ترجمة وتحرير: نون بوست
يمثل صهر دونالد ترامب ذلك النمط من الشخصيات النافذة في واشنطن التي توظف المناصب العامة وسيلةً لجني ثروات طائلة.
في الساعات الأخيرة التي سبقت اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في شهر فبراير/ شباط الماضي، عقد جاريد كوشنر اجتماعًا مع المفاوضين الإيرانيين في جنيف، في محاولة أخيرة لتجنب صراع من شأنه أن يغرق المنطقة في الفوضى ويهز الاقتصاد العالمي. وعقب الاجتماع، قلل كوشنر من شأن نظرائه معتبرًا إياهم غير جديرين بوقته، إذ صرح للصحفيين قائلًا: “الكثير من الحيل والمراوغات، إنّهم يتلاعبون بنا على كافة الأصعدة والأمر بالغ التعقيد والمراوغة”.
وقد أُوكلت إلى كوشنر، صهر دونالد ترامب ذو الملامح الفتية، ملفات بالغة الحساسية والاستثنائية في الآونة الأخيرة إذ كُلف، إلى جانب المبعوث الرئاسي الخاص ستيف ويتكوف، بمساعي إنهاء النزاعات في غزة وأوكرانيا وأي بؤرة توتر أخرى محتملة.
وكوشنر، البالغ من العمر خمسة وأربعين عامًا، لا يُبدي أي اهتمام يُذكر بفنون الدبلوماسية التقليدية، إذ يرى أنّ الإلمام بتاريخ المنطقة أو تفاصيل مواقف أطراف التفاوض يقل أهمية عن الاستماع للطرفين وتقريب موقفيهما. ولطالما أكد أنّ صفقات السلام تماثل تمامًا الصفقات العقارية؛ فكلاهما يتطلب مساومة شرسة وأساليب خداع أحيانًا. ويعتبر أن تعثر الدبلوماسيين السابقين طويلًا لا يعكس استعصاء الأزمات الدولية، بل قصور أسلافه وتواضع قدراتهم. وفي تصريح له عام 2020 إثر إعلان ترامب خطته الأولى للسلام في الشرق الأوسط، قال: “لقد تعرضت لانتقادات طوال العامين الماضيين من قِبل جميع أولئك الذين حاولوا وفشلوا، لمجرد أنني لم أتبع طريقتهم ذاتها. ولو كان أي منهم ناجحًا، لما اضطررت لتولي هذا الملف”.
وحين بدأ كوشنر وويتكوف جلسات التفاوض مع الوفد الإيراني في فبراير/ شباط، كانت الدولتان تقفان على شفا حرب. ففي عام 2025، شنّت القوات الأمريكية والإسرائيلية ضربات جوية استهدفت منشآت التخصيب النووي الإيرانية، والتي أكد القادة الغربيون آنذاك تورطها في مساعٍ مستمرة منذ عقود لإنتاج سلاح نووي. وتبع ذلك إعلان ترامب القاطع بأنّ قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم قد “أُبيدت بالكامل”.(وعندما شكك رئيس أعلى وكالة استخبارات عسكرية أمريكية في تقييم الرئيس، أُقيل من منصبه).
ورغم ذلك، تمسك ترامب وغيره من المسؤولين الغربيين بمطالبهم الرامية إلى انتزاع تنازلات إضافية، لا سيّما وأن إيران احتفظت بمخزون ضخم من اليورانيوم منخفض التخصيب، كان مدفونًا تحت الأنقاض الناجمة عن القصف الذي وقع عام 2025. لكن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصرّا على إجبار طهران على التخلي الكامل عنه، والعدول نهائيًا عن أي نوايا مستقبلية للتخصيب.
وفي هذا السياق، أرسل ترامب كوشنر وويتكوف لفرض إنذار ثنائي قاطع على الجانب الإيراني: إما تسليم المخزون بأكمله أو مواجهة عمل عسكري. ولدعم هذه التهديدات، دفع بأسطول بحري ضخم نحو مياه الشرق الأوسط، مشددًا بالقول: “يجب أن نتوصل إلى اتفاق حقيقي، وإلا ستحدث عواقب وخيمة”.
تتسم المباحثات الخاصة بكبح جماح البرنامج النووي الإيراني بتعقيد هائل، إذ تنطوي على تحديات تقنية دقيقة (كتحديد معدلات سرعة أجهزة الطرد المركزي القابلة للاستخدام) وأخرى دبلوماسية (كالتحقق من المزاعم الإيرانية المشكوك فيها غالبًا بشأن نزع السلاح). ومع ذلك، توجه الوفد الأمريكي برئاسة كوشنر وويتكوف إلى طاولة المفاوضات دون اصطحاب أي مستشار فني، ورغم تعيين خبير مختص من وزارة الطاقة ليكون ضمن طاقم ويتكوف، إلا أنه لم يُسمح له بحضور الاجتماعات (وهو ما نفته الإفادات الرسمية للبيت الأبيض). وفي استعراض واضح لمدى ثقتهما المفرطة، أجرى الثنائي مفاوضات متزامنة مع ممثلي روسيا بشأن حرب أوكرانيا، إذ تُعقد محادثات الملف الإيراني صباحًا، تليها محادثات الأزمة الأوكرانية ظهرًا.
أخبرني دبلوماسي سابق اطلع على محادثات إيران أنه عندما بدأ وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في تقديم التنازلات، عجز الأمريكيان عن استيعاب ما كان مطروحًا على الطاولة بدقة. وقد سعيا للحصول على المشورة من رافائيل غروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن غروسي حضر المحادثات كطرف محايد. وأصيب مسؤول سابق في البيت الأبيض عمل على الملف النووي الإيراني بالذهول إزاء نقص الاستعداد قائلًا: “يأتي إليك الإيرانيون بمقترح. فماذا يعني ذلك حقًا؟ وإلى أي مدى يؤخرهم بالفعل، شهرين أم عامين؟ وما هي البدائل والحلول؟ إنّ عدم وجود مستشارين فنيين هناك يعد خطأ مهنيًا فادحًا”.
وفي مؤتمر صحفي عُقد لاحقًا، زعم كوشنر أنّ الإيرانيين كانوا يماطلون لا غير، قائلًا: “كانوا يحاولون فقط كسب الوقت للحفاظ على ما يمكنهم إنقاذه، وتجاوز فترة ولاية الرئيس ترامب”. وشاركه مسؤول سابق آخر في البيت الأبيض تحدثت إليه هذا التقييم إلى حد كبير، إذ قال: “كانت اللعبة القديمة نفسها؛ فالموقف الإيراني يقوم على: نحصل على قدر هائل من تخفيف العقوبات، ولا نفعل شيئًا لتفكيك بنيتنا التحتية النووية”. غير أن بعض الخبراء الذين تابعوا المحادثات اعتقدوا أن مقترحات عراقجي قُدمت بجدية تامة إذ اقترح الإيرانيون، من بين أمور أخرى، تعليق التخصيب النووي جذريًا، وهو ما لم يفعلوه من قبل، وتخفيف نسبة اليورانيوم المخصب الذي ما زالوا يحتفظون به.
وفي المؤتمر الصحفي نفسه، أدلى المفاوضون الأمريكيون بتصريحات أثارت حيرة واسعة فقد اتهم ويتكوف الإيرانيين باستغلال “مفاعل طهران للأبحاث”، وهو مرفق مخصص لإنتاج النظائر الطبية، في عمليات تخصيب وتخزين غير قانونية للمادة النووية، متجاهلًا عمليات التفتيش المتكررة للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي لم ترصد أي دليل على استخدام عسكري. وفي تصريح لكيليسي دافنبورت، مديرة سياسة منع الانتشار النووي في “جمعية الحد من التسلح” بواشنطن، قالت لي: “يكفي الاستماع إلى ما يقوله كوشنر وويتكوف لإدراك أنهما غافلان عن الكثير من المسائل الفنية”. وكان أحد أصدقاء كوشنر أكثر صراحة بقوله: “إنه شخص رائع حقًا، لكنه غارق تمامًا فيما يتجاوز حدود إدراكه”.
شعر وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي –الذي استضافت بلاده المفاوضات في جنيف– بقلق بالغ إزاء مجريات المفاوضات، إلى حد دفعه للسفر جوًا إلى واشنطن في محاولة للحيلولة دون اندلاع حرب. وإذ تعذر عليه تأمين لقاء مع ترامب، اجتمع بنائب الرئيس جي دي فانس، الذي عارض الصراع. ثم، في خطوة غير معتادة للغاية بالنسبة إلى دبلوماسي محترف، ظهر البوسعيدي على شبكة “سي بي إس” ووجه نداءً للتحلي بالصبر، قائلًا: “إن اتفاق السلام بات في متناول أيدينا”.
وفي واشنطن، أبلغ كوشنر وويتكوف ترامب أنّ الإيرانيين رفضوا الاستسلام. وفي غضون ساعات، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة من الضربات المدمرة التي أودت بحياة آية الله علي خامنئي والعديد من كبار القادة الإيرانيين الآخرين. وأخبرني المسؤول السابق في البيت الأبيض أنّ الإدارة تسرعت في خوض صراع غير مبرر، مضيفًا: “أنا لا ألومهم على فشل المفاوضات، ولكن لماذا تبدأ الحرب بهذه السرعة وتتخلص من القيادة برمتها؟ لم يكن الأمر عاجلًا إلى هذا الحد”.
ومع استمرار نيران الحرب، ساق كوشنر مبررًا بالغ الغرابة لتسويغ الهجوم على إيران، بالقول: “كان بإمكانهم، كما تعلمون، أن يصبحوا على بعد أيام أو أسابيع فقط من امتلاك سلاح، لو بذلوا الجهد الكافي لذلك”. وهو ادعاء افتقر لأي سند واقعي؛ فمنذ شن الضربات الجوية التي استهدفت البنى التحتية النووية الإيرانية عام 2025، لم تسجل الوكالة الدولية للطاقة الذرية أي مؤشرات على محاولات إحياء برنامج الأسلحة.
في الواقع، يبدو أنّ ترامب دُفع إلى هذا الصراع من جانب نتنياهو، الذي اعتقد بأنّ حملة عسكرية منسقة كفيلة بإسقاط النظام الإيراني بلمح البصر. وحين حددت أجهزة الاستخبارات الأمريكية الإحداثيات الدقيقة لمواقع كبار القادة، بادر الجانب الإسرائيلي لتوجيه الضربة الحاسمة؛ وعندها، استقر رأي ترامب على حتمية عدم قدرة واشنطن على تفادي المواجهة، وذلك وفقًا لإفادة وزير الخارجية ماركو روبيو: “كان من المؤكد أنّ إسرائيل ستتحرك، وكنا نعلم أنّ ذلك سيعجل بشن هجوم على القوات الأمريكية”.
