• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

لماذا تبدو رواية “نيويورك تايمز” عن أحمدي نجاد والموساد غير قابلة للتصديق؟

ماركو كارنيلوس٣ أغسطس ٢٠٢٦

الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد يتحدث في طهران في 2 يونيو/حزيران 2024.

ترجمة وتحرير: نون بوست

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تحقيقاً استثنائياً هذا الشهر؛ تؤكد فيه أن جهاز الموساد الإسرائيلي أمضى سنوات في تجنيد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد ليكون عميلاً استخباراتياً، بهدف تنصيبه زعيماً لإيران ما بعد الجمهورية الإسلامية.

ويصف التقرير، الذي أعده فريق من الصحفيين الاستقصائيين المخضرمين، اجتماعات سرية في بودابست، ولقاءات مع رئيس الموساد آنذاك ديفيد برنياع، ومدفوعات مالية سرية، وعملية إجلاء دراماتيكية لأحمدي نجاد في زمن الحرب من مجمعه الذي تعرض للقصف في طهران في 28 فبراير/شباط.

ومن هذه اللحظة تصبح القصة مبهمة؛ فالمزاعم تشير إلى أنه جرى اقتياد أحمدي نجاد إلى منزل آمن للموساد داخل إيران، لكنه سرعان ما فقد ثقته في الإسرائيليين وغادر المكان. وما إذا كان قد هرب أو سُمح له بالخروج، فلا يزال أمراً غير واضح. وفي كلتا الحالتين، تسيء هذه الرواية إلى سمعة الموساد، على أقل تقدير.

ورغم مدى إثارة هذه القصة، إلا أنه عند الفحص الدقيق، تبدو مليئة بالتفاصيل غير المنطقية، وتستحق تمحيصاً أكبر بكثير مقارنة بالتغطية الإعلامية المثيرة التي رافقت صدورها.

ويعلم المطلعون على هيكل السلطة المعقد في إيران تمام العلم أن الرئيس ليس صانع القرار الأول، فالمرشد الأعلى وقوات حرس الثورة الإسلامية يحتفظان بكافة الأوراق الرئيسية، ويمتلكان أسرار البلاد الأكثر حساسية ومعرفة عميقة بعملياتها في الخارج.

إذا كانت النية الحقيقية لإسرائيل هي تجنيد شخصية إيرانية رفيعة المستوى، لكان ينبغي توجيه جهودها نحو أحد مساعدي للمرشد الأعلى، أو أحد أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، أو أحد كبار مسؤولي الحرس الثوري الإسلامي.

إن العنصر الأكثر إثارة للريبة في هذه القصة هو روايتها لكيفية بدء عملية “التجنيد” المزعومة؛ حيث يُزعم أن مسؤولاً حكومياً مجرياً طلب من رئيس جامعة في بودابست دعوة أحمدي نجاد لحضور مؤتمر بشأن تغير المناخ كغطاء لعقد لقاء مع عملاء الاستخبارات الإسرائيلية.

وقد أبدى خبراء استخبارات إسرائيليون سابقون تحفظات علنية على هذا الوصف؛ فقد شكك العميد (المتقاعد) حنان جيفن، القائد السابق للوحدة 8200 النخبوية في الجيش الإسرائيلي، في تسلسل الأحداث، مشيراً إلى أن قيام رئيس جهاز الموساد بالسفر شخصياً للقاء هدف استخباراتي يُعد خرقاً استثنائياً للممارسات العملياتية المعتادة.

فضباط الاستخبارات المتمرسون لا يعرضون رئيسهم عادةً لمثل هذا اللقاء مع هدف غير مؤكد وعالي المخاطر. فهذا هو بالضبط نوع التعرض للخطر الذي تنفق الوكالات عقوداً في التدريب على تجنبه.

غطاء هش للغاية

إن اتخاذ مؤتمر للمناخ غطاءً للقاء مع رئيس سابق لدولة ما، يحظى بشهرة عالمية ولا يزال محط مراقبة أجهزة الاستخبارات والصحفيين في مختلف أنحاء العالم، يُعد أيضاً غطاء هشًّا بشكل غريب لعملية يُفترض أنها كانت تجري منذ عام 2024.

علاوة على ذلك، فإن إطلاع حكومة أخرى على جزء من هذه العملية – مهما كانت درجة صداقة حكومة أوربان مع إسرائيل يشكل مخاطرة كبيرة، فمثل هذه الخطوة لم تكن لتمثل سوى زيادة احتمالية حدوث خرق أمني في عملية بالغة الحساسية.

وحتى إذا استبعدنا الاعتراضات المتعلقة بأساليب العمل الاستخباراتي، فإن مجرد اختيار أحمدي نجاد كمرشح لقيادة إيران بعد عملية تغيير النظام يبدو أمراً عجيباً؛ فقد أمضى الرئيس الإيراني الأسبق ثماني سنوات يجهر بإنكار الهولوكوست، ويدعو إلى تدمير إسرائيل، ويلمح إلى طموحات بلاده النووية.

