• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

أزمة اقتصادية في العراق.. تصريحات متناقضة ومستقبل مجهول

أحمد الدباغ٨ أغسطس ٢٠٢٦

“لدينا تخوف كبير من المستقبل، تأخر صرف الرواتب أربك الحركة التجارية وهناك ركود وعزوف عن الشراء والقطاع الخاص أول المتأثرين بالوضع الحالي”.. بهذه الكلمات يصف “عبد الرحمن محمد” تاجر المواد الغذائية من مدينة الموصل شمال البلاد الوضع الاقتصادي في مدينة الموصل شمالي العراق.

وفي حديثه لنون بوست، يؤكد محمد أن تأخر صرف الرواتب لأكثر من 10 أيام يشي بأننا مقبلون على أزمة اقتصادية في القطاع العام الذي يؤثر بشكل مباشر وكبير على القطاع الخاص وحركة التسوق في مختلف المحافظات العراقية.

ويشهد العراق للشهر الثاني على التوالي تأخرًا في صرف رواتب الموظفين العموميين وسط تناقضات في التصريحات الحكومية حول الوضع المالي في البلاد، ما بين تأكيد بعض المسؤولين على تأمين الرواتب وبين تصريحات أخرى من مسؤولين وأعضاء في اللجنة المالية النيابية تؤكد أن البلاد تواجه أزمة سيولة مالية غير مسبوقة.

أزمة سيولة

يعاني العراق من أزمة مالية متفاقمة بدأت ملامحها واضحة خلال الشهرين الماضيين، بعد أن تسببت الحرب الأميركية على إيران بإغلاق الأخيرة لمضيق هرمز الحيوي، إذ تمر من خلاله شحنات تصدير النفط العراقي الذي تشكل وارداته نحو 92% من الناتج القومي للبلاد، الأمر الذي كشف عن هشاشة واضحة في الاقتصاد العراقي الذي لم تفلح حكوماته السابقة في تنويع مسارات تصدير النفط وتعزيز الناتج المحلي غير النفطي في آن معًا.

وكان وزير الصحة العراقي الحالي عبد الحسين الموسوي قد أعلنها صراحة خلال لقاءه بعض كوادر الوزارة، حين أكد أنه لا تتوفر لدى الحكومة أموال لصرف الرواتب والالتزامات الحكومية، مبينًا حاجة الحكومة لـ 10.8 تريليون دينار عراقي (8.24 مليار دولار) شهريًا، في الوقت الذي لا تتجاوز قيمة الصادرات العراقية خلال 5 أشهر 1.5 مليار دولار، بحسب الوزير.

وكان العراق يصدر قبل الحرب نحو 4.2 مليون برميل يوميًا (نحو 126 مليون برميل شهريًا)، في حين تراجعت الصادرات إلى نحو 30 مليون برميل خلال شهر كامل بفعل إغلاق المضيق.

وعلى إثر الأزمة المالية، أوقفت حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال الأسابيع الماضية الكثير من المشاريع التنموية التي لم تتجاوز نسبة إنجازها 20% بسبب نقص السيولة، في حين تشهد الوزارات والمؤسسات الحكومية انعدامًا للتمويل التشغيلي ما أدى لتراجع مستوى الخدمات التشغيلية في الكثير من الوزارات في ظل عدم إقرار الموازنة المالية العامة للبلاد.

وفي منشور على منصة إكس، قال الخبير الاقتصادي عماد عبد اللطيف “إنه من الصعب جدًا تمويل رواتب الموظفين والمتقاعدين والحماية الاجتماعية، وهذه الصعوبة سوف تتفاقم بشدة شهرًا بعد آخر وصولًا إلى حد العجز عن الدفع اذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن، إن عدد الموظفين هو 7.350 مليون، مع 2.1 مليون مستفيد من شبكة الحماية الاجتماعية ليصبح الإجمالي 9.5 مليون عراقي يتقاضون مرتبات شهرية من الدولة”.

وأضاف عبد اللطيف أنه يجب إعادة ضبط صارمة للإنفاق العام، مبينًا أن هناك الكثير من التبديد والترهل في الموازنة التشغيلية، فضلًا عن مئات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين (الوهميين)، إضافة إلى مواكب الحمايات الخاصة للمسؤولين التي لا ضرورة لها سوى تضخيم الإنفاق لأجل متطلبات الوجاهة الزائفة، بحسب تعبيره.

وكان السياسي العراقي الراحل “أحمد الجلبي” قد توقع عام 2008 الوضع الحالي عندما تحدث عن توقعه في عدم قدرة الحكومة على سداد رواتب الموظفين والمتقاعدين في غضون 10 سنوات، نتيجة سوء الإدارة المالية، وتضخم التوظيف الحكومي، وإهمال القطاع الخاص.

تصريحات متناقضة

في الوقت الذي كشف فيه وزير الصحة العراقية عن عدم توفر الأموال لدى الحكومة، أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء “مظهر محمد صالح” أن بلاده تمر بأزمة سيولة نقدية مؤقتة وليست أزمة ملاءة مالية، مبينًا أن الحكومة تمكنت من تأمين رواتب شهر أغسطس/آب عبر حزمة من الأدوات المالية، فيما أوضح أن احتياطيات البنك المركزي لم تُستخدم بصورة مباشرة لتمويل الإنفاق الحكومي.

