• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الشرق الأوسط القديم الجديد: حروب الصخب والغضب

غريغوري غوس١ أغسطس ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

من نواحٍ عدة، تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والحرب في غزة التي سبقتها، بمثابة نقطة تحول كبرى. فبعد عقود من الحروب بالوكالة، هاجمت إيران وإسرائيل أراضي كل منهما الأخرى بشكل مباشر. كما توحدت جهود إسرائيل والولايات المتحدة بطريقة مبتكرة حقًا لشن الحرب على إيران. فقد فقدت الجمهورية الإسلامية مرشدها الأعلى الذي كان في منصبه منذ 36 عامًا وفقدت جزءًا كبيرًا من بنيتها التحتية الدفاعية. أما دول الخليج، التي كانت قادرة إلى حد كبير على النأي بنفسها عن المخاطر، فقد شهدت تدمير واشتعال منشآت الطاقة الخاصة بها ومطاراتها وفنادقها.

وقد جرّ حزب الله لبنان، الذي كان قد بدأ للتو في التعافي من حربه الأخيرة، مرة أخرى إلى الصراع. وأُطيح بنظام الأسد، الذي حكم سوريا لنصف قرن تقريبًا، عندما تعرض شريكاه في بيروت وطهران للضرب ولم يكونا قادرين على تقديم أي مساعدة. ومن جانبها، دمرت إسرائيل غزة، وسعت بحذر نحو ضم الضفة الغربية، وأعادت احتلال أجزاء من جنوب لبنان، ووسعت سيطرتها على الأراضي السورية إلى ما وراء هضبة الجولان.

كل هذه التغييرات حقيقية ومهمة، وقد تسببت في معاناة ملايين البشر. ومع ذلك، وبصورة عامة، يبدو الشرق الأوسط الذي يخرج من هذه الاضطرابات شديد الشبه بالشرق الأوسط الذي كان قائمًا قبلها؛ فلا تزال الأطراف الخارجية تمارس ألعابها المتعلقة بتوازن القوى داخل حدود الدول العربية الضعيفة، ويستمر الصراع الإيراني الإسرائيلي، وتبقى القضية الفلسطينية بلا حل، بينما تفتقر الولايات المتحدة إلى القدرة أو الإرادة لفرض النظام، لكنها لا تزال متورطة بعمق في المنطقة بحيث لا تستطيع الانسحاب منها.

ويجسد اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعته إيران والولايات المتحدة في يونيو/ حزيران 2026 فشل إدارة ترامب في إحداث تغيير جذري في المنطقة؛ فبعد تعرضها لسلسلة من الضربات بين عامي 2023 و2025، أكدت طهران قوتها من خلال إحكام قبضتها على مضيق هرمز ومهاجمة جيرانها الخليجيين. وما زال النظام الذي كان قائمًا قبل الحرب في طهران سليمًا إلى حد كبير، ويهيمن عليه الآن أعضاء في الحرس الثوري الإسلامي، وهم ملتزمون تمامًا مثل أسلافهم بمعارضة إسرائيل والتدخل في شؤون الدول العربية الضعيفة. وكانت الحرب الأمريكية  الإسرائيلية التي بدأت في فبراير/ شباط 2026 تهدف إلى استنزاف قوة إيران، إن لم يكن القضاء على نظامها. ولكن بدلًا من ذلك، منحت الجمهورية الإسلامية فرصة جديدة للحياة.

وعلى الرغم من مرور عامين ونصف من القتال ومقتل عشرات الآلاف من البشر، أغلبهم من الفلسطينيين، فإن الوضع في إسرائيل وغزة والضفة الغربية يظل على حاله تقريبًا كما كان قبل هجمات حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. لقد جُردت حماس من أسباب قوتها، لكن استخدام إسرائيل المفرط للقوة لم يحل المشكلات الأساسية في جوهر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين الإسرائيليين يؤيدون التهجير الكامل للفلسطينيين وضم أراضيهم، إلا أن ذلك لم يحدث ولن يحدث في أي وقت قريب. وفي غياب تسوية سياسية تنطوي على شكل من أشكال تقرير المصير للفلسطينيين، يظل الشكل الأساسي للصراع على حاله. ولا تظهر إسرائيل أي مؤشرات على التفكير في نوع التنازلات التي قد تؤدي إلى مثل هذه التسوية، كما ترددت الولايات المتحدة في الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات.