وهو، بكل المعايير، أحد أكثر الشخصيات السياسية الإيرانية نبذاً على الساحة الدولية خلال الربع قرن الأخير: فشخصيته معروفة للجميع، ومكروهة في غالبية الدول الغربية، ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بأشد خطابات النظام تطرفاً.

وإذا كان مخططو الاستخبارات الإسرائيلية يبحثون عن شخصية يمكنها بشكل معقول توحيد الإيرانيين بعد انهيار النظام، واكتساب الشرعية الدولية، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، فإن أحمدي نجاد يكاد يكون الخيار الأقل مصداقية الذي يمكن تخيله.

فهو رئيس سابق تم استبعاده لاحقاً عدة مرات من الترشح مجدداً للمنصب من قِبل نظامه نفسه، وهو شخصية لا يثق بها الإصلاحيون بسبب نزعته الشعبوية الاستبدادية، ولا يثق به المتشددون بسبب انتقاداته اللاحقة للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي، ولم تكن لدى أحمدي نجاد قاعدة سياسية طبيعية ليرث السلطة، وتنصيبه لم يكن ليكن الوصفة المثلى لتعزيز المصالحة الوطنية، وهي النتيجة التي تتوخاها ظاهرياً أي استخبارات عقلانية تسعى إليها.

ووفقاً لتقارير متزامنة نشرتها صحيفة “هآرتس”، فإن كبار الضباط داخل الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية اعتبروا الخطة غير واقعية، محذرين من أن التنبؤ بنتيجة صراع سياسي فوضوي في مرحلة ما بعد الانهيار كان أمراً مستحيلاً عملياً من الأساس. وقد تركزت شكوكهم تحديداً على المرحلة الأخيرة من الخطة: وهي تنصيب أحمدي نجاد زعيماً.

وبحسب التقارير، وضع مسؤولو الاستخبارات العسكرية نماذج لسيناريوهات من شأنها أن تجعل محاولة تنفيذ الخطة تترك إسرائيل في وضع أسوأ، وسط مخاوف من أن إطاحة نظام خامنئي دون وجود ثقل مدني موازٍ ومترسخ قد يسلم السلطة إلى الحرس الثوري، بدلاً من أي خليفة موالٍ للغرب.

وإذا كان جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي ذاته يعتبر المشهد الختامي مستحيل التصديق، حتى في الوقت الذي يُزعم أن العملية كانت جارية، فإن ذلك يمثل إشارة بالغة الأهمية مفادها أن على المراقبين الخارجيين التعاطي مع المنطق الإستراتيجي المفترض لهذا المخطط بأكمله بحذر شديد.

وعند النظر إلى إيران اليوم – بما في ذلك إخفاء المرشد الأعلى وهيكل السلطة الخفي في البلاد – يستحيل استبعاد احتمالية أن يتمكن الحرس الثوري من بسط اليد العليا في صراع السلطة الجاري، حتى دون تنصيب أحمدي نجاد.

التوترات المزمنة

وهناك أيضاً بعد سياسي إسرائيلي داخلي يستحق الملاحظة؛ فقد أشار المحللون إلى التوترات المؤسسية المزمنة بين الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وجهاز الموساد، إلى جانب التوتر الذي يسبق انتخابات البلاد في أكتوبر/تشرين الأول، باعتبارها عوامل قد تؤثر على كيفية رواية هذه القصة، والجهة التي ترويها.

إن التسريبات التي تمتدح جرأة جهاز ما بينما تنتقد ضمنياً حذر جهاز آخر هي سمة مألوفة للبيروقراطيات الاستخباراتية في كل مكان، وإسرائيل ليست استثناءً من ذلك.

وقد رفض مكتب أحمدي نجاد الرواية برمتها، واصفاً المزاعم بأنها “ادعاءات هوليوودية” لا تستحق حتى النفي الرسمي، واتهم صحيفة “نيويورك تايمز” بنشر مواد مختلقة. وطبعاً، فإن بيانات النفي الصادرة عن الأطراف المتورطة ليست مفاجئة ولا يمكن التسليم بها ظاهرياً أيضاً؛ إلا أنها تضيف طبقة جديدة من الجدل إلى قصة بُنيت بالكامل تقريباً على مصادر مجهولة.

ويعتمد تقرير “نيويورك تايمز” على مسؤولين أمريكيين وإيرانيين لم تُكشف هوياتهم، في حين لم يرد الموساد على طلبات الصحيفة للتعليق. ولم تُقدَّم أي أدلة موثقة، أو تسجيلات، أو أسماء لمسؤولين استخباراتيين محددين.

بالنسبة لقصة بهذا الحجم – التي تزعم أن وكالة استخبارات أجنبية أدارت حملة استمرت لسنوات لتنصيب رئيس سابق كزعيم لخصم إقليمي يمتلك قدرات نووية – تظل قاعدة الأدلة ضعيفة بشكل لافت، إذ تعتمد على وصف للأحداث وتكهنات بدلاً من مواد أولية يمكن التحقق منها.

