحة استهجان ساخرة، ليتوقف الدكتور عبدول السيد عن الحديث فوراً مبدياً اعتراضه الواضح على هذا التصرف، ومؤكداً بنبرة حاسمة أنهم في تجمعاته لا يطلقون صيحات الاستهجان. ومضى قائلاً إنه يدرك جيداً تلك الصدفة التاريخية التي سمحت له بالولادة في هذا البلد، ويعلم تماماً ما يمكن لأمريكا أن تقدمه لأي شخص، لكنه يوقن في الوقت ذاته أن أمريكا، وفي كثير من الأحيان، تخفق في تقديم ذلك للكثير من أبنائها.

جبهة حاسمة ومزيج من الحماس والقلق

ويُعد الدكتور عبدول السيد، وهو أستاذ جامعي سابق ومسؤول في قطاع الصحة العامة، منافساً يحظى بأهمية فريدة في سباق انتخابي يتسم هو الآخر بأهمية استثنائية؛ إذ يثير خطابه الشعبوي مزيجاً متساوياً من الحماس والقلق على حد سواء في أوساط الديمقراطيين. ويخوض عبدول السيد غمار المنافسة على مقعد لا بديل عن الفوز به في معركة السيطرة على مجلس الشيوخ.

وقد تحولت الانتخابات التمهيدية في ولاية ميشيغان، المقررة في الرابع من أغسطس/آب، إلى جبهة مفصلية في الصراع الدائر بين الجناحين التقدمي والمعتدل داخل الحزب الديمقراطي، فضلاً عن كونها بروفة استباقية قوية تعكس ملامح الانتخابات التمهيدية الرئاسية القادمة.

ويبني عبدول السيد حملته على برنامج انتخابي مناهض بشدة لإسرائيل، ويدعو في الوقت ذاته إلى إلغاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، وزيادة الضرائب على الأثرياء، وتوفير الرعاية الصحية الشاملة لجميع الأمريكيين. وقد تحول هذا الرجل من عالم أوبئة معتمد وموثوق من قبل المؤسسة الرسمية، إلى رمز وأيقونة للتيار المناهض للمؤسسة. وإذا ما كُتب له الفوز في هذا السباق، في وقت يتزايد فيه عدد المسلمين الذين يترشحون ويفوزون بمناصب سياسية، فإنه سيصبح أول سيناتور مسلم في تاريخ الولايات المتحدة.

وبالنسبة لأشد أنصاره حماساً، يمثل الدكتور عبدول السيد، البالغ من العمر واحداً وأربعين عاماً، مزيجاً يتمتع بكاريزما طاغية تجمع بين سحر باراك أوباما وراديكالية بيرني ساندرز. ويرون فيه إجابة الجيل الجديد للحزب ولمؤسسته المتصلبة والتي خسر حاملو لوائها التقليديون مرتين أمام دونالد ترامب. بل إن أحد مساعديه وصل إلى حد إطلاق لقب بروس سبرينغستين المسلم عليه، في إشارة إلى نجم الروك الأمريكي الشهير.

أما في عيون منتقديه، فهو شخص مفرط الثقة ومتعجرف؛ وباحث نال منحة رودس المرموقة وتخرج في أعرق جامعات رابطة اللبلاب، ليتحول إلى محارب يزعم الدفاع عن الطبقة العاملة. ويصفونه بأنه باحث دائم عن المجد الشخصي، وقد تسببت مواقفه وتصريحاته في تنفير بعض الناخبين من ذوي الأصول الأفريقية والناخبين اليهود.

ويرى هؤلاء المنتقدون بأن عبدول السيد، بغض النظر عن أي شيء آخر، يمتلك فرصاً أقل للفوز مقارنة بمنافسته الأكثر اعتدالاً في الانتخابات التمهيدية، وذلك عند خوض المواجهة العامة ضد مايك روجرز، العضو السابق في الكونغرس عن ولاية ميشيغان والمرشح الجمهوري المحتمل. وفي هذا السياق، صرح مات بينيت، الموظف السابق لدى الرئيس بيل كلينتون والمؤسس المشارك لمؤسسة الطريق الثالث الفكرية الوسطية، بأن عبدول السيد يُعد شخصاً متطرفاً وراديكالياً، وهو الرأي الذي يتوافق معه الجمهوريون تماماً.

