• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

المجال العام في سوريا.. معركة الحشد والتضليل

محمد بشير٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦

كانت عبارة “الشعب يريد” انتزاعًا لحق الكلام من أنظمة احتكرت تعريف الوطن ومصلحته وأعدائه، وبعد الثورات عاد النزاع على هذا الحق داخل مجتمعاتنا نفسها، من يتحدث باسم الناس؟  ومن يملك أن يحوّل تصوره لهويتهم وقيمهم إلى شروط تُفرض عليهم؟

في سوريا بعد الأسد، يُخاض جانب من هذا النزاع على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تتنافس روايات عن معنى الثورة، وصورة المجتمع، وحدود الدين والسياسة ومن هو ثوري ومن هو فلول. ويمنح الترند أصحابه فرصة لعرض موقفهم بوصفه مزاج البلد كله؛ فإذا تعاملت المؤسسات مع هذه الصورة باعتبارها تفويضًا، اكتسب من يملك وسائل الحشد سلطة على من لا يملكها.

تستطيع الحملات/الترندات كشف ظلم وتوسيع المشاركة، كما تستطيع صناعة أغلبية ظاهرية، وتشويه سمعة، ورفع كلفة الاختلاف حتى ينسحب أصحابه، فالتنافس هنا يتجاوز إقناع الناس برأي إلى تحديد الآراء التي يمكن إعلانها أصلًا، والأشخاص الذين يستطيعون المشاركة في الحياة العامة دون خوف من الملاحقة.

كيف يصير الضجيج تفويضًا؟

يبدأ النفوذ أحيانًا من اختيار السؤال؛ فحين يُعرض خلاف على حفلة بوصفه معركة على هوية البلد، تتراجع مساحة النقاش في الحفلة نفسها، وحين يُقدَّم تصريح باعتباره إهانة لجماعة، يجد صاحبه نفسه مطالبًا بإثبات براءته أمام جمهور لم يتفق بعد على ما قاله، ومن يحدد الإطار الأول للنقاش يستطيع أن يجعل الآخرين يقضون وقتهم في الرد عليه.

تفسر الهوية جانبًا من قوة هذه الاستجابة، فالحشود لا تتحرك دائمًا بسبب نقص المعلومات، ولا يفيد التعامل معها باحتقار. تشير أبحاث الهوية الاجتماعية إلى أهمية المعايير والمعاني المشتركة بين المشاركين، إذ قد يرى الفرد في حملته دفاعًا عن جماعة ينتمي إليها، وفي التراجع عنها تخليًا عن واجبه تجاهها، لذلك يصعب تصحيح المعلومة حين يكون قبول التصحيح مكلفًا اجتماعيًا.

حجم الحملة الظاهر له أثره أيضًا، وهو ما توضحه دراسة “وهم الأغلبية”، إذ يمكن لمواقع الأشخاص وروابطهم داخل الشبكة أن تجعل موقفًا محدود الانتشار يبدو واسع القبول. ولا يحتاج الأمر دائمًا إلى حسابات مزيفة، فقد تكفي مجموعة نشطة ومترابطة لتشغل مساحة أكبر من وزنها الفعلي.

ثم يعمل الصمت لصالحها؛ يرى شخص ما حلّ بغيره فيمتنع عن الكتابة، ويتجنب آخر نقاشًا قد يجر خصومة إلى عمله أو عائلته، فيما تبقى هذه القرارات غائبة عن عدد التعليقات. يظل الغاضبون مرئيين، ويغيب الذين دفعهم الغضب إلى الانسحاب، وقد تزداد صورة الإجماع وضوحًا كلما ضاقت المشاركة التي يُفترض أنها أنتجته.

تمنح سرعة التداول هذه العملية أفضلية إضافية، إذ يصل الاتهام جاهزًا للنشر، بينما يحتاج التحقق إلى جمع الأصل والتاريخ والردود، وقبل انتهاء ذلك تبدأ موجة أخرى. يستنزف هذا الإيقاع الانتباه، ويترك قضايا تحتاج إلى متابعة طويلة، من العدالة إلى الخدمات، عرضة للإزاحة كلما اندلع سجال جديد.

قد يلتقي في هذه الدورة صاحب المصلحة السياسية والباحث عن الانتشار والمستخدم الغاضب، دون أن تديرهم جهة واحدة، أما إثبات التنسيق المتعمد فله أدلته؛ فالخلط بين النتيجة المتشابهة والمصدر الواحد يفتح بابًا لتفسير تآمري يعفي المجتمع ومؤسساته من مساءلة أدوارهم.

