• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

صديقان رغمًا عنهما.. هل تصل علاقة ترامب ونتنياهو السامة إلى نهايتها؟

هبة بعيرات٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦

Florida 2025 – Reuters

لم تكن العلاقة بين الزعيمين اليمينيين ترامب ونتنياهو يومًا بالبساطة والتوافق التام الذي تحاول قوى اليمين تصويره؛ فبين إلغاء الزيارات الدبلوماسية والمشادات الكلامية واستثناء “إسرائيل” من مفاوضات هامة مع طهران وحلفائها ازداد التكهن في الدوائر السياسية والمنصات الإعلامية حول تصدّع العلاقة بينهما. 

فترامب الذي ناضل من أجل إصدار عفو عن نتنياهو في محاكمته التي يواجهها في الداخل الإسرائيلي لم يدعم الأخير حتى اللحظة في انتخاباته المقبلة؛ حيث يشير البعض إلى رغبة دفينة لدى إدارة ترامب بتجاوز شخص نتنياهو وفتح صفحة جديدة في الداخل الإسرائيلي الأمر الذي سيتيح هامشًا أوسع لواشنطن للتحرك في ملفات خارجية عالقة بسبب تعنت حكومة اليمين الإسرائيلي. 

فما هي أوجه الافتراق بين ترامب ونتنياهو؟ وهل تحوّل الأخير إلى عبء سياسي على ترامب بالفعل؟ كيف يؤثر تقارب ترامب-نتنياهو على حظوظ الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة؟ وكيف تلقت القاعدة الانتخابية لماجا هذا التقارب؟ هل يحسن الديمقراطيون استغلال الأزمة؟ يحاول هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.

أهداف متباينة في الشرق الأوسط

بينما يتشارك ترامب ونتنياهو أهدافًا عامة في الشرق الأوسط؛ يفترق الطرفان في الاستراتيجية والأهداف المرحلية. فرغم أن واشنطن وتل أبيب شنتا الهجمة العسكرية الأخيرة على طهران نهاية فبراير/شباط الماضي بالتزامن، وظهرتا في بداية العملية ككتلة واحدة صلبة في مواجهة البرنامج النووي الإيراني؛ ما لبث الطرفان أن افترقا في موجة من التوتر الظاهر رغم محاولة إنكاره.

فنتنياهو الخارج من مجتمع قتالي يقتات على عداوة الجوار، ورغم أن وكالات الإعلام تتسابق لتربط أعماله العسكرية برغبته الحثيثة للبقاء في السلطة وتأجيل محاكمة قد تنهي حياته السياسية؛ إلا أنه يسعى إلى نصر عسكري ساحق ضد طهران لا يكتفي بتدمير ترسانتها النووية والصاروخية وإسقاط نظامها الحاكم، بل ويمتد إلى إنهاء نفوذ حلفائها وأذرعها في المنطقة. وحتى ذلك الحين يسعى نتنياهو إلى نقل ثقل الصراع إلى دول المنطقة ولواشنطن لتحصد “إسرائيل” ثمرته الاستراتيجية المباشرة وطويلة الأمد على السواء، دون تكلفة باهظة قد تطيح بحظوظه في الانتخابات الإسرائيلية المزمع إقامتها نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل. 

بينما يسعى ترامب الذي يفكر بمنطق الصفقات والربح والخسارة لتحقيق ضربات سريعة، على غرار عمليته في فنزويلا، تظهره بمظهر القائد المتفوق الذي تجرأ على ما جبن عليه غيره. فبعد أن توجّهت إرادته لإسقاط النظام الإيراني وتدمير الترسانة النووية والصاروخية الإيرانية؛ وجد نفسه في مأزق يتعلق بأمن الطاقة العالمي وتصدر لدى إدارته ملف مضيق هرمز وكيف يمكن لواشنطن أن تتوصل لأفضل صيغة اتفاق ترفع عن اقتصادها الثقل المتزايد.

وقد أشارت تقارير أمريكية لتوتر العلاقة بين ترامب ونتنياهو مع تصاعد حدة المواجهة في طهران والافتقاد لأفق واضح خاصة في ظل اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي لكلا الرجلين. فقد وصف ترامب نتنياهو، وفق إكسيوس وإيه بي سي نيوز، بعد أشهر قليلة من انطلاق الأعمال العدائية ضد طهران بالرجل المجنون في ظل تعنت الأخير وتهديده بقصف العاصمة اللبنانية بيروت ورفضه التوافق مع أجندة واشنطن المعنية بتخفيض حدة المواجهة وإيجاد حل دبلوماسي سريع يضمن للرئيس الأمريكي دعاية انتخابية قوية دون تبعات اقتصادية وسياسية مدمرة. 