ومع ذلك، فإن الدكتور عبدول السيد هو أكثر بكثير من مجرد بؤرة لجذب الانتقادات السياسية؛ فقد عاش حياته، سواء بمحض الصدفة أو باختياره، على خطوط الصدع المليئة بالتناقضات والتعقيدات في السجل الأمريكي المتعلق بقضايا العرق والدين والهجرة. إنه أمريكي من أصل مصري، وُلد وترعرع في ولاية ميشيغان، وكان في يوم من الأيام فتى يقوم بتعبئة الأكياس في متاجر كروغر، وقائداً لفريق كرة القدم في مدرسته الثانوية. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، تعرض لإهانات وشتائم عنصرية معادية للعرب مثل ذو الخرقة على رأسه، وذو المنشفة، وغيرها من الأوصاف الأكثر بذاءة.

ويخوض عبدول السيد حملته الانتخابية بابتسامة تعلو وجهه، لكنه يحمل في داخله شعوراً عميقاً بالرغبة في التحدي وإثبات الذات، وتتخلل خطاباته الحماسية نبرة حادة ولاذعة. وقد عاد ليؤكد خلال تجمعه الانتخابي في ديترويت أن الدرس المستفاد من المائتين والخمسين عاماً الماضية هو أن أمريكا قادرة حقاً على تصحيح مسارها، شريطة أن نكون مستعدين للقيام بعملية التصحيح تلك.

وفي ختام خطابه، أشار عبدول السيد إلى أن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، وهي جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل، تسعى جاهدة لهزيمته وإسقاطه من خلال ضخ عشرات الملايين من الدولارات لتمويل حملات إعلانية لصالح منافسته، هايلي ستيفنز، عضوة الكونغرس التي خدمت لأربع ولايات. وقال مخاطباً الحشد إنهم سينفقون كل ما يلزم لتحقيق ذلك، مضيفاً بتهكم يعكس التمييز العرقي والطبقي ضده، أنه في نهاية المطاف مجرد شخص عربي طموح يتجاوز حدوده المقبولة في نظرهم.

تمثل هايلي ستيفنز، عضوة الكونغرس التي خدمت لأربع ولايات، المنافسة المباشرة للدكتور عبدول السيد في سباق الانتخابات التمهيدية لعضوية مجلس الشيوخ.
من المرجح جداً أن يواجه الفائز في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ، المقررة الشهر المقبل، مايك روجرز، العضو السابق في الكونغرس عن ولاية ميشيغان والمرشح الجمهوري المحتمل

“أشرح هويتي منذ كنتُ في الثالثة من عمري” 

في صباح أحد الأيام الأخيرة بمدينة آن أربور، وداخل صالة الألعاب الرياضية في قبو منزله المكون من أربع غرف نوم، انهمك الدكتور عبدول السيد في تدريباته الرياضية، حيث أضاف قرصين من الأوزان زنة كل منهما خمسة وأربعون رطلاً، وقرصاً آخر بوزن خمسة وعشرين رطلاً على جانبي القضيب الحديدي المثبت على الحامل. وفي غمرة أداء مجموعات من تمرين القرفصاء، قال وهو يلتقط أنفاسه إنه يجد نفسه مضطراً لشرح هويته وتبرير وجوده منذ أن كان في الثالثة من عمره. وأضاف أنه طالما اضطر لشرح حقيقة من يكون، ولماذا تبدو ملامحه بهذا الشكل، ولماذا يختلف اسمه عن أسماء الآخرين.