وعلى مدار الأشهر السبعة اللاحقة لتلك التطورات، غرست إدارة ترامب أقدامها في مستنقع حرب باهظة التكلفة وخالية من أي أفق أو مخرج آمن؛ فقد استهدفت القوات الأمريكية شبكات إمداد المياه المدنية بغارات مدمّرة، واستهدفت بالخطأ مدرسة للبنات، ما أسفر عن مقتل أكثر من مئة طفلة، فضلًا عن استنزاف نسبة فلكية من المخزون الاستراتيجي للصواريخ المتقدمة، مما أضعف قدرتها على ردع خصوم مثل الصين وروسيا. وفي ظل تحول النظام الإيراني المتشدد إلى نظام أكثر تشددًا، تخلّت الإدارة فعليًا عن السيطرة على مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات المائية في العالم.
ولو قُدر لأي مبعوث رئاسي آخر أن يواجه نتائج محادثات إيران، لكانت في حكم الكارثة المحققة؛ أما بالنسبة لكوشنر، فلم تكن تمثل حتى الملف الأبرز ضمن محفظة اهتماماته الواسعة. وأثناء تفاوضه مع مع طهران، أدرا أيضًا مليارات الدولارات من الاستثمارات التي ضختها حكومات إقليمية في صندوق الأسهم الخاصة الذي يملكه.
وطوال سنوات حقبة ترامب، دأب كوشنر على هندسة مسيرة مهنية قائمة على الدمج الممنهج بين قطاع الأعمال والسياسة مسندًا موقفه بزعم أن خلفيته كرجل أعمال تمنحه ميزة تفضيلية في جهوده الدبلوماسية، عبر تمكينه من ابتكار حلول خلاقة لمعضلات عادةً ما يعجز البيروقراطيون التقليديون عن مقاربتها. لكن مع تنقله حول العالم باسم ترامب أصبح أكثر انخراطًا في الشؤون التجارية للبلدان التي يعمل فيها. إنه يجسد بذلك نموذجًا مستحدثًا لشخصيات واشنطن النافذة، ممن يوظفون مواقعهم في الخدمة العامة كوسيلة لجمع ثروات فلكية.
وخلال العامين الماضيين، عمد قطاع عريض من المحيطين بالبيت الأبيض، بمن فيهم أبناء ويتكوف، ومستشار العملات المشفرة ديفيد ساكس، وأفراد آخرون من عائلة ترامب إلى استغلال مناصبهم الرسمية لتحصيل مليارات الدولارات لأنفسهم. وفي إفادة لمسؤول أمريكي سابق عمل بالشرق الأوسط، قال: “أنا على معرفة وثيقة بهؤلاء جميعًا؛ فهم يدخلون غرف الاجتماعات ليخلطوا التجارة بالدبلوماسية صارخين: حسنًا، كفانا حديثًا عن وقف إطلاق النار، لدينا مشروع فندق نريد تشييده. تلك هي السياسة الخارجية التي تملكها أمريكا اليوم”.
وحين غادر كوشنر واشنطن بعد انتهاء ولاية ترامب الأولى، كان منهكًا بأربعة أعوام من الصراع الداخلي، وشعر بالحرج من كارثة أعمال الشغب في السادس من يناير/كانون الثاني. وقال لي أحد أصدقائه: “اتخذ جاريد وإيفانكا قرارًا متعمّدًا بالابتعاد عن الظهور بصفتهما وكيلين لترامب”. وانتقلت عائلة كوشنر إلى “إنديان كريك” في فلوريدا، حيث اشتروا قصرًا بقيمة أربعة وعشرين مليون دولار في جزيرة خاصة تُعرف باسم “حصن المليارديرات”. وهناك بدأ كوشنر صندوق الأسهم الخاصة به، مستعينًا بعلاقاته لبناء محفظة استثمارات مربحة. وقال في عام 2024: “رغبتي في هذه المرحلة من حياتي هي التركيز على شركتي الخاصة”.
لكن بعد عودة ترامب إلى منصبه، طلب من صهره العودة إلى الإدارة. واعترض كوشنر، مازحًا في إحدى المرات: “ثمة احتمال أن تغيّر زوجتي أقفال المنزل عندما أعود”. لكن ترامب أصرّ، وفي نهاية المطاف وافق كوشنر.
وقد اتسمت الولاية الثانية لترامب بتقليص جذري لدور الولايات المتحدة في العالم، من خلال تقليص الالتزامات الخارجية، وإهانة أقدم حلفاء البلاد، وتقويض السلك الدبلوماسي. وبدلًا من السفراء المخضرمين، يُرسل كوشنر وويتكوف إلى مناطق مضطربة، ونادرًا ما يمكثان فيها أكثر من ليلة أو ليلتين.
وينتهج الرجلان أسلوبين مختلفين تمامًا على طاولة التفاوض. فويتكوف، الذي راكم ثروته من شراء العقارات المتعثرة في نيويورك، وكان يتجول أحيانًا ليلًا في أحياء سيئة السمعة بسيارة مهترئة، يُعرف بأنه مفاوض عملي، يهتم بالشخص الجالس أمامه أكثر من اهتمامه بتفاصيل المقترح المطروح. وقال لي أحد معارفه القدامى: “إنه ببساطة مالك عقارات محتال من برونكس”. مستدركًا بالقول: “لكنه يمتلك مزيجًا محببًا يجمع بين دهاء الشوارع والكاريزما، ويتمتع بنوع من الدفء المتوسطي”.
وعلى النقيض تمامًا، يتسم كوشنر بالدقة والتجرد والبرود. بل إن نبرة صوته، الحادة والواضحة، قد تبدو متعالية. وأخبرني مسؤول أمريكي رفيع المستوى سابق عمل معه في ملفات الشرق الأوسط أن كوشنر كان يبدو أحيانًا غير مرتاح في العالم العربي، حيث يميل كثير من كبار القادة إلى التعبير عن مشاعرهم بصورة واضحة. وقال المسؤول السابق: “جاريد ليس شخصًا دافئًا وعاطفيًا بهذه الطريقة، وبالطبع يحب العرب قدرًا من ذلك. لم يأتِ للتسامر، بل جاء لإنجاز الأعمال”.
وأخبرني ويتكوف مؤخرًا بأنّ العلاقة بينه وبين كوشنر تقوم على نوع من التنافس الأخوي المثمر، موضحًا: “كلانا يريد الوصول إلى خط النهاية وتحقيق نتائج إيجابية للرئيس. نحن مهووسان بعض الشيء؛ الفوز يعني لنا الكثير”. وبطبيعة الحال، تجعل أواصر القُربى الأسرية كوشنر عصيًا على الإقالة مقارنة بسائر المسؤولين، إلا أنها توثق صلته برئيس متقلب المزاج وغالبًا ما يعاني من قصور صادم في الإحاطة بالمعلومات.
في أواخر العام الماضي، طُلب من كوشنر المساعدة في المحادثات المتعثرة الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا. ومنذ عودة ترامب إلى منصبه، اتسمت سياسته تجاه النزاع بالتقلب بصورة غير مفهومة. وقال لي مسؤول أمريكي سابق في المنطقة: “كان كل يوم أشبه برحلة على قطار الملاهي هل سيستيقظ الرئيس اليوم وينشر عن الصفقات الكبرى مع الروس ومدى قربه من بوتين؟ أم سيكون هذا هو اليوم الذي يستيقظ فيه ليحترم زيلينسكي؟”.
أخبرني ويتكوف أنه وكوشنر لا يمانعان التعامل مع الظروف المتوترة وغير الواضحة. وقال: “جاريد وأنا نعلم جيدًا ما نجهله. ولا مشكلة لدينا في ألا نعرف شيئًا ما، ثم يساورنا الفضول ونسعى إلى فهم المسألة والتعمق فيها”. غير أن الرجلين، حين بدآ العمل في الملف الأوكراني، كان فهمهما للحرب محدودًا للغاية، وفقًا لما أخبرني به مسؤول أمريكي سابق رفيع المستوى في مجال السياسة الخارجية بإدارة ترامب. وقال المسؤول إن كليهما كان يعتقد أن فلاديمير بوتين “رجل طيب”، وأن “الجيش الروسي لا يُقهر”، مضيفًا: “إنهما يتعاملان مع الأمر برمته كما لو كان صفقة عقارية، ولا يبدو أنهما يفهمان أننا أمام حرب”.
وعقب اجتماعهما بوفدي الجانبين في جنوب فلوريدا، خرج كوشنر وويتكوف بصيغة اتفاق سلام كانت ستُلزم أوكرانيا بقبول معظم المطالب الروسية تقريبًا، بما في ذلك التنازل عن أراضٍ، والتعهد بعدم الانضمام إلى حلف الناتو، وتقليص حجم الجيش الأوكراني بصورة جذرية. وسارعت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم ترامب، إلى وصف المقترح بأنه “صفقة موفقة لروسيا وأوكرانيا معًا”. لكن ما إن أصبح المقترح علنيًا حتى انهار تحت وطأة موجة من الاستنكار. وحتى روبيو، حسبما أُفيد، سخر منه ووصفه بأنه “قائمة الأماني الروسية”.
ويتقاطع هذا مع شكوك يطرحها مراقبون حيال عرض روسيا فعليًا صفقات تجارية على الجانب الأمريكي مقابل اتفاق سلام يخدم مصالحها. وفي هذا السياق، قال لي المسؤول الأمريكي السابق في المنطقة: “هذا هو الرأي السائد عمومًا”. ويذكر تقرير استخباراتي أوروبي سري أن ترامب وأشخاصًا من حوله ناقشوا عدة عقود محتملة في روسيا. ورغم أن التقرير غير مؤرخ، لكن المسؤول الأوروبي الذي سلّمه لي قال إن تفاصيل هذه العقود نوقشت للمرة الأولى في وقت ما بعد دعوة ترامب لبوتين إلى أنكوراج في أغسطس/آب 2025. وفي مناسبتين خلال ذلك العام، سُمح لكيريل ديميترييف، رئيس صندوق الثروة السيادي الروسي، بدخول الولايات المتحدة، إذ تحدث عن فرص استثمارية. وقال المسؤول الذي سلّمني التقرير: “إن خصخصة السياسة الخارجية الأمريكية قطعت شوطًا كبيرًا”. (ونفى متحدث باسم كوشنر أن يحقق المسؤولون الأمريكيون أرباحًا من الصفقات قيد المناقشة).