وصف صالح الوضع المالي الحالي بأنه أزمة سيولة مؤقتة أكثر من كونه أزمة مالية أو إفلاس، وأن الاقتصاد العراقي يمتلك أصولًا سيادية واحتياطيات أجنبية جيدة، معللًا تأخر الرواتب بانخفاض الإيرادات النفطية وتراجع الصادرات الذي أحدث فجوة زمنية بين الإيرادات والالتزامات الشهرية.

من جانبه، وصف “جمال كوجر” عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي الوضع الاقتصادي لبلاده بأنه وصل إلى “مستوى مخيف” وأنه في حال استمرار معوقات تصدير النفط، فإن بغداد لن تتمكن من الصمود أمام أزمة السيولة وتأمين الرواتب لأكثر من 3 أشهر قادمة.

وأضاف كوجر أن طلب وزير المالية الحضور إلى مجلس النواب لاستعراض الموقف المالي يعد إشارة صريحة على وصول الأوضاع الاقتصادية إلى مرحلة حرجة، مبينًا أن عوائد النفط العراقي المباع تصل بعد 3 أشهر من تاريخ التصدير، ما يعني أن الحكومة استهلكت إيرادات الأشهر السابقة ولم تعد تمتلك مبالغ نقدية كافية تحت تصرفها لأجل صرف الرواتب والالتزامات المالية الأخرى.

في سياق ذلك، يرى الخبير الاقتصادي “إنمار العبيدي” في حديثه لـ”نون بوست” أن حكومة الزيدي استلمت مهامها في ظل خزينة خاوية، وأنها تواجه خيارات صعبة جميعها مؤلمة للشعب العراقي لا سيما إذا ما استمرت أزمة مضيق هرمز.

ويضيف العبيدي أن من الخيارات التي قد تلجأ إليها الحكومة هي الاقتراض الخارجي الذي سيكبل الأجيال القادمة، خاصة أن الفوائد ستكون مرتفعة للغاية بسبب وضع الاقتصاد الدولي، إضافة إلى خيارات أخرى منها تقنين صرف الرواتب كل 40 يومًا، أو اللجوء لخفض سعر صرف الدينار العراقي إلى 1700 دينار لكل دولار، أو اللجوء لبيع الأصول الحكومية كالعقارات والشركات العامة والخطوط الجوية العراقية وغيرها.

أزمة تصدير النفط

ومع تفاقم الأوضاع الإقليمية الأمنية واحتمالية دخول المنطقة في حرب أخرى أشد شراسة، يعد العراق أبرز الخاسرين اقتصاديًا، خاصة أن أكثر من 3.5 مليون برميل نفط عراقي كان يمر عبر مضيق هرمز الذي لا يزال مغلقًا حتى الآن.

وفي الوقت الذي أكد فيه بعض المسؤولين العراقيين عن حصول العراق على استثناء من إيران لتصدير نفطه عبر المضيق، كشف المتحدث الرسمي باسم الحكومة العراقية “حيدر العبودي” عن كواليس الحديث الذي دار مع الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” بشأن مرور النفط العراقي عبر مضيق هرمز، موضحًا أن الجانب الإيراني قدم وعودًا وأصدر توجيهات عليا باستثناء الناقلات العراقية من قيود المرور، إلا أن الواقع أثبت عدم تطبيق هذا الاستثناء وأنه لا يوجد أي استثناء للنفط العراقي حاليًا.

ولم يفلح العراق خلال العقدين الماضيين في تنويع مسارات الصادرات النفطية للبلاد، حيث اقتصرت على مضيق هرمز وتصدير شحيح عبر تركيا لا يتجاوز 200 ألف برميل يوميًا في أفضل الأحوال، في حين تمتلك بعض دول الخليج مثل السعودية والإمارات مسارات تصدير أخرى بعيدًا عن مضيق هرمز ما وفّر لها عائدات مالية مجزية نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالميًا.

ورغم توقيع العراق مذكرة تفاهم مع سوريا -خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن قبل 3 أسابيع- لإعادة إحياء خط تصدير النفط من حقول كركوك العراقية إلى ميناء بانياس السوري، إلا أن هذه المذكرة قد لا تتحقق قبل 3 سنوات على أقل تقدير بفعل تقادم الخط القديم وحاجته لإعادة صيانة شاملة أو إنشاء مسار مواز له بشراكات دولية، في الوقت الذي لا يزال فيه الوضع الأمني في العراق غير مستقر بسبب انتشار الفصائل المسلحة الموالية لإيران، واحتمالية انزلاق الحكومة العراقية لمواجهة مسلحة مع هذه الفصائل التي لا تزال ترفض تسليم سلاحها، فضلًا عن أن خط كركوك- بانياس لا تتجاوز سعته التصديرية أكثر من 300 ألف برميل يوميًا حاليًأ.

