• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف خسر نتنياهو أمريكا؟

فرانكلين فوير٢ أغسطس ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

في عام 1982، كان بنيامين نتنياهو مدير التسويق لشركة أثاث مقرها القدس، حين قرر السفير الإسرائيلي في واشنطن أن الشاب البالغ من العمر 32 عامًا كان يروّج للمنتج الخطأ. فبدلاً من بيع الخزائن للإسرائيليين، كان ينبغي أن يبيع إسرائيل للأمريكيين. كان السفير قد التقى نتنياهو في مؤتمر قبل سنوات قليلة، فاستقدمه إلى واشنطن نائبًا له، وسرعان ما أصبح نتنياهو وجه إسرائيل على شاشات التلفزيون الأمريكية؛ وضيفًا دائمًا في برنامج “نايت لاين” و”لاري كينغ لايف”، جريئًا وبليغًا يتحدث الإنجليزية بطلاقة من دون لكنة، اكتسبها في طفولته في ضواحي فيلادلفيا.

على مدى العقود الأربعة التالية، لم يتغير ملف نتنياهو في كل المناصب التي شغلها تقريبًا: كان حارس مكانة إسرائيل في أمريكا، وهي مهمة لم يفوضها لأحد، لأنه كان يعتقد أن أحدًا لا يفهمها أفضل منه. لكنها مهمة فشل فيها نتنياهو، أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في السلطة، فشلًا ذريعًا.

قبل أكثر من عقد بقليل، كان دعم إسرائيل أحد آخر ردود الفعل الحزبية المشتركة المتبقية في السياسة الأمريكية. وكان أقسى ما يقوله معظم الديمقراطيين التقليديين عن إسرائيل هو أن حكومة نتنياهو تعرقل حل الدولتين مع الفلسطينيين. لكن في السنوات التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول التي قادتها حماس ضد الإسرائيليين والغزو الإسرائيلي اللاحق لغزة، انهار هذا الإجماع الذي كان يفقد زخمه بالفعل بين صفوف الديمقراطيين. قبل عامين، صوّت 19 عضوًا في مجلس الشيوخ من الكتلة الديمقراطية ضد مبيعات الأسلحة لإسرائيل؛ وفي أبريل/ نيسان الماضي، فعل ذلك 40 من أصل 47 منهم، بما في ذلك معظم الطامحين لرئاسة الكتلة. والآن، أصبح عمدة المدينة التي تضم أكبر عدد من اليهود في العالم مناهضًا صريحًا للصهيونية، وقد خاض حملته على وعد باعتقال نتنياهو؛ كما أن ناشطًا في جامعة كولومبيا شارك في تجمع في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 احتفالاً بهجمات حماس يكاد يكون من المؤكد أنه سينتخب في الكونغرس المقبل، وقد جعل أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ الليبرالي، مثل كريس ميرفي من كونيتيكت وكريس فان هولن من ماريلاند، من انتقاد إسرائيل جزءًا أساسياً من رسالتهم.

وهذا الانهيار يشمل كلا الحزبين؛ فقد صرح هذا الشهر نائب الرئيس فانس – المرشح الجمهوري الأوفر حظًا للرئاسة في 2028 – لمقدم البودكاست جو روغان بأن رجل المال والمجرم الجنسي جيفري إبستين “كان له بوضوح صلات بأعلى مستويات الاستخبارات الإسرائيلية”، وهي نظرية لا يوجد أي دليل يدعمها. واتهم فانس إسرائيل بالتآمر ضد جهوده الدبلوماسية مع إيران.  وقبل عقد من الزمن، كان أي جمهوري يتحدث بهذه الطريقة سيُطرد من الحزب، أما الآن، فهو في طريقه لقيادته.

كان والد نتنياهو، بنزايون، سيقابل هذا التحول بلا مبالاة؛ فقد كان مؤرخًا متخصصًا محاكم التفتيش الإسبانية، وربى ابنه على الاعتقاد بأن التاريخ اليهودي هو “تاريخ من المحارق“؛ وأن معاداة السامية حقيقة ثابتة في وجود اليهود في الشتات، وكانت كذلك منذ أن انقلبت الديانة المسيحية، التي تعتبر “ابنة” الديانة اليهودية، على “أمها”؛ وأن اليهود لا يمكن أن يجدوا الأمان إلا خلف الجدار الحديدي لدولتهم الخاصة. ومع ذلك، بدا أن العالم الذي ورثه بنيامين نتنياهو في الثمانينيات يدحض رؤية والده القاتمة؛ فقد واجهت إسرائيل أعداء أقسموا على تدميرها، لكن الأوركسترا الإسرائيلية عزفت في قاعات أوروبا، ودرّس علماؤها في الجامعات الكبرى، وتنافس السياسيون الأمريكيون لإثبات ولائهم لها. وعاش اليهود في الشتات بشعور من الأمان غير مسبوق في التاريخ اليهودي.

كما بدا أن المسيرة السياسية المبكرة لنتنياهو تدحض تشاؤم والده؛ ففي عام 1984، أصبح سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، وجسدت كثرة ظهوره على الشاشات فرضية إمكانية إقناع الأمريكيين بقضية إسرائيل، وأن حسن النية يمكن كسبه برجل جذاب تلفزيونيًا يقدم حججًا مدروسة بعناية.

ويمكن قراءة العداء الذي واجهته إسرائيل والشتات اليهودي منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول باعتباره تأكيدًا لصحة رؤية بنزايون: معاداة السامية لم تختفِ قط، بل كانت كامنة فقط، لكن الكراهية الأبدية وحدها لا تفسر شدة هذا التحول المفاجئ. فمن العدل القول إن معاداة السامية تفسر المعايير المزدوجة التي يُحكم بها على إسرائيل بشكل روتيني، لكن الكراهية ليست هي ما جعل الديمقراطيين الذين كانوا داعمين سابقًا يرون إسرائيل عبئًا سياسيًا، وليست معاداة السامية السبب الرئيسي الذي جعل كثيرًا من الأمريكيين يعتبرون إسرائيل غير مبالية بمعاناة الفلسطينيين. لقد شجعت خيارات نتنياهو وخطابه وأفعاله هذه التصورات، وفي كل نقطة كان يمكن احتواء الضرر، زاد الأمور سوءًا.

ولطالما دخل رؤساء وزراء إسرائيل في خلافات مع الرؤساء الأمريكيين؛ فعندما رفض إسحاق رابين الانسحاب من سيناء، أعلن جيرالد فورد “إعادة تقييم” للعلاقة بأكملها؛ وباع رونالد ريغان أنظمة أسلحة للسعوديين رغم معارضة مناحيم بيغن؛ وامتنع جورج بوش الأب عن تقديم ضمانات قروض احتجاجًا على بناء إسحاق شامير مستوطنات يهودية في الأراضي المحتلة. وكان كل رئيس وزراء إسرائيلي يرد بالطريقة نفسها، عبر حشد الدعم لإسرائيل في الكونغرس. فعندما هدد فورد رابين، وقع 76 عضوًا في مجلس الشيوخ من الحزبين رسالة تؤكد ضرورة استمرار الدعم الأمريكي، وبقي الخلاف نزاعًا بين الحكومات، وكان رؤساء الوزراء يتجنبون بعناية تحويل إسرائيل إلى قضية حزبية.

غير أن نتنياهو جلب مجموعة مختلفة من المفاهيم إلى المنصب؛ فقد تشكلت توجهاته السياسية في سنواته الأمريكية، وكان يحمل الجنسية المزدوجة حتى عام 1982، وقد تكون لديه في أمريكا نفور من الحزب الديمقراطي ومن ليبرالية معظم اليهود الأمريكيين، الذين كان يعتقد أنهم يقدّرون العدالة الاجتماعية أكثر من هويتهم اليهودية. وكان يصفهم، كما فعل مع رام إيمانويل، بأنهم “يكرهون أنفسهم”. ووفقًا لكاتب سيرته أنشيل بيفر، “كان نتنياهو في وقت مبكر من مسيرته يبذل جهدًا أكبر لإخفاء هذه المشاعر والعمل على تحسين علاقته مع الليبراليين”. لكن كلما طال حكمه، قلّ ما يخفيه.

في 3 مارس/ أذار 2015، وقف بنيامين نتنياهو أمام جلسة مشتركة للكونغرس محذرًا من أن المبادرة الدبلوماسية الأبرز لباراك أوباما – الاتفاق النووي مع إيران – ستمهد طريق الجمهورية الإسلامية إلى القنبلة النووية. وكان رئيس مجلس النواب الجمهوري قد نسّق هذا الظهور مع السفير الإسرائيلي، وهو من قدامى الساسة الجمهوريين قبل أن يصبح دبلوماسيًا، من دون إبلاغ البيت الأبيض. ولم يسبق أبدًا أن تم إحضار زعيم أجنبي إلى مبنى الكابيتول من قبل معارضي الرئيس للتحدث ضده.

