يزداد المشهد الليبي سخونةً يومًا تلو الآخر، في أعقاب موجة الاحتجاجات الحالية التي انطلقت مساء الأحد 26 يوليو/تموز الماضي من العاصمة طرابلس؛ اعتراضًا على الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي، التي تصل أحيانًا إلى عشر ساعات يوميًا، الأمر الذي فجّر غضب الليبيين، ودفعهم إلى إغلاق الطرق ومقار عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية.
وتتدحرج كرة الاحتجاجات بوتيرة متسارعة؛ إذ اتسعت رقعتها من مناطق سوق الجمعة شرقي طرابلس، وتاجوراء الواقعة على بُعد نحو 21 كيلومترًا من وسط العاصمة، وجنزور غربي طرابلس، لتصل إلى مناطق أخرى في وسط البلاد وجنوبها، بالتزامن مع حراك احتجاجي مماثل في المناطق الشرقية.
واللافت أن المحتجين تجاوزوا مطالبهم الخدمية التي رفعوها في الأيام الأولى للحراك، وفي مقدمتها انتظام التيار الكهربائي وتقليص فترات انقطاعه، إلى المطالبة برحيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، قبل أن تتسع دائرة المطالب لتشمل إسقاط المؤسسات السياسية القائمة في شرق ليبيا وغربها.
ويتزامن الحراك الاحتجاجي الليبي مع حراك مماثل في تونس، سواء من حيث الدوافع المرتبطة بتراجع مستوى الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية، أو من حيث سقف المطالب الذي ارتفع إلى المطالبة برحيل الحكومات والمؤسسات الحاكمة، فإلى أين تتجه الاحتجاجات الليبية؟ وهل تنجح في فرض تغيير حقيقي في بنية المشهد السياسي، أم تُحتوى كما جرى مع موجات سابقة؟
الكهرباء الشرارة الأولى.. لكنها ليست الوحيدة
كان الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، ولساعات طويلة، في دولة تمتلك فائضًا كبيرًا من الغاز، الشرارة الأولى لاندلاع هذه الموجة من الاحتجاجات، وتفاقمت الأزمة مع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، التي تراوحت في بعض المناطق بين 45 و50 درجة مئوية.
وأسهم ما تعانيه شبكة الكهرباء والبنية التحتية من ضعف الصيانة، وتردي الكفاءة، وانتشار السرقات، وسوء الإدارة والفساد المالي، في مضاعفة معاناة المواطنين، لتتحول أزمة الكهرباء من مجرد ملف خدمي إلى رمز لفشل مؤسسات الدولة، لا سيما في بلد نفطي يمتلك موارد وثروات كبيرة.
ولم تقتصر أزمة المرافق والخدمات على قطاع الكهرباء وحده، بل امتدت إلى قطاعات أخرى؛ من بينها المياه التي تشهد انقطاعات متكررة، فضلًا عن تراجع مستوى الخدمات الصحية، وأزمة السيولة النقدية، وتدهور الأوضاع الأمنية، ما جعل الحياة اليومية للمواطن الليبي معاناة متواصلة على مدار الساعة.
وفي ظل هذه الصورة الضبابية، واستمرار تدهور الخدمات والمرافق رغم الوعود الحكومية المتكررة، اتسعت فجوة الثقة بين المواطن الليبي ومؤسسات الدولة، ولم تعد الأزمة قابلة للاحتواء من خلال تغيير وزير أو رئيس إحدى شركات المرافق العامة، بل تحولت إلى أزمة ثقة شاملة في المؤسسات الحاكمة وقدرتها على إدارة البلاد وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
انسداد الأفق السياسي
وخلف هذا المشهد، تطل السياسة برأسها بقوة، في ظل انسداد الأفق أمام الشارع الليبي، الذي كان يمنّي نفسه بإنهاء حالة الانقسام، وتوحيد مؤسسات الدولة ومصادر القرار، وتوحيد المؤسستين العسكرية والسياسية، وإعادة ترتيب المشهد الاقتصادي بصورة شاملة.
ورغم تعدد المبادرات الرامية إلى إجراء انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية التي طال أمدها، ظل المشهد الليبي أسير حالة من الجمود، بسبب تمسك طرفي السلطة في الشرق والغرب بمواقفهما، وهو ما انعكس بطبيعة الحال على أداء الحكومتين، وعمّق الصراع بينهما، فيما ظل المواطن الليبي وحده يدفع الثمن من أمنه ومعيشته ومستقبله.