وتحصي الوثيقة عشرة مشاريع محتملة، تصفها بأنها “صُممت في الأصل من قِبل نخب السياسة والأعمال في الكرملين”. وشملت تلك المشاريع: إعادة تشغيل خط أنابيب “نورد ستريم 2” تحت مظلة الإشراف الأمريكي، واستئناف أنشطة شركة “إكسون موبيل” في جزر سخالين، فضلًا عن عمليات التنقيب عن النفط في بحر أوخوتسك. وأشار التقرير إلى مناقشة مقترحات لرفع التجميد عن أصول روسية خاضعة للعقوبات الأمريكية. كما سمّت الوثيقة شخصيات قد تشارك في تلك الصفقات، من بينهم ترامب، وويتكوف، وكوشنر، إضافة إلى ريتشارد غرينيل، المبعوث الرئاسي السابق، وجينتري بيتش، صديق دونالد ترامب الابن، الذي حصل على عقود مجزية في أماكن تجري الإدارة مفاوضات بشأنها. (ونفى غرينيل ارتكاب أي مخالفات). وقال المسؤول الأوروبي لي: “ستُبرم هذه الصفقات لحظة يتوصل ترامب إلى اتفاق سلام”.
ومنذ أن انخرط كوشنر في مفاوضات أوكرانيا، أبدى مرونة غير معتادة. وقال لي مسؤول حضر المحادثات إن وجوده فيها “غيّر الديناميكية”. وأضاف: “قال للجميع: أريد أن أسمع إلى أين يتجه هذا الأمر. أريد أن أفهم”. وأضاف المسؤول: “ربما تكون هذه هي الطريقة التي يكون بها فعالًا حقًا في دوره التجاري”.
ومع ذلك، قد يكون من الصعب التمييز بين الانفتاح الفكري والسذاجة. ففي هذا الشهر، زار كوشنر وويتكوف روسيا وأوكرانيا على أمل إعادة إطلاق المحادثات المتوقفة. ففي موسكو، رحبا ببوتين بحرارة وكأنه صديق قديم، وسمحا لمضيفيهما بنقلهما في سيارة ليموزين روسية بدلًا من سيارة تابعة للسفارة الأمريكية، وهو ما يمثل مخاطرة أمنية ما كان لقلّة من أسلافهما أن يسمحوا بها. أما في كييف، فتحدث كوشنر عن الحرب بلغة تجارية بحتة، متجاهلًا إلى حد كبير إراقة الدماء والدمار اللذين خلفهما غزو بوتين. وقال: “في عالم الأعمال، أنت تفكر في الأمور في سياق “الكل رابح””. وتصور هو وويتكوف “حزمة سلام” يمكن لروسيا وأوكرانيا من خلالها “التركيز على تحقيق إمكاناتهما الهائلة وإيجاد سبل للاستفادة من بعضهما البعض”. وبعد ساعات قليلة من مغادرتهما كييف، استأنف بوتين القصف.
في عام 2024، ألقى كوشنر كلمة في جامعة هارفارد وقدّم تقييمات لاذعة لبعض الإنجازات الدبلوماسية البارزة التي حققتها الإدارات السابقة. ووصف اتفاق باراك أوباما للحدّ من البرنامج النووي الإيراني بأنه “أحد أغبى الاتفاقات” على مر التاريخ. أمّا اتفاقيات أوسلو، التي رسمت عام 1993 مسارًا لإقامة دولة فلسطينية، فقد وصفها بأنها “فشل ذريع”. كان أكثر إيجابية في تقييم عمله الخاص: “أعتقد أنّ سجلي الحافل بالنجاحات في الشرق الأوسط لا يضاهيه سجل أحد على مدى السنوات العديدة الماضية”. أزعجت ثقة كوشنر بنفسه الدبلوماسيين المخضرمين. فقد قال لي مسؤول أمريكي سابق عمل معه: “إنه واثق من نفسه بصورة لا تُصدق ومتغطرس إلى حد كبير”.
بدأ إحساس كوشنر بالتميز والاستثنائية مبكرًا. فقد نشأ في ليفينغستون، وهي بلدة ثرية في شمال نيوجيرسي، في أسرة يهودية أرثوذكسية حديثة، وكان والده، تشارلز، قد جمع ثروة طائلة من مجال بناء المنازل. ورغم أنّ تشارلز كان يتبرع بسخاء للجمعيات الخيرية المحلية، فإنّه كان يجد صعوبة في تبديد الشكوك التي تحوم حول شخصيته. قال لي أحد معارف العائلة: “كان لكوشنر سمعة سيئة للغاية في المجتمع اليهودي باعتباره شخصًا بغيضًا — فقد اشتهرت عائلة كوشنر بجشعها وطمعها”. التحق جاريد بمدرسة “فريش”، وهي مدرسة يهودية نهارية في باراموس، حيث كان طالبًا متوسط الأداء. وقال أحد معارف العائلة: “إنه تجسيد ساخر لشخص نال كل شيء”.
على الرغم من مؤهلاته الأكاديمية المتواضعة، قُبل كوشنر في جامعة هارفارد، بعد أن تعهد والده بالتبرع بمبلغ 2.5 مليون دولار، على أن تبدأ التبرعات بمجرد بدء ابنه الدراسة. وأثناء دراسته الجامعية، بدأ جاريد الاستثمار في المباني السكنية، وكان الكثير منها يقع في سومرفيل، على مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام من الحرم الجامعي. وكتب في مذكراته “كسر التاريخ”: “كنت ألاحظ كل تفصيل في أي مبنى أدخله”. وأضاف قائلًا: “تخرجت من جامعة هارفارد بمرتبة الشرف، بينما كنت أجني ملايين الدولارات من استثماراتي العقارية”.
بينما كان كوشنر يخطو خطواته الأولى في عالم الأعمال، كان والده قيد التحقيق الجنائي، إذ اشتبه كريس كريستي الذي كان آنذاك المدعي العام الفيدرالي لولاية نيوجيرسي، في أنّ تشارلز قد أخفى تبرعات سياسية ضخمة عن طريق نسبها إلى أفراد من عائلته. وعرض المدعون العامون على شقيقته إستر سجلات تبرعات تمّت باسمها، فدُهشت من الأمر. وفي نوبة غضب عارمة، استأجر تشارلز عاهرة لإغراء زوج إستر بالذهاب إلى فندق صغير بذريعة إقامة علاقة معه، ورتب لتصوير اللقاء. ثم أرسل الفيديو إلى حفل الخطوبة الذي كانت إستر تقيمه لابنها. ووجه المدعون العامون في مكتب كريستي إلى تشارلز تهم التهرب الضريبي، والتلاعب بالشهود، والاحتيال الإلكتروني، فأقر بذنبه وحُكم عليه بالسجن لمدة عامين في سجن ذي إجراءات أمنية خفيفة في ألاباما.
تولى كوشنر، الذي كان حينها يدرس القانون وإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، إدارة شركة العقارات العائلية. وفي عام 2007، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، التقى بإيفانكا ترامب في مأدبة غداء للتواصل المهني، وتزوجا بعد ذلك بعامين. ووصفه أحد الأصدقاء بأنه زوج مخلص: “أعتقد أنه تزوجها بدافع الحب الحقيقي — إنها علاقة حقيقية”. ولاحظ آخرون وجود تقارب طبيعي بين العائلتين. قال أحد معارف العائلتين: “لم يكن الاقتران التاريخي بين آل كوشنر وآل ترامب أمرًا مستبعدًا — إنه زواج ملكي، كلاهما من أهل السلطة، ومن السلطة التي يمنحها المال”.
عندما بدأ ترامب مسيرته السياسية، رأى كوشنر في ذلك فرصة للانتقام لوالده. ففي عام 2016، بعد أن أصبح ترامب المرشح الجمهوري المفترض للرئاسة، اختار ترامب كريستي لإدارة المرحلة الانتقالية. وفي مايو من ذلك العام، كان الرجلان جالسين معًا عندما دخل كوشنر دون سابق إنذار وطلب من والد زوجته استبعاد كريستي من الفريق. قال كوشنر: “إنه شخص سيئ ولا يمكن الوثوق به”، وذلك وفقًا لما رواه كريستي مؤخرًا. تردد ترامب لبعض الوقت، لكنه استغنى عن كريستي بعد الانتخابات. بحلول ذلك الوقت، أخبرني كريستي: “كان جاريد يشن علي هجومًا بلا هوادة أمام ترامب منذ أسابيع”. (قال كوشنر إن ترامب أقال كريستي لأسباب أخرى. والجدير بالذكر أن تشارلز يشغل حاليًا منصب سفير ترامب لدى فرنسا).
كان كوشنر حديث العهد بالسياسة، فقد كان يدير بسلاسة “شركات كوشنر” وصحيفة “أوبزرفر”، وهي صحيفة أسبوعية متعثرة ماليًا، لكنها منحته قدرًا من المكانة المرموقة في أوساط نخبة نيويورك. ولم يكن ينتمي حتى إلى الحزب السياسي الذي يتبعه ترامب. قال في محاضرته بجامعة هارفارد: “لم يكن لدي سوى صديق واحد من الحزب الجمهوري. أظن أنني كنت محاصرًا داخل دائرة مغلقة لا أسمع فيها إلا ما يشبه آرائي”.
لكن ترامب كان يثق به. قال لي مسؤول رفيع سابق خلال ولاية ترامب الأولى: “جاريد فرد من العائلة، وهو ذكي، ويمكنه تقديم نصائح جيدة في بعض الأمور. أعني، الأمر يختلف عن دونالد ترامب جونيور أو إريك أو إيفانكا وأعتقد أن ثمة فارقًا بينه وبينهم “. ومن الواضح أنّ ترامب كان يقدّر ولاء كوشنر، وكذلك استعداده لتقبل المزاح الذي يطاله شخصيًا. وذات مرة، خلال اجتماع في المكتب البيضاوي، أثار ترامب الضحك عندما تحدث مازحًا عن احتمال أن يكون له صهر ثري مختلف قائلًا: “كان بإمكان إيفانكا أن تتزوج توم برادي، لكنها تزوجت جاريد بدلًا منه”.
عندما تولى ترامب منصبه، أصبح كوشنر بمثابة وزير من دون حقيبة، إذ عمل على قضايا متنوعة مثل إصلاح قوانين الأحكام الجنائية وإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية. ومثل والد زوجته، كان يميل إلى الاعتماد على أصدقائه الأثرياء أكثر من الاعتماد على موظفي الحكومة. ففي إحدى المرات، عرض مسؤول جمهوري سابق ورفيع المستوى أن يجد له موظفين ذوي خبرة في الشؤون المالية والسياسة النقدية. غير أن كوشنر رفض العرض قائلًا: “أنت لا تفهم الأمر، نحن نجلب مليارديرات — مليارديرات بحق”.
سرعان ما بدأ كوشنر يصب تركيزه على الشرق الأوسط، إذ ساهم في تطبيق سياسة تقوم على تقديم دعم لا محدود لإسرائيل، لنشأته في بيئة مشبعة بآراء متشددة تجاه المنطقة. وكثيرًا ما قدم والده التبرعات لصالح قضايا إسرائيلية، بما في ذلك بعض المنظمات، مثل “مركز أصدقاء بيت إيل يشيفا الأمريكي”، الذي كان يدعم المستوطنات في الضفة الغربية. وكان نتنياهو صديقًا قديمًا للعائلة، وقد أمضى ذات مرة ليلة في غرفة نوم جاريد.