ولا تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل شق طريقهما نحو منطقة أفضل عبر القصف. إن الشرق الأوسط الذي يشهد تغييرًا حقيقيًا، والذي يمكن أن يشكل أساسًا لنظام إقليمي أكثر استقرارًا، سيكون محكومًا بحكومات مركزية أقوى في دول عربية مثل العراق، ولبنان، وسوريا، واليمن. فاليوم، تعاني تلك البلدان من حروب أهلية أو اضطرابات داخلية، وستظل المنطقة مضطربة ما دامت تلك الحكومات غير قادرة على ضبط حدودها ومنع الجهات الفاعلة غير الحكومية على أراضيها من اتباع سياساتها الخارجية والعسكرية الخاصة بها. فالدول الضعيفة، بعد كل شيء، لا يمكنها صنع سلام مستدام.

وسيشهد الشرق الأوسط المتغير نهاية لجهود القوى الإقليمية والخارجية، وأبرزها إيران دون أن تقتصر عليها، في تشجيع الميليشيات أو تمويلها. وسيتضمن عملية دبلوماسية تحظى بدعم دولي واسع ومقبولة إقليميًا، تركز على العمل نحو التوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني تكفل أمن إسرائيل وحق الفلسطينيين في تقرير المصير. وقد ينطوي أيضًا على تغيير حقيقي للنظام في إيران، ينفذه الإيرانيون أنفسهم ويؤدي إلى قيام حكومة تحترم سيادة جيرانها وتتخلى عن حملتها العقائدية ضد إسرائيل.

لم تقرّب الحرب الإقليمية التي بدأت في عام 2023 الشرق الأوسط من هذا النوع من التحول. وفي وقت كتابة هذه السطور، كانت إيران والولايات المتحدة تتبادلان التفاوض والقتال، لكن أيًا منهما لم تكن راغبة في التصعيد بطريقة من شأنها تغيير أساسيات الوضع الذي تعيشان فيه منذ فبراير/شباط. ولن تسمح طهران بحرية الملاحة ودون قيود عبر مضيق هرمز، أو تتخلى عن برنامجها النووي، أو تتخلَّ عن وكلائها الإقليميين. ويبدو من غير المرجح أن ترسل واشنطن قوات إلى إيران، وهو شرط مسبق لتغيير النظام بتدخلات خارجية. وما لم ينهار النظام في طهران بوسائل أخرى ويحل محله نظام مختلف جذريًا – وهي نتيجة تبدو الآن أقل ترجيحًا مما كانت عليه قبل بدء الحرب – فإنه بغض النظر عن المدة التي تستغرقها الحرب أو كيف تنتهي في نهاية المطاف، فإن الدراما وإراقة الدماء في السنوات الماضية لن تزيد عن كونها صخبًا وغضبًا. ونظرًا لعدم حدوث أي تغيير ذي مغزى في الديناميات والمصالح الأساسية للشرق الأوسط، حتى لو تم التوصل إلى وقف إطلاق نار أكثر استدامة، فإن العد التنازلي للحرب القادمة سيكون قد بدأ بالفعل.

ما زالت تحتفظ بقدراتها

وبين 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 و28 فبراير/ شباط 2026، تعرضت إيران لضربات عديدة لدرجة أنها بدت وكأنها نمر من ورق؛ فقد أُسقطت بنيتها التحتية النووية لتصبح ركامًا نتيجة الضربات الإسرائيلية والأمريكية في يونيو/ حزيران 2025. وعطلت إسرائيل إيران من الداخل، حيث قتلت جنرالات وعلماء نوويين على الأراضي الإيرانية واغتالت رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران نفسها. كما أدى سقوط بشار الأسد في سوريا في ديسمبر/ كانون الأول 2024 إلى قطع الجسر البري الإيراني المؤدي إلى لبنان. ودمرت إسرائيل أقوى وكلاء إيران، وهما حماس وحزب الله.

وأدت المشكلات الاقتصادية المستمرة إلى إندلاع موجة من الاحتجاجات ضد النظام الإيراني في ديسمبر/ كانون الأول 2025 والتي قمعها النظام بوحشية. ووفقًا لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، قتلت قوات أمن النظام ما لا يقل عن 7000 متظاهر؛ بينما قدرت منظمات أخرى هذا العدد بعشرات الآلاف. ولا شك أن ضعف إيران الظاهري أغرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتقاد بأن المزيد من الضربات قد تؤدي إلى تغيير النظام. وعندما شن هجمات بالتنسيق مع إسرائيل في 28 فبراير/شباط من هذا العام، حث الإيرانيين على “الاستيلاء” على حكومَتِهم.