وجاء تعثر المبادرة الأمريكية الأخيرة، التي سعت إلى تجميد الصراع مؤقتًا، وتنحية الخلافات جانبًا، وتدشين مرحلة جديدة تقوم على الاستقرار وتوحيد الاقتصاد والمؤسسة العسكرية والقرار السياسي، ليزيد المشهد تعقيدًا وتأزمًا، ويدفع الليبيين إلى مزيد من الإحباط، الذي تُرجم في صورة احتجاجات شعبية، حتى وإن كانت شرارتها الأولى مرتبطة بالخدمات والمرافق العامة.
تخبط وغياب للرؤية
رغم خطورة المشهد، اتسم الأداء الرسمي بالتخبط وتبادل الاتهامات، في خطاب يعكس عمق الأزمة التي تعانيها الساحة الليبية، فبدلًا من العمل على حلحلة الأزمة، وإنهاء معاناة المواطنين، والاستجابة للمطالب التي رفعها المحتجون، تحول الأمر إلى سجال سياسي وتبادل للمسؤوليات وتراشق بالاتهامات، بما يكشف غياب رؤية موحدة لإدارة الأزمة واحتواء تداعياتها.
وفي الثامن عشر من يوليو/تموز الماضي، أي قبل نحو أسبوع من اندلاع الاحتجاجات، وفي خضم الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بسبب الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي، شنّ رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، هجومًا غير مسبوق على إدارة الشركة العامة للكهرباء، واصفًا أداءها بالفاشل، كما أعلن فتح تحقيق في أسباب الانقطاعات، متهمًا إدارة الشركة بغياب الشفافية ورفض تمكين الجهات الرقابية من متابعة أعمالها.
وعلى الجانب الآخر، وفي الرابع والعشرين من الشهر نفسه، وبعد يومين من انطلاق الاحتجاجات، حمّل المجلس الأعلى للدولة حكومةَ الوحدة الوطنية المسؤوليةَ السياسية والإدارية عن الإخفاق في إدارة قطاع الكهرباء، باعتبارها الجهة المشرفة على الشركة، وطالب المجلس الأجهزة الرقابية والنيابة العامة بفتح تحقيق شامل في الجوانب الإدارية والمالية والفنية المتعلقة بإدارة القطاع.
كرة النار تتدحرج
تُعد موجة الاحتجاجات الحالية واحدة من أخطر موجات الغضب الشعبي التي شهدتها الساحة الليبية خلال السنوات الأخيرة، فإلى جانب اتساع رقعتها الجغرافية من الغرب إلى الشرق، مرورًا بمناطق الوسط والجنوب، انتقلت الاحتجاجات من الشوارع إلى المنشآت الاستراتيجية، وبلغت مستويات متقدمة من التصعيد، بعدما اقتحم محتجون مجمع مليتة للنفط والغاز، وأغلقوا خطوط الغاز المغذية لمحطات الكهرباء، بما يهدد بإغراق مناطق واسعة من ليبيا في ظلام دامس.
وعلاوة على ذلك، ارتفع سقف المطالب بوتيرة متسارعة؛ إذ بدأت الاحتجاجات تحت شعار «نريد الكهرباء»، ثم تحولت إلى دعوات لإسقاط حكومة الدبيبة، قبل أن تظهر شعارات تطالب برحيل جميع السلطات والمؤسسات الحاكمة في الشرق والغرب، وهو ما يشير إلى أن أياً من مراكز السلطة لم يعد بمنأى عن تداعيات هذه الموجة، التي انطلقت شرارتها من الغرب، لكنها سرعان ما امتدت آثارها إلى الشرق وبقية المناطق.
ويزيد هذا التصعيد من المخاوف المتعلقة باحتمال انخراط جماعات مسلحة في المشهد، خاصة في ظل غياب مؤسسة أمنية موحدة، وتعدد الكيانات المسلحة غير الرسمية، كما يظل الباب مفتوحًا أمام تدخل قوى أخرى، قبلية كانت أو أهلية، وهو ما يمثل الخطر الأكبر؛ إذ قد تتحول الاحتجاجات من حراك سلمي إلى صراع مسلح بين الفصائل، بما قد يدفع ليبيا إلى الانزلاق مجددًا نحو مستنقع من الفوضى والعنف والدماء.