رأى ترامب ومستشاروه أنّ إيران، العدو الرئيسي لأمريكا في الشرق الأوسط، قد أُطلق لها العنان دون رادع. وللحد من نفوذها، أرادوا تعزيز مكانة السعودية، إذ كلّف ترامب كوشنر بمهمة إعادة بناء العلاقة، بعد أن أبقت إدارة أوباما علاقاتها معها فاترة بسبب سجلها المزري في مجال حقوق الإنسان. وكانت وكالات الاستخبارات الأمريكية قد قيّدت وصول كوشنر إلى المواد السرية للغاية، خوفًا من أن تجعله مصالحه التجارية عرضة للاستغلال من القوى الأجنبية المعادية. لكن بعض الدبلوماسيين اعتقدوا أن خلفيته تجعله مناسبًا بشكل طبيعي للشرق الأوسط؛ فمثل الملكيات الخليجية، كانت عائلتا ترامب وكوشنر تعملان أساسًا كشركات عائلية تتوارثها الأجيال.
سرعان ما حدد كوشنر محورًا لتركيز الجهود الأمريكية، ألا وهو محمد بن سلمان، الابن السابع للملك السعودي. في ذلك الوقت، رُوّج لسلمان، المعروف بحروف اسمه الأولى “أم. بي. إس”، في منطقة الخليج باعتباره زعيمًا مستقبليًا يتمتع بالحيوية. لكنه كان الثاني فقط في ترتيب ولاية العرش، أما الأول فكان ابن عمه محمد بن نايف، الحليف القديم لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في مكافحة الإرهاب. وكان ترامب يكنّ عداءً شديدًا للوكالة، التي اشتبهت في أن حملته الانتخابية تلقت دعمًا روسيًّا عام 2016. قال لي مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط: “كان الدافع الرئيسي وراء ميل ترامب نحو محمد بن سلمان هو النيل من الوكالة. يضاف إلى ذلك أنّ بن نايف كان في غاية الصدق”.
رتب كوشنر لقاءً بين محمد بن سلمان وترامب لتناول الغداء في البيت الأبيض، وساهم في إقناع الرئيس بجعل السعودية وجهة لرحلته الخارجية الأولى. وفي الرياض، حظي ترامب باستقبال يليق بالملوك، إذ استُقبل بمراسم احتفالية تضمنت عزف الأبواق والتحية بالسيوف الذهبية. وخلال الزيارة، وافق على اتفاق لبيع السعودية أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار، بما في ذلك صواريخ موجهة بدقة كان إدارة أوباما قد عطلّت نقلها، بينما ساعد كوشنر في إبرام الصفقة بمكالمة هاتفية إلى الرئيس التنفيذي لشركة لوكهيد مارتن.
وسرعان ما نشأت صداقة وثيقة بين كوشنر ومحمد بن سلمان؛ فقد كان كلاهما في الثلاثينيات من العمر، وينظران إلى نفسيهما كقائدين مبتكرين قادرين على تجاوز القيود البيروقراطية الجامدة. تحدثا هاتفيًا بشكل متكرر، ودُعي كوشنر للقيام برحلة بحرية في البحر الأحمر برفقة بن سلمان على متن يخته “سيرين” الذي تبلغ قيمته نصف مليار دولار. وقد أبدى مسؤولٌ أمريكي سابق يعرف الرجلين تعجبه من التباين الصارخ بينهما وهما يمرحان تحت أشعة الشمس، إذ قال: “السعوديون غير واعين تمامًا لمدى ضخامة أجسادهم — يخلعون قمصانهم، ويقفزون في الماء، وأجسادهم الممتلئة تبرز من كل جانب وفي المقابل تجد جاريد، ذلك الشاب الأبيض النحيل”.
وبحسب مسؤولين أمريكيين، فإن الدعم الذي قدمته إدارة ترامب شجع محمد بن سلمان على الإقدام على سلسلة من الخطوات المتهورة. فبعد أسبوعين فقط من قمة الرياض، فرض مع الإمارات حصارًا على قطر. وكان لدى المسؤولين السعوديين قائمة طويلة من المآخذ على قطر، بما في ذلك دعمها لجماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية عالمية، غير أن العديد من المراقبين خشوا أن تكون النية الحقيقية لولي العهد هي الإطاحة بالنظام الملكي في قطر والاستيلاء على احتياطياتها الهائلة من الغاز الطبيعي. ووفقًا للمسؤول الأمريكي السابق، لم يتدخل كوشنر لوقف الحصار، الذي أوصل المنطقة إلى حافة الصراع المسلح، إذ كشف قائلًا: “كان جاريد على علم بالأمر، وقد وافق عليه ضمناً”، وهو ما نفاه المتحدث باسم كوشنر.
تملك عائلة كوشنر تاريخًا من العلاقات مع القيادة القطرية، ففي أبريل/نيسان 2017، قبل بضعة أشهر من بدء الحصار، اجتمع مسؤولون من صندوق الثروة السيادية القطري في فندق “سانت ريجيس” بنيويورك لبحث فرص استثمارية محتملة، وهناك زارهم تشارلز كوشنر وعرض عليهم فكرة استثمارية. وقبل نحو عقد من الزمن، اشترت عائلته مبنى مكاتب، يقع في “666 فيفث أفينيو”، بأكثر من مليار دولار. ومنذ ذلك الحين، هبطت قيمة العقار بشكل كبير، وغدا رهنه العقاري مهددًا بالتخلف عن السداد. ومع ذلك، رأى تشارلز أن القطريين قد يستفيدون من الاستثمار في هذا العقار. لكن أخبرني محلل مالي مقرب من الصندوق أنّ القطريين رفضوا الاقتراح بالقول: “لم يروا ببساطة أي جدوى مالية ترجى منه “. وأشار إلى أنهم أضاعوا فرصة لبناء علاقات طيبة: “لو كانوا قد منحوا كوشنر المال، هل كنّا سنشهد حصارًا ؟ لا أعتقد ذلك”.
وقد عمل كل من وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيم ماتيس مع كوشنر لنزع فتيل الأزمة الناجمة عن الحصار. لكن بعد بضعة أشهر، أقدم محمد بن سلمان على خطوة أخرى لافتة إذ احتجز مئات من أفراد العائلة المالكة السعودية وشخصيات بارزة أخرى في فندق “ريتز كارلتون” بالرياض، وطالبهم بدفع مبالغ مالية كبيرة وتقديم تعهدات بالولاء. كما استدعى بن سلمان رئيس وزراء لبنان، سعد الحريري، إلى الرياض، حيث تعرض للصفع مرارًا وأُجبر على قراءة بيان استقالة على الهواء مباشرةً عبر التلفزيون، إلا أن الطرفين قد نفيا ذلك.
وبلغت الأزمة أوجَها في أواخر عام 2018، حين أقدم فريق اغتيال على قتل الكاتب الصحفي السعودي-الأمريكي في صحيفة “واشنطن بوست”، جمال خاشقجي، وتقطيع جثمانه داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. وخلص مسؤولو الاستخبارات الأمريكية إلى أن عملية الاغتيال نُفذت، بشكل شبه مؤكد، بناءً على أوامر من محمد بن سلمان، ما أثار ضجة دولية. قال المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية: “كانت هذه واحدة من أخطر التهديدات التي واجهت العلاقات الأمريكية-السعودية”. لكن كوشنر دافع عن محمد بن سلمان داخل البيت الأبيض، حسبما أخبرني مسؤولون سابقون. وصرّح ترامب علنًا أنه مقتنع بعدم علم بن سلمان بالحادث، مضيفًا: ” تحدث مثل هذه الأمور عادة”.
بالنسبة لكوشنر، لم يكن يعنيه إلا تحقيق أهداف الولايات المتحدة في المنطقة. وقال آنذاك: “أعتقد أن السعودية كانت حليفًا قويًا للغاية في صد العدوان الإيراني”. وعلى أي حال، اُعتبر الميل إلى إحداث الاضطرابات سمة قيّمة في الحليف. قال لي مسؤول أمريكي يعمل في المنطقة: “اقتنع أشخاص مثل جاريد بأن كل من سبقه قد فشل، وأن آخر ما كان يحتاجه هو الخبرة، وأضاف: “من الصعب التأكيد بما يكفي على مدى افتقار البيت الأبيض إلى فهم كيفية سير الأمور في الشرق الأوسط”.
وعقب وقوع حادثة الاغتيال، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة إلى النأي بنفسها عن محمد بن سلمان، لكنها أبقت قنوات الاتصال معه مفتوحة. في أوائل عام 2017، استعد محمد بن سلمان للإطاحة بمنافسه محمد بن نايف، ولأن لكليهما أنصارًا مسلحين، خشي مسؤولو الاستخبارات الأمريكية من احتمال اندلاع أعمال عنف. واتصل محمد بن سلمان بكوشنر لمناقشة خططه، في محادثة سُجلت سرًا.
قال لي مسؤول استخباراتي إقليمي سابق، موضحاً أنه أطلع على نص المكالمة: “أخبر كوشنر محمد بن سلمان أنّ الجميع في الحكومة الأمريكية، باستثناء وكالات الاستخبارات، يقفون إلى جانبه. كان ذلك بمثابة الضوء الأخضر”. (نفى المتحدث باسم كوشنر ذلك).
وبعد بضعة أشهر، أمر محمد بن سلمان باحتجاز بن نايف، ثم أرغمه على توقيع بيان وافق فيه على التخلي عن السلطة. ومنذ عام 2020، يقبع بن نايف في الاحتجاز أو تحت الإقامة الجبرية.
وسرعان ما شرع محمد بن سلمان في تنفيذ مشروع إصلاحي طموح، من النوع الذي طالما روّج له كوشنر. فرفع الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات، وقلص صلاحيات الشرطة الدينية، وخصخص جزئيًا شركة النفط المملوكة للدولة. في الوقت نفسه، تحرك لقمع المعارضة الداخلية، وقمع الصحافة في البلاد التي عانت أصلًا من ضغوط شديدة. في عام 2023، بعد أن عبّر مدرس متقاعد يُدعى محمد الغامدي عن تعاطفه مع السجناء السياسيين في السجون السعودية، حُكم عليه بالإعدام بتهمة “دعم الأيديولوجية الإرهابية”.
كما ساعدت العلاقات الودية التي تمتع بها كوشنر في الخليج على تسهيل إنجازه الدبلوماسي الأهم: “اتفاقيات أبراهام”، التي أفضت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدة دول إسلامية في الشرق الأوسط. غير أن هذه الصفقة بدأت بأزمة؛ ففي عام 2020، ألمح نتنياهو —مدفوعًا بدعم إدارة ترامب— إلى نيته ضم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، وهي خطوة كفيلة بإشعال فتيل الغضب في العالم العربي. ونشر يوسف العتيبة، سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة، مقالًا في إحدى الصحف الإسرائيلية بعد ذلك بوقت قصير، أكدّ فيه أنه في حال إلغاء نتنياهو خطة الضم، فإن الإمارات ستسعى إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
تمتّع كوشنر بموقع مثالي يتيح له إبرام الاتفاق؛ فقد كان أحد المقربين من العتيبة، بينما كان نتنياهو صديقًا للعائلة. ولعل الأهم، كما قال لي مسؤول رفيع في ولاية ترامب الأولى، أنه “حظي بدعم مطلق من والد زوجته، وهو أمرٌ أدركه تمامًا كل من تعامل معه”.