أما على الجانب التركي، وخلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى أنقرة، وقع البلدان في الأول من أغسطس/ آب الجاري اتفاقًا لمدة عام واحد فقط يقضي بتصدير مليون برميل نفط يوميًا عبر الأراضي التركية وذلك عقب انتهاء الاتفاقية القديمة بين البلدين في 26 يوليو/تموز الماضي، حيث قال “علي نزار” مدير عام شركة تسويق النفط العراقية سومو “وقعنا اتفاقًا لمدة عام واحد، وبموجبه يجب أن نصدر ما لا يقل عن 750 ألف برميل عبر خط أنابيب سلوبي – جيهان التركي”.

كما أوضح مدير شركة سومو العراقية أن وزارة النفط تخطط لنقل النفط بالناقلات من مصافي الجنوب إلى الشمال، بهدف الوصول إلى طاقة تصديرية تبلغ مليون برميل يوميًا عبر تركيا، مشيرًا إلى أن شركة BP البريطانية وشركات تركية وأميركية ستبدأ تطوير حقول كركوك لرفع إنتاج النفط الخام من حقولها.

معضلة الفساد

ورغم ما تعانيه الحكومة العراقية من أزمة مالية خانقة، إلا أن مؤشر مدركات الفساد التابع لمنظمة الشافية الدولية وضع العراق في موقع سيء باحتلاله المرتبة 136 من بين 180 دولة يشملها المؤشر، ورغم التحسن الطفيف الذي طرأ على مركز العراق الذي كان عام 2025 في المرتبة 140، إلا أنه يتوجب على الحكومة العراقية عمل الكثير للحد من الفساد المستشري.

وخلال الأسابيع الأولى من تولي رئيس الحكومة علي الزيدي مهامه، دشنت الحكومة حملة ضد الفساد تمثلت باعتقال وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية “عدنان الجميلي” وعددًا من المسؤولين والنواب في البرلمان بعد رفع الحصانة عنهم، حيث تمخضت الحملة عن مصادرة أموال طائلة ومئات العقارات والسيارات الفارهة في العديد من محافظات البلاد.

وأسفرت الحملة ضد الجميلي وشركاءه عن مصادرة نحو 127 مليون دولار، إضافة إلى 375 كيلوغرامًا من الذهب (تبلغ قيمتها نحو 63 مليون دولار) وعشرات السيارات الفارهة ومئات العقارات التجارية والصناعية.

وفي المجمل، تصل قيمة ما تمت ضبطه ومصادرته إلى نحو نصف مليار دولار في قضية واحدة تتعلق بوكيل وزارة النفط لشؤون التصفية بما يعادل 6.25% مما تنفقه الحكومة العراقية شهريًا والذي يبلغ قرابة 8 مليارات دولار، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للتساؤل عن حجم الأموال المنهوبة منذ عام 2003 واقتصار الحملة حتى الآن على شخصية تعد ثانوية وليست من عرابي الفساد في البلاد.

وفي تدوينة على منصة إكس، رأى الباحث الاقتصادي العراقي زياد الهاشمي المقيم في بريطانيا أنه من سوء حظ العراق أن إيراداته النفطية تعتبر مستنزفة حتى قبل أن تصل إلى خزينة الحكومة، مبينًا أن من وصفهم بالفاسدين ينتظرون حصتهم، فضلًا عن المكاتب الاقتصادية الحزبية وجماعات السلاح والدائنين والموظفين الوهميين، ليأتي الموظف العراقي الحقيقي في آخر القائمة.

وأضاف الهاشمي أنه وفي ظل نموذج مالي غير منضبط، فإن المشكلة لا تكمن في انخفاض أسعار النفط أو تراجع الصادرات وحدهما، بل في حكومات أنفقت بعبث ولسنوات وكأن الإيرادات ستبقى مرتفعة إلى الأبد، لافتًا إلى أنه ما لم تبدأ الحكومة بخفض الهدر، وضبط فاتورة الرواتب، وإيقاف التوظيف الوهمي، وقمع الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، وتفكيك المكاتب الاقتصادية التابعة للميليشيات، وتنمية الإيرادات غير النفطية، فإن كل ارتفاع جديد في أسعار النفط لن يكون سوى استراحة مؤقتة قبل أزمة مالية أخرى أشد تأثيرًا.

علاماتالأحزاب العراقية ، الاقتصاد العراقي ، الشأن العراقي ، الفساد في العراق ، النفط العراقي
مواضيعالاقتصاد العراقي ، الشأن العراقي ، الفساد ، النفط

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

أحلام الهند في مهب الريح: صراعات الشرق الأوسط تعطل قطار الممر الاقتصادي

أنشال فوهرا٧ أغسطس ٢٠٢٦
اقتصاد

الصكوك السيادية في سوريا.. هل تنجح أولى اختبارات التمويل الجديد؟

وسيم محمد علي٦ أغسطس ٢٠٢٦
اقتصاد

أميركا تراهن باقتصادها على الذكاء الاصطناعي.. ماذا لو انفجرت الفقاعة؟

غراهام أليسون٥ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