ومع ذلك، خرجت إيران منتصرة من هذه الجولة الأخيرة من القتال. بطبيعة الحال، لا تزال البلاد تعاني من المشكلات الاقتصادية نفسها والسخط الاجتماعي الذي دفع الإيرانيين إلى النزول للشارع في ديسمبر/كانون الأول. ولكن من خلال تحديها لهجوم أمريكي إسرائيلي واكتشاف قدرتها التأثيرية على أسواق الطاقة العالمية، استعاد النظام الإيراني مكانته البارزة. وسوف يستمر بالتأكيد في العناصر الأساسية لسياسته الإقليمية خلال الأعوام السبعة والأربعين الماضية: معارضة إسرائيل، ومقاومة القوة الأمريكية، والتدخل في سياسة الدول العربية الضعيفة. وسيكون لديه كل الحوافز للقيام بكل ما بوسعه لتطوير أسلحة نووية باعتبارها الرادع النهائي ضد أي هجمات مستقبلية من إسرائيل والولايات المتحدة.

ولا يزال حلفاء إيران، على الرغم من ضعفهم، يتمتعون بنفوذ كبير في مختلف أنحاء العالم العربي؛ ففي انتخابات العراق في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حققت الأحزاب الشيعية المتحالفة مع إيران والميليشيات العراقية التي تدعمها نتائج جيدة. وفي فبراير/شباط ومارس/آذار وأبريل/نيسان من هذا العام، أطلقت تلك الميليشيات صواريخ على قواعد أمريكية في المنطقة. وقد وضعت الحكومة العراقية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي، شأنها شأن الحكومات السابقة، العديد من حلفاء إيران المحليين في المناصب المهمة.

وقد أدت الهجمات الإسرائيلية على حزب الله بين عامي 2023 و2025 إلى فتح نافذة وجيزة أمام الحكومة اللبنانية، التي لطالما كانت ضعيفة تاريخيًا، لتأكيد حضورها. ففي يناير/ كانون الثاني 2025، انتخب البرلمان اللبناني جوزيف عون، المسيحي الماروني والجنرال السابق الذي طالما عطل حزب الله انتخابه لسنوات، رئيسًا للبلاد. ونتيجة لذلك، أحرز لبنان بعض التقدم في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024 مع إسرائيل. فعلى سبيل المثال، انسحب حزب الله في الغالب من الحدود اللبنانية مع إسرائيل بحلول نهاية عام 2025.

غير أن مهمة استعادة سيادة الدولة وهيمنتها في لبنان ظلت معلقة، حيث انضم حزب الله إلى الضربات الانتقامية الإيرانية ردًا على الحملة الأمريكية الإسرائيلية عام 2026. وبدوره، شن الجيش الإسرائيلي غزوًا بريًا على جنوب لبنان وحملة جوية شملت عموم البلاد، مما أسفر عن مقتل أكثر من 4,200 شخص وتشريد مليون آخَرين. ومع أن إسرائيل تعلن أن حزب الله هو هدفها الأساسي، فإن الضحية الحقيقية لهذه الحملة ستكون على الأرجح الحكومة اللبنانية الجديدة، التي أدانت هجوم حزب الله وعرضت التفاوض مع إسرائيل. لقد نجا حزب الله من صراع استمر لأكثر من 40 عامًا مع إسرائيل، بما في ذلك هذا الهجوم الأخير، غير أن الحكومة اللبنانية ستفقد مصداقيتها على الأرجح لعجزها عن منع حدوث اضطراب هائل آخر في حياة المواطنين العاديين.

أما الحوثيون، حلفاء إيران في اليمن، فقد أربكوا حركة الشحن العالمي في مضيق باب المندب بين عامي 2023 و2025 – ظاهريًا تضامنًا مع الفلسطينيين – لكنهم ظلوا بمنأى عن الصراع في النصف الأول من عام 2026، على الرغم من الهجمات التي استهدفت إيران. وقد نتج هذا الهدوء عن علاقة الجماعة الناشئة مع السعودية. فبين عام 2022 ويوليو/ تموز 2026، التزم الحوثيون بوقف إطلاق النار مع جارتهم، وخلال تلك الفترة دفعت الرياض رواتب الموظفين المدنيين اليمنيين، الذين يعمل الكثير منهم تحت سيطرة الحوثيين.