وقد أشار ليبنر، من مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي، في مقابلة مع مجلة نيوزويك، إلى أن اللحظة السياسية الحرجة التي يواجهها الرجلان بأجندات وأدوات تنفيذ متباينة قد تؤدي عاجلًا أو آجلًا لتصادمهما، حيث يجد ترامب نفسه في ورطة وسط جمهوره نتيجة تعنت نتنياهو ما يدفع به للضغط المتزايد على الأخير بغية الدفع قدمًا بعملية متعثرة وسلام لا أفق له مع طهران. 

أما في قطاع غزة فيبدو طموح ترامب أكثر تواضعًا إذ تضع الإدارة الآن جلّ اهتمامها بمجلس السلام الذي تريد من خلاله الظهور بمظهر منقذة الشرق الأوسط وداحرة الإرهاب وراعية السلام. مكتفية بما قدّمته حركة حماس من تنازلات عن الحكم ونية تسليم السلاح والتوافق على صيغة حكم مدنية تكفل لأهل القطاع عملية إنقاذ إنساني وإعادة إعمار دولية ناجعة. 

في الوقت الذي يبدو نتنياهو غير معني بأي حل قريب مهما كان حجمه؛ فالسيطرة على الأرض بصورة دائمة ومحاربة عدو دائم تكفل له تدفق الدعم العسكري وحرية التحرك في المنطقة يبدوان أكثر إغراء لنتنياهو من عرض ترامب السريع. 

فقد كشف رفض نتنياهو عن خطة مجلس السلام الذي شكّله الرئيس ترامب، لإنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية في القطاع، بعد أن وصفها ترامب بأنها اختراق تاريخي وسوّقها كإنجاز كبير لإدارته، عن تباين “الاحتياجات الأساسية” لكلا الطرفين لتخطي عتبة الانتخابات المقلبة كما نقل موقع إكسيوس. 

مفترق الطرق على أبواب صناديق الاقتراع

وإذن، عانت العلاقات الرسمية بين ترامب ونتنياهو من محطات توتر وشد وجذب عدة خلال الأشهر الماضية نتيجة تباين المصالح واختلاف الاستراتيجية، وبينما يواجه كلا الرجلين امتحانًا انتخابيًا صعبًا خلال الأسابيع القليلة المقبلة؛ يبدو أن مقاربتهما للخلطة السحرية الأنجع لتخطي هذا الامتحان قد وصلت إلى حدّ التصادم.

إذ تواجه واشنطن سخطًا شعبيًا متزايدًا نتيجة الحرب التي جرّتها إليها تل أبيب ضد طهران. فمن خيبة الأمل التي حلّت على القاعدة الانتخابية لترامب، والتي تشكّل صمّام الأمان للحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة، نتيجة تخلف ترامب عن تنفيذ وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب الأبدية والعمل على إحلال السلام بالتركيز على سياسة “أمريكا أولًا”، إلى الأعباء الاقتصادية المتزايدة التي حلّت ضيفًا ثقيلًا على موائد الأمريكيين ورفعت تكلفة وقودهم وموادهم الغذائية وخدماتهم الأساسية لصالح حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. 

يخشى الحزب الجمهوري أثر هذه الاحتجاجات على تجديد حضورهم وتحكمهم في شقي الكونجرس وما لذلك من مآلات على قدرتهم على تنفيذ أجنداتهم للسنتين المقبلتين على أقل تقدير. 

فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للدراسات واستطلاعات الرأي يوليو/تموز الماضي أن نسبة استياء الأمريكيين من “إسرائيل” ارتفعت من 43% عام 2022 إلى 62% العام الجاري. بينما أشار استطلاع رأي سابق للمركز أجراه مارس/آذار الماضي أن شعبية نتنياهو بين الأمريكيين تراجعت لنسبة 27% بعد أن كانت 32% العام الماضي.