مأزق الدبيبة وحفتر
كلما استشعر كلٌّ من الدبيبة وحفتر أن الأوضاع تتجه نحو الاستقرار وتثبيت أركان السلطة، سرعان ما ينقلب المشهد ليعيد البلاد إلى المربع الأول من جديد، في ظل استمرار الفشل في إدارة الدولة، والعجز الواضح عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات الليبيين، والاكتفاء بتحويل ليبيا إلى ساحة مفتوحة للصراع على النفوذ والسلطة.
وتأتي الاحتجاجات الراهنة لتضع الطرفين أمام اختبار بالغ الحساسية والخطورة، فعلى الرغم مما يمتلكه كل طرف من أوراق ضغط ومصادر قوة تمكّنه من فرض قدر من السيطرة على الشارع، فإن استخدام هذه الأدوات في ظل اشتعال الاحتجاجات يمثل سلاحًا ذا حدين ومغامرة غير محسوبة، قد تنقلب تداعياتها على جميع الأطراف.
ورغم تقليل البعض من قدرة هذه الاحتجاجات على تحريك المياه الراكدة في المشهد الليبي، أو زعزعة أركان السلطتين في الشرق والغرب، فإن آخرين يرون أن الحراك قد يتحول إلى تهديد وجودي حقيقي، حال توافر عدد من العوامل؛ في مقدمتها استمرار الحشد والاحتجاج لفترة طويلة، وانضمام مناطق وقوى اجتماعية وسياسية جديدة من مختلف أنحاء البلاد، فضلًا عن ظهور بديل سياسي مقبول وقادر على إدارة المرحلة المقبلة.
ما السيناريوهات؟
على الأرجح، ستسعى حكومة طرابلس، على وجه الخصوص، إلى احتواء موجة الغضب الشعبي من خلال تحسين مستوى الخدمات، والعمل على انتظام التيار الكهربائي نسبيًا، إلى جانب التعهد بإجراء إصلاحات عاجلة في البنية التحتية المتهالكة، ومحاسبة المسؤولين عن أوجه التقصير، في محاولة لامتصاص حالة الاحتقان المتصاعدة.
غير أن نجاح هذا السيناريو يظل مرهونًا بعامل الوقت؛ فإذا تمكنت الحكومة من تنفيذ إجراءات ملموسة وسريعة، فقد يسهم ذلك في تهدئة الشارع، أما إذا اتسم تحركها بالبطء والتردد، فقد تأتي النتائج عكسية؛ إذ لم تعد الوعود وحدها كافية ما لم تُترجم إلى خطوات فعلية على الأرض، وفي هذه الحالة، قد يستمر التصعيد ويتخذ مسارات أكثر حدة، من بينها العصيان المدني وإغلاق مقار الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة، ومن الممكن أن يتطور إلى صدام مباشر مع السلطة.
وثمة سيناريو آخر قد يلجأ إليه الدبيبة لتهدئة الشارع، يتمثل في إجراء تعديلات وزارية وإدارية، تشمل مجالس إدارات الشركة العامة للكهرباء وغيرها من الشركات الخدمية، وقد يتطور هذا المسار لاحقًا، تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية، إلى الدفع نحو إجراء انتخابات وتشكيل حكومة جديدة تتولى إدارة المرحلة المقبلة.
في المقابل، يطرح البعض سيناريوهات أخرى، وإن بدت أقل احتمالًا في الوقت الراهن، من بينها تحول الاحتجاجات إلى حركة وطنية شاملة، غير أن تحقق هذا السيناريو يظل مرهونًا بتوافر شروط لا تبدو مكتملة حاليًا؛ في مقدمتها وجود قيادة موحدة، وبرنامج سياسي واضح لإجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، فضلًا عن توافر دعم داخلي وخارجي قادر على حماية هذا المسار وضمان استمراره.
في المحصلة، تمثل موجة الاحتجاجات الراهنة جرس إنذار ورسالة شديدة اللهجة إلى جميع الأطراف الليبية، مفادها أن الرهان على إخضاع الشارع وإجباره على الصمت بقوة السلاح والتضييق الأمني ليس رهانًا مضمون النتائج على الدوام، وفي ظل استمرار الصراع على النفوذ والسلطة، والتعامل مع البلاد باعتبارها غنيمة تتنازعها الأطراف المتنافسة، قد تصبح لحظة الانفجار الشامل أقرب من أي وقت مضى، وهو ما قد يدفع ليبيا إلى الدخول في نفق شديد الظلام، ما لم تتحرك القوى السياسية سريعًا نحو معالجة جذور الأزمة.