وُلد عبد الرحمن محمد السيد في يوم الهالوين من عام 1984 في مدينة روتشستر هيلز بولاية ميشيغان، شمال مدينة ديترويت، وكانت اللغة العربية هي لغته الأولى التي نطق بها. انفصل والداه عندما كان طفلاً صغيراً يتعلم المشي، لتتزوج والدته لاحقاً وتنتقل للعيش في الخارج. وبدوره، تزوج والده مرة أخرى من امرأة من وسط ميشيغان كانت قد اعتنقت الدين الإسلامي.

عمل والده وزوجة والده كمهندسين، حيث درسا ودرّسا في جامعات بولايات ميسوري وفلوريدا وميشيغان. وفي المقابل، كان أجداده الجدد من ذوي البشرة البيضاء ويشغلون مناصب كنسية في الكنيسة المشيخية. وفي مقابلة صحفية، استذكر جده كيف سأله عبد الرحمن ذات مرة ببراءة الطفولة: كيف تكون أنت جدي؟

واجه الأطفال الآخرون صعوبة بالغة في نطق اسمه الأول بالكامل. وفي عام 1989، تزامن ذلك مع سطوع نجم مغنية الروك باولا عبدول وأسطورة كرة السلة كريم عبد الجبار. ونتيجة لذلك، وخلال مرحلة ما قبل المدرسة في مدينة كولومبيا بولاية ميسوري، بدأ يُعرف باسم عبدول فقط. وفي اللغة العربية، يعني اسم عبد الرحمن العابد والمخلص لله، أما كلمة عبد منفردة، فتعني الخادم أو العابد لشيء مجهول، تاركة فراغاً في المعنى. ورغم ذلك، جاهد عبد الرحمن وكافح بشدة ليندمج في مجتمعه.

وخلال دراسته الابتدائية في منطقة كيندال بولاية فلوريدا، كان يُحضر معه خبزاً شرق أوسطياً محشواً بالفول المدمس لتناوله في وجبة الغداء. ويستذكر كيف كان زملاؤه في الفصل يسخرون منه ويتنمرون عليه، ناعتين طعامه بأوصاف مقززة ومقرفة. وفي المرحلتين الإعدادية والثانوية في ضاحية بلومفيلد تاونشيب الراقية والمشجرة بولاية ميشيغان، حيث قدّر نسبة المسلمين في فصوله الدراسية بنحو خمسة بالمائة فقط، ارتدى الجينز الفضفاض الواسع واستمع إلى أغاني مطرب الراب توباك شاكور. كما عمل في تقديم المثلجات في متجر محلي، ومارس رياضتي المصارعة وكرة القدم الأمريكية، وكان يشتهي تناول البيتزا أكثر من اشتيائه لأطباق الكفتة الشرقية.

نشأ عبدول السيد في كنف والده وزوجة والده في الغالب. وفي عائلته المتداخلة، التي ضمت مجموعتين من الإخوة غير الأشقاء؛ إحداهما نصف فلسطينية والأخرى نصف بيضاء، كان هو المصري الوحيد بالكامل في جيله. وكان والده صارماً ولا يقبل منه بأقل من الدرجات النهائية، كما فرض عليه تنظيف المطبخ كل ليلة.

وفي إحدى الليالي، عندما كان في السادسة عشرة من عمره، أخبر عائلته بأنه ذاهب للصلاة في المسجد، لكنه تسلل بدلاً من ذلك للتسكع مع أصدقائه. وهناك، أوقفته الشرطة بتهمة انتهاك حظر التجول المحلي. وبحسب ما يتذكره، سأله أحد الضباط بحدة عما يفعله في هذا الجزء من المدينة، ثم اقتادوه إلى منزله مكبل اليدين بالأصفاد، ليفتح لهم والده الباب مرتدياً الجلابية، وهي رداء طويل وفضفاض يُلبس في شمال أفريقيا.

وكتب عبدول السيد في مذكراته معلقاً على تلك الحادثة، أنه كان يبحث عن الحب والقبول، وحاول الشرح والتبرير، لكن والده كان قد صعد نصف درجات السلم بالفعل، ولم يقل له سوى أنه يشعر بخيبة أمل عميقة فيه. 