من يضع شروط المشاركة؟

في الجدل حول حفل أصالة، اتسع الخلاف على فعالية فنية ليطال حق تعريف هوية المجتمع وحدود ما يجوز عرضه في فضائه العام، فالمطالبة بإلغاء حفل باسم هذه الهوية تمنح أصحابها، إن استُجيب لها، سلطة على اختيارات من لا يوافقونهم. لا شك أن نقد الفنانة ومقاطعة الحفل ومساءلة رعايته وتمويله حقٌّ مشروع، لكن تحويل الرفض إلى منع يحتاج إلى مبرر يتجاوز ادعاء تمثيل المجتمع، وهو الفرق الذي ينبغي تثبيته بعد إقامة الحفل رغم المطالبة بإلغائه.

أما تداول التسجيل القديم للشيخ أسامة الرفاعي، في واقعة مستقلة، فأثار نزاعًا على المرجعية الدينية وتفسير العلاقة مع الرئيس أحمد الشرع، إذ نقلت تغطية السجال حديثًا عن خلاف سابق، ووصف الشيخ للرئيس بأنه “تخلى عن وهابيته”. ويستدعي هذا التحقق من زمن الكلام وسياقه والإشارة إلى انتهاء الخلاف بين الرجلين، مع بقاء مضمون التسجيل قابلًا للنقد.

مشاركة شخصيات تشغل مواقع رسمية في الرد تضيف إلى السجال وزنًا يتجاوز قوة الحجة وحدها؛ فالمنصب والمكانة الدينية والوصول الإعلامي موارد تدخل إلى النقاش مع أصحابها، حتى حين يقدمون كلامهم بوصفه رأيًا شخصيًا، ولا يتساوى أثر عبارة يكتبها مواطن عادي مع أثرها حين تصدر عن شخص يستطيع التأثير في مؤسسات البلد.

تختلف طبيعة الواقعتين، ولا تثبتان وجود حملة واحدة، ففي الأولى محاولة للمنع، وفي الثانية خلاف على الكلام وسياقه والمرجعية التي يمثلها صاحبه، غير أنهما تكشفان أن المجال العام السوري ساحة لتوزيع السلطة أيضًا. فمن يستطيع تسمية موقفه “هوية المجتمع” يمنح نفسه أفضلية على من يُطلب منه تبرير خروجه عنها، ومن يحتكر تعريف الوفاء للثورة يستطيع تحويل خلاف سياسي معه إلى شبهة في انتماء خصمه.

يمس الصراع النسيج الاجتماعي حين يُحمَّل الفرد مسؤولية كل من يشبهه في الدين أو المنطقة، ويصبح الدفاع عن حق المختلف مدعاة للاتهام، فتضيق المساحة التي يستطيع السوريون الاجتماع فيها خارج معسكراتهم، في بلد يحتاج إلى توسيع أسباب التعاون بينهم.

ما الذي تعلّمته الثورة المضادة؟

تقدم مصر مثالًا على انتقال الصراع من مناقشة الخصم إلى تهيئة القبول بإقصائه؛ ففي أغسطس/آب 2013، عرضت قناة “أون تي في” لقطات لفض اعتصام رابعة على موسيقى فيلم “روكي”، وفق تقرير لنيويوركر، منح هذا الاختيار استخدام القوة هيئة مشهد انتصار، وحدد للمشاهد موقعًا عاطفيًا من الحدث قبل مناقشة المسؤولية عنه.

تحمل هذه المعالجة أثرًا سياسيًا، فحين تُقدَّم فئة كاملة (الإخوان في هذا المثال) باعتبارها خطرًا، تضيق مساحة التعاطف معها، وتزداد كلفة الدفاع عن حقوق أفرادها، ويصبح إخراجهم من السياسة أسهل تبريرًا.

لاحقًا، رصد تحليل للحملات الرقمية المصرية نشاطًا منسقًا غير أصيل في وسوم مؤيدة للحكومة ومعارضة لها، إلى جانب مشاركة حقيقية، مع تفوّق واضح لقدرات الدولة. هكذا غدت المنصات، التي ساعدت في التعبئة ضد السلطة، ميدانًا تعمل فيه السلطة أيضًا لتضخيم روايتها ومنازعة خصومها على الظهور.