وفي المقابل تشير استطلاعات رأي إسرائيلية بتراجع ثقة الإسرائيليين بترامب وحدود الدعم الذي قد يقدمه لهم؛ إذ أبدى 28% فقط موافقتهم على أن “إسرائيل” تحتل رأس أولويات ترامب. كما تشير استطلاعات أخرى أن شعبية ترامب وصلت حدودها الدنيا بين الإسرائيليين بمجرد توقيع مذكرة التفاهم مع طهران بحر الصيف الماضي والتي جرى التخلي عنها لاحقًا.

وفي مقابلة أجراها عضو الكنيست الإسرائيلي ورئيس حزب “إسرائيل بيتنا”، أفيغدور ليبرمان، مع صحيفة جيروزاليم بوست، مطلع يوليو/تموز الماضي، أشار ليبرمان إلى الدور السلبي الذي لعبه نتنياهو في زعزعة العلاقة الراسخة بين واشنطن وتل أبيب وأضاف أن نتنياهو قد تحول إلى عبء على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عشاة الانتخابات النصفية الأمريكية الأمر الذي دفع ترامب لمحاولة تجنب نتنياهو وفقًا لليبرمان.

وقد وصف محللون أمريكيون-إسرائيليون إحباط ترامب من نتنياهو أنه ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير؛ فبحسب دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق لـ”إسرائيل”، عانى كل رئيس أمريكي من صدام ما مع نتنياهو وصلت مع بعضهم إلى درجة الإحباط؛ إذ كانت إيران هي نقطة الخلاف الأساسية مع واشنطن، وعندما وجد نتنياهو أخيرًا من يوافقه التوجه بضرب البرنامج النووي الإيراني، سرعان ما تحول إلى عبء ثقيل على كاهل ترامب وتحولت العلاقة التي تربطهما إلى علاقة سامة وباهظة سياسيًا. 

وفي حديث له مع نيوزويك أشار يوسي ميكيلبيرج، وهو استشاري أول في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمركز “تشاتام هاوس”، إلى ضرورة تلافي الولايات المتحدة لدعم نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لأن ذلك لا يصب في مصلحة واشنطن إذ بات من الواضح للجميع العقبات السياسية الكبرى التي تواجه حكومة نتنياهو في الداخل والخارج. مضيفًا أن رفض نتنياهو الصادم لخطة مجلس السلام يظهر الإدارة الأمريكية ضعيفة وتفتقر للرؤية وهو آخر ما تحتاجه الإدارة عشية انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.

وبرغم العلاقة المتذبذبة بين شخصي ترامب ونتنياهو تبدو شخصيات مؤيدة لـ”إسرائيل” في الإدارة الأمريكية حريصة كل الحرص على إظهار خلاف ذلك؛ ففي تصريح لستيف ويتكوف مبعوث ترامب للشرق الأوسط وأحد المقربين من حكومة نتنياهو، قال إن حرص ترامب على تجنب أزمة إنسانية في قطاع غزة لا يشير إلى تباين بوجهات النظر بينه وبين نتنياهو، وهو تصريح متناقض لا يظهر إلا أولوية بعض وجوه الإدارة الأمريكية البارزة لتحريك ملفات الشرق الأوسط لصالح “إسرائيل” دون أدنى اعتبار لأي طرف آخر. 

أضاف جيمس هيويت، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، أن ترامب بخلاف التكهنات الصحفية لا ينوي التخلي عن “إسرائيل”، وأن الأخيرة لم تحظ بتاريخها بصديق أفضل من ترامب. 

وفي ظل التاريخ القريب لترامب في خدمة “إسرائيل”؛ حيث حققت ولايته الرئاسية الأولى أكبر أحلام اليمين الإسرائيلية جموحًا من اعتراف بالجولان والقدس الشرقية جزءًا من “إسرائيل” إلى محاولات ضم الضفة والتطبيع مع العالمين العربي والإسلامي، يستبعد أن تحمل امتعاضات ترامب الشخصية أثرًا يُذكر على التزام واشنطن بأمن ومصلحة “إسرائيل”.

ففي تأكيد للمحلل السياسي الإسرائيلي نيمرود فلاشنبيرغ، أشار إلى أن أنصار نتنياهو قد أصيبوا بالفعل بالذعر من فكرة انقلاب ترامب على حكومة نتنياهو وإيقاف ما كانوا يظنونه دعمًا مطلقًا وغير محدود. غير أنه أضاف أن القطيعة الشخصية بين الزعيمين لا تعني بالضرورة تخلي واشنطن عن تل أبيب وهي علاقة راسخة لعقود تتجاوز شخص الرئيس الأمريكي إلى قطاعات من الناخبين والداعمين والممولين المؤيدين لـ”إسرائيل”.