وهناك مشكلة أخرى تتعلق بالتماسك الأوسع؛ حيث تربط القصة بشكل سلس كل خيط بارز من خيوط الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في قالب دراماتيكي واحد متكامل: مقتل خامنئي، والضربة المستهدفة التي استهدفت مجمع أحمدي نجاد، وعملية الإجلاء السري، والانتفاضة الكردية الفاشلة، وظهور أحمدي نجاد الغامض في جنازة المرشد الأعلى الراحل قبل أن يختفي وسط مزاعم بوضعه رهن الإقامة الجبرية.

إن العمليات الاستخباراتية الحقيقية نادراً ما تتسم بمثل هذا الترتيب السردي الأنيق؛ فالبرامج السرية الحقيقية تميل عادةً إلى أن تكون فوضوية ومجزأة، ولا يمكن إعادة بناء تفاصيلها إلا جزئياً حتى بعد مرور سنوات على وقوعها. أما تقديم قصة مكتملة الأركان – تتضمن التجنيد، وذروة الأحداث في زمن الحرب، والخيانة والعقاب – في غضون أشهر قليلة من الوقائع التي ترويها، وبالاعتماد كلياً على مسؤولين مجهولي الهوية من طرفي نزاع نشط، فهو أمر ينبغي أن يثير الريبة لدى أي محلل.

مبررات الحذر

لا شيء مما سبق يثبت بشكل قاطع أن القصة كاذبة؛ فقد أثبتت الصحافة الاستخباراتية التي تعتمد على مصادر مجهولة في مناسبات سابقة دقتها قبل ظهور أي تأكيد رسمي بوقت طويل.

لكن الادعاءات المحددة الواردة هنا؛ مثل: الأساليب الاستخباراتية التي يستخدمها الهواة التي يوحي بها الاجتماع الذي تم تحت غطاء وهمي، والتناقض الإستراتيجي في اختيار أحمدي نجاد كشخصية رمزية، والشكوك الصريحة التي أعربت عنها مؤسسة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ذاتها، وغياب أي أدلة موثقة يمكن التحقق منها – تشكل بمجملها دافعاً قوياً لتوخي الحذر الشديد.

وهناك عنصر واحد يبدو مؤكداً، بالنظر إلى ممارسات الجهاز الاستخباراتي للحرس الثوري الذي يُمسك بزمام الأمور في إيران: وهو أنه لو توفر أي دليل على أن أحمدي نجاد قد تورط مع إسرائيل، لكان قد أُعدم بالفعل.

وبدلاً من ذلك – وعلى عكس سلفه محمد خاتمي وخلفه حسن روحاني- سُمح له، وإن كان وسط حراسة مشددة، بحضور جنازة خامنئي غير المسبوقة. ويبدو أن هذا القرار يؤكد أن النظام الإيراني لا يعتبر أحمدي نجاد خطيراً بشكل خاص.

ومن الأفضل للقراء، وخاصة محللي السياسات، التعامل مع قصة أحمدي نجاد باعتبارها رواية مثيرة للاهتمام ولكنها محل نزاع كبير، بدلا من اعتبارها حقيقة راسخة من الحرب الأخيرة. على الأقل حتى تظهر أدلة مستقلة تدعمها، تتجاوز الدائرة الحالية للمسؤولين مجهولي الهوية.

وإذا أثبتت هذه القصة مصداقيتها لاحقاً، فإنني أراهن على أن تجنيد أحمدي نجاد قد بدأ قبل فترة طويلة من توليه الرئاسة، وأن كل الحركات الاستعراضية التي قام بها خلال فترة ولايته كانت أفعالاً متعمدة لإخفاء تجنيده، بموافقة تامة من مُحرّكه.

ففي نهاية المطاف، لم تدعم أي شخصية سياسية إيرانية علناً وبشكل أفضل من أحمدي نجاد السردية الإسرائيلية المستهلكة حول تشكيل إيران تهديداً وجودياً لإسرائيل وللدول العربية الإقليمية. وقد وفرت سياسات أحمدي نجاد في هذا الصدد غطاءً أقوى لتجنيده.

وبالنسبة لأولئك الذين قد تستهويهم هذه النظرية الغريبة، ولكنهم يجدون صعوبة في تتبع منطقها، فإن أفضل نصيحة لفهمها هي قراءة تحفة جون لو كاري، رواية “فتاة الطبل الصغير“.

المصدر: ميدل إيست آي

علاماتالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران ، السياسات الإسرائيلية ، الشأن الإيراني ، الموساد الإسرائيلي
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الموساد ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

ارتهان سياسي.. سطوة اللوبي الإسرائيلي على الرؤساء الأمريكيين

إيلي كليفتون٣ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

سبتة ومليلية.. تركيبة السكان والحدود والهوية بعد 5 قرون من الاحتلال الإسباني

نون إنسايت٢ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

جرس إنذار في ليبيا.. الغضب الشعبي يهدد سلطتي الشرق والغرب

عماد عنان٢ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