وكان باراك أوباما أثناء ترشحه للرئاسة ققبلها بسبع سنوات متعاطفًا بشكل صريح مع إسرائيل. ففي مقابلة مع هذه المجلة، أعلن عن “ارتباطه الكبير بفكرة العدالة الاجتماعية التي جسدتها الحركة الصهيونية المبكرة”؛ وقال إن الدولة اليهودية الآمنة هي “فكرة عادلة في جوهرها”. وأشار بيفر إلى أن عدد اليهود الذين صوتوا لأوباما في ذلك الخريف كان أكبر من الذين صوتوا لحزب الليكود بقيادة نتنياهو في أي وقت. وفي منصبه، وقع أوباما أكبر حزمة مساعدات عسكرية قدمتها أمريكا لأي دولة.

ومع ذلك، عامل نتنياهو الرئيس كخصم يجب التغلب عليه منذ البداية، ملقيًا عليه محاضرة في التاريخ اليهودي داخل المكتب البيضاوي أمام الكاميرات، وهي لقطات حوّلها لاحقًا إلى إعلان انتخابي لنفسه. ولم يُخفِ تفضيله لميت رومني في انتخابات 2012. وبين أقرب مؤيديه، ترسخت صورة عدائية لأوباما: تشامبرلين جديد، وشخص ساذج أكثر ودًّا مع المسلمين منه مع اليهود.

وأدت سخرية نتنياهو من أوباما إلى زيادة نفور اليسار الأمريكي، الذي كان قد بدأ بالفعل ينأى بنفسه عن إسرائيل؛ فبعد انهيار عملية السلام، لم تعد هناك رؤية مقنعة للتعايش، وواصلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، ونجح النشطاء الفلسطينيون في الجامعات ببراعة في تكوين تحالفات مع جهات يسارية لم تكن قد أولت الصراع أي اهتمام من قبل.

وكان بوسع نتنياهو أن يوقف هذا الانجراف بسهولة، فقط عبر احترام الرئيس، وهو رمز ليبرالي، والتعبير عن رغبته في حل عادل ومنصف لأزمة الشرق الأوسط، حتى لو كان يعتقد في قرارة نفسه أن الفلسطينيين غير راغبين في التسوية. لكن بمهاجمته رئيسًا ديمقراطيًا بهذه الصراحة والسعي لاستمالة معارضيه، بدأ يدفع بلاده إلى أحد جانبي الانقسام الحزبي في أمريكا.

ثم جاء الرئيس ترامب، الذي رآه نتنياهو “أعظم صديق حظيت به إسرائيل في البيت الأبيض”؛ حيث وجد نتنياهو في ترامب فرصته الكبرى. وقد تجاوز إخلاصه في التملق للرئيس حدود المجاملة التي يضطر إليها قادة أجانب آخرون؛ فقد ملأت حملته شوارع إسرائيل بلوحات إعلانية تُظهر الرجلين وهما يتصافحان. وأطلق اسم “مرتفعات ترامب” على مستوطنة جديدة؛ وأعلن حلفاؤه أن محطة قطار جديدة قرب حائط البراق، أقدس موقع في اليهودية، ستحمل اسم ترامب. وكافأ ترامب هذا الولاء بمنح نتنياهو تقريبًا كل ما في قائمته من مطالب: نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، مزّق الاتفاق النووي الذي وقعه أوباما مع إيران، وامتنع عن الضغط على نتنياهو للتفاوض مع الفلسطينيين.

وبمجرد أن ربط نتنياهو إسرائيل بترامب، نقل كثير من الأمريكيين الذين يكرهون أحدهما كراهيتهم إلى الآخر. لكن الزعيم الإسرائيلي لم يبالِ بالأمر؛ فقد افترض أن الحزب الديمقراطي، الغارق في العلمانية والأيديولوجيا التقدمية، سيبغض إسرائيل في نهاية المطاف على أي حال. وحذره شخصيات يهودية بارزة، سواء في الحزب الديمقراطي أو في المنظمات اليهودية الوطنية، من أنه يسيء قراءة السياسة الأمريكية عمومًا والديمقراطيين خصوصًا، لكن تحذيراتهم جرى تجاهلها.