انشقاقات ماجا 

رغم أن الديمقراطيين يسجلون عادة نسبة أعلى في انتقاد سياسات “إسرائيل” إلا أن الجمهوريين أيضًا أبدوا انقسامًا حادًا بالرأي حول شخصية وسياسات نتنياهو؛ إذ سجل 45% نوعًا من الثقة برئيس الوزراء الإسرائيلي، بينما صوّت 44% لصالح فقدان الثقة بشخصه وسياساته. وهو انقسام حادّ يلقي بآثاره على القواعد الانتخابية التي كانت تقف حتى وقت قريب موقفًا صلبًا لدعم مرشحي الحزب الجمهوري بينما بات تفسّخها الظاهر يهدد بنتائج غير محمودة في الاختبارات الانتخابية.

ففي استطلاع الرأي الذي أجراه مركز بيو أبريل/نيسان الماضي تبين أن 57% من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 49 باتوا يمتلكون نظرة سلبية لـ”إسرائيل” وهي نسبة ارتفعت عن نسبة العام الماضي التي سجلت 50%. 

أما في استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة جالوب فقد سجّل انخفاضًا في شعبية “إسرائيل” بنسبة عشر نقاط بين الجمهوريين مقارنة ببداية الألفية رغم النسبة المرتفعة التي وصلت 70% ممن يؤيدون “إسرائيل”. 

وقد حظيت حركة ماجا “فلنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” التي خرج ترامب من ظهرانيها وكان بمثابة الأب الروحي لها قبل أن تفسد تل أبيب تلك العلاقة الوثيقة، بنصيب الأسد في الانتقادات الموجهة لأثر حكومة نتنياهو على السياسة الخارجية الأمريكية. فحلفاء البارحة الذين شكلوا درعًا قوية لتسويق ودعم إدارة ترامب؛ باتوا اليوم خصوم لدودين لها بسبب تقاربها مع حكومة نتنياهو وتبنيها لأجندة الأخيرة.

شخصيات مثل النائبة عن ولاية جورجيا مارجوري تايلر جرين والنائب عن ولاية كنتاكي توماس ماسي والنائب السابق لترامب ستيف بانون ومقدم البرامج الشهير تاكر كارلسون باتوا يشكلون فريقًا يتنامى جمهوره يومًا بعد يوم ويهدد بتفسخ اليمين الجمهوري المحافظ وقيمه التاريخية بالمحافظة على علاقة لا تتزعزع بـ”إسرائيل”. 

ركّز المنشقون عن ترامب من حركة ماجا على نقاط تتعلق بتأبيد الحروب التي تثقل كاهل المواطن الأمريكي وتوفر الدعم غير المشروط لـ”إسرائيل” مقابل ملفات داخلية مأزومة تتعلق بالصحة والتعليم والخدمات الأساسية مستجلبين سياسة نتنياهو العسكرية المبنية على التصعيد والتوسع بدلًا من الاحتواء والدبلوماسية المبنية على القوة والتي تمجدها الحركة في أدبياتها. 

كما أضافت وجوه ماجا اليمينية المحافظة إلى شعار “أمريكا أولًا” شعارات أخرى متعلقة بسلامة وأمن المسيحيين الفلسطينيين الذين تلعب خلفية ماجا الإنجيلية دورًا متعاطفًا معهم في مقابل العنف والعنصرية غير المحدودين اللذين عملت حكومة نتنياهو على تمكينها بين المستوطنين في الضفة الغربية.

فقد استضاف تاكر كارلسون في عدة حلقات من بودكاسته مسيحيين فلسطينيين من أمثال القسيس الفلسطيني منذر إسحاق، أو آخرين زاروا البلاد المقدسة، مثل الراهبة أجابيا سيفانوبولوس، لإلقاء الضوء على التطهير العرقي والجرائم العنصرية التي يرتكبها المستوطنون بدعم من الحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب ضد مسيحيي البلاد وأماكنهم المقدسة. 

ورغم أن “إسرائيل” تشكّل موضوعًا ساخنًا لنقاشات المنشقين من الحركة إلا أنّ جوهر الإنتقاد ينساق لسياسات “إسرائيل” في المنطقة والتي تنفّذها حكومة نتنياهو اليمينة المتطرفة؛ إذ أن الشك حول مشروعية الكيان بمنأى عن الحكومة التي تقوده ما زال محاصرًا بقوة في الولايات المتحدة ويتلقى أصحابه القلائل اتهامات جاهزة بمعاداة السامية والتحريض. 

