• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ارتهان سياسي.. سطوة اللوبي الإسرائيلي على الرؤساء الأمريكيين

إيلي كليفتون٣ أغسطس ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

في عام 1948، ومع اندلاع نيران الحرب في فلسطين، وجد هاري ترومان نفسه في مأزق عصيب؛ إذ وقع بين فكي ضغطٍ متقابلين.

فمن جانب؛ نشط ممارسو الضغط في اللوبي الصهيوني بالتحالف مع مستشاري الرئيس للشؤون الداخلية، ضاغطين باتجاه دفعه لدعم إقامة دولة يهودية على أكبر مساحة ممكنة من أرض فلسطين. وفي المقابل، أجمع كبار مسؤولي السياسة الخارجية والأمن القومي، بقيادة وزير الخارجية جورج مارشال، على التوصية بالحيلولة دون قيام هذه الدولة؛ يقينًا منهم بأنها ستشعل فتيل الحرب في الشرق الأوسط، وتضع مستقبل العلاقات الأمريكية مع العالمين العربي والإسلامي على المحك.

وباستثناء جورج واشنطن، لم يحظَ قائد عسكري أو دبلوماسي في التاريخ الأمريكي بنصيب من السمعة الوطنية والتفاني الفذ في أداء الواجب كالذي حظي به مارشال؛ لذا كان ترومان يكنّ إجلالاً عميقاً لوزير خارجيته، الذي كان يتقلد منصب رئيس أركان الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، وحينها وصفه ونستون تشرشل بأنه “المهندس الحقيقي للنصر”، قبل أن يعود عقب الحرب ليطلق مشروعه التاريخي الشهير لإعادة إعمار أوروبا.

في منتصف أربعينيات القرن الماضي؛ وقف مارشال بهدوء وثبات في وجه مساعي الحركة الصهيونية لإقامة دولة يهودية في فلسطين؛ إذ كان ينظر بعين القلق إلى أن الدعم الأمريكي من شأنه أن يمنح الاتحاد السوفيتي فرصة سانحة لاستغلال الغضب العربي، ويضع إمدادات النفط في الشرق الأوسط في مرمى الخطر حال اندلاع مواجهة بين القطبين، فضلاً عن كونه سيفرض نشر قوات أمريكية، لم تكن متاحة آنذاك، لدرء الدماء وحفظ الاستقرار في فلسطين. ولم تكن هذه الرؤية مجرد تقييم فردي، بل كانت عقيدة راسخة لدى كبار مستشاري ترومان العسكريين والسياسيين قاطبةً.

وكان ترومان يتألم من أعماقه لمأساة الناجين اليهود من “الحل النهائي” النازي، لكنه كان في الوقت ذاته ينقم، بل ويتملكُه الغضب أحياناً، من الملاحقة والضغوط المتواصلة التي يمارسها المطالبون بالاعتراف بدولة يهودية في فلسطين، وعلى رأسهم المنظمة الصهيونية العالمية وروافد شتى من الوفود والنخب والشخصيات النافذة. ورغم ضيقه العارم، لم يمتلك رفاهية إغفالهم؛ فمع حلول عام انتخابي يضعه في مواجهة شراسة حاكم نيويورك توماس ديوي، حاصرته ضغوط اللوبي الصهيوني وضيقَت عليه الخناق في موقفٍ بالغ الحرج والإرباك.

ومع اتساع رقعة المواجهات المسلحة في فلسطين، وتردد أصوات التهديد بالتدخل من جانب الدول العربية، بالتزامن مع العد التنازلي لجلاء آخر الجنود البريطانيين، حشد ترومان كبار مستشاريه في اجتماع حاسم يوم 12 مايو/أيار 1948. ووفقاً لشهادة مارشال المدونة عن ذلك اللقاء، فقد وجّه تحذيراً شديد اللهجة لترومان من المغامرة باعتماد الخيار الذي يستميت في الدفع به مستشاره السياسي الأول، كلارك كليفورد، والقاضي بالاعتراف بالدولة اليهودية مسبقاً وقبل حتى إعلان قيامها.

الرئيس هاري ترومان يصافح وزير الخارجية جورج مارشال في واشنطن العاصمة يوم 29 مايو/أيار 1947

ويرى مارشال أن خطوةً كهذه لن تعدو كونها “خدعةً مكشوفة لاقتناص بضع أصوات انتخابية”، من شأنها أن “تنال بشكل خطير من الهيبة السامية لمنصب رئيس الجمهورية”. بل إن مارشال ذهب إلى أبعد من ذلك حين أعلن صراحةً أنه لن يمنح صوته شخصياً لترومان إذا ما خضع للضغوط السياسية في هذه القضية. أُسقط في يد ترومان المصدوم، وفضّ الاجتماع معلناً موافقته لرأي مارشال.

