تتلاحق التطورات الأمنية والسياسية على الساحة العراقية في الأيام الماضية، إذ لا يكاد يخلو يوم من تطور سياسي وأمني لافت له دلالاته وأبعاده الأمنية والسياسية على مستقبل البلاد.
ومن أحدث هذه التطورات إعلان الحكومة العراقية، الخميس الماضي، دخول جميع القوات الأمنية في الجيش والشرطة وبقية القطعات حالة الإنذار الأمني (ج)، مع إصدار مكتب القائد العام للقوات المسلحة جملة من التعليمات الأمنية التي كان من أهمها نقل وحدات من جهاز مكافحة الإرهاب إلى بغداد.
ولم تقتصر التطورات الأمنية عند هذا الإجراء، إذ جاء متزامنًا معها إلزام جميع نقاط التفتيش الأمنية على مشارف المدن وداخلها بإلغاء خط سير المركبات العسكرية والمواكب الأمنية التي لم تكن تخضع للتدقيق والتفتيش، وتوجيهها بإلغاء هذه المسارات والتحقق من خط سير الأرتال العسكرية وخضوعها للتفتيش والتدقيق المسبق والتحقق من إصدار أوامر مسبقة بتحركها.
عملية استباقية
وتشير هذه التحركات إلى استباق الحكومة لأي رد فعل قد تقدم عليه الفصائل المسلحة الموالية لإيران وتنفيذ تهديداتها بالرد العسكري على السعودية بعد أن شاركت الأخيرة رفقة القوات الجوية الأمريكية في توجيه غارات على مواقع للفصائل في العراق في 28 يوليو/تموز الماضي بعد أن اتهمت المملكة هذه الفصائل باستهداف مصالح نفطية داخل السعودية بطائرات مسيرة في وقت سابق.
ووفقًا لهذه التطورات الأمنية، يبدو أن ملف حصر السلاح ونزعه من الفصائل قد دخل في مرحلة تعد الأكثر حساسية وخطورة منذ إعلان حكومة الزيدي قبل نحو شهر من الآن عن إمهال هذه الفصائل حتى 30 سبتمبر/أيلول القادم لتسليم أسلحتها طواعية.
وكان قد سبق هذا التحرك الحكومي، اجتماع ائتلاف إدارة الدولة الذي يضم زعامات القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية الذي عُقد في القصر الحكومي بحضور رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس الوزراء والنواب، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، ورئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، إلى جانب عدد من قادة القوى المنضوية في الائتلاف.
وأكد الائتلاف على توقيت 30 سبتمبر/أيلول القادم موعدًا نهائيًا لنزع السلاح وتسليمه للدولة، محذراً من أي نشاط مسلح خارج إطار المؤسسات الرسمية -بعد انقضاء المهلة- سيتم التعامل معه وفق قانون مكافحة الإرهاب، بما يعني احتمالية دخول الحكومة العراقية في مواجهة مفتوحة مع الفصائل في حال أصرت على عدم تسليم السلاح.
من جهته، يرى الخبير الأمني رياض الزبيدي أن موقف ائتلاف إدارة الدولة وعلى الرغم من أنه جاء متأخرًا، إلا أن جميع أعضائه أدركوا للمرة الأولى مدى المخاطر المحيطة بالبلاد، لا سيما أن الفصائل المسلحة الموالية لإيران كانت مصرة على استهداف السعودية قبل أن تعلن تجميد ردها إثر التطورات المتسارعة.
وفي حديثه لـ”نون بوست” رأى الزبيدي أن الوضع الأمني المحيط بالعراق أجبر قادة ائتلاف إدارة الدولة على اتخاذ هذا الموقف بعد مطالبة رئيس الوزراء علي الزيدي بموقف واضح وتحذيره من مغبة ما قد يحدث، لا سيما أن المملكة العربية السعودية توعدت بالرد على أي استهداف جديد، فضلًا عن تحشيد سوريا لجيشها على طول الشريط الحدودي مع العراق مع تداول معلومات استخباراتية عن نية الفصائل التحرش بسوريا.
ويبدو أن موقف إدارة الدولة والتحركات الأمنية الأخيرة للحكومة أجبر رئيس منظمة بدر “هادي العامري” لمطالبة الفصائل -عبر مقطع فيديوي مصور- بتأجيل ردها على السعودية.
وكانت سوريا قد انضمت إلى كل من السعودية والأردن ودول أخرى في توجيها لتحذيرات للحكومة العراقية مفادها أن أي هجمات تنطلق من الأراضي العراقية باتجاه أراضيها ستُقابل بضربات تستهدف هذه الفصائل المسلحة داخل العراق.
وأعقبت التحذيرات السورية تحركات عسكرية للجيش السوري على طول الشريط الحدودي مع العراق، حيث كشفت مصادر مقربة من وزارة الدفاع السورية أن تعميماً صدر عن قيادة الجيش برفع الجاهزية، من دون توضيح الأسباب.
واستبعدت المصادر أن تعكس الخطوة استعداداً لعملية عسكرية سورية، مرجحة ارتباطها بتحذيرات تلقتها دمشق بشأن احتمال تنفيذ فصائل عراقية تحركات عسكرية عبر الحدود السورية العراقية، حيث تزامنت الإجراءات السورية مع أنباء بانتشار قوات سورية في مدينة البوكمال ومحيط الشريط الحدودي مع العراق، وتحليق طائرات مسيّرة سورية.