يستحق هذا الدرس أن يبقى حاضرًا لدى السوريين، خصوصًا حين تستهدف حملة ما خصومهم، فقبول إخراج المختلف من المجال العام يضع سابقة لا تبقى حكرًا على من استفاد منها أول مرة.

تتضح أهمية هذا التفاوت حين تتصل الرواية بالمؤسسة، فالترند وحده لا يعتقل أحدًا، لكن الجهة التي تملك أدوات الإكراه تستطيع منح الاتهام نتيجة تتجاوز الشاشة، ومن هنا تأتي خطورة الجمع بين صناعة القبول بالإقصاء وامتلاك القدرة على تنفيذه.

الباحثة زينب توفكجي

اتساع الجمهور الرقمي لا يمنحه حماية دائمة، وهو ما تسلط الضوء عليه الباحثة التركية المتخصصة في قضايا الاحتجاجات الشبكية زينب توفكجي، في شرحها للفجوة بين سرعة التعبئة عبر الشبكات وبناء القدرات التنظيمية التي تسمح للحركات باتخاذ القرار والاستمرار، فهي ترى، كما في كتابها “Twitter and Tear Gas”(تويتر والغاز المسيل للدموع) أن جمهور واسع قد يكتشف قوته في لحظة، ثم يجد أنه يفتقر إلى المؤسسات التي تحمل مطالبه وتحمي حقوقه في المرحلة التالية.

يستحق هذا الدرس أن يبقى حاضرًا لدى السوريين، خصوصًا حين تستهدف حملة ما خصومهم، فقبول إخراج المختلف من المجال العام يضع سابقة لا تبقى حكرًا على من استفاد منها أول مرة. وتستطيع قوى الثورة المضادة استثمار هذا القبول، وتوسيع الخصومات حتى يصبح تقييد الجميع مقبولًا بوصفه خلاصًا من الفوضى.

الخارج يصنع النقاش

تجد الجهات الخارجية في الخلافات القائمة مادة يمكن استثمارها، وقد يكفي تضخيم رواية موجودة وإخفاء مصدر دعمها لمنحها وزنًا لم تكن تملكه، كما تكشف حالات موثقة عن استخدام هويات محلية ظاهرية لإدارة هذا التأثير.

عام 2019، كشف فيسبوك شبكة مرتبطة بشركتي تسويق في مصر والإمارات، استخدمت حسابات مزيفة وصفحات تظهر كإعلام محلي، واستهدفت دولًا بينها سوريا وليبيا، وشملت موادها محتوى مؤيدًا لحفتر. يتلقى المستخدم في مثل هذه الحالات رسائل تبدو صادرة من داخل النقاش المحلي، بينما يجهل من يديرها ولمصلحة من تعمل.

استخدمت شركة STOIC الإسرائيلية أدوات الذكاء الاصطناعي في عملية تأثير خفي، بحسب ما وثقته OpenAI عام 2024، فيما نسب تحقيق لنيويورك تايمز تمويل الحملة إلى وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية.

الحكومة طرف في النقاش العام أيضًا، ولذلك يجب أن يشمل الإفصاح عن التمويل حملاتها وشراكاتها الإعلامية، فلا يكفي أن تطالب الآخرين بالشفافية بينما تترك وسائل تأثيرها خارج المساءلة.

تتسع مع الذكاء الاصطناعي القدرة على إظهار المصدر الواحد في هيئة مصادر متعددة، فقد وثق تقرير Anthropic في سبتمبر/أيلول 2026 شبكة تجارية مرتبطة بشركة فرنسية تدير نحو سبعين موقعًا إخباريًا مصطنعًا، كما كشف عن عملية لإنتاج أخبار مختلقة لصالح رابطة عوامي في بنغلادش وتهاجم خصومها وقادة الاحتجاجات، دون إثبات توجيه الحزب أو تمويله.

تكرار الخبر أمام القارئ قد يُحسب تأكيدًا مستقلًا، غير أن التقرير رصد محدودية في التفاعل الحقيقي لبعض الأنشطة؛ فالقدرة على إنتاج المحتوى لا تثبت النجاح في إقناع الناس به، ويحتاج أثر كل عملية إلى قياس.