غير أنه في غضون أربعٍ وثمانين ساعة، وتحت وطأة تحسسه البالغ لهشاشة قبضة كرسيه الرئاسي، وقدرة المتعاطفين مع الحركة الصهيونية على تحويل أصوات ولاية نيويورك الانتخابية لصالح المترشح الجمهوري، أذعن ترومان وأصدر أوامره بالاعتراف الأمريكي بإسرائيل.

واليوم، بلغت سطوة المجموعات المعروفة مجتمعةً بـ “اللوبي الإسرائيلي” أوجَها نفوذاً وتأثيراً؛ فلم يكن المأزق الذي كبّل ترومان، حين وقع بين مطرقة إدراكه للمصلحة الوطنية وسندان الثمن السياسي الداخلي لتحدي مجموعة ضغط نافذة، سوى الإرهاص الأول لتجربةٍ مريرة تجرّعها رئيسٌ تلو الآخر على مدى العقود التالية.

وبالانتقال إلى الحاضر: جاء قرار دونالد ترامب بالمضي قدماً في مواجهة ضد إيران في وقت سابق من هذا العام، تتويجاً لحملة إسرائيلية مكثفة ومستمرة لإقناع واشنطن بالانخراط في هذه العملية الكارثية. وقد اتُّخذ هذا القرار في تحدٍّ صريح لرأي عدد من كبار مستشاريه، وتجاهلٍ لنسبة 45 بالمئة من قواعد الحزب الجمهوري ممن يحملون موقفاً غير وديّ تجاه إسرائيل. وقد يُفسَّر هذا الموقف للوهلة الأولى بوصفه نمطاً آخر من أنماط الارتجالية والمزاجية التي طبعت قراراته الرئاسية، غير أن القراءة المتأنية لتجارب أسلافه تؤكد أن قرار الرئيس هنا يمثّل القاعدة المعمول بها لا الاستثناء.

والحقيقة الشاخصة هي أنه من ترومان إلى ترامب، انصاع معظم الرؤساء الأمريكيين لإملاءات إسرائيل وحلفائها. وبدافع الهلع من خسران المعارك السياسية الداخلية، التَفَّ الرؤساء مراراً، أو ارتدّوا عن، سياسات خارجية كانوا يؤمنون، هم وكبار أركان إداراتهم، أنها تجسد المصلحة العليا للولايات المتحدة، وكان ذلك دائماً على حساب إحراز أي تقدم ملموس نحو تسوية سلمية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ويتتبع كتابنا الجديد “لوبي إسرائيل” تمدد ونفوذ أقوى جماعة ضغط للسياسة الخارجية في تاريخ الولايات المتحدة على مدى عقود؛ إذ تتألف جماعة الضغط هذه من شبكة واسعة من المنظمات والمجموعات والأفراد الذين يستميتون في الترويج لسياسات أمريكية تحابي بوضوح المصالح الإسرائيلية، تحت رعاية وإرشاد مباشرين من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. واستغلالاً لجهل غالبية الناخبين بهذه القضية أو عدم اكتراثهم بها، سخرت مجموعة الضغط موارد مالية وإعلامية ضخمة لمعاقبة أو مكافأة السياسيين على كل المستويات، بناءً على مدى انصياعهم لتعليماتهم.

وبعد أكثر من عشرين عاماً على مأزق ترومان، أطلق الرئيس جيرالد فورد ما أسماه “إعادة تقييم” للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وكانت هذه المبادرة قد طُرحت بالتوافق بين فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر، كمخرج من عامين من الفشل الذريع والمحرج في التوصل إلى اتفاق سلام شامل، بعد أن بلغ السيلُ الزُّبى بكليْهما جراء التعنت والمماطلة الإسرائيلية.

الرئيس جيرالد فورد يتحدث مع وزير الخارجية هنري كيسنجر، في فلاديفوستوك بالاتحاد السوفيتي، يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1974

وقد أُجريت عملية “إعادة التقييم” بواسطة لجنة من “الحكماء” جمعها كيسنجر، وضمت مسؤولين حكوميين سابقين كانوا بمثابة أعمدة لمؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وجاءت توصية اللجنة بالإجماع بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة لتحقيق سلام شامل بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي.