وبعد ثلاثة أسابيع فقط، وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. ويشير عبدول السيد إلى أنه سمع بعد ذلك الحدث نوعاً جديداً من الكراهية في ملعب كرة القدم، ومن المدرجات، وفي جميع أنحاء المدينة؛ حيث ترددت عبارات مسيئة تلعن المسلمين، وتطالبهم بالعودة إلى بلادهم، وتصرخ في وجهه طالبة منه الخروج من البلاد مناداتة إياه باسم أسامة، وهو بالمناسبة اسم شقيقه الأصغر.

في عام 2003، التحق عبدول السيد بجامعة ميشيغان، حيث التقى بالمرأة التي ستصبح زوجته وشريكة حياته لاحقاً. وقد وجد ضالته المنشودة في سارة جوكاكو، وهي مسلمة هاجر والداها من الهند. وفي كتابه، وصف عبدول السيد سارة بأنها كانت تتمتع بالثقة الهادئة التي يتسم بها شخص عرف الحب غير المشروط، مشيراً إلى أنها لم تكن بحاجة أبداً إلى الشرح أو إثبات الذات أو التبرير.

وبالعودة إلى قبو منزله، وبعد انتهائه من تمارين القرفصاء، استخدم سلسلة لربط قرص وزن بخمسة وأربعين رطلاً بحزام حول خصره، وبدأ في أداء تمارين العقلة صعوداً وهبوطاً. ولم يكن يُسمع في صالة الألعاب الرياضية سوى أزيز مروحة قريبة، وصوت أنفاسه اللاهثة مع كل حركة.

تظهر سارة جوكاكو (في الوسط) أثناء حضورها إحدى الفعاليات الانتخابية الداعمة لزوجها الدكتور عبدول السيد في مدينة آن أربور.
يخوض الدكتور عبدول السيد حملته الانتخابية مستنداً إلى برنامج مناهض بشدة لإسرائيل، ويدعو في الوقت ذاته إلى إلغاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، وزيادة الضرائب على الأثرياء، وتوفير الرعاية الصحية الشاملة لجميع الأمريكيين.

“عزيزي عبدول…” 

وفي عصر أحد الأيام الأخيرة، دخل الدكتور عبدول السيد راكضاً إلى قاعة إحدى الكنائس التابعة لطائفة الموحدين في مدينة آن أربور، مرتدياً قميصاً أسود ضيقاً بياقة مجوفة. أخذ يعانق الحاضرين ويحييهم بأيديهم بحماس، ثم قفز إلى المنصة وبدأ خطابه بنداءات حماسية تتطلب ردوداً من الجمهور. صاح عبدول السيد قائلاً: فليخرج المال من، ليرد الناس بهتاف مدوٍ: السياسة. ثم استأنف قائلاً: وليبقَ المال في، ليجيب الجمهور: جيوبكم. وتابع: الرعاية الصحية لـ، فصرخت الجماهير: الجميع.

وعقب ذلك، قال للمحتشدين إنه من المفيد جداً أن يمتلك المرء رسالة راسخة في أذهان الناس؛ فبهذه الطريقة، قد لا يحتاج إلى إنفاق لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) لثلاثة وعشرين مليون دولار لدعمه. ولم يضطر عبدول السيد إلى ذكر اسم منافسته هايلي ستيفنز صراحة، لأن الرسالة كانت واضحة للجميع، فضحك وضحك معه الجمهور. وأشار ساخراً إلى أن اسمه يتكون من أحد عشر حرفاً، ويصدر أصواتاً من أجزاء في حناجر الناس لا يعلم معظمهم بوجودها أصلاً، مؤكداً أن الأشخاص الذين يشبهونه من غير المفترض لهم، وفقاً للتقاليد السائدة، أن يترشحوا للمناصب السياسية.