وقعت كل من إسرائيل والإمارات والبحرين على الاتفاق، تلاها السودان والمغرب. إلا أنّ اتفاق كوشنر أغفل مسألة جوهرية، إذ لم يتضمن أي بند يتعلق بالسكان الفلسطينيين في إسرائيل. وبدورها، رفضت السعودية، التي لطالما دافعت عن قضية إقامة دولة فلسطينية، الانضمام إلى الاتفاق. لكن كوشنر خرج من هذه العملية مع احتفاظه بعلاقة راسخة مع محمد بن سلمان، وبعلاقات جديدة مع الملكيات الخليجية — وهي علاقات سيتضح لاحقًا مدى ربحيتها في السنوات القادمة.
في يونيو/ حزيران 2021، بعد ستة أشهر من انتهاء ولاية ترامب الأولى، اجتمع عدد من مديري الاستثمار الذين يشرفون على صندوق الثروة السيادية السعودي في برج صندوق الاستثمار العام، وهو ناطحة سحاب مكونة من ثمانين طابقًا في الرياض. وانصبّ جدول أعمال الاجتماع على بحث الطلب الذي تقدم به كوشنر للحصول على استثمار بقيمة ملياري دولار لصالح “أفينيتي بارتنرز”، وهو صندوق استثمار خاص كان بصدد تأسيسه.
ووفقًا لمحضر الاجتماع، بحث ممثلو كوشنر حصريًا عن عملاء أجانب، لأنهم “يرغبون في تجنب اهتمام وسائل الإعلام”. وتمتلك الدول الثلاث التي زارها كوشنر — السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة — صناديق استثمار عامة ضخمة. كما أنها أنظمة استبدادية، ولا تخضع قرارات قادتها لمساءلة تُذكر.
افتقر كوشنر إلى أدنى خبرة في إدارة صناديق الاستثمار، بيد أنه اتكأ على شبكة علاقاتٍ وطيدة بحكام الخليج، فضلًا عن ضم فريق عمله مسؤولَيْن اثنين على الأقل ممن عملوا إلى جانبه إبان ولاية ترامب الأولى: ميغيل كوريا، الملحق العسكري السابق في السفارة الأمريكية لدى الإمارات، وأفي بيركويتز، مستشار البيت الأبيض لشؤون العلاقات الدولية.
لا يتردد السعوديون كثيرًا في الاستثمار مع مسؤولين سابقين؛ فقد قدموا مليار دولار لصندوق يديره ستيفن منوشين بعد انتهاء فترة عمله كوزير للخزانة في إدارة ترامب. لكن اللجنة رفضت طلب كوشنر، وأوردت محاضر الاجتماع مآخذ متعددة، أبرزها: عجز الشركة عن تقديم أي سجل استثماري قابل للقياس الكمي، وتحمل السعودية الجزء الأكبر من الاستثمار والمخاطر، ناهيك عن رسوم الإدارة المقترحة التي بدت “مبالغًا فيها”. وخلص تقصٍ تقييمي إلى أن عمليات الشركة “غير مرضية من جميع الجوانب”. وكما قال أحد أصدقاء كوشنر بسخرية: “لم يسبق لجاريد حتى أن استثمر سوى في حساب 401(k) للتقاعد الشخصي”.
لكن محمد بن سلمان، بصفته رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار العام، تجاهل قرار اللجنة ومُررت الصفقة، وضمنت المساهمات السعودية عائدًا ضخمًا لكوشنر وفريقه، بغضّ النظر عن أداء الصندوق.
وبموجب رسوم إدارة تبلغ 1.25 بالمائة، يتدفق إلى الصندوق أكثر من خمسة وعشرين مليون دولار سنويًا، يُضاف إليها 20 بالمائة من عوائد أي أرباح محققة. وضخت الإمارات مائتي مليون دولار إضافية، فيما قدمت الحكومة القطرية –ربما استخلاصًا لدروس الحصار– مائتي مليون أخرى.
أثارت هذه الاستثمارات غضبًا واسعًا في الولايات المتحدة، إذ تساءل النائب روبرت غارسيا في قاعة مجلس النواب قائلًا: “لماذا تلقى جاريد كوشنر ملياري دولار من الحكومة السعودية بعد شهرين فقط من مغادرته البيت الأبيض؟” لم يرد كوشنر أبدًا على هذا السؤال، لكنه دافع في عام 2024 عن عمله في إدارة ترامب خلال مؤتمر استثماري في ميامي. وقال للحضور: “بالنسبة لمن ينتقدونني، أقول: اذكروا قرارًا واحدًا اتخذناه لم يكن في مصلحة أمريكا”. وعندما سُئل عن دور محمد بن سلمان في مقتل خاشقجي، نفد صبره قائلاً: “هل ما زلنا نتحدث عن هذا الأمر حقًا؟”
لا يوجد دليل مباشر على أن السعوديين كانوا ينوون مكافأة كوشنر أو ترامب على ما قاما به خلال فترة توليهما منصبيهما. لكن مسؤولًا استخباراتيًا أمريكيًا سابقًا،عمل في الشرق الأوسط، أخبرني أن مساهمة كوشنر في إنقاذ العلاقات الأمريكية-السعودية في أعقاب مقتل خاشقجي كفيلة بنشوء “دين” في ذمة محمد بن سلمان على أن يتحدد أسلوب السداد بدقة عقب انقضاء ولاية ترامب. وقال المسؤول: “إن التفاصيل المتعلقة بطريقة الترتيب، وتحديد مستحقي الحصص، وجلب الأموال، وتدبير تلك التفاهمات، لم تكن لتتم قطعًا عبر دونالد ترامب؛ بل إنّ هذا النمط من المهام يقع في صلب اختصاص جاريد، لا سيّما وأن خلفيته العائلية جعلت منه خبيرًا في هذا المجال”.
استفاد ترامب أيضًا من هذه العلاقة، فعقب مغادرته منصبه في عام 2021، اختيرت نواديه الريفية لتكون مواقع رئيسية لاستضافة جولة “ليف غولف”، التي يدعمها صندوق الاستثمار العام السعودي. كما وقعت شركاته اتفاقيات ترخيص لسلسلة من العقارات الجديدة في المنطقة، بما في ذلك برج ترامب في جدة.
في عام 2024، استُدعي تشاد ميزيل، كبير المسؤولين القانونيين في شركة “أفينيتي”، للإدلاء بإفادته أمام محققي لجنة المالية في مجلس الشيوخ. وأوضح لهم أن “أفينيتي” تعتمد بالكامل على عدد محدود من العملاء الأجانب، فبصرف النظر عن الدول الخليجية الثلاث، اقتصرت قائمة المستثمرين على تيري غو —الملياردير التايواني الذي يضم كادر موظفيه زهاء مليون شخص في الصين— إلى جانب طرفٍ خامس امتنع ميزيل عن كشف هويته. وعندما استفسر المحققون عن حجم العوائد التي حققتها “أفينيتي” لمستثمريها، باغَتَهم ميزيل بإجابة غير متوقعة: لم تكن هناك أي عوائد حتى ذلك الحين.
ورغم أن صناديق الأسهم الخاصة غالبًا ما تطلب من المستثمرين عدم توقّع نتائج فورية، لاحظ المحققون مؤشرات مقلقة أخرى. فبعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات من مدة الاستثمار البالغة خمس سنوات، كانت “أفينيتي” تدير ثلاثة مليارات دولار من أموال عملائها، لكنها لم تستثمر سوى ثلث هذا المبلغ تقريبًا. وفي الفترة نفسها، قدّرت لجنة المالية أن الشركة جمعت مئة وسبعةً وخمسين مليون دولار كرسوم.
اشتبه السيناتور رون وايدن، إلى جانب آخرين، في أن شركة “أفينيتي” ما هي إلا وسيلة يستخدمها قادة دول الخليج لإثراء كوشنر (ونفى المتحدث باسم كوشنر ذلك.). وأشار وايدن في رسالة إلى ميزيل إلى أنه في حال انتخاب ترامب لولاية ثانية، فإنّ هذه الاستثمارات ستمنح دول الخليج نفوذًا هائلًا. وكتب قائلًا: “ستكون لدى الإدارة دوافع مالية لاتخاذ قرارات في السياسة الخارجية قد تتعارض مع المصلحة الوطنية، وذلك لضمان استمرار كوشنر وإيفانكا ترامب في جني ملايين الدولارات من الرسوم”.
أصرّ كوشنر على أنه لا ينوي العودة إلى العمل الحكومي، غير أنّ مستثمريه جزموا ببقاء نفوذه وقوته، قال لي مسؤول أمريكي رفيع المستوى سابق: “رأى الإماراتيون جاريد شخصًا ثابت الحضور، شخصًا سيبقى في الساحة لفترة طويلة. كانوا يستثمرون في هذه العلاقة”.
ومع تزايد احتمال فوز ترامب بولاية أخرى، قدمت قطر والإمارات مساهمات جديدة بلغ مجموعها 1.5 مليار دولار لصندوق كوشنر. وقُدمت تلك المساهمات قبيل انتخابات نوفمبر 2024 مباشرة، لكن كوشنر انتظر حتى بعد انتهاء الانتخابات ليتحدث عنها علنًا. قال لي أحد معارف كوشنر: “الأمر ليس معقدًا فجميع دول الشرق الأوسط تستثمر في صندوق جاريد، وتتملق له، بغية نيل المكتسبات والتسهيلات السياسية من إدارة ترامب “.
ولدى عودة كوشنر إلى العمل الدبلوماسي، امتنع عن تقاضي أي راتب؛ وهو ما استند إليه محامو البيت الأبيض بالقول إن خطوته هذه تنفي أي إمكانية لتعارض مصالحه الحكومية مع أعماله التجارية. غير أن معظم خبراء الأخلاقيات المهنية يرون مسألة الراتب مجرد تفصيل هامشي؛ إذ يحظر القانون الفيدرالي على المسؤولين الحكوميين المشاركة في أي شؤون تُحقق لهم مصلحة مالية.
قالت لي فيرجينيا كانتر، المستشارة القانونية السابقة في البيت الأبيض ومحامية متخصصة في الأخلاقيات في لجنة الأوراق المالية والبورصات: “كوشنر مثقل بتضارب المصالح. من المفترض أن يعمل لصالح الشعب الأمريكي، لكنه في الواقع لديه حوافز مالية هائلة لتعزيز مصالح مستثمريه”.