ولا يزال الحوثيون مرتبطين أيديولوجيًا وسياسيًا بطهران، ويبدو الآن أنهم يعاودون الانخراط في القتال دعمًا لحليفهم. وفي وقت كتابة هذا التقرير، أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السعودية، ولا يزال تأثير ذلك على تدفقات الطاقة في البحر الأحمر غير مؤكد، وإن كان من المستبعد أن يكون إيجابيًا. إن التوصل إلى تسوية سياسية يمنية من شأنه أن يعزز الأمن في الشرق الأوسط، لكن النتيجة الأكثر ترجيحًا في ضوء الأحداث الأخيرة هي عودة الحوثيين للاندماج في الصراع الإقليمي.

إخضاع الشيخ

وفي الفترة من 2023 و2025، كانت دول الخليج العربية في الغالب مجرد متفرجة في الحرب الإقليمية؛ فقد استضافت قطر قادة حماس وقدمت تمويلًا للحركة، بموافقة إسرائيلية وأمريكية، لعدة سنوات. لكن لم تكن أي دولة خليجية أخرى منزعجة بشكل خاص لرؤية حماس وحزب الله يضعفان. غير أن شراسة الحملة الإسرائيلية في غزة أدت إلى زيادة بروز القضية الفلسطينية بين الشعوب العربية، مما جعل أي دعم علني لإسرائيل أمرًا محفوفًا بالمخاطر. ومع تزايد هشاشة إيران، ازداد قلق القادة الخليجيين من أن تحاول إسرائيل فرض هيمنتها العسكرية على المنطقة. وتفاقمت هذه المخاوف في سبتمبر/ أيلول 2025، عندما قصفت إسرائيل مقرًا سكنيًا في قطر في محاولة فاشلة لاغتيال مسؤولي حماس الذين كانوا هناك للتفاوض بشأن مقترح مدعوم من الولايات المتحدة.

ولسنوات طويلة؛؟ فضلت دول الخليج الاستقرار في جوارها الإقليمي لتتفرغ لجذب السياحة والتجارة والاستثمارات الأجنبية اللازمة للحد من اعتمادها المفرط على صادرات الطاقة. فالحرب آفة الأعمال التجارية، ولهذا السبب التزمت الحكومات الخليجية الحذر والهدوء خلال الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في يونيو/ حزيران 2025، وضغطت على الولايات المتحدة لثنيها عن مهاجمة إيران في أوائل عام 2026.

غير أن سياسة ضبط النفس هذه لم تعد تفيد دول الخليج في تعاملها مع إيران؛ فعندما شرعت إسرائيل والولايات المتحدة في حربهما ضد إيران في فبراير/ شباط 2026، كانت دول الخليج هي التي تحملت العبء الأكبر من ردود الفعل الانتقامية لطهران. ومع تعرض هذه الدول لضربات موجعة، بدأت عقلياتها ومواقفها بالتحول. ففي مستهل الصراع، بدا القادة الخليجيون مستائين من الولايات المتحدة لأنها زجت بهم في مرمى النيران والانتقام الإيراني. غير أن العديد من النخب الخليجية انتهت إلى الاعتقاد بأن على الولايات المتحدة مواصلة الحرب حتى تفقد إيران قدرتها على تهديد جيرانها؛ فقد شعروا بخيبة أمل في مختلف اتجاهات هذا الصراع.

صورة شخصية للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران، إيران، يوليو/ تموز 2026.

وتعد المشاعر المتباينة هي سمة شائعة للتحالفات بين دولة ضعيفة وأخرى قوية. وغالبًا ما يخشى الشركاء الأضعف كلًا من التورط في حروب تبدأها الدولة القوية، والتخلي عنهم من قِبل الشريك القوي في مواجهة عدوهما المشترك. وتُعدّ دول الخليج أمثلة نموذجية لهذه الديناميكية؛ فمذكرة التفاهم التي وقعتها إيران والولايات المتحدة في يونيو/ حزيران 2026، على سبيل المثال، أثارت مخاوف من الخذلان والتخلي لأنها أغفلت ذكر دول الخليج أو التطرق إلى قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيرة. ومع ذلك؛ فقد أيدت جميع دول الخليج مذكرة التفاهم خوفًا من أن يؤدي المزيد من التصعيد الأمريكي إلى تجدد الهجمات الإيرانية على أراضيها، وقد تحققت هذه المخاوف بالفعل عندما انهار وقف إطلاق النار.