فقد وجّه النائب عن ولاية كنتاكي توماس ماسي هجومًا لاذعًا على نتنياهو والتحالف الملتف حوله في الكونجرس الأمريكي معتبرًا أنه نتنياهو يحاول تجنيد الكونجرس لدعم موقفه المفضوح في الداخل الإسرائيلي من ناحية ولتجديد شرعيته المتهتكة على المستوى الدولي. 

كما وافقه نائب ترامب السابق وأحد ابرز المنشقين عنه ستيف بانون والذي اعتبر أن سياسة نتنياهو الرامية إلى توريط واشنطن بمزيد من الحروب في الشرق الأوسط هي المسؤولة عن تنفير أكثر وجوه ماجا صلابة في دعم “إسرائيل” تاريخيًا إذ باتت تؤمن يومًا بعد يوم بالدور الذي يلعبه نتنياهو في إشعال شرارة حرب إقليمية مدمرة. 

وقد تهافتت وكالات أنباء وجهات إعلامية جمهورية، من بينها فوكس نيوز ونيوز ماكس وديلي واير، منذ اندلاع حرب واشنطن ضد طهران على اتهام ترامب بالضعف والخضوع لإرادة نتنياهو وكون الأخير يتحكم بقرارات البيت الأبيض ويتلاعب بمقدرات واشنطن في الشرق الأوسط. حتى أن صحيفة ذا هيل قد استنتجت أن “نتنياهو لا ترامب هو من سيترك الأثر الأعمق في مستقبل الحزب الجمهوري”. 

يأتي هذا الانشقاق المتزايد في القاعدة الجمهورية بينما يواصل الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي والذي يشن هجومًا لاذعًا وغير مسبوق على “إسرائيل” وسياساتها الإبادية في الشرق الأوسط، صعوده المبهر وخاصة في الولايات المتأرجحة ذات الثقل مثل ميشيجان؛ حيث فاز عبد الرحمان السيد، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ على المرشحة الديمقراطية المدعومة بشدة من قبل آيباك وجماعات الضغط الإسرائيلية الأخرى هالي ستيفينز. 

الديمقراطيون في المرصاد

يبدو الديمقراطيون أكثر تماسكًا في موقفهم من حكومة نتنياهو سواء على مستوى المؤسسة التي كالت انتقادات لأداء الحكومة وسياساتها في قطاع غزة والضفة الغربية وطالبت نتنياهو بتقديم ضمانات لوقف الانتهاكات وتحسين الأوضاع الإنسانية، أو الجناح التقدمي الذي قطع ميلًا إضافيًا بالمطالبة بقطع الدعم العسكري بالكلية ومساءلة “إسرائيل” على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

وقد اتخذت المؤسسة الديمقراطية من الضفة الغربية التي لا تخضع لحكم حركة حماس مثالًا حيًا لكيل الانتقادات لحكومة نتنياهو؛ فقد وجه نواب ديمقراطيون نداءات عدة في الكونجرس الأمريكي بخصوص هجمات المستوطنين في الضفة الغربية متهمين إدارة ترامب بالوقوف وراء تسليحهم وإعطاء حكومتهم الضوء الأخضر لارتكاب جريمة التطهير العرقي في الضفة الغربية.

وفي رسالة وجهها 19 نائبًا ديمقراطيًا لصحيفة الجارديان، حذّر النواب من نية حكومة نتنياهو بضم الضفة الغربية وارتكاب جرائم وانتهاكات بحق المدنيين فيها متهمين ترامب بدعم هذه الهجمات خاصة وأنه ألغى العقوبات التي كانت إدارة بايدن قد أوقعتها ضد قادة المستوطنين في الضفة. 

بينما ظل انتقاد المؤسسة لدور حكومة نتنياهو في حرب الإبادة في قطاع غزة خاضعًا لحسابات سياسية دقيقة ركزت على المدنيين وضرورة توفير المساعدات الإنسانية وتقليص صفقات الأسلحة التي “قد تستخدم” في هجمات عشوائية بين المدنيين. فقد هاجم النائب الديمقراطي الذي يلعب دور الجسر بين الجناح التقدمي والمؤسسة الديