أعاد توقف مصفاة بانياس، إحدى منشأتي تكرير النفط الرئيسيتين في سوريا، سؤال أمن الوقود إلى الواجهة، بعدما خرج من الخدمة جزء كبير من قدرة التكرير المحلية، ما دفع الحكومة إلى زيادة شراء البنزين والمازوت الجاهزين من الخارج ورفع أسعار الوقود محليًا بعد “ارتفاع كلفة التوريد”.
وسرعان ما تجاوز أثر الزيادة قطاع الطاقة، إذ شهدت مناطق في حلب وإدلب والرقة ودير الزور والحسكة احتجاجات وقطعًا للطرق في 13 سبتمبر/أيلول اعتراضًا على الأسعار الجديدة، وسط مخاوف من انعكاسها على كلفة النقل والخدمات والسلع الأساسية.
تأتي الأزمة في ظل قطاع نفطي ما زال يعاني آثار سنوات الحرب وتراجع الاستثمار وتأخر أعمال الصيانة، مع تشغيل المصافي بأقل من طاقتها التاريخية وتقلب إنتاج الخام واستمرار الحاجة إلى الواردات.
وتراهن دمشق على رفع طاقة مصفاة بانياس بعد انتهاء الصيانة، وتأهيل مصفاة حمص، المنشأة الرئيسية الأخرى لتكرير النفط في البلاد، وزيادة إنتاج الخام من الحقول، إلى جانب إنشاء مصافٍ جديدة، فيما ترتبط جدوى هذه الخيارات بتأمين الخام والتمويل والاستثمارات اللازمة.
ماذا يعني توقف مصفاة بانياس؟
توقفت مصفاة بانياس لإجراء أوسع أعمال صيانة وتأهيل شهدتها منذ سنوات، وقالت الشركة السورية للبترول في 11 سبتمبر/أيلول إن المصفاة كانت تعالج نحو 80 ألف برميل يوميًا قبل توقفها، فيما تستهدف الأعمال الجارية رفع قدرتها إلى 130 ألفًا، وتشمل تأهيل وحدات التقطير ومحطة القوى والهدرجة والكبريت واستبدال مفاعل في قسم التحسين مضى على تشغيله أكثر من أربعين عامًا.
وكان طارق العبد الله نائب الرئيس التنفيذي للشركة لشؤون التكرير والصناعات الكيميائية قد أوضح أن الصيانة كانت مقررة خلال 2025 وتأجلت بسبب تأخر وصول قطع الغيار والمواد اللازمة، فيما قال مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة عبد الحميد سلات إن الحالة الفنية لبعض المعدات وصلت إلى مستوى يستدعي وقف التشغيل وإجراء الإصلاحات لتجنب أعطال أكبر.
وتقدر الشركة مدة العمل في وحدات التقطير ومحطة القوى بنحو شهرين، بينما يحتاج قسم التحسين إلى شهر إضافي بسبب استبدال المفاعل والأعمال المرتبطة به.
تبرز أهمية مصفاة بانياس عند مقارنة طاقتها التشغيلية بمصفاة حمص، فقد قدر معهد بيكر للسياسات العامة في جامعة رايس الأمريكية، في 3 سبتمبر/أيلول، الطاقة التشغيلية لمصفاة حمص بما يصل إلى 40 ألف برميل يوميًا، فيما وضعته شركة كرم شعار للاستشارات عند نحو 45 ألفًا.
وكان مدير مصفاة حمص، خالد محمد علي، قد أعلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 خطة لإعادة تشغيل عدد من الوحدات المتوقفة ورفع طاقة المعالجة إلى 60–70 ألف برميل يوميًا.
وأعادت حمص في 9 يونيو/حزيران تشغيل إحدى وحدات التكرير بعد صيانتها، فيما لا تزال تواجه تقادم المعدات ونقص قطع الغيار وخروج بعض الوحدات من الخدمة، ما يحد من قدرتها على تعويض توقف مصفاة بانياس.