ورغم إحباطها؛ فمن المستبعد أن تنأى دول الخليج بنفسها عن الولايات المتحدة في أي وقت قريب؛ فالتكنولوجيا والتدريب الأمريكيان يشكلان عماد الدفاعات الجوية الخليجية التي أثبتت نجاحًا كبيرًا في صد الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية. وعلاوة على ذلك، لا يوجد لدى دول الخليج ضامن أمني آخر يمكنها اللجوء إليه، إذ لم تُبْدِ الصين أي رغبة في لعب هذا الدور كما أنها تفتقر إلى قدرات إسقاط القوة اللازمة للقيام بذلك، بينما انحازت روسيا إلى جانب إيران وباتت منشغلة بحربها الخاصة في أوكرانيا. فضلًا عن ذلك، لا تستطيع الدول الأوروبية والقوى الإقليمية مثل مصر وباكستان وتركيا مجاراة الولايات المتحدة من حيث القدرات القتالية.

وما تغير خلال السنوات الثلاث الماضية هو نظرة دول الخليج إلى إسرائيل. فعلى مدار سنوات، بدأت دول الخليج تدريجيًا في الانفتاح على إسرائيل باعتبارها حليفًا محتملًا ضد إيران، بل إن السعودية كانت تدرس إقامة علاقات أوثق. لكن هذا الاتجاه قد انعكس تمامًا، وتوقفت وتيرة توسيع “اتفاقيات أبراهام”، وهي سلسلة اتفاقيات وُقعت عام 2020 لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. وقد جعلت حرب غزة من التعاون العلني مع إسرائيل أمرًا أكثر خطورة سياسيًا بالنسبة للقادة العرب، كما أن الضربة التي وجهتها إسرائيل لقطر ومواصلتها الحرب ضد إيران دفعتا القادة الخليجيين إلى الشك فيما إذا كانت إسرائيل تكترث بأمنهم أصلًا. وتظل الإمارات هي الدولة الخليجية الوحيدة التي جددت التزامها بعلاقتها مع إسرائيل، والتي كانت تربطها بالفعل أقوى العلاقات مع إسرائيل.

أحبب جارك

وبحلول نهاية عام 2025، اعتبرت إسرائيل نفسها، عن حق، منتصرة في الحروب الإقليمية. لكن البلاد عجزت عن تحقيق هدفها الطموح المتمثل في إسقاط النظام الإيراني؛ فقد أبقى وقف إطلاق النار الأمريكي الإيراني في يونيو/حزيران 2026 الجمهورية الإسلامية في السلطة مع ما يكفي من القدرات العسكرية لفرض نفوذها في مختلف أنحاء المنطقة الأوسع، ودون التزام ملموس بالتخلي عن برنامجها النووي. علاوة على ذلك، وافقت واشنطن على مطلب طهران بأن يسري وقف إطلاق النار أيضًا في لبنان؛ حيث كانت إسرائيل تواصل هجومها على حزب الله. وحتى عندما خرجت إسرائيل منتصرة في حروب السنوات الثلاث الماضية، لم تُبدِ أي اهتمام بتحويل انتصاراتها إلى مبادرات دبلوماسية؛ فلقد قررت إسرائيل أن تلعب دور المزعزع للاستقرار الإقليمي، واثقةً من أن براعتها العسكرية كفيلة بحمايتها لأجل غير مسمى، وهو رهان مشكوك في صحته، بالنظر إلى أن قوتها الخشنة كانت مثيرة للإعجاب بالدرجة نفسها قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وقد أكدت حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشكل قاطع أنها لن تقبل بأي دور للسلطة الفلسطينية في غزة، مما يجعل التوصل إلى حل بشأن إدارة ما بعد حماس أمرًا شبه مستحيل، ولا تزال أعمال العنف مستمرة داخل غزة نفسها؛ حيث قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من ألف فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين الأول 2025ـ ولم تتشكل بعد القوة الدولية التي اقترحتها خطة السلام المكونة من 20 نقطة التي طرحها ترامب لتوفير الأمن في غزة.

