ترجمة وتحرير: نون بوست
يشعر الإسرائيليون بمختلف الأطياف السياسية والدينية بالقلق إزاء تراجع الروابط مع جيل الشباب من اليهود الأمريكيين – الذين يميلون، وفقًا لاستطلاع حديث أجرته وكالة أسوشيتد برس ومركز “نورك”، إلى اعتبار دعم إسرائيل أقل أهمية لهويتهم اليهودية مقارنة بالأشخاص الأكبر سنًا.
قال إيتاي نيكسون، الذي يرأس إدارة الشتات في وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية: “هذا أمر مهم للغاية بالنسبة لنا. نحن دولة الشعب اليهودي، وليس الإسرائيليين وحدهم”.
وتعتبر ليزلي ساكس، التي احتجت ضد الحكومة الإسرائيلية الحالية وترأس الحركة اليهودية التقدمية والإصلاحية في إسرائيل، أنّ العلاقة الوثيقة مع يهود الشتات تُمثّل أيضًا “أصلًا استراتيجيًا” لكل من إسرائيل واليهود في جميع أنحاء العالم.
لذا فهي تشعر بقلق بالغ إزاء فقدان يهود الشتات الإحساس بأنّ إسرائيل يمكن أن تكون وطنًا لهم، لا سيّما مع تصاعد معاداة السامية التي تستهدفهم بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والدينية.
وقالت ساكس في كنيسها بتل أبيب: “كان من المهم للغاية أن يعلم الجميع في أنحاء العالم، وخاصة بعد الهولوكوست، أنّ هناك دولة ستستقبلهم دائمًا. لقد مرّت عدة أجيال بالفعل، وأصبح هذا الأمر أقل بروزًا في وعيهم. وأعتقد أنّ هذا يعد بالفعل فشلًا من جانب كل من إسرائيل واليهودية العالمية لعدم تمكننا من الحفاظ على بروز هذا الشعور”.
ومنذ عام 2000، جلبت منظمة “تغليت-بريثرايت إسرائيل” مليون شاب وفتاة من اليهود البالغين من الولايات المتحدة وأماكن أخرى في جولة “استكشافية” مجانية لمدة 10 أيام إلى إسرائيل. ويقول الرئيس التنفيذي للمنظمة إنّه أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى إظهار كيف يمكن أن يكون ارتباطهم بإسرائيل بعيدًا عن السياسات المثيرة للجدل.
وقال غيدي مارك: “هذا حقًا يزيد من أهمية مهمتي في إطلاع الناس على ما يتنازلون عنه. ما نقدمه لهم هو بمثابة مرآة”.
العلاقة الراسخة بين إسرائيل والولايات المتحدة تشهد تصدعات
لطالما جمعت إسرائيل والولايات المتحدة علاقة تحالف وثيقة. فقد التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن في وقت سابق من هذا الأسبوع لمناقشة الحرب ضد إيران التي أطلقاها معًا قبل خمسة أشهر.
وقالت تمار هيرمان، التي تترأس مركز فيتربي لبحوث الرأي العام والسياسات التابع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي في القدس: “تُعدّ الولايات المتحدة أفضل صديق لإسرائيل في العالم أجمع، ولا يزال الأمر كذلك”.
ومع ذلك، أدّت الخلافات حول وقف إطلاق النار في الحرب ضد إيران إلى تراجع اعتقاد الإسرائيليين اليهود بأنّ ترامب يضع أمن إسرائيل على رأس أولوياته- إذ انخفضت النسبة من 64 بالمئة في مارس/آذار إلى 26 بالمئة في يونيو/حزيران – وفقًا للمركز.
وقال إسرائيليون إنه في خضم التوترات الدبلوماسية، يكتسب دور اليهود الأمريكيين – الذين دأبوا تاريخيًا على الضغط من أجل الحصول على دعم سياسي وعسكري ومالي لإسرائيل – أهمية جديدة. وهذا يعمق القلق من أن العديد من الشباب الأمريكيين التقدميين، بمن فيهم اليهود، يرون الآن أن دعم إسرائيل بأي شكل من الأشكال يتعارض مع نظرتهم للعالم.
وقد أصبح تراجع الدعم لإسرائيل أكثر وضوحًا منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي شنه مسلحون من حركة حماس وأسفر عن مقتل 1200 شخص في جنوب إسرائيل، بالإضافة إلى 251 رهينة. ووفقًا لوزارة الصحة في غزة، أسفرت حرب إسرائيل اللاحقة ضد حماس في غزة عن مقتل أكثر من 73 ألف شخص. وتحتفظ الوزارة، التي كانت جزءًا من الحكومة التي تديرها حماس وتمّ حلها مؤخرًا، بسجلات مفصلة تُعتبر موثوقة بشكل عام من قبل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. وهي لا تُميز بين المدنيين والمسلحين، لكنها تشير إلى أنّ النساء والأطفال يشكلون نحو نصف إجمالي الوفيات.
وقد أدّى ذلك بدوره إلى اندلاع احتجاجات في جميع أنحاء الولايات المتحدة، لا سيّما في حرم الجامعات.
وقالت ساكس المتحدثة عن الشباب اليهود الأمريكيين: “المحرقة، واللاجئون، وأهمية إسرائيل في أوقات الحاجة بالخارج، وحقيقة أنّ إسرائيل دولة صغيرة تحارب من أجل بقائها… كل ذلك تاريخ يقرأونه في الكتب. لم يكونوا جزءًا عاطفيًا منه بأي شكل من الأشكال. ولذلك عندما ينظرون إلى قيمهم والأشياء التي يؤمنون بها، فلا يرونها في إسرائيل”.