وارتفعت الحاجة إلى الواردات مع انخفاض التكرير المحلي، فقد أظهرت بيانات وزارة الطاقة في 13 سبتمبر/أيلول أن الاحتياج اليومي من المازوت يبلغ 7.72 ملايين لتر، منها 4.63 ملايين لتر مستوردة، أي نحو 60%، فيما بلغ إمداد البنزين 2.32 مليون لتر يوميًا، منها نحو 775 ألف لتر مستوردة، بما يعادل قرابة الثلث. وفي اليوم التالي، نشرت الإخبارية السورية الرسمية أرقامًا تُظهر أن الواردات تغطي 74% من المازوت و81% من البنزين.
وأكد مدير الإعلام في الشركة السورية للبترول محمد نور الأحدب أن توقف مصفاة بانياس خفض إنتاج المشتقات محليًا وزاد الحاجة إلى الاستيراد، وأن وحدة التوريد أمّنت مسبقًا شحنات إضافية من البنزين والمازوت لتغطية فترة الصيانة، من دون إعلان حجم هذه الكميات.
وجاء رفع الأسعار مع ارتفاع فاتورة الشراء من الخارج، إذ قالت وزارة الطاقة إن الأسعار الجديدة تستهدف تغطية الفارق بين كلفة الشحنات وسعر بيعها محليًا وتأمين السيولة اللازمة لاستمرار التوريد.
ورفعت الوزارة أسعار بنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة جديدة للتر والمازوت من 125 إلى 175 ليرة، فيما قدرت سعر طن المازوت في السوق التي تتابعها بنحو 1400 دولار والبنزين بنحو 1350 دولارًا في ظل ارتفاع كلفة الوقود والشحن والتأمين.
لماذا تراجعت قدرة التكرير في سوريا؟
تشير بيانات القطاع إلى فجوة واسعة بين الطاقة التصميمية للمصافي السورية ومستويات تشغيلها الحالية، فقد كانت بانياس وحمص قادرتين تاريخيًا على معالجة نحو 230 إلى 240 ألف برميل يوميًا مجتمعتين، منها قرابة 130 ألفًا في بانياس ونحو 110 آلاف في حمص، فيما انخفض التشغيل خلال 2026 إلى مستويات بعيدة عن هذه الطاقة بعد سنوات من تضرر المنشآت وتأخر الصيانة والاستثمار.
وتقدر شركة كرم شعار للاستشارات، استنادًا إلى بيانات قطاعية، أن معالجة الخام في المصفاتين هبطت من نحو 240 ألف برميل يوميًا قبل الحرب إلى قرابة 50 ألفًا في 2022 قبل أن تبدأ بالتعافي خلال السنوات التالية، فيما يربط معهد بيكر تراجع القطاع بأضرار الحقول وخطوط النقل وخروج شركات وعمالة متخصصة وتراكم أعمال الصيانة طوال سنوات الحرب والعقوبات.
ويواجه التكرير قيدًا آخر يتعلق بإنتاج النفط الخام نفسه، فقد أعلنت سوريا إنتاج 14.8 مليون برميل خلال النصف الأول من 2026، بما يعادل متوسطًا حسابيًا يقارب 81.8 ألف برميل يوميًا، ثم قدّرت وزارة الطاقة الإنتاج في سبتمبر/أيلول بنحو 100 ألف برميل يوميًا.
وتقدّر وزارة الطاقة احتياجات سوريا من النفط ومشتقاته بنحو 300 ألف برميل يوميًا، مقابل تقدير سابق لمسؤولين في الوزارة والشركة السورية للبترول تراوح بين 120 و150 ألف برميل يوميًا لاحتياجات النفط والوقود، فيما يضع معهد بيكر متوسط استهلاك الوقود عند نحو 140 ألفًا.
وتزيد مواصفات النفط السوري من القيود على المصافي، إذ تقول وزارة الطاقة إن نحو 80% من الخام المنتج محليًا ثقيل، وإن جزءًا منه لا يتوافق بصورة كاملة مع قدرات التكرير القائمة، ما يفرض في بعض الحالات مزجه بخامات أخرى أو استيراد خام أكثر ملاءمة للوحدات العاملة.