وتنص الخطة على تشكيل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة غزة؛ لكن إسرائيل لم تسمح لهم بدخول القطاع حتى يوليو/تموز 2026، وترفض حماس نزع سلاحها رغم التزامها بذلك في هدنة أكتوبر/ تشرين الأول 2025، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل نحو 70 بالمئة من القطاع. ويبدو وقف إطلاق النار في غزة أقرب إلى هدنة مؤقتة في الصراع منه إلى نهاية له، إذ لا توجد أي مؤشرات على حل سياسي طويل الأمد يمكن أن يغير الديناميكية الحالية.

وتتردد الدول الأخرى في الانخراط في غزة، سواء كقوات أمن أو شركاء في التنمية، من دون وجود طرف فلسطيني موثوق يمكنها التعامل معه، وتبقى السلطة الفلسطينية الخيار الوحيد الممكن رغم كل عيوبها. لكن إسرائيل، بدلًا من تشجيع السلطة على لعب دور في غزة، تعمل على تقويض وظائفها الإدارية في الضفة الغربية. فخلال عام 2025، قتل الجنود والمستوطنون الإسرائيليون 240 فلسطينيًا في الضفة، ووافقت إسرائيل على إنشاء 54 مستوطنة جديدة هناك، وهو أعلى رقم سنوي منذ توقيع اتفاقيات أوسلو للسلام عام 1993، التي كان يُفترض أن تقود إلى حل الدولتين. وفي فبراير/ شباط 2026، اعتمدت الحكومة تشريعًا جديدًا يسهل على المستوطنين الإسرائيليين شراء الأراضي في الضفة، وهو إجراء يقول الفلسطينيون إنه ينتهك اتفاقيات أوسلو ويعزز ما يرونه اندفاعًا نحو الضم. وتولي الحكومة الإسرائيلية الحالية الأولوية للتوسع الإقليمي وإضعاف المؤسسات الفلسطينية على حساب أي إمكانية لحكم مستقر في الضفة وغزة.

ويعتقد نتنياهو أن إسرائيل تكون أكثر أمنًا عندما يكون جيرانها ضعفاء ومنقسمين، لكنه يغفل حقيقة أن معاهدات السلام مع مصر والأردن، وهما دولتان متماسكتان قادرتان على ضبط حدودهما ومنع ظهور الجهات الفاعلة غير الحكومية المسلحة في أراضيهما، شكّلت ركائز دائمة لأمن إسرائيل لعقود. وبدلًا من تبني احتمال وجود حكومة لبنانية متعاونة مستعدة للعمل ضد حزب الله، جددت إسرائيل حربها في لبنان عام 2026. وفي سوريا، سيطرت إسرائيل على ما يسمى بالمنطقة العازلة، وشجعت الدروز السوريين على مقاومة الحكومة الجديدة، وسلّحت ميليشيات درزية، وهاجمت مواقع الجيش السوري – بما في ذلك مقر وزارة الدفاع – بذريعة حماية الدروز.

ويعرقل نتنياهو جهود بناء الدولة في لبنان وسوريا رغم محاولات الولايات المتحدة دعم الحكومتين الجديدتين في بيروت ودمشق، ورغم أن واشنطن وبّخت إسرائيل على ذلك، إلا أن السياسة الإسرائيلية لم تتغير بشكل جوهري. ولم يُجبر ترامب نتنياهو على التراجع إلا عندما قصف قطر في سبتمبر/ أيلول 2025؛ حيث اضطره ترامب إلى الاعتذار علنًا لأمير قطر وأجبره أخيرًا على قبول وقف إطلاق النار في غزة. وتحتاج واشنطن إلى ممارسة ضغط مماثل على إسرائيل للسماح للحكومتين الجديدتين في بيروت ودمشق بإعادة بسط سيطرتهما داخل حدودهما وبناء مؤسسات دولة أقوى.

أما التغيير الجيوسياسي الأبرز الذي أحدثته السنوات الثلاث الماضية من الحرب فكان سقوط نظام الأسد في سوريا وتشكيل حكومة جديدة بقيادة أحمد الشرع، الذي كان في السابق عضوًا في تنظيم القاعدة. ومنذ سيطرته على العاصمة السورية، عمل الشرع على كسب دعم الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي والعالم العربي، مبتعدًا بسوريا عن التحالف الإيراني الذي حافظ عليه نظام الأسد منذ ثمانينيات القرن الماضي. وقد قلّصت هذه التغييرات بشكل كبير قدرة إيران على التأثير في السياسة اللبنانية وتهديد إسرائيل من الأراضي السورية، في ضربة حقيقية لنفوذ طهران الإقليمي.