ورفض كوشنر وويتكوف المخاوف بشأن تضارب المصالح بينهما، ولم يصطحبا أي صحفيين معهما في رحلاتهما الدبلوماسية. (يدعي ويتكوف أنه تخلّى عن مصالحه التجارية من خلال تسليم صلاحياتها إلى أبنائه). أما كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، فقد تجاهلت المشككين قائلةً: “جاريد يكرس طاقته ووقته لحكومتنا، ولرئيس الولايات المتحدة، من أجل ضمان السلام العالمي، وهذا أمر نبيل للغاية”.
لم تميز الصفقات التي أبرمها كوشنر خلال ولاية ترامب الثانية بشكل كبير بين الأصدقاء، والمسؤولين الحكوميين، والعلاقات العائلية. ففي سبتمبر 2025، أطلق جولة تمويل أولى لشركة ناشئة تُدعى “براين كو”، والتي تهدف إلى بيع خدمات الذكاء الاصطناعي للشركات والحكومات. ويشاركه في هذا المشروع لويس فيديغاراي، وزير الخارجية المكسيكي السابق ونظيره في مفاوضات الاتفاقيات التجارية خلال ولاية ترامب الأولى.
ومن بين الممولين الرئيسان التنفيذيان لشركتين في وادي السيليكون، باتريك كوليسون، الذي تبرع بمئات الآلاف من الدولارات للجمهوريين خلال موسم انتخابات 2024، وبراين أرمسترونغ، الذي ساهمت شركته بمليون دولار في صندوق تنصيب ترامب. وفي ديسمبر، وقع ترامب أمرًا تنفيذيًّا يحد من قدرة الولايات على تنظيم الذكاء الاصطناعي.
وبمعايير هذه الإدارة، فإن حالات تضارب المصالح هذه ليست استثنائية. فقد أشرف ديفيد ساكس، أحد كبار مسؤولي ترامب في مجال التكنولوجيا، على عشرات اللوائح التنظيمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، في حين يمتلك حصصًا في نحو خمسمائة شركة مرتبطة بهذه الصناعة. وقاد وزير التجارة هوارد لوتنيك صفقةً للتعدين والتنقيب عن التنغستن في كازاخستان، بتمويل فيدرالي يصل إلى 1.6 مليار دولار؛ فيما ساهمت شركة لوتنيك السابقة “كانتور فيتزجيرالد”، التي يديرها أبناؤه حاليًا، في تأمين الاستثمارات الخاصة بالمشروع، مرجحة حصد ملايين الدولارات في صورة رسوم.
وكشف ترامب بنفسه مؤخرًا أنه حقق أرباحًا تزيد عن ملياري دولار منذ تنصيبه، وجاء جزء كبير منها من أعماله في مجال العملات المشفرة، التي استقطبت استثمارات من حكومات أجنبية وأفراد يسعون إلى ممارسة النفوذ. في عام 2025، اشترت صناديق إماراتية حصة بقيمة نصف مليار دولار في شركة “وورلد ليبرتي فاينانشال” — وهي شركة أسسها أفراد من عائلتي ويتكوف وترامب، بمن فيهم إريك ودونالد ترامب الابن — ثم استخدمت عملتها المشفرة لتنفيذ صفقة بقيمة ملياري دولار. وعقب أسبوعين فقط، منح ترامب الإمارات إمكانية الوصول إلى إمدادات من أكثر رقائق الحاسوب تطورًا في العالم، مغلبًا القرار الرئاسي على تحذيرات مسؤولي الأمن القومي من مخاطر مشاركة الإماراتيين هذه التكنولوجيا المتقدمة مع الصين.
في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، خلال التجمع السنوي لقادة الأعمال والحكومات الدوليين في دافوس، سويسرا، قدم كوشنر عرضًا يوجز فيه رؤيته لإعادة إعمار غزة، إذ تعرض القطاع لدمارٍ شبه شامل جراء الحرب بين حماس وإسرائيل، وانتهى المطاف بغالبية سكانه البالغ عددهم مليوني نسمة إلى العيش داخل الخيام أو بين الركام، في وقتٍ اكتسحت فيه مشاهد المعاناة الإنسانية شاشات التلفزة عبر العالم. لكن، بينما رأى الآخرون الخراب، رأى كوشنر فرصة للتنمية. وأطلق على خطته اسم “مشروع شروق الشمس”.
وعبر سلسلة من شرائح العرض التقديمي “باوربوينت”، عرض رؤية للساحل الغزي بعد عشر سنوات من الآن، إذ بدا المشهد أشبه بشاطئ ميامي: مجمعات سكنية حديثة، وأبراج مكتبية، وشبكة قطارات فائقة السرعة، فضلًا عن “توظيف كامل بنسبة مائة بالمائة”. وأوضح كوشنر أنّ التكلفة ستصل إلى مائة واثني عشر مليار دولار، بتكفل وتمويل من الجهات المانحة الدولية والدول المجاورة. كما وعد بـ”فرص استثمارية مذهلة” للقطاع الخاص، داعيًا الحضور الاستعداد لـ”نجاح هائل”.
وبالنسبة لبعض الحاضرين، بدا العرض منفصلًا عن الواقع. قال لي فيليب جوردون، المستشار السابق للأمن القومي في البيت الأبيض: “كان الحاضرون يقلبون أعينهم استهجانًا. بدا الأمر للجميع وكأنه خيال محض”. غير أنه جسّد صدىً مباشرًا لخطاب ترامب الداعي لإعادة بناء غزة لتغدو “ريفييرا الشرق الأوسط”.
بدأ انخراط كوشنر في ملف غزة قبل تنصيب ترامب لولايته الثانية، عندما عمل هو وويتكوف مع مسؤولي إدارة بايدن سعيًا للتوصل إلى وقف إطلاق النار والإفراج عن آخر رهائن حماس. قال لي أحد كبار المسؤولين السابقين في البيت الأبيض في عهد بايدن: “كان جاريد صريحًا للغاية وغير متحزب”.
تطلبَ دورُ كوشنر في مفاوضات غزة التزام الحياد، غير أن أسبابًا عدة دفعت مفاوضي حماس للتشكيك، إذ أخبرني أحد أصدقاء كوشنر أنه عاد إلى البيت الأبيض جزئيًا لأنه “يعتقد أنه يستطيع مساعدة إسرائيل”. ورغم أنه تحدث أحيانًا عن تحسين حياة الفلسطينيين، إلا أنه لم يبدِ أي ندم يذكر تجاه تجاهل مصالحهم من أجل ضمان إبرام اتفاقيات أبراهام. في جامعة هارفارد عام 2024، صرح أنّ أفضل مكان لسكان غزة سيكون على الأرجح في صحراء النقب. ولم يشرح كيف سيُجبرون على الانتقال، أو ما إذا كان سيُسمح لهم بالعودة. وفي وصفه، تبدو غزة مكانًا بائسًا، “شيدته المنظمات غير الحكومية والإرهابيون”.
تنقل كوشنر وويتكوف بين إسرائيل وقطر، حيث كان قادة حماس يقيمون بناءً على طلب الولايات المتحدة. والتقيا بقادة أتراك وسعوديين، إلى جانب عدد قليل من الفلسطينيين. وجاءت نقطة التحول في سبتمبر، عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية قطر وقتلت نجل كبير مفاوضي حماس، خليل الحية.
غضب ترامب بشدة، معتقدًا أن إسرائيل تسعى لتخريب المفاوضات. وأجبر نتنياهو على الاعتذار لرئيس وزراء قطر أمام الكاميرات — بينما كان ترامب يمسك الهاتف. بعد ذلك، أرسل كوشنر وويتكوف للقاء قادة حماس في مصر، إذ تمكنا من التوصل إلى اتفاق وقف لإطلاق النار وإطلاق سراح آخر الرهائن. كما حصلا على تعهد من الإسرائيليين بالتخلي عن شن عمليات هجومية واسعة النطاق في غزة. لكن دور ترامب كان حاسمًا. قال لي المسؤول السابق الرفيع المستوى في البيت الأبيض في عهد بايدن: “جاريد وويتكوف لم يتوليا فعليًّا التوصل إلى وقف إطلاق النار. اتصل ترامب ببيبي وقال: “أوقفوا القصف اللعين”، وانتهى الأمر عند ذلك”.
في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وُقّع اتفاق سلام لغزة من عشرين بندًا، يدعو إلى نزع سلاح حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة إعمار القطاع. وللإشراف على تنفيذ الاتفاق، شكّل ترامب هيئة مدعومة من الولايات المتحدة أُطلق عليها اسم “مجلس السلام”. رسم ترامب تصورًا لهذا المجلس —الذي يضم كوشنر بين أعضائه— يُحاكي نموذجًا لمنظمة أمم متحدة مُخصخصة؛ حيث تُتاح المشاركة لأي دولة شريطة التعهد بالمساهمة بمليار دولار. كما عيَّن مجلسًا منفصلاً من الشخصيات الفلسطينية للإشراف على عمليات إعادة إعمار غزة.
دعا ترامب إلى عقد “مجلس السلام” في فبراير/ شباط الماضي، وبعد أقل من أسبوع بقليل بدأ شنّ غارات على إيران. وبينما كانت الحرب مع إيران تستحوذ على اهتمام البيت الأبيض، انهار الوضع في غزة تقريبًا. رفضت حركة حماس تسليم أسلحتها، وتوغل الجيش الإسرائيلي بشكل أعمق في غزة، وسيطر على أكثر من نصف الأراضي وفرض رقابة صارمة على الدخول إليها. كما بدأ بعض القادة في حكومة نتنياهو بالمطالبة بإعادة فتح غزة أمام المستوطنين. وفي الأشهر التالية، أسفرت هجمات الجيش الإسرائيلي عن مقتل ما يقرب من ألف فلسطيني، كان الكثير منهم من المدنيين.
وأعلن نيكولاي ملادينوف، ممثل غزة في مجلس السلام، مؤخرًا أن حماس وافقت على خطة جديدة، تنص على أن تبدأ الجماعة في تسليم أسلحتها إذا بدأت إسرائيل في الانسحاب. لكن إسرائيل لن تتزحزح عن موقفها حتى تنزع حماس سلاحها بالكامل. وعلى الرغم من أن الدول الأعضاء في المجلس تعهدت بتقديم 17 مليار دولار، لم يتم إيداع أي أموال حتى الآن في حسابه الرسمي. كما خضع نحو خمسة آلاف مجنّد للفحص استعدادًا لتشكيل قوة شرطة جديدة، إلا أن التدريب لم يبدأ بعد.
ونسب المسؤول الرفيع السابق في البيت الأبيض في عهد بايدن الفضل إلى كوشنر وويتكوف وترامب في وضع حد، ولو على الأقل، لأسوأ مراحل القتال. وقال: “هل كنا سنكون أفضل حالًا؟ لا أعتقد ذلك. إنها مجرد حالة مروعة”.