وتغيرت مصادر الإمداد الخارجي بعد توقف النفط الإيراني الذي كان يشكل الجزء الأكبر من واردات الخام قبل سقوط النظام السابق، إذ أظهرت بيانات شركة كبلر المتخصصة في تتبع تجارة الطاقة أن روسيا أرسلت إلى سوريا نحو 16.8 مليون برميل خلال 2025، بما يعادل قرابة 46 ألف برميل يوميًا، وارتفعت وتيرة الإمدادات إلى نحو 60 ألف برميل يوميًا خلال الجزء الأول من 2026.
ورأت شركة كرم شعار في مايو/أيار أن الاعتماد على النفط الروسي يعرض الإمدادات السورية لمخاطر مرتبطة بالعقوبات المفروضة على تجارة موسكو النفطية، خصوصًا إذا تعرضت هذه الشبكات لمزيد من القيود، فيما أظهر تتبع حركة النقل أن 21 سفينة استخدمت في إيصال النفط الروسي إلى سوريا كانت خاضعة لعقوبات غربية وقت إعداد البيانات.
وترى شركة سين ماكس المتخصصة في التحليلات البحرية أن القيود المالية والمخاطر التجارية المتراكمة منذ سنوات الحرب ما تزال تحد من قدرة سوريا على التعامل مع شركات النقل البحري التقليدية، وهو ما أبقى شبكات الشحن المرتبطة بروسيا ضمن الخيارات المتاحة.
فيما تشير نوام ريدان الباحثة في مخاطر الطاقة والنقل البحري بمعهد واشنطن إلى استمرار أثر مصدر الخام والسفينة والبائع في تكاليف التأمين والامتثال حتى بعد تخفيف معظم العقوبات العامة التي كانت مفروضة على سوريا.
وزادت ظروف السوق العالمية كلفة الأزمة الحالية، فقد قدرت وكالة الطاقة الدولية في 11 سبتمبر/أيلول أن اضطرابات الشرق الأوسط خفضت توقعات الإمدادات العالمية لعام 2026 بنحو 5.7 ملايين برميل يوميًا، بالتزامن مع شح في بعض المنتجات المكررة وارتفاع أسعار الديزل، وهو ما يرفع كلفة شراء المشتقات في الفترة التي تحتاج فيها سوريا إلى كميات إضافية لتعويض انخفاض إنتاجها المحلي.
ما البدائل أمام سوريا؟
يمثل استيراد البنزين والمازوت أسرع وسيلة لتغطية فترة صيانة مصفاة بانياس، وبعد عودتها يتيح رفع طاقتها من 80 إلى 130 ألف برميل يوميًا زيادة إنتاج المشتقات محليًا، لكنه يرفع في المقابل حاجة قطاع التكرير إلى الخام، ما يجعل زيادة إنتاج الحقول وتأمين واردات مستقرة عنصرين أساسيين في أي توسع جديد.
وتعمل الحكومة على رفع طاقة مصفاة حمص خلال السنوات القريبة، إذ قال مدير المصفاة خالد محمد علي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إن إعادة تشغيل وحدات متوقفة يمكن أن ترفع طاقة المعالجة إلى 60–70 ألف برميل يوميًا.
وتعود بدايات مصفاة حمص إلى عام 1959 وتعاني تقادم المعدات ونقص قطع الغيار، فيما تقضي الخطة الحكومية باستمرار تشغيلها إلى حين إنجاز مصفاة جديدة في منطقة الفرقلس بريف حمص، على بعد نحو 40 كيلومترًا شرقي المدينة.
ويجري بالتوازي العمل على زيادة إنتاج الحقول، إذ يشير معهد بيكر إلى أن نحو 40% فقط من آبار النفط والغاز كانت عاملة خلال 2026، وأن عددًا كبيرًا من الحقول وخطوط النقل والمنشآت يحتاج إلى إعادة تأهيل.