وقد أدلى الشرع بتصريحات مطمئنة منذ وصوله إلى السلطة، متعهدًا بإقامة نظام متسامح تشاوري وديمقراطي في نهاية المطاف. لكن رغم هذه الوعود، تبقى سوريا منقسمة ومثخنة بالجراح بعد 14 عامًا من الحرب الأهلية الوحشية؛ فقد اشتبكت القوات المتحالفة مع الحكومة الجديدة مع الأقلية العلوية في الغرب، والدروز في الجنوب، والأكراد في الشمال الشرقي. ولا تزال سوريا دولة ضعيفة، وفي غياب سيطرة حكومية مركزية فعالة ستظل البلاد ساحة لتدخل الدول الأقوى في جوارها، كما كان الحال خلال الحرب الأهلية. وإذا استدرج ضعف سوريا إيران أو إسرائيل أو تركيا أو دول الخليج إلى جولة جديدة من الحرب الأهلية، فقد تتلاشى فرص الاستقرار الإقليمي.

لا جديد تحت الشمس

وتبدو آفاق شرق أوسط جديد قاتمة؛ فإيران وإسرائيل – وهما الدولتان اللتان أشعلتا معظم صراعات المنطقة في العقود الأخيرة – لا تزالان قويتين، ويبدو أن قادتهما أكثر تمسكًا بمعتقداتهم مما كانوا عليه قبل عام 2023. ولا تزال العديد من الدول العربية تعاني من فراغات سياسية تؤدي إلى حروب أهلية وتجذب تدخلات خارجية مزعزعة، وتتحول إلى بيئات خصبة لجماعات مسلحة مثل حماس وحزب الله، ما يضيق أكثر فرص السلام المحدودة أصلًا.

وأوضحت إدارة ترامب أنها ليست معنية ببناء الدول في الشرق الأوسط، وهو موقف جدير بالثناء بالنظر إلى إخفاقات الجهود الأميركية في أفغانستان والعراق. ومع ذلك، يدرك ترامب أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق إلا إذا تمكنت الدول العربية الضعيفة من إصلاح أوضاعها. وقد رفع العقوبات عن سوريا واحتضن رئيسها الجديد، وفي فبراير/شباط 2026، سلّمت الولايات المتحدة القاعدة التي كانت تديرها لسنوات في التنف إلى الجيش السوري، منهية الوجود الأميركي في سوريا الذي يعود إلى عام 2014. كما عمل الدبلوماسيون الأميركيون على تهدئة التوترات بين إسرائيل وسوريا، وحاولوا قبل الجولة الأخيرة من القتال دفع الحكومة اللبنانية لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه حزب الله. وفي يونيو/ حزيران 2026، توصلت إسرائيل ولبنان إلى اتفاق بوساطة أميركية يقضي بأن تبدأ إسرائيل بتسليم السيطرة على أجزاء من جنوب لبنان إلى القوات المسلحة اللبنانية، وإذا حاولت الولايات المتحدة بشكل أكثر حزمًا كبح التدخل الإسرائيلي في لبنان وسوريا، مع دعم جهود تلك الحكومات لقمع الفاعلين المسلحين غير الدوليين داخل حدودها، فإن فرص استقرار المنطقة ستتحسن.

وسيحدد أسلوب تعامل إدارة ترامب مع النظام الإيراني الطموح ما إذا كانت حرب 2026 مجرد حلقة أخرى في عقود الصراع بين البلدين أو بداية جهد لوقف الانحدار الإقليمي، وسيتطلب أي تقدم نحو الاستقرار الحفاظ على القوة العسكرية الأميركية في الخليج؛ إذ يجب على واشنطن الإبقاء على مقر الأسطول الخامس في البحرين، وقاعدة العيديد الجوية في قطر، والقوات المنتشرة في الكويت والتي يتراوح عددها بين 5000 و10000 جندي، إضافة إلى حق الوصول إلى قواعد في عُمان والإمارات. ومن دون هذا الوجود العسكري، تستطيع إيران تهديد جيرانها عسكريًا متى شاءت. كما أن الوجود الأميركي يطمئن دول الخليج بالتزام واشنطن بأمنها بعد الأضرار التي لحقت بها، وهو أمر ضروري لمنعها من الاستسلام للضغط الإيراني في قضايا مثل سياسة النفط والعلاقات مع إسرائيل.