وخلال دراسته في جامعة ميشيغان، كان الدكتور عبدول السيد عضواً فاعلاً ونشطاً في جمعية الطلاب المسلمين. كما مارس رياضة اللاكروس ضمن فريق الجامعة، واحتج على الحرب في العراق من خلال اختيار عدم الوقوف في مواجهة العلم الأمريكي أثناء عزف النشيد الوطني. وتخرج لاحقاً بمرتبة الشرف الأولى، حاصلاً على شهادتين في علم الأحياء والعلوم السياسية، وفقاً لسجلات الجامعة. وبصفته المتحدث باسم الطلاب في حفل تخرجه في ربيع عام 2007، حث زملاءه على التحلي بالجرأة للإيمان بقدرتهم على تغيير هذا العالم. ويستذكر كيف أخبره المتحدث الرئيسي في الحفل بأنه يمتلك موهبة فطرية في الخطابة، مقترحاً عليه الترشح لمنصب سياسي في يوم من الأيام، على الرغم من أنه كان في طريقه للالتحاق بكلية الطب.

وكان ذلك المتحدث الرئيسي هو الرئيس الأسبق بيل كلينتون، الذي أرسل له بعد ثلاثة أيام رسالة كتب فيها: عزيزي عبدول، لقد كان خطاب تخرجك رائعاً ومذهلاً، أتمنى لك التوفيق، وسأحاول العيش طويلاً بما يكفي لأحتاجك كطبيب لي.

وأمضى عبدول السيد عامين في كلية الطب بولاية ميشيغان، تلاهما عامان كباحث في منحة رودس المرموقة في جامعة أكسفورد. وهناك، أخبره أحد الأساتذة بأنه أكثر شخص أمريكي عرفه على الإطلاق؛ فهو سليل مهاجرين في أمة شُيدت على أكتاف المهاجرين، ويتمتع بثقة بالنفس تصل إلى حد الجرأة والوقاحة. وحصل عبدول السيد على درجة الدكتوراه في علم الأوبئة من أكسفورد، ثم واصل دراسته الطبية في جامعة كولومبيا ليحصد درجته في الطب. بيد أنه أُصيب بخيبة أمل مريرة تجاه نظام الرعاية الصحية أثناء الجزء العملي من تدريبه، حيث ترسخت لديه قناعة بأن هذا النظام صُمم للتربح من المرضى بدلاً من السعي لشفائهم. ونتيجة لذلك، اختار مساراً أكاديمياً ليصبح أستاذاً جامعياً ثابتاً، بدلاً من العمل كطبيب ممارس.

وبالعودة إلى قاعة الكنيسة في آن أربور، استأنف الدكتور عبدول السيد وقوفه على المنصة، ليواصل هجومه على منظمة أيباك المؤيدة لإسرائيل. وخاطب الحشد قائلاً إنهم يَرون إعلانات المنظمة تغزو شاشات تلفزيوناتهم طولاً وعرضاً، ليصرخ الحاضرون بكلمة واحدة: عار.

وضرب عبدول السيد بيده على المنصة، وتراجع إلى الوراء مطلقاً ضحكة عالية، ثم قال بلهجة حاسمة إن المال لا يمكنه أن يشتري رسالة، ولا يمكنه أن يشتري الحقيقة، ومستحيل أن يشتري إرادة الناس. وتعالت صيحات الناس وهتافاتهم المؤيدة، ليختتم خطابه موجهاً ضربة لاذعة أخرى لمنافسته ستيفنز، التي تحاول الظهور بمظهر شعبي مؤكداً أن المال لا يمكنه حتى أن يشتري شخصية للمرء.

“انظري للأعلى.. ولا تنظري للأسفل” 

“لقد اقتربتِ، اقتربتِ جداً”؛ هكذا كان يوجه عبدوى ابنته. لدى عبدول السيد ابنتان، الكبرى تُدعى أَمَلِي، وهو اسم مشتق من مفردة الأمل باللغة العربية. وعندما وُلدت، أذن في أذنها كعادة المسلمين قائلاً: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله. والآن، وفي صالة مخصصة لرياضة تسلق الصخور في مدينة ماديسون هايتس، الواقعة خارج ديترويت، كان يراقبها وهي تتسلق بتركيز شديد، ويوجهها قائلاً: انظري إلى الأعلى، لا تنظري إلى الأسفل.. انظري إلى الأعلى.