في هذا المسار، بدأت شركة إتش كي إن إنرجي الأمريكية العمل بموجب عقد مدته 25 عامًا لتطوير سبعة حقول نفطية في منطقة رميلان بمحافظة الحسكة، في أقصى شمال شرقي سوريا، وهي من أهم مناطق إنتاج النفط في البلاد.
كما وقعت كونوكو فيليبس وتوتال إنرجيز وقطر للطاقة اتفاقًا لدراسة أعمال الاستكشاف في أحد القطاعات البحرية السورية، وهي مشاريع تراهن عليها دمشق لزيادة الإنتاج على المدى المتوسط، لكنها تحتاج إلى تأهيل واستكشاف واستثمارات قبل أن تنعكس بكميات إضافية كبيرة من النفط.
وتضع الشركة السورية للبترول أهدافًا لرفع الإنتاج من نحو 100 ألف برميل يوميًا حاليًا إلى نحو 200 ألف في نهاية 2026، ثم 400 ألف بنهاية 2027، وهي وتيرة بالغة الطموح تتطلب مضاعفة الإنتاج تقريبًا خلال الأشهر المتبقية من العام، ثم مضاعفته مجددًا خلال العام التالي.
ويربط معهد بيكر تحقيق هذه الأهداف بحجم الاستثمارات المطلوبة وإعادة تأهيل الحقول والآبار وخطوط النقل والبنية التحتية.
ويتصدر مشروع الفرقلس خطط توسيع التكرير، فبعدما تحدثت الحكومة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عن مصفاة بطاقة 150 ألف برميل يوميًا، طرحت الشركة السورية للبترول في يونيو/حزيران 2026 مناقصة لمشروع أكبر بطاقة 210 آلاف برميل يوميًا مع إمكانية إقامة مجمع بتروكيميائي إلى جانبه.
وتشير وثائق المشروع إلى مدة تنفيذ مستهدفة تقارب 40 شهرًا وتصميم يسمح بمعالجة النفط السوري الخفيف والثقيل إلى جانب خامات مستوردة، وترتبط مدة التنفيذ بتقدم المناقصة إلى التمويل والترسية وبدء البناء.
وبهذه الطاقة، ستتجاوز قدرة المشروع ضعف أحدث مستوى معلن لإنتاج النفط السوري، ما يربط تشغيله مستقبلًا برفع إنتاج الحقول إلى مستويات أعلى أو تأمين واردات مستقرة من الخام تكفي لتغذية المصفاة.
تشمل الخطط أيضًا إنشاء مصفاة في دير الزور بطاقة تقارب 70 ألف برميل يوميًا، إلا أن المشروع ما يزال في مرحلة أقل تقدمًا ولم يظهر حتى الآن إعلان مناقصة أو تمويل أو ترسية بمستوى مشروع الفرقلس.
بالتوازي مع ذلك، تجرى مباحثات لإعادة ربط سوريا بالنفط العراقي عبر الإمداد البري وخط كركوك–بانياس، وهي مسارات يمكن أن توسع مصادر الخام إذا اكتملت الاستثمارات والاتفاقات اللازمة خلال السنوات المقبلة.
ومع توسع التكرير المحلي قد تتغير تركيبة الواردات تدريجيًا، فتتراجع مشتريات بعض المنتجات الجاهزة مقابل زيادة الخام المستورد الذي يمكن معالجته محليًا، فيما يتوقف خفض فاتورة الاستيراد على قدرة سوريا على استعادة إنتاج حقولها.
ويظهر توقف مصفاة بانياس محدودية البدائل المتاحة حاليًا، إذ دفع خروجها من الخدمة إلى زيادة شراء الوقود من الخارج ورفع كلفة تأمينه محليًا، بينما تحتاج المشروعات القادرة على زيادة الإمدادات المحلية إلى تمويل وإنتاج أكبر من الخام وسنوات من التنفيذ.