علاقة اليهود الأمريكيين مع إسرائيل “معقدة”
وفقًا لاستطلاع وكالة أسوشيتد برس ومركز “نورك” يقول نحو 4 فقط من كل 10 بالغين من اليهود المتدينين دون سن 45 عامًا في الولايات المتحدة إنّ دعم إسرائيل يُعدّ أمرًا “بالغ الأهمية” أو “مهمًا للغاية” لهويتهم اليهودية، بينما يؤكد ذلك نحو نصف البالغين اليهود المتدينين الأكبر سنًا.
كما وجد الاستطلاع الذي شمل 1,022 بالغًا يهوديًا – بما في ذلك الأشخاص الذين يحددون أنفسهم يهودًا بالديانة، وغير المنتسبين دينيًا ممن يحددون أنفسهم يهودًا من خلال الثقافة أو العرق أو الخلفية العائلية – أنّ نصف البالغين المتدينين فقط يقولون إنّ العمليات العسكرية المستمرة لإسرائيل في غزة مبررة. وينخفض هذا الرقم إلى 2 من كل 10 بين البالغين اليهود غير المنتمين دينيًا.
وفي الوقت نفسه، يقول نحو 6 من كل 10 بالغين يهود إن التحيز ضد الشعب اليهودي يمثل مشكلة “بالغة الخطورة” أو “خطيرة للغاية” في الولايات المتحدة اليوم.
بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، تجعل التهديدات الأمنية الموجهة ضد اليهود الأمر أكثر مأساوية – وأكثر خطورة – في ألا يرى الشباب اليهود الأمريكيون دولة إسرائيل ملجأ أو حتى حليفًا.
وقال آساف زامير، نائب عمدة تل أبيب الذي شغل منصب القنصل العام في نيويورك: “للأسف، تساعدنا معاداة السامية في تفسير سبب كون وجود وطن يهودي فكرة ليست سيئة. لا بأس بمعارضة الحكومة، لكن لا يمكنك فهم تاريخك كيهودي دون فهم الدور الذي تلعبه إسرائيل فيه”.
إسرائيل تتواصل مع اليهود العلمانيين والليبراليين في أمريكا الشمالية
من أجل تعزيز الارتباط الأعمق بين إسرائيل ويهود الشتات، تعمل كل من الحكومة والمنظمات الدينية على تعزيز برامج التبادل. فمنذ عقود، يسافر الشباب الإسرائيلي إلى المخيمات الصيفية اليهودية في جميع أنحاء أمريكا الشمالية، ويحصل اليهود غير الإسرائيليين على رحلات مجانية إلى إسرائيل.
وقال إيتاي نيكسون تعليقًا على البرامج التي تجلب المراهقين إلى البلاد: “رؤية إسرائيل ولقاء الإسرائيليين هما المعيار الذهبي”.
وصرح غيدي مارك، من منظمة “تغليت-بريثرايت”، بأنه منذ عام 2023، ومع تعدد الحروب، أصبح المشاركون في الجولات أقل عددًا – كما تغيرت ردود أفعالهم تجاه جولاتهم في إسرائيل. واستذكر أحد المشاركين الذي صرخ قائلًا “إسرائيل! إسرائيل!” خارج فندقه لمجرد شعوره بالأمان للتعبير عن نفسه.
قال مارك: “لا يشعر هؤلاء الأشخاص بالحرية ليعيشوا حقيقة هويتهم في الأماكن التي يأتون منها”.
وتركز هذه المبادرات وغيرها على اليهود العلمانيين وأتباع اليهودية الإصلاحية. وباعتبارها الفرع الأكبر للديانة في أمريكا الشمالية، فإنها تُشدّد على القيم التقدمية مثل العدالة الاجتماعية.
وقالت تمار إن اليهود الأرثوذكس في الخارج يميلون إلى امتلاك روابط أقوى مع إسرائيل – كما يميل اليهود الأرثوذكس في إسرائيل إلى اعتبار أنفسهم أقرب إلى يهود الشتات مقارنة بالإسرائيليين العلمانيين.
وداخل الحركة الإصلاحية الإسرائيلية، التي تمثل جزءًا صغيرًا من اليهودية في البلاد، هناك مساعٍ لإرسال المزيد من الشباب الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة، بما في ذلك للعمل كمشرفين في المخيمات الصيفية.
قالت ساكس: “هذا النوع من التحرك مهم، وهو ذلك التواصل الفردي الذي يقول: ‘أتعلمون ماذا؟ نحن نؤمن بنفس الأشياء التي تؤمنون بها. حقًا، لدينا نفس الأيديولوجية بشكل عام، ونشعر أننا بحاجة إلى تغيير إسرائيل معاً’. يجب أن نكون شركاء في جعل إسرائيل الدولة التي نحتاج إليها جميعًا”.
تقضي ألما إدري، 18 عامًا، شهرين كمرشدة في مخيم صيفي يهودي تقدمي في أونتاريو مع مراهقين وشباب من كندا والولايات المتحدة. وأوضحت أنّ أكبر مفاجأة لها كانت “أنّ إسرائيل تمثل قضية كبرى بهذا الشكل بالنسبة للأشخاص خارج البلاد”.
وقالت عن المشاركين في المخيم: “معظم أصدقائهم مناهضون لإسرائيل. هذه فرصتهم للاحتفال بارتباطهم بها”.
المصدر: أسوشيتد برس