لكن بالنسبة للفلسطينيين، أصبحت الحياة أكثر يأسًا. فقد أخبرني العاملون في مجال الإغاثة أن القوات الإسرائيلية لا تسمح، في المتوسط، بدخول سوى ثلث المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية الأخرى التي وافقت الحكومة على السماح بمرورها. يُعتقد أن حوالي ثلثي سكان غزة يعانون من سوء التغذية؛ ويولد ما يصل إلى سبعة من كل عشرة أطفال بوزن منخفض. وفي ظل انعدام شبه تام للمياه الجارية، يستحم مليوني شخص في البحر. يقول العديد من سكان غزة إن الحكومة الإسرائيلية تحاول طردهم. وفي هذا الصدد، قال لي هاني المدهون، الذي يدير شبكة من المطابخ في غزة: “إنها معاناة مُفتعلة بنسبة مائة في المائة. لا أعتقد أن كوشنر شخص سيئ . أعتقد أنه يحاول المساعدة. لكنه لا يملك أي تأثير في غزة”.
في صيف عام 2021، دُعي إيدي راما، رئيس وزراء ألبانيا، إلى يخت فاخر راسٍ قبالة مدينة دوريس القديمة، على ساحل البحر الأدرياتيكي. وتعود ملكية اليخت الذي يُدعى “بلانيت ناين” إلى الممول نات روتشيلد، أحد أبناء عائلة مصرفية أوروبية. وكان من بين ضيوفه الآخرين كوشنر وإيفانكا ترامب.
كان راما في عامه الثامن كزعيم لألبانيا، وعامله كوشنر باحترام شديد. قال راما: “عندما تشاهدهما على التلفاز، يبدو جاريد كقاتل بارد الأعصاب للغاية، وتبدو إيفانكا كشخصية متعالية ومنشغلة بنفسها أما في الواقع، فلن تصدق مدى تواضعهما”.
أبحرت المجموعة على متن اليخت نحو “سازان”، وهي جزيرة شبه خالية من السكان قبالة الساحل الألباني. قالت إيفانكا في بودكاست “فاوندرز”: “توقفنا للسباحة — وهكذا اكتشفنا المكان فعليًّا”. وأضافت: “تجوّلنا حفاةً حتى القمّة، وأسرنا المكان تمامًا”.
وتتسم “سازان” بالطبيعة الوعرة؛ إذ تغطيها الصخور والأشجار المتشابكة، وتستوطنها مستعمرة ضخمة من الجرذان، فيما تنتشر على أرضها المخابئ العسكرية التي شيدها الديكتاتور الماركسي أنور خوجة لدرء غزوٍ وهمي. كما تُطل على مشاهد ساحرة للبحر الفيروزي، ورأى آل كوشنر من خلالها فرصةً استثمارية واعدة. وتلقت العائلة مشورةً سابقة بالاستثمار في ألبانيا من ريتشارد غرينيل —المبعوث الخاص السابق لترامب في المنطقة والذي انصم لاحقًا للعمل مع شركة “أفينيتي”.
وبعد بضعة أشهر، أخبر كوشنر راما أنه يرغب في بناء منتجعات في سازان وشبه جزيرة زفيرنيك التي تحجب بحيرة شاطئية واسعة. وتصور إنشاء قرية صغيرة مخصصة للأثرياء، تضم ملاعب جولف وميناء لليخوت، بالإضافة إلى عشرة آلاف غرفة فندقية ووحدة سكنية. وتتطلب هذه المشاريع استثمارًا يبلغ حوالي أربعة مليارات دولار؛ وبالنسبة للمرحلة الأولى، حصل كوشنر على تمويل من مليارديرين قطريين.
ولاقت فكرةُ كوشنر استحسانًا بالغًا لدى راما؛ اقتناعًا منه بقدرة المشروع على خلق آلاف فرص العمل، وتحويل ألبانيا، المصنفة ضمن أفقر دول أوروبا، إلى وجهةٍ مرغوبة لفئات النخبة التي يُخالطها في منتديات دافوس. وقال: “من الحقائق الثابتة أن السياحة الراقية تجلب دخلاً أكبر”. وأعلن راما أن شركة التطوير العقاري التابعة لكوشنر بمثابة “مستثمر استراتيجي”، وهو تصنيف رسمي سمح للحكومة باستخدام الموارد العامة لدعم المشروع.
في أوساط النخبة في الغرب، يُعدّ راما شخصية معروفة إلى حدّ ما؛ فهو نجم كرة سلة سابق، يتمتع ببنية طويلة ولحية رمادية. وهو زعيم مؤيد للغرب في بلد ذي أغلبية مسلمة، إلى جانب كونه، كما يحب أن يذكّر الناس، فنانًا تشكيليًا شغوفًا. وعندما زرت مكتبه في تيرانا، بدا منشغلًا برسم لوحة تجريدية بأقلام التلوين.
يتمثل هدف راما في قيادة ألبانيا، التي عاشت في عزلة عن الغرب لما يقرب من خمسين عامًا خلال الحقبة الشيوعية، نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد أخبرني أن خطة كوشنر قد تساعد في ذلك. وقال: “يريد كوشنر أن يكون له مشروع مميز يعرف به باعتباره شخصًا يهتم بجميع القضايا الهامة في عصرنا، بدءًا من البيئة وصولًا إلى الحفاظ على التراث والفن والثقافة”. وتابع قائلًا: “يطمح المشروع في إنجاز شيء فريد تمامًا، ليس فقط لألبانيا بل لأوروبا بأسرها. وهذا هو طموحي أيضًا”.
وانتهى مشروع مماثل لكوشنر بالفشل مؤخرًا، ففي صربيا، الجارة لألبانيا، خطط هو وغرينيل لبناء فندق “ترامب إنترناشونال” ومجمع سكني بتكلفة خمسمائة مليون دولار. وتمحور التصميم حول مبنى هيئة الأركان العامة المهجور، الذي قصفته الطائرات الحربية الأمريكية في عام 1999، خلال عملية لحلف الناتو لحماية الألبان العرقيين من حملة ترهيب ترعاها الحكومة.
وحظي المبنى بصفة موقعٍ ثقافي محمي؛ إذ وافق كوشنر على تبديد مخاوف المؤرخين عبر تشييد نصب تذكاري “مكرس لجميع ضحايا عدوان حلف شمال الأطلسي”. وسارعت حكومة الرئيس ألكسندر فوتشيتش —الزعيم الشعبوي والداعم العلني لترامب— إلى تسريع مسار الموافقات الرسمية.
لكن الاحتجاجات اندلعت، وفي النهاية وجهت النيابة العامة الصربية تهمة تزوير الوثائق إلى وزير الثقافة للحصول على التراخيص. (ونفى الوزير ذلك.) لم تكن هناك أي مؤشرات على أن أي شخص من فريق كوشنر قد خالف القانون، لكنه قرر في أبريل/نيسان الانسحاب. وجاء في بيان صادر عن شركة “أفينيتي” أن “المشاريع الهادفة يجب أن توحد الناس لا أن تفرقهم”.
وإذا كان المشروع في ألبانيا قد وحد الناس، فقد جاء ذلك لمواجهة آل كوشنر. ففي فبراير/شباط 2024، أقر حزب راما، المتمتع بأغلبية مقاعد البرلمان تعديلًا يسمح ببناء مشاريع فاخرة في المناطق المحمية، بما في ذلك زفيرنيك. وبعد بضعة أسابيع، أعلن كوشنر عن خططه — ومن ثم بدأ حلمه يصطدم بالواقع السياسي في ألبانيا.
على الرغم من أنّ إيفانكا أشارت إلى “سازان” باعتبارها “جزيرة خاصة”، إلا أن المنطقة كانت مفتوحة للجمهور منذ فترة طويلة. خُطط لمشروع “زفيرنيك” ليقوم في قلب محمية طبيعية تناهز مساحتها أربعين ألف فدان؛ حيث عَمَد شركاء كوشنر المحليون إلى تسوير موقعٍ لطالما شكّل وجهةً شعبية مفضلة لرواد الشواطئ. إزاء ذلك، تصاعدت موجة استياء شعبية عارمة، إذ تذمر الألبان من منح حقوق التطوير العقاري دون الإعلان عنها رسميًا أو طرحها في مناقصةٍ تنافسية، فضلًا عن تمرير التعديل التشريعي القاضي بتحرير الأراضي المحمية على عجل داخل البرلمان. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل سمح راما بإنشاء مطارٍ مدني داخل المحمية ذاتها.
وبين عشية وضحاها، وجد راما نفسه هدفًا لغضب واسع النطاق، فيما تحوّل كوشنر إلى شخصية شريرة — ثري يسعى لتحويل مساحة شاسعة من البلاد إلى ملعب للأثرياء. فقد أثارت السرية التي أحاطت بالمشروع استياءً شديدًا؛ فعلى الرغم من أن ما يقرب من ربع المشروع مملوك لرجال أعمال ألبان، إلا أن أسماءهم مخفية داخل شركة خارجية . في يونيو/حزيران الماضي، أقدم السكان المحليون على هدم السياج المحيط بالشاطئ، لتندلع إثر ذلك الاحتجاجات العامة؛ حيث دأب المحتجون كل ليلة على التجمع في ساحة تيرانا الرئيسية والانطلاق في مسيرةٍ صاخبة نحو مقر إقامة راما —الواقع على بعد ميل واحد— مرددين الهتافات طوال الطريق.
في البداية، انصب تركيز المتظاهرين على وقف مشروع كوشنر العقاري. لكن بحلول الوقت الذي زرت فيه البلد، بعد بضعة أسابيع، بدا أن أهدافهم قد تغيرت لتصبح إجبار راما على التنحي وإعادة تشكيل النظام السياسي في ألبانيا. وقال لي إيرليس تشيلا، وهو أستاذ في مجال الاتصالات في تيرانا، ذات ليلة، بينما كان يسير في مسيرة مع آلاف الألبان: “أصبح الأمر الآن أكبر بكثير من مجرد جاريد كوشنر. هناك مجموعة صغيرة من الناس في هذا البلد تمتلك أموالًا طائلة، وبين عشية وضحاها، وفي الخفاء، تتخذ جميع قرارات البلد”.
بالنسبة للعديد من الأشخاص الذين تحدثت معهم، عكس مشروع كوشنر حقيقة مقلقة عن ألبانيا، مفادها أنّ ثروة البلاد وسلطتها مركّزتان في يد مجموعة قليلة من الأوليغارشيين الذين راكموا ثرواتهم عبر أنشطة غير قانونية، مثل غسل الأموال لصالح جماعات إجرامية دولية. وتتجلى عائدات تلك الأموال المغسولة بوضوح في مختلف أنحاء تيرانا؛ حيث تنتشر مجمعات سكنية شاغرة بمعظمها، يطلق عليها الألبان تسمية “البنوك الخرسانية”. وأخبرني فاتوس لوبونجا، الصحفي الذي سُجن كمعتقل سياسي خلال الحقبة الشيوعية: “لقد أنشأ راما هذا النظام الذي يعمل فيه الأوليغارشيون والسياسيون ووسائل الإعلام معًا، وهو يمنحهم رخصة لفعل أي شيء يريدونه تقريبًا”. وأضاف: “يحتاج راما إلى أشخاص مثل كوشنر ليكونوا واجهته، وليوفروا له الدعم الدولي”.