وكانت المؤشرات الواضحة على نية فورد قبول هذه التوصية سبباً في استنفار وقوى استعراض للسيطرة من قِبل كبرى منظمات جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، مثل “مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى” ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك). وتمثل الإنجاز الحاسم للوبي في رسالة صاغتها “أيباك” وصدرت إلى فورد تطالبه فيها بأن “يوضح بجلية… أن الولايات المتحدة، انطلاقاً من مصالحها الوطنية، تقف بصلابة مع إسرائيل في البحث عن السلام في المفاوضات المستقبلية”، وهي الرسالة التي وقع عليها 76 سناتوراً.

واشتاط فورد غضباً مما اعتبره حملة إسرائيلية لاستغلال جماعة الضغط في عرقلة الجهود الدبلوماسية، لكنه أُجبر على الخضوع. وحفاظاً على فرصه في الانتخابات الرئاسية في العام التالي، رفض فورد التوصية الإجماعية الصادرة عن لجنة “الحكماء”، وعاد بدلاً من ذلك إلى سياسة “الخطوة خطوة” التي طالما أثارت حنقه؛ وهي عملية تقوم جوهرياً على شراء أجزاء من شبه جزيرة سيناء، التي استُولي عليها من مصر عام 1967، من إسرائيل مقابل تقديم مبالغ متزايدة من المساعدات، ثم إعادتها إلى مصر. كما قام فورد وكيسنجر بتوسيع نطاق وحجم الدعم الأمريكي لإسرائيل بشكل هائل.

وشمل ذلك حزمة واسعة وجديدة من التعهدات السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية الأمريكية ضمن “مذكرة اتفاق” أمريكية إسرائيلية، وُقعت مع ملحقات سريّة في 1 سبتمبر/أيلول 1975. ووصف مساعدو كيسنجر الضمانات والتنازلات المقدمة لإسرائيل في هذه المفاوضات بأنها “مذهلة” و”غير معقولة بسبل بسيطة”. وفي مذكراته، كتب فورد بمرارة عن رسالة “أيباك” التي وقع عليها ثلاثة أرباع أعضاء مجلس الشيوخ، والتي دمرت خططه الدبلوماسية وألقت بظلالها القاتمة على حملته الانتخابية.

وبالفعل، خسر فورد الانتخابات لصالح جيمي كارتر. وكانت جماعة الضغط تأمل في أن يقوم كارتر، الذي حصد 71 بالمئة من أصوات الناخبين اليهود، بالتخلي عن تطلعات السلام الشامل في الشرق الأوسط، لكنه سرعان ما خيب آمالهم. فقد وضع الرئيس نصْب عينيه معاهدة سلام تعالج القضايا الجوهرية للصراع العربي الإسرائيلي. وبفضل معدلات تأييد مرتفعة ورأي عام أمريكي بدا مستعداً لرئيس يعتمد على المنطق السليم وحل المشكلات، أعرب كارتر في مارس/آذار 1977 عن اعتقاده بضرورة وجود “وطن للقومية الفلسطينية” كعنصر رئيسي للسلام في الشرق الأوسط الذي يسعى لتحقيقه.

وعلى الفور، تحرك اللوبي المؤيد لإسرائيل لمواجهة مبادرة كارتر للسلام. وفي مذكرة سرية للغاية تقع في 50 صفحة قدمها كبير مستشاري الشؤون السياسية المحلية للرئيس في أوائل يونيو/حزيران، حذره فيها من أنه سيواجه عواقب وخيمة، بما في ذلك مخاطر الفشل في الحصول على ترشيح حزبه مجدداً، نتيجة لمعارضة اللوبي لطرحه العلني لفكرة الموطن الفلسطيني. ولم يثنِ ذلك كارتر عن توجيه انتقادات مباشرة لما وصفه في اجتماع بالمكتب البيضاوي بالمواقف المتصلبة متزايدة التعنت لرئيس الوزراء يتسحاق رابين. وكانت خلافاته مع مناحيم بيغن، الذي أصبح رئيساً لوزراء إسرائيل في مايو/أيار 1977، أكثر حدة. وفي غضون ذلك، بدأ كارتر اتصالات مكثفة مع القادة المصريين والسوريين والفلسطينيين.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1977؛ أصدر وزير الخارجية الأمريكي سايروس فانس بياناً مشتركاً مع وزير الخارجية السوفيتي أندريه غروميكو يلتزم فيه القطبان بتحقيق “تسوية عادلة ودائمة للصراع العربي الإسرائيلي في أقرب وقت ممكن”. ورغم أن الإدارة كانت تتوقع معارضة لسياسة الرئيس في الشرق الأوسط، إلا أنها صُدمت برد الفعل العنيف والغاضب حد الهستيريا تجاه البيان الأمريكي السوفيتي من قِبل الحكومة الإسرائيلية وجماعة الضغط على حد سواء. ونتيجة قلقه البالغ من الأضرار السياسية الناجمة، طلب كارتر عقد اجتماع مع وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه ديان في نيويورك. ووفقاً لزيغنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي لكارتر الذي حضر الاجتماع: “ابتز ديان الرئيس بالفعل قائلاً إنه ما لم يحصل على ضمانات بأننا سنعارض قيام دولة مستقلة في الضفة الغربية وبأننا سنمنحهم مساعدات اقتصادية وعسكرية، فسيتعين عليه الإشارة إلى عدم رغبتنا هذه في تصريحاته العامة هنا في الولايات المتحدة… حيث قال ديان: ‘يمكنني الذهاب إلى اليهود الأمريكيين'”. وأمام هذا التهديد، استسلم كارتر.