توضح هذه الوقائع أدوات التدخل، ولا تثبت صلتها بالسجالات السورية المذكورة هنا، ويظل تتبع التمويل والإدارة والتنسيق أكثر فائدة من توزيع تهمة العمالة بحسب الموقف السياسي. كما أن مشاركة السوريين في الخارج جزء من نقاش بلدهم، فموضع المساءلة هو الخداع في هوية المتحدث ومصالحه، لا مكان إقامته.

القرار العام لا يُفوَّض للترند

تملك الدولة موقعًا حاسمًا في هذا الصراع، لأنها تستطيع تحويل الضغط إلى قرار ملزم، ومن واجبها إتاحة التأثير في سياساتها عبر طرق لا تتوقف على القدرة على إثارة الخوف أو تصدر المنصات.

عندما تطالب حملة بإلغاء نشاط مشروع، يكون على المؤسسة إعلان معيار قرارها وحماية المشاركين من التهديد، وإذا استدعى خطر محدد إجراءً استثنائيًا، وجب أن يكون مبررًا وقابلًا للمراجعة، أما التراجع لمجرد إسكات المهددين، فيعلّمهم أن التهديد مجدٍ، ويدفع غيرهم إلى تقليده.

تبدأ مواجهة الشائعات من علاقة المؤسسة بالمعلومة، عبر نشر القرارات وأسبابها، وإتاحة الوثائق للصحافة، وتصحيح الأخطاء علنًا، مع إدراك أن الدقة الإعلامية لا تعوّض معالجة المظالم؛ فالغضب من قرار سيئ لا يصبح تضليلًا لمجرد أن خصوم الحكومة استثمروه.

الحكومة طرف في النقاش العام أيضًا، ولذلك يجب أن يشمل الإفصاح عن التمويل حملاتها وشراكاتها الإعلامية، وأن تخضع اتهاماتها بوجود تنسيق خادع لأدلة قابلة للفحص، فلا يكفي أن تطالب الآخرين بالشفافية بينما تترك وسائل تأثيرها خارج المساءلة.

خرج السوريون من حكم احتكر الكلام باسمهم، ويستحقون أن يبقى معنى “الشعب يريد” مفتوحًا للتعدد والمساءلة، وألا يتحول إلى عبارة يرفعها كل صاحب نفوذ ليمنح نفسه حق إسكات الآخرين.

تحتاج حماية المجال العام إلى مؤسسات تستطيع الاستمرار بعد انحسار الاهتمام: صحافة تتابع الادعاء حتى تتضح وقائعه، وجمعيات وروابط مهنية تحمل مطالب أصحابها، ومرجعيات اجتماعية ودينية تستطيع كبح الاعتداء الصادر من جمهورها. بهذه الوسائل يجد المواطن طريقًا إلى المشاركة دون أن يضطر إلى صناعة ترند خاص به.

تظل أدوات مكافحة التضليل نفسها موضع رقابة، فقد وثقت منظمة العفو الدولية في تونس استخدام المرسوم 54 في ملاحقة صحفيين ومنشورات نقدية، بما يذكّر بأن الحاجة إلى حماية النقاش لا تمنح أي جهة حق احتكار الحقيقة أو تجريم الإحراج السياسي.

من يسيطر على المجال العام يؤثر في تعريف المجتمع لنفسه: من يستحق أن يسمع، وأي مظلمة تستحق الاهتمام، وأي اختلاف يمكن احتماله؛ ولذلك ينبغي مساءلة المؤسسات عن الطريقة التي تترجم بها الضغط إلى قرارات، وعن قدرتها على حماية من لا يملكون حشدًا يدافع عنهم.

خرج السوريون من حكم احتكر الكلام باسمهم، ويستحقون أن يبقى معنى “الشعب يريد” مفتوحًا للتعدد والمساءلة، وألا يتحول إلى عبارة يرفعها كل صاحب نفوذ ليمنح نفسه حق إسكات الآخرين.

علاماتالثورات العربية ، الثورات المضادة ، الحقوق والحريات ، الرأي العام العربي ، الربيع العربي
مواضيعالشأن السوري ، الشأن العام ، الشبكات الاجتماعية ، المجتمع السوري ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

آراء

في سوريا… لماذا ننام على ترند ونصحو على آخر؟

بسام السليمان٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
آراء

اتفاقية مكة: لماذا تحالفت السعودية وتركيا وباكستان؟

أحمد التويجري٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
آراء

السعوديون يصنعون محنتهم

ستيفن كوك٧ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