في حين التزم كوشنر الصمت إزاء الاحتجاجات العارمة، لم يرضخ راما، وألقى باللوم في معارضة إنشاء المنتجع على المزاج السياسي السائد بين الشباب الألبانيين قائلًا: “هناك أيديولوجية كاملة منتشرة، وهي أيديولوجية جيل زد المناهضة للرأسمالية، التي لا علاقة لها بالحقيقة والوقائع”. وأضاف: “لست قلقًا بشأن هذه الاحتجاجات. لا يوجد احتجاج قادر على إيقاف هذا المشروع”.
لكن قد تكون هناك عقبة أخرى. انطلقت بالسيارة من تيرانا على طول الساحل الأدرياتيكي إلى المنطقة التي يريد كوشنر تطويرها. وبالقرب من زفيرنيك، مررت بدير أرثوذكسي يُدعى “سانت ماري”، وهو من بقايا الإمبراطورية الرومانية الشرقية، ووصلت إلى سوق. وهناك، أخبرتني مجموعة من السكان المحليين أن جميعهم تقريبًا يملكون أراضي داخل المنطقة المقرر تطويرها. وقالوا إن كوشنر أقحم نفسه في نزاع قانوني مستمر منذ سنوات، لم يكن يفهمه.
رافقني مينيلا كونومي، وهو عامل متقاعد في قطف الفاكهة، في صعود تل يطلّ على البحر الأدرياتيكي. وكانت طيور الفلامنغو البيضاء والصقور ذات الأقدام الحمراء تحلّق فوق البحيرة، محاطة بشريط طويل من الكثبان الرملية والشاطئ. وأشار كونومي إلى نقطة في الأفق قائلًا إنها تحدّد قطعة الأرض المملوكة لعائلته. وأخبرني أن أسلافه زرعوا الذرة والبصل هناك منذ العهد العثماني؛ وقد ظلّت الأرض بورًا في السنوات الأخيرة، لكنه يحتفظ بوثائق تثبت دفع الضرائب عليها بانتظام. وقال: “نحن هنا منذ مائة عام”.
في عام 2006، كما أخبرني كونومي، أُبلغ بأن أرضه قد استولى عليها أرتور شيهو، وهو رجل أعمال ألباني خضع للتحقيق سابقًا بتهمة تورطه المزعوم في تهريب المخدرات والمهاجرين. لم تسفر تلك التحقيقات عن شيء، لكن شيهو هرب من البلاد عقب ما وصفته الشرطة بأنه تبادل لإطلاق النار مع عصابة منافسة.
توجه شيهو إلى “ميامي بيتش”، حيث حصل على اللجوء السياسي بدعوى أن حلفاء الحكومة الشيوعية السابقة كانوا يطاردونه. لكنه واصل ممارسة أعماله التجارية في ألبانيا، إذ تمكن في النهاية من تجميع قطعة أرض كبيرة حول زفيرنيك. وقال السكان المحليون إن هذه القطعة تضمنت أراضٍ تعود ملكيتها إليهم بحق. قال لي كونومي: “لقد زور شيهو الوثائق”.
في أبريل/نيسان، دفعت شركة تعمل على تطوير مشروع كوشنر لشيهو مائة وخمسة وعشرين مليون دولار مقابل أرض في زفيرنيك. وبعد شهرين، أصدر المدعون العامون مذكرة توقيف جديدة بحق شيهو، للاشتباه في تورطه في تهريب المخدرات وغسل الأموال. وفي الوثائق التي قُدمت إلى محكمة ألبانية، ناقشوا بأن الأرض المعنية في مشروع كوشنر “يُشتبه في الحصول عليها بشكل غير قانوني من خلال التزوير”. (أنكر شيهو جميع التهم الموجهة إليه).وإذا حكمت المحكمة لصالحهم، فقد يتعيّن وقف مشروع كوشنر. وبالنسبة إلى لوبونجا، يمثّل مصير المنتجع اختبارًا لمدى التقدّم الذي أحرزته بلاده. وقال: “يعتقد الناس أن نظام العدالة المُصلَح في ألبانيا يعمل جيدًا. لكن في رأيي، هذا مستحيل. الأمر أشبه بأسطول من السفن يسير كلّه في اتجاه واحد؛ لا يمكنك تغيير مساره بسفينة صغيرة واحدة”.
في وقت سابق من هذا العام، وبينما انخرط كوشنر في محادثات مع إيران، عمل في الوقت نفسه وبشكل سري على جمع خمسة مليارات دولار أخرى لصالح شركة “أفينيتي” في الشرق الأوسط. وبعد اندلاع الهجمات على طهران، ثارت شكوك حول وجود صلة بين هذين المسعيين. قال لي أمريكي له علاقات وثيقة بقادة في الشرق الأوسط: “في تقديرى الشخصي أراد كوشنر أن يضرب عصفورين بحجر واحد من جهة يساعد العرب على هزيمة الإيرانيين، ومن جهة أخرى يحصل على أجر مقابل ذلك”.
ومع تحوّل الحرب إلى مستنقع، تراجع دور كوشنر وويتكوف ليقتصر على موقع ثانوي في محادثات السلام، فيما تولّى فانس زمام المبادرة في الجولة الأخيرة هذا الصيف. وقد صرّح لي مسؤول أمريكي رفيع سابق بأن الملكيات الخليجية شعرت بخيبة أمل إزاء فشل كوشنر في الحيلولة دون اندلاع الحرب، قائلًا: “لقد كانوا يستثمرون أموالهم فيه؛ إذ ظنوا أن ذلك سيمنحهم نفوذًا يوفر لهم الحماية، لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا”. وأضاف: “لقد كان الاستقرار يمثل ركيزة نموذج عملهم بأكمله، والآن تلاشى هذا الاستقرار”.
ومع ذلك، حقق كوشنر نجاحًا باهرًا. ففي عام 2025، ساعدت الاستثمارات الجديدة الواردة من الشرق الأوسط صندوقه على النمو بنسبة ثلاثين في المائة، ليصل إلى أكثر من ستة مليارات دولار، ما يعني أنه يجمع ما لا يقل عن عشرات الملايين من الدولارات سنويًّا كرسوم. تُقدّر شركة “أفينيتي” معدل العائد الداخلي السنوي لديها بنسبة خمسة وعشرين في المائة.
ومن بين مشاريعها استثماران كبيران في إسرائيل: مائة وعشرة ملايين دولار في “مجموعة شلومو”، وهي شركة لتأجير السيارات، وحوالي ثلاثمائة مليون دولار في “فينيكس فاينانشال”، وهي شركة تأمين. ومرة أخرى، استخدم كوشنر أموالًاسعودية، كجزء من هدف أوسع نطاقًا يتمثل في فتح “ممر استثماري” بين السعودية وإسرائيل. ولم يعترض محمد بن سلمان على الصفقة، على الرغم من أن شركة “فينيكس” لها سجل متقلب فيما يتعلق بحقوق الفلسطينيين؛ فهي تمتلك أسهمًا في شركات مدرجة في قاعدة بيانات الأمم المتحدة للشركات التي تعمل في المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان المحتلة. وفي يوليو، باعت شركة “أفينيتي” ربع حصتها في شركة “فينيكس” مقابل ما يقرب من 350 مليون دولار.
كانت أكبر صفقات كوشنر الأخيرة، وبفارق كبير، هي الاستحواذ على شركة “إلكترونيك آرتس”، وهي شركة كبرى متخصصة في إنتاج ألعاب الفيديو ويُشار إليها غالبًا باسم “إي. إيه”. في أغسطس/ آب الماضي، عرّف كوشنر — الذي يستمتع بلعب ألعاب الفيديو مع محمد بن سلمان — على أندرو ويلسون، رئيس الشركة. التقى الاثنان في “نيوم”، المدينة المستقبلية التي يبنيها محمد بن سلمان على البحر الأحمر، ولعبا جولة من الجولف.
وقال لي الأمريكي الذي تربطه علاقات بقادة في الشرق الأوسط: “جاريد هو من عرض الصفقة على محمد بن سلمان”. ولم يمض وقت طويل حتى شكّل محمد بن سلمان اتحادًا، ضم شركة “أفينيتي”، للاستحواذ على شركة “إي. إيه” مقابل خمسة وخمسين مليار دولار، وهي أكبر عملية استحواذ بتمويل من الديون في التاريخ. وأثارت الصفقة مخاوف تنظيمية محتملة، وذلك لأن “إي إيه” تتعامل مع كمية هائلة من البيانات الخاصة بالمستخدمين. لكن لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، وهي هيئة اتحادية مشتركة بين الوكالات مكلفة بمراجعة مثل هذه الصفقات، تتألف في الغالب من مسؤولين تابعين لترامب، والرئيس هو صاحب السلطة النهائية. وقد تمت الموافقة على الصفقة الشهر الماضي.
بالنسبة لكوشنر، يكمن خطر الخلط بين السياسة والأعمال في أن تنقلب التيارات السياسية ضده: فربما يتوقف رعاته في الخارج عن اعتباره حليفًا قيمًا، أو يجد خصومه في الولايات المتحدة سبلًا لمقاضاته على انتهاكاته الواضحة لقوانين الأخلاقيات. وإذا فاز الديمقراطيون بأغلبية في أي من مجلسي الكونغرس هذا الخريف، فمن المرجح أن تخضع تعاملات كوشنر لمزيد من التدقيق.
وأخبرني أحد مساعدي الديمقراطيين أنهم قد يستدعون كوشنر للإدلاء بشهادته أمام الكونغرس، أو ببساطة يحثون الشركة الخاصة التي تدير أمواله “إس. إي. آي إنفستمنتس” على تسليم سجلاتها. قال لي المساعد: “سنسعى جاهدين لتحقيق ذلك”. لكن ليس من الواضح ما إذا كان المشرعون، أو حتى المدعون العامون، سيتمكنون من فعل الكثير. وقد تعهد ترامب، الذي منحته المحكمة العليا حصانة قانونية شاملة، بإصدار عفو عن أعضاء فريقه الذين يواجهون تحقيقات.
وقالت فيرجينيا كانتر، المحامية المتخصصة في قضايا الأخلاقيات: “لو لم يكن كوشنر صهر الرئيس، لكان قيد التحقيق من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، لا يمكن لأي شخص آخر أن يفلت من العقاب في مثل هذه الحالة”
المصدر: نيويوركر