وفي اليوم التالي، أصدر فانس وديان بياناً مشتركاً يلخص “ورقة عمل” أمريكية إسرائيلية أُعدت في ساعات الصباح الأولى. وأكد البيان أن المفاوضات ستتقلص بشكل كبير ولن تجعل من الوطن الفلسطيني قضية مركزية. وكانت النتيجة النهائية هي “سلام منفرد” احتُفي به بين إسرائيل ومصر، ونال عنه كارتر وبيغن والسادات جائزة نوبل للسلام، ولكنه أدى أيضاً إلى عزلة مصر في العالم العربي واغتيال السادات. كما مهد الطريق للغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، ولمشاريع الاستيطان التي أسفرت عن الضم الفعلي للضفة الغربية وقطاع غزة من قبل إسرائيل.

الرئيس المصري أنور السادات (إلى اليسار)، والرئيس الأمريكي جيرالد كارتر (في الوسط)، ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن (إلى اليمين)، يتشابكون بالأيدي في الحديقة الشمالية للبيت الأبيض عقب توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، يوم 26 مارس/آذار 1979

وبعد ثلاثة عشر عاماً، يُرجَّح أن الرئيس جورج بوش الأب تجرَّع الشعور ذاته الذي خالج كارتر، حين اصطدم بمعارضة شرسة من جماعة الضغط الإسرائيلية لمبادراته الرامية للسلام العربي الإسرائيلي، ما دفعه للإعراب علناً عن إحباطه العارم من سطوة جماعة الضغط هذه. وفي سعيٍ منه لتعزيز فرص نجاح مؤتمر مدريد للسلام المرتقب آنذاك، أقدم بوش على تجميد ضمانات القروض الأمريكية بقيمة تعادل ما تنفقه إسرائيل على بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة، ليواجه عاصفة من الرفض الضاري من جانب اللوبي الإسرائيلي. وفي مؤتمر صحفي لافت، نفَث عن حنق حسرته قائلاً: “إننا نواجه مجموعات على قدر هائل من القوة والفاعلية، تتدافع نحو [الكابيتول هيل]. سمعت اليوم أن هناك نحو ألف ممارس للضغط على الهضبة يعملون في الاتجاه المعاكس لقضيتنا، بينما لا نملك هنا سوى رجل واحد صغير وحيد يجاهد لأجلها”.

ولم تلبث قدرة جماعة الضغط على تقويض مبادرات السلام الرئاسية أن تجلّت في أبهى صورها الصارخة إبان عهد إدارة أوباما إذ لم يطأ رئيس قبله البيت الأبيض وهو يمتلك مثل ذاك الإدراك التفصيلي لدقائق النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وسجلاً حافلاً من التواصل المباشر مع اليهود والفلسطينيين على حد سواء، مقروناً برغبة جادة في ترميم علاقات واشنطن مع العالمين العربي والإسلامي. ونظرًا لإيمانه الراسخ بـ”حل الدولتين”، دشن أوباما مبادرة سلام رفيعة المستوى حظيت بزخم واسع، وكان مُقترَحاً أن تنطلق بإلزام إسرائيل بتجميد كامل وشامل لبناء المستوطنات في الضفة الغربية.