كان الدكتور عبدول السيد يبلغ من العمر ثلاثين عاماً عندما عُين مديراً تنفيذياً لإدارة الصحة في مدينة ديترويت. وعمل لمدة عام ونصف العام في هذا المنصب الذي كان يدر عليه راتباً سنوياً قدره 165 ألف دولار. وخلال تلك الفترة، حاول، بتفاوت في النتائج، تخليص المدارس من التلوث بالرصاص، وإعادة هيكلة ملجأ للحيوانات عانى من سوء الإدارة. كما عقد شراكة مع مؤسسة غير ربحية مقرها مدينة لوس أنجلوس تُدعى فيجن تو ليرن (رؤية للتعلم)، لتوفير النظارات الطبية للأطفال المحتاجين. غير أن منتقديه يزعمون أنه نَسَب لنفسه فضلاً لا يستحقه في بعض الأحيان، بادعائه أنه هو من بنى وابتكر هذا البرنامج.

استقال عبدول السيد من منصبه ليترشح لمنصب حاكم الولاية في عام 2018. ورغم كونه مبتدئاً في عالم السياسة، فقد دافع بشراسة عن مشروع توفير الرعاية الصحية للجميع، ليحصد تأييد شخصيات بارزة مثل بيرني ساندرز والنائبة الصاعدة حينها ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. ولكنه خسر السباق بفارق تجاوز العشرين نقطة مئوية لصالح غريتشن ويتمر، الحاكمة الحالية للولاية، والتي أعلنت مؤخراً دعمها لمنافسته هايلي ستيفنز.

يظهر الدكتور عبدول السيد وهو يتفاعل مع الحشود خلال حفل شواء نظمه الحزب الديمقراطي في مدينة ميلفورد بولاية ميشيغان عام 2018، وذلك إبان حملته الانتخابية للترشح لمنصب حاكم الولاية.

وفي أعقاب هزيمته الانتخابية، عمل الدكتور عبدول السيد كأستاذ زائر في جامعة ميشيغان، وباحث مقيم في الجامعة الأمريكية وجامعة واين ستيت، وزميل في معهد السياسة بجامعة شيكاغو. كما شارك في تقديم برنامج إذاعي (بودكاست) لصالح شركة إعلامية أسسها مساعدون سابقون لأوباما، وعمل معلقاً لشبكة سي إن إن الإخبارية. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل أسس شركته الخاصة للإعلام والإنتاج، بالإضافة إلى تشكيل لجنة عمل سياسي.

وشارك عبدول السيد في تأليف كتاب يروج للرعاية الصحية الشاملة، معتبراً أن توفير الرعاية الطبية للجميع سيشكل قطيعة حاسمة مع الأعوام الأربعين الماضية من سياساتنا. كما ألف كتاباً حمل عنوان مداواة السياسة، وهو مزيج بين المذكرات الشخصية والبيان السياسي، وصف فيه رئاسة أوباما جزئياً بأنها كانت تمثل نوايا ملهمة لم تُكتب لها التلبية أو التحقق.

ولمدة عامين ونصف العام، تولى منصب مدير إدارة الصحة في مقاطعة واين بولاية ميشيغان. وخلال فترة إدارته، وفر عقار ناركان (المضاد للجرعات الزائدة) مجاناً في آلات البيع الذاتي، وعمل على تحسين أوضاع مركز لاحتجاز الأحداث كان يعاني من مشاكل جمة، رغم أن صحيفة ديترويت نيوز أشارت إلى أنه بالغ في تقدير حجم إنجازه في هذا الملف. كما عمل على شطب الديون الطبية المتراكمة على المواطنين بقيمة بلغت نحو ستين مليون دولار، وليس سبعمائة مليون دولار كما روج هو وحملته، وذلك وفقاً لما أوردته منصة بريدج ميشيغان وصحيفة ديترويت فري برس.