خيارات علي الزيدي
وعلى الرغم من التحركات الأخيرة لحكومة الزيدي وأجهزتها الأمنية، إلا أن الأيام القادمة قد تكون حبلى بالأحداث، لاسيما أن رئيس الوزراء العراقي كان قد تعهد لترامب بحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما قد يضعه امام خيارين شديدي الخطورة؛ ما بين المغامرة بإثارة غضب الولايات المتحدة وعدم تنفيذ الزيدي لتعهداته وبين خيار آخر يتمثل بإصرار الزيدي على نزع السلاح واحتمالية اندلاع مواجهة عسكرية مع العديد من الفصائل.
في السياق، يرى الباحث وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل الدكتور علي أغوان أن الوضع في العراق لم يعد يقبل القسمة على اثنين، بما يعني أن مستقبل الزيدي السياسي يعتمد على قدرته على حسم الموقف وإنهاء مرحلة توازن الضعف ما بين الدولة والجماعات المسلحة.
ويتابع أغوان أن الضغط الخارجي على الحكومة العراقية كبير لأجل إنهاء ملف هذه الجماعات بالقوة، في حين أن المشهد العراقي منقسم بين محورين، حيث يخشى الأول الذهاب نحو حرب اهلية طاحنة بسبب عملية نزع السلاح، ومحور آخر يرى أن الدولة غير قادرة على إنجاز هذه المهمة وقد تفشل فيها، مما يعيد البلاد للخيار الأول الي قد يفضي لتدخل الفاعل الخارجي لإنهاء هذا الملف بالقوة.
وعن تشخيصه للمعضلة العراقية، يرى أغوان أن اغلب الجماعات المسلحة المتبقية خارج إطار تسوية السلاح – التي ترفض تسليم سلاحها – تؤكد أنها لن تسلمه “إلا للإمام المهدي”، بما يؤكد أن هذه الفصائل لا تعترف بقرار الدولة فيما يخص إعلان الحرب والسلام بحسب منهجيتها العقائدية، وهو ما يعني أن ستتصرف لوحدها بمعزل عن ارادة البرلمان والقائد العام للقوات المسلحة .
وبالمحصلة، يؤكد أستاذ العلوم السياسية أن العراق بات الآن يواجه ما وصفه بـ”الخيار المر” الذي تم تأجيله منذ عام 2017 بعد نهاية الحرب على الإرهاب، مبينًا أن العراق بات الآن على المحك وأن خيار تأجيل نزع السلاح لم يعد متاحًا كما كان في السابق، حيث يراد للعراق أن يكون جزء من المعادلة الجديدة في المنطقة التي تتمحور حول مسارات تأمين الطاقة وتأمين سلاسل التوريد العالمية بعيدًا عن معادلة السلاح والمجاميع غير الخاضعة للدولة، وفق قوله.
التحالف الثلاثي.. رسالة تحذير
وفي خضم التطورات الأمنية الإقليمية والصراع الأميركي الإيراني، أُعلِنَ في مكة المكرمة، الجمعة الماضية، عن توقيع اتفاقية دفاعية ثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان التي نصت على تطوير أوجه التعاون الدفاعي كافة، في سبيل تعزيز الردع الجماعي في مواجهة أي عمل عدواني.
وتُعد الاتفاقية الدفاعية الثلاثية أحدث تحالف بين 3 دول كبرى من العالم الإسلامي، حيث اعتبرت الاتفاقية أي هجوم مسلح على السعودية أو تركيا أو باكستان، هجومًا على جميعها، ما يدشن مرحلة جديدة من تحالف عسكري سيكون له دوره في الصراع الإقليمي المستمر منذ أشهر، لا سيما أن التحالف يضم أكبر اقتصاد نفطي في المنطقة متمثلًا بالسعودية، إضافة إلى قوة نووية باكستانية، وتركيا العضو في حلف الناتو والتي باتت صناعاتها العسكرية محط أنظار العالم.
ويأتي الإعلان عن التحالف الثلاثي في خضم ما تعرضت له دول الخليج العربي، من بينها السعودية، لاستهدافات إيرانية متكررة خلال الأشهر الماضية خلال الحرب على إيران، ووفي ظل تهديدات الفصائل العراقية والحوثية باستهداف السعودية.
وكان مسؤول سعودي قد أكد أن المملكة مستعدة لهجوم كبير ومنسق من قبل الميليشيات المدعومة من إيران في العراق واليمن، مدعومة من الحرس الثوري الإيراني في الوقت الذي حذرت فيه إيران دول الخليج من أن تجدد الهجمات الأمريكية، سيؤدي إلى رد انتقامي يستهدف محطات تحلية المياه ومنشآت الطاقة في جميع أنحاء المنطقة ومن بينها السعودية.
ويمثل الاتفاق الثلاثي رسالة تحذير شديدة لطهران مفادها أن شنّ طهران لأي هجوم كبير على السعودية قد يؤدي لتفعيل بنود الاتفاقية، ويجر باكستان وتركيا إلى دخول مواجهة مفتوحة مع إيران، بما قد يؤدي فعليًا لاتساع نطاق الحرب بشكل كبير.