غير أن عاصفة الغضب التي اجتاحت إسرائيل وقيادات اللوبي المؤيد لها في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى السجال العلني الذي اندلع بين باراك أوباما وبنيامين نتنياهو، أثبتت أنها كانت أكثر إرهاقاً وكلفة للأول مقارنة بالثاني. وسرعان ما غير أوباما مساره، وقام عملياً باستبدال مبعوث عملية السلام جورج ميتشل، الذي كان يُعرف بقربه وتعاطفه مع الفلسطينيين، بدينيس روس، أحد أقطاب جماعة الضغط ورموزه، والذي سارع الرئيس إلى تطبيق نصيحته بالتخلي عن المبادرة برمتها.

وبدلاً من الضغط على إسرائيل لإيقاف الاستيطان، أجرى أوباما اتصالاً شخصياً بمحمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، مهدداً بقطع مساعدات أمريكية بقيمة 450 مليون دولار عن الفلسطينيين إذا لم يسحب عباس مشروع قرار مناهض للاستيطان قُدم إلى مجلس الأمن الدولي. وفي خطاب أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام الأول من ولايته الثانية، تحول تحولاً دراماتيكياً عن اللغة التي استخدمها في خطاباته السابقة؛ فبدلاً من انتقاد المستوطنات الإسرائيلية والدفع نحو حل الدولتين، أعلن تضامنه مع الضحايا الإسرائيليين جراء الإرهاب الفلسطيني، ورفض أي إجراء أممي يتعارض مع الإصرار الإسرائيلي على المفاوضات المباشرة بين الطرفين، وأدان كافة التشكيكات في مشروعية إسرائيل كـ “دولة يهودية”.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما (في الوسط) يصل برفقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إلى اليسار) والرئيس الفلسطيني محمود عباس (إلى اليمين) لإدلاء ببيان حول محادثات السلام في الشرق الأوسط في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض، يوم 1 سبتمبر/أيلول 2010

ويسهل استنتاج الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع الدراماتيكي لأوباما من مذكراته “أرض موعودة” إذ يشكو فيها صراحةً من قدرة منظمة “أيباك” على تركيع السياسيين الأمريكيين وإخضاعهم من خلال إرهابهم بفزاعة التهمة بـ “معاداة السامية”، مشدداً على حساسية موقفه وشعوره بالانكشاف الفائق أمام مثل هذه التهديدات بوصفه “رجلاً أسود يحمل اسماً إسلامياً، وعاش في الحي ذاته الذي يقطنه لويس فرخان”.

وفي مرحلة أحدث، وجد اللوبي الإسرائيلي في جو بايدن رئيساً يؤمن من أعماقه بأن الدولة اليهودية تملك حقاً أصيلاً في الاستئثار بـ “العلاقة الخاصة” مع الولايات المتحدة. غير أن صلابة هذا الالتزام وُضعت على المحك الحقيقي إبان الرد الإسرائيلي على هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 التي نفذتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي.

وتحت تأثير تنشئته السياسية التي أشرَبَته مقولة اللوبي الراسخة بأن أي “تباعد” بين واشنطن وتل أبيب سينعكس تشجيعاً للصلابة العربية، واستحضاراً للعقاب السياسي الشديد الذي طال أوباما حين أظهر شيئاً من “قسوة المحب” تجاه الإسرائيليين، عَمِد بايدن إلى إجهاض كافة التوصيات الصادرة عن كبار مستشاريه لاتخاذ خطوات جادة لوقف الهجوم الإسرائيلي الضاري على الفلسطينيين في غزة. وحينما أبدى تحفظات محدودة على الأعداد المفرطة للضحايا المدنيين ونفذ تأخيراً طفيفاً في شحنات السلاح الأمريكي، سارع “الائتلاف اليهودي الجمهوري” بإدانة الإدارة لافتعالها تباعداً في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، بينما وجّهت منظمة “أيباك” مذكرة تفصيلية إلى أعضاء الكونغرس تدافع فيها عن أفعال إسرائيل باعتبارها مدروسة ومدروسة القدر وضرورية وتهدف للحد من الخسائر بين المدنيين.

وتُبرهن تجارب هذه الإدارات المتعاقبة على الحكمة البالغة والبصيرة الاستثنائية لجورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة؛ ففي “خطاب الوداع” الشهير، حذّر واشنطن من أن نظام الحكم الأمريكي يمكن استغلاله بسهولة بيّنة من قِبل أي جماعة تحمل “عاطفة جياشة وولاءً أعمى” لدولة أجنبية. وفند واشنطن ذلك موضحاً أن النظام السياسي الْمُصَمَّمَ ليعتمد على توازن القوى المتقابلة لكبح جماح الفئات التي تحركها المصالح الذاتية أو الرؤيات الضيقة، سينكشف عاجزاً أمام أي فصيل مكرس لمصالح دولة أجنبية إذ لن يجد من يردعه أو يكبح نفوذه عبر معارضة محلية فاعلة مما يدفع الولايات المتحدة حتماً نحو التزامات مفرطة وشديدة الخطورة في الخارج، ويزج بها في نزاعات وحروب تتعارض جملة وتفصيلاً مع مصالحها الوطنية.