وفي العام الماضي، قدم استقالته ليترشح لمجلس الشيوخ. وبالعودة إلى صالة تسلق الصخور، واصلت ابنته محاولاتها، وقالت له بيأس إنها لا تستطيع فعل ذلك، ليرد عليها بثقة متتالية: بلى، تستطيعين.. بلى، تستطيعين.. بلى، تستطيعين.

اختبار للديمقراطيين

شمال مدينة ديترويت، وفي إحدى ليالي ضاحية فيرنديل الليبرالية مؤخراً، دخل الدكتور عبدول السيد راكضاً إلى القبو الخانق والمكتظ في الكنيسة الميثودية المتحدة الأولى. وصدحت أغنية لمطرب الراب توباك شاكور بينما كان يقفز مسرعاً نحو المنصة.

استهل خطابه قائلاً إن المؤسسة الرسمية بدأت تصفه بأنه شخص خطير. فرد عليه أحد الرجال من الجمهور بسخرية قائلاً إنهم خائفون. وواصل عبدول السيد حديثه متسائلاً عما إذا كان الأشخاص الذين تلقوا رسائل تفيد بإسقاط ديونهم الطبية، أو الأطفال الذين باتوا يرتدون نظارات طبية تمكنهم من رؤية السبورة، يعتبرونه خطيراً. وأكد أنه ليس خطيراً بالنسبة لمن يحتاجون إلى حكومة تعمل لصالحهم، ولكنه استدرك قائلاً إنه إذا كان المستمع هو تشاك شومر (في إشارة إلى زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الذي أسرّ للمانحين بتفضيله لمنافسته ستيفنز)، فمن المؤكد تماماً أنه شخص خطير.

لأكثر من عام، كانت حملة انتخابات مجلس الشيوخ في ميشيغان بمثابة ساحة اختبار ثلاثية الاتجاهات للمسارات الأيديولوجية المتصارعة داخل الحزب الديمقراطي؛ حيث يمثل عبدول السيد التيار التقدمي، وتمثل ستيفنز التيار المعتدل، بينما مثلت سيناتورة الولاية مالوري مكمورو المساحة المتآكلة بينهما. وبعد أن أنهت مكمورو حملتها قبل أسابيع قليلة، أصبح الخيار أكثر حدة ووضوحاً، وتحولت المنافسة إلى معركة شرسة وتراشق كلامي.

ففي مقابلة أجراها مؤخراً مع منصة سيمافور، سخر عبدول السيد من ستيفنز قائلاً إنه يأمل أن يجدوا طريقة ما لتعليمها كيف تركب جملتين متماسكتين، مضيفاً أن من يبيع نفسه لصالح هذا الكم الهائل من الشركات والمصالح الخاصة، فإنه ينسى على الأرجح كيف يفكر لنفسه. وكان هذا التصريح مفارقة، إذ جاء بعد وقت قصير من مطالبته للناس عبر الإنترنت بالتوقف عن القسوة. في المقابل، وفي بيان لصحيفة نيويورك تايمز، استخفت ستيفنز بعبدول السيد، واصفة إياه بأنه مجرد شخص يطمح لأن يكون سيناتوراً مشهوراً، ويبدو مهتماً بالظهور في برامج البودكاست أو حصد الانتشار الفيروسي على الإنترنت أكثر من اهتمامه بالانكباب على العمل الجاد من أجل ميشيغان. وقبيل انسحابها من السباق، علقت مكمورو قائلة إنه لم يفز بأي انتخابات قط. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أنه يمتلك فرصة حقيقية للفوز في هذه الانتخابات.