وكأنما يسعون لإثبات وجهة نظرهم؛ فقد ضحى الرئيس الديمقراطي الذي خلف ترامب في ولايته الأولى من أجل نتنياهو أكثر من أي من أسلافه. فبعد هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول، سافر جو بايدن إلى إسرائيل ليُظهر تضامنه مع دولة منكوبة، ثم سلّحها ودافع عن هجومها المضاد رغم كلفته السياسية الباهظة، على الرغم من قلقه المتزايد من أن هدف نتنياهو المتمثل في القضاء على حماس غير قابل للتحقيق وسيؤدي إلى خسائر غير مقبولة في صفوف المدنيين.

غير أن مقابل دعم الرئيس، تجاهل نتنياهو تقريبًا كل نصيحة استراتيجية قدمتها إدارة بايدن. ففي يونيو/ حزيران 2024، نشر مقطع فيديو باللغة الإنجليزية، موجهًا على ما يبدو للجمهور الأمريكي، اتهم فيه الإدارة بحجب الأسلحة الأمريكية عنه. واشتكى من أن بايدن يمنعه من الفوز في الحرب، وكان الاتهام مبالغًا فيه إلى حد بعيد – فقد أوقفت الإدارة في النهاية شحنة من نوع واحد فقط من القنابل – لكنه جعل بايدن يبدو ضعيفًا، وبينما كان بايدن يتلقى الضربات من اليسار دفاعًا عن نتنياهو، كان نتنياهو يهاجمه من اليمين.

وانقلب الجناح اليساري في حزب بايدن عليه، ألقي عليه اللوم في المذبحة التي خلفتها الحرب. ففي الانتخابات التمهيدية بولاية ميشيغان عام 2024، حيث لم يواجه الرئيس الحالي منافساً حقيقياً، صوّت أكثر من 100 ألف ديمقراطي بـ”غير ملتزم” احتجاجاً على رئيس اعتبروه مسؤولاً عن معاناة غزة. وما بدأ كتمرد ضد بايدن تحول إلى تمرد ضد الدعم التاريخي الذي يقدمه الحزب الديمقراطي لإسرائيل. وصوّر الناشطون اليساريون ذلك الدعم كدليل على عجز القيادة المسنة للحزب. وأصبحت منظمة “أيباك” – وهي جماعة الضغط التي قضت أكثر من نصف قرن في جعل دعم إسرائيل رد فعلٍ عابر للحزبين – النقيض الذي عرّف العديد من الديمقراطيين أنفسهم بمخالفته.

وتضخمت الأهمية الرمزية للمنظمة مع تراجع نفوذها؛ فقد تعهد كل من غافين نيوسوم، وكوري بوكر، وروبن غاليغو، وستيث مولتون – ولم يكن أي منهم من رموز الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين – برفض أموال أيباك. وخلص الديمقراطيون المعتدلون إلى أن المخاطرة للدفاع عن إسرائيل ليس لها أي مكسب، وليس فقط بسبب العداء المتزايد داخل قاعدة الحزب. لقد أظهر تعامل نتنياهو مع بايدن أن الولاء لن يُقابل بالمثل أبداً. واستوعب الديمقراطيون المترشحون للرئاسة المعادلة الجديدة، وحاولوا لفت الانتباه إلى ترشحهم الناشئ من خلال مواجهات رفيعة المستوى مع إسرائيل. وقد فُتح هذا الانقسام من قِبل الرجل الذي أكد للإسرائيليين أن أحداً لا يفهم الأمريكيين أفضل منه.

وشنت إسرائيل حرباً ضد إيران ووكلائها باسم البقاء؛ حيث يتمثل هدفها المعلن صراحة في القضاء على الدولة الوحيدة في العالم ذات الأغلبية اليهودية، لكن البقاء يواجه جبهة ثانية: الرأي العام الأمريكي. لقد واجه نتنياهو التهديدات العسكرية بعدوانية – لكنه شرع في الخسارة على ساحة المعركة التي صنعت مسيرته المهنية. فقد صعد إلى السلطة من خلال إقناع الأمريكيين بصحة قضيته، لكنه أصبح يحكم وكأن الإقناع عديم الجدوى، وكأن والده كان على حق طوال الوقت.