لكن ما قد يهدئ المنطقة حقًا هو جهد دبلوماسي للتوصل إلى صيغة تعايش مستدامة مع طهران، وقد أشار وزير خارجية عُمان إلى أن الدبلوماسيين الإيرانيين طرحوا قبيل الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في فبراير/ شباط صفقة تقضي بعدم تخزين اليورانيوم المخصب. ورغم أن مثل هذا العرض قد يبدو غير واقعي الآن بعد أن خرجت إيران من المعركة في موقع أقوى، إلا أن حاجة الحكومة الإيرانية الماسة إلى رفع العقوبات تحتم على الولايات المتحدة اسخدام هذا العرض كنقطة انطلاق لمفاوضات نووية جديدة. ورغم أن النفوذ الأميركي في هذه المحادثات ليليس بالقدر الذي كانت تأمله إدارة ترامب، إلا أن إبقاء إيران على طاولة التفاوض يستحق الجهد. أما الاستراتيجية البديلة، أي تغيير النظام عبر الحرب، فقد أثبتت فشلها بوضوح.

وعلى نحو منفصل، ينبغي للولايات المتحدة أن تقود جهدًا متعدد الأطراف مع دول أخرى معنية مثل الصين والهند والمملكة المتحدة، إلى جانب الدول الأوروبية والخليجية ودول جنوب شرق آسيا، لوضع إطار لإدارة مضيق هرمز، ويمكن أن توفر الاتفاقيات الدولية التي تحكم قناة السويس والمضائق التركية سابقات لتوجيه مثل هذا الجهد، كما يمكن أن يفيد النظام المعمول به في مضيق ملقا؛ حيث تقوم مؤسسة خاصة بجمع مساهمات طوعية لتمويل المسوحات الهيدروغرافية والبنية التحتية الملاحية وإزالة الحطام. ويعتمد الاقتصاد العالمي على المرور الحر والآمن عبر مضيق هرمز، وتتفق معظم الدول على وجوب أن يبقى بلا رسوم بشكل دائم، ورغم أن ترامب ينفر من الدبلوماسية متعددة الأطراف، إلا أنه يجب عليه الاستفادة من ثقل هذه الدول الأخرى في المفاوضات مع إيران وأن وتوزيع المسؤولية في إبقاء الممر المائي مفتوحًا.

أما السياسة الأميركية الأكثر تحولًا فستتطلب مواجهة جوهر القضية الفلسطينية؛ فقد أظهر هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول مرة أخرى أنه ما لم يتحقق حق الفلسطينيين في تقرير المصير، فإن رفضهم قبول الوضع القائم يمكن أن يفجر الشرق الأوسط. ولن يكون هناك استقرار حقيقي في المنطقة إلا عبر تلبية الحق الفلسطيني الأساسي في تقرير المصير، مع ضمان أمن إسرائيل في الوقت ذاته. لكن لم تُبدِ أي حكومة أميركية استعدادًا لاستخدام نفوذها على إسرائيل بالقدر اللازم لجعل الحل السياسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ممكنًا. ومن دون هذا الاستعداد، فإن أي أمل في استقرار طويل الأمد وحقيقي في الشرق الأوسط يبقى مجرد وهم. لم تتغير أطراف اللعبة في المنطقة: إيران أكثر جرأة ولديها حسابات تحتاج لتسويتها، ووكلاء إيران الذين تراجعوا لكن لم يُهزموا، وإسرائيل التي باتت تتقبل حالة حرب شبه دائمة بدلًا من الاستعداد تقديم أي تنازلات. وهكذا، فإن المسرح مهيأ لاندلاع جولة جديدة من الصراع.

المصدر: فورين أفيرز

علاماتأزمات الشرق الأوسط ، أمريكا والشرق الأوسط ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، النظام العالمي
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، القضية الفلسطينية ، النظام العالمي ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

آراء

السعودية في مواجهة محفوفة بالمخاطر مع الحوثيين

ذي إيكونوميست١ أغسطس ٢٠٢٦
آراء

السعودية لا تزال محكومة بالتبعية لأمريكا

إميل حكيم١ أغسطس ٢٠٢٦
آراء

من التحرر إلى الانبطاح.. كيف تبخّرت شعارات تراوري عند أعتاب “إسرائيل” والإمارات؟

محمد مصطفى جامع٣٠ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