ويرى آدم غرين، المؤسس المشارك للجنة حملة التغيير التقدمي، أن الصفائح التكتونية للحزب الديمقراطي بأسره ستتجه نحو تحول جذري ومهم إذا فاز عبدول السيد في الانتخابات التمهيدية والعامة، مما سيضع الأمور على مسار شعبوي واقتصادي أكثر جرأة. واعتبر غرين أن هذه اللحظة بمثابة وضع كل الأوراق على الطاولة.

ويحظى الدكتور عبدول السيد بدعم ملحوظ من الناخبين البيض الحاصلين على تعليم جامعي، والشباب، والناخبين الساخطين. كما نال تأييد كيانات بارزة مثل نقابة عمال السيارات المتحدين، وحزب العائلات العاملة. وقد حشد دعم شخصيات تقدمية لامعة مثل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، والنائبين رو خانا ورشيدة طليب. كما قام بحملات مشتركة مع صانع المحتوى الماركسي والمناهض للصهيونية حسن بيكر. ولم يتردد عبدول السيد في وصف الحكومة الإسرائيلية بأنها شريرة، واصفاً ممارساتها في غزة بأنها إبادة جماعية.

الدكتور عبدول السيد يقف إلى جانب النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز خلال تجمع انتخابي حاشد أُقيم في دار الأوبرا بمدينة ديترويت هذا الشهر.

وفي الربيع الماضي، أدان عبدول السيد هجوماً شنه أمريكي عربي مسلم على كنيس يهودي في ضاحية ويست بلومفيلد تاونشيب، لكنه قيد إدانته بعبارة جعلت البعض يتردد في تقبلها، حيث قال إن الأشخاص المجروحين يجرحون غيرهم.

من جهتهم، أوضح الجمهوريون بالفعل الإستراتيجية التي سيتبعونها في مواجهته؛ فهم سيطلقون عليه صفة الاشتراكي، وهو تصنيف يرفضه عبدول السيد. كما سيتعمدون استخدام اسمه بالكامل للعب على وتر الهوية؛ فبنفس الطريقة التي واجهوا بها باراك حسين أوباما، سيخوضون معركتهم ضد عبد الرحمن محمد السيد.

وبالعودة إلى مدينة فيرنديل، كان قبو الكنيسة الميثودية يغلي بالحرارة ومكتظاً لدرجة عدم وجود مقاعد فارغة، مما اضطر الحاضرين لاستخدام المنشورات الانتخابية كمراوح يدوية للتخفيف من وطأة الحر. وعلى المنصة، كان الدكتور عبدول السيد يسيطر على الأجواء ببراعة؛ فقد تحدث عن أجداده، ووالديه، وأطفاله. وعاد ليتحدث مجدداً عن الذكرى المئتين والخمسين لتأسيس البلاد، متطرقاً إلى خطايا هذا البلد وتاريخه الذي وصفه بالمشين. تحدث عما كانت عليه أمريكا، وعما يمكن أن تكون عليه في المستقبل. واختتم خطابه مقتبساً من إعلان الاستقلال مع تعديل بسيط، حيث قال إننا نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية، وهي أن جميع الرجال (مستدركاً أنه يجب أن نقول جميع الناس) خُلقوا متساوين، وأن الحكومة هي من الشعب، وبواسطة الشعب، ومن أجل الشعب. وأنهى حديثه بنبرة حاسمة قائلاً: ولذلك، فإن القرار الآن يقع على عاتقنا نحن.

المصدر: نيويورك تايمز

علاماتالانتخابات الأمريكية ، الحرب على غزة ، السياسة الأمريكية ، اللوبي الصهيوني في أمريكا
مواضيعالانتخابات الأمريكية ، الحرب على غزة ، السياسة الأمريكية ، اللوبي الصهيوني ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

نتنياهو يواجه معادلة دقيقة في واشنطن

إيزابيل كيرشنر٢٨ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

بين الليطاني والخط الأزرق.. أين سيُحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية؟

نون إنسايت٢٨ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

وحدة “الأشباح”.. مختبر إسرائيل لحروب غزة ولبنان

أحمد الطناني٢٧ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