ولم يبدو قط وكأنه يدرك أن نجاحاته السابقة جاءت في ظل ظروف مواتية: الحرب الباردة، والحروب الإرهاب، وعقود كانت فيها أمريكا تميل إلى التعاطف مع قضية إسرائيل. وحين انقلب المزاج السائد، لم يقم نتنياهو بتعديل حجته، بل خلص إلى أنه لا توجد عقول يمكن تغييرها: فَكراهية الدولة اليهودية ثابتة لا تتغير. وفي عهد نتنياهو، تعاملت الدبلوماسية العامة الإسرائيلية مع كل منتقد جديد لا باعتباره شخصاً ينبغي إقناعه أو تصحيح مساره، بل باعتباره معادياً للسامية.

وتتجلى عدم مبالاته بالرأي العام العالمي بوضوح في اختياره لوزراء حكومته. ففي عام 1988، حظرت إسرائيل الحزب السياسي لمائير كاهانا، الحاخام المولود في بروكلين والذي كان برنامجه قائماً على الترحيل الجماعي للعرب. وفي العديد من المناسبات عندما كان كاهانا يقف فيها للتحديث في الكنيست، كانت القاعة تخلو من الحاضرين. وعندما شكل نتنياهو الحكومة الحالية في عام 2022، قام بتعيين أحد أتباع كاهانا، إيتمار بن غفير، وزيراً للأمن القومي، وكان من الممكن أن يُكتب خطاب بن غفير بقلم دعاة حماس. وفي العام الماضي، بينما حذرت الجماعات الإنسانية وحتى بعض المعلقين الإسرائيليين من مجاعة وشيكة، أعلن أنه “لا يوجد سبب لدخول حتى غرام واحد من الطعام أو أي مساعدات على الإطلاق إلى غزة” وأيّد قصف مستودعات المساعدات. وفي وقت لاحق من ذلك العام، دافع عن “الهجرة الطوعية” لسكان غزة.

وأصبحت تصريحات بن غفير العنصرية دليلاً بارزاً في القضية التي تتهم إسرائيل بارتكاب الإبادة الجماعية. ومع ذلك، لم يدنه نتنياهو بشكل جدي أبداً، ناهيك عن إقالته؛ فحزب بن غفير جزء من الائتلاف الحاكم، وهو بالتالي ضروري للحفاظ على بقاء نتنياهو في السلطة، ولحماية رئيس الوزراء من الملاحقة القضائية بتهم الفساد التي استمرت طويلاً.

مع ذلك، كان بإمكان نتنياهو أن يُظهر للعالم بطريقة ما أن بن غفير يتحدث عن نفسه فقط. كان بإمكانه إغراق غزة بالطعام، وهي سياسة كانت ستعطل سيطرة حماس على سوق المساعدات واستغلالها لندرتها. وبدلاً من ذلك، قام بإبعاد وكالة الإغاثة الرئيسية التابعة للأمم المتحدة، وأوكل مهمة إطعام مليوني شخص إلى جهة لا تمتلك الخبرة الكافية لهذه المهمة تُدعى “مؤسسة غزة الإنسانية”، واتسمت هذه  عملية بسوء التخطيط لدرجة أن مديرها استقال قبل أن تبدأ، وأصبحت مواقع توزيعها دورياً مسرحاً للفوضى والموت.

لم يطرح نتنياهو قط خطة جدية لحكم غزة، أو إعادة إعمارها، أو إبعاد حماس عن السلطة؛ لا أثناء الحرب، ولا حتى الآن.

لقد حثت إدارة بايدن نتنياهو بشدة على تسليم الأراضي المحتلة إلى سلطة فلسطينية مُجددة، مدعومة بقوات حفظ سلام عربية. ورد نتنياهو بأن السلطة الفلسطينية ضعيفة، وفاسدة، ولا تحظى بالشعبية في غزة. وكل اعتراض من ذلك كان صحيحاً، غير أن أياً منها لم يكن السبب الحقيقي لرفض نتنياهو؛ لكنه رفض لأن أي شكل واقعي للحكم الذاتي الفلسطيني كان سيؤدي إلى تنفير أقصى أحزاب اليمين تطرفاً في ائتلافه، والتي كانت تفضل إعادة توطين غزة. وعليه، واصلت إسرائيل القتال دون أي رؤية لكيفية انتهاء الصراع. ومع تزايد الدمار، سمح نتنياهو للعالم باستخلاص إلى استنتاجاته الخاصة حول نوايا بلاده.