وفي أعقاب حرب الإبادة الجماعية، شهدت الخريطة السياسية لهذه القضية داخل أمريكا تحولاً ملموساً إذ تفاعل قطاع عريض من الأمريكيين بغضب وحمية ضد الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة في غزة ولبنان والضفة الغربية. وقد دفع كلٌّ من بايدن وكامالا هاريس أثماناً باهظة جراء انصياعهما المطلق لإسرائيل ولوبيات الضغط التابعة لها؛ فقد صرح تقريباً ثلث الناخبين الذين صوتوا لبايدن عام 2020 وامتنعوا عن التصويت لهاريس عام 2024، بأن إنهاء العنف الإسرائيلي في غزة كان هو العامل الحاسم والشاغل الأول لتوجيه قراراتهم الانتخابية. وعلى امتداد الحزبين، تراجع الدعم الموجه لإسرائيل بشكل حاد؛ حيث ينظر 60 بالمئة من الأمريكيين اليوم بعين السخط وعدم الرضا تجاه إسرائيل، فيما يسجل منتقدو السياسات الإسرائيلية فوزاً غير مسبوق في الانتخابات التمهيدية للكونغرس.

غير أن هذه الخسائر السياسية لم تثنِ إسرائيل ولا جماعات الضغط الداعمة لها عن العمل الدؤوب لتقويض وعود ترامب الانتخابية لعام 2024 الداعية لتجنب الحروب في الشرق الأوسط، والمضي بدلاً من ذلك نحو توثيق العلاقات العسكرية بين واشنطن وتل أبيب، وإنفاق الملايين لإجهاض صعود أي أصوات ناقدة لإسرائيل.

ومما لا شك فيه، فإن للمؤيدين الأمريكيين لإسرائيل ولحكوماتها كل الحق في التعبير عن آرائهم والعمل على صياغة السياسات العامة، كما أن هذا اللوبي ليس بأي حال الوسيلة الوحيدة لقوى النفوذ المالي التي تُشوّه الديمقراطية الأمريكية. فضلاً عن أن الرؤساء الأمريكيين يمتلكون إرادتهم المستقلة؛ فقد أُديرت إدارة جورج بوش الابن من قِبل مسؤولين كانوا على تناغم أيديولوجي تام مع اليمين الإسرائيلي، كما أن ترامب، بقلة خبرته وسرعة انسياقه، يتحمل بوضوح مسؤولية الخضوع للضغوط الإسرائيلية وجر الولايات المتحدة إلى أتون الحرب الأخيرة.

ولكن، ما لم تتمكن مجموعات أخرى من العمل بحرية واضعةً المصالح الوطنية في الحسبان، وبعيداً عن التهديد المستمر بفزاعة الاتهام بمعاداة السامية، فستظل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط مشوهة ومحفوفة بالمخاطر. ومن أجل حماية المصالح الأمريكية ونشرها في الخارج، وصون الحريات في الداخل، يتحتم على الأمريكيين التكتل لمنع أي قوة أجنبية من الاستئثار بمثل هذا النفوذ والتأثير على صناعة القرار والنقاش العام، كالذي مارسته إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو عبر الفصائل التي تعمل لحسابها.

المصدر: الغارديان

علاماتآيباك ، أمريكا والقضية الفلسطينية ، الأجندة الأمريكية ، السياسة الأمريكية ، اللوبي الإسرائيلي في أمريكا
مواضيعالسياسة الأمريكية ، القضية الفلسطينية ، اللوبي الإسرائيلي ، اللوبي الصهيوني ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

شمال كردفان.. المعركة التي قد تغيّر مسار الحرب في السودان

محمد مصطفى جامع٣ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

لماذا تبدو رواية “نيويورك تايمز” عن أحمدي نجاد والموساد غير قابلة للتصديق؟

ماركو كارنيلوس٣ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

سبتة ومليلية.. تركيبة السكان والحدود والهوية بعد 5 قرون من الاحتلال الإسباني

نون إنسايت٢ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