وعندما توسطت إدارة ترامب أخيرًا في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، بقيت القوات الإسرائيلية في منطقة عازلة في غزة. ووعد نتنياهو بالنصر الكامل، لكنه فشل في إزاحة حماس. وحتى في ذلك الوقت، أتيحت لنتنياهو فرصة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الإسرائيلي لتعزيز صورة بلاده المتضررة. فقد كانت إدارة ترامب، شأنها شأن إدارة بايدن التي سبقتها، مستعدة للتوسط لتحقيق الاعتراف السعودي بإسرائيل؛ حيث يمنح الحارس على مكة المكرمة والمدينة المنورة الشرعية التي حرمها العالم الإسلامي عنها لما يقرب من ثمانية عقود. وكان من شأن التطبيع أن يشجع دولاً إسلامية أخرى – مثل إندونيسيا وقطر وعدد كبير من الدول الأفريقية – على اتخاذ نفس الخطوة الجريئة. وبعد أن نأت إسرائيل بنفسها عن اليسار الأمريكي، كان بإمكانها أن تلتف في أحضان العالم الإسلامي. لكن نتنياهو لم يقدم الشيء الوحيد الذي طلبه السعوديون: عملية تهدف إلى إقامة دولة فلسطينية. كان مثل هذا الوعد، مهما كان غامضاً، سيكلفه دعم اليمين، وربما ائتلافه. لذا تم تجاهل الاتفاق السعودي، على الرغم من أن إدارة ترامب تريد الآن إحيائه. يبدو أن الدولة التي صورت نفسها على أنها زعيمة العالم الإسلامي كانت مستعدة لتغيير موقفها رسمياً تجاه اليهود، لكن نتنياهو رفض.

وحتى لو كان والده محقاً في أن معاداة السامية حقيقة راسخة في الوجود اليهودي، فإن تشخيص تلك الحالة لا ينبغي أن يقتضي الاستسلام لها. لقد حكم نتنياهو وكأنه عاجز عن فعل أي شيء لمنع بلاده من التحول إلى دولة منبوذة، أو لمكافحة الكراهية المتصاعدة الموجهة ضد الشتات. ولم يتعلم شيئاً من نموذج الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي قدم الدليل الإرشادي لكيفية كسب الدولة المغزوة للتعاطف الدولي. وكل خطوة كان من الممكن أن تحسن موقف إسرائيل بشكل معقول – كإقالة وزير، أو وضع خطة لغزة، أو إبداء الانفتاح على إقامة دولة فلسطينية – كانت ستشكل تهديداً لائتلافه الحاكم وتضعه في مأزق قانوني. لقد اختار مصلحته الشخصية دائماً.

كان المتعصبون سيجدون ذريعة لكراهية إسرائيل مهما حدث؛ فقد كانت النزعة المتطرفة المعادية لإسرائيل تزدهر في الجامعات الأمريكية قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، ولهذا السبب اندلعت سلسلة من الاحتجاجات المنظمة بشكل مريب ضد إسرائيل في اليوم التالي لأبشع مذبحة منذ الهولوكوست. لكن إسرائيل ستندم لاحقاً على حجم الدعم السياسي الأمريكي الذي ضحى به في عهد نتنياهو – وليس فقط من جانب اليسار. فقد بات الناخبون المستقلون أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين؛ حيث ينظر 60 بالمئة من البالغين الأمريكيين نظرة سلبية إلى دولة نتنياهو، بينما تعارض أغلبية الجمهوريين ممن هم دون سن الخامسة والأربعين تجديد حزمة المساعدات العسكرية، ناهيك عن تراجع الدعم بشدة بين الشباب الإنجيليين، الذين كانوا يمثلون المعقل الداعم لإسرائيل بين الناخبين. إن إرث نتنياهو الحقيقي هو عزلة إسرائيل. ولعل ذلك لم يكن من الممكن تجنب ذلك، لكن فشله يكمن في أنه لم يحاول قط تجنب هذا المصير.

المصدر: ذي أتلانتيك

علاماتالحرب على غزة ، العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ، بنيامين نتنياهو ، ترامب وإسرائيل ، توتر العلاقات بين إسرائيل وأمريكا
مواضيعالحرب على غزة ، بنيامين نتنياهو ، ترامب وإسرائيل ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

سبتة ومليلية.. تركيبة السكان والحدود والهوية بعد 5 قرون من الاحتلال الإسباني

نون إنسايت٢ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

جرس إنذار في ليبيا.. الغضب الشعبي يهدد سلطتي الشرق والغرب

عماد عنان٢ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

14 دولة في 3 ممرات.. ما قصة التحالف السعودي الجديد بالبحر الأحمر؟

نون إنسايت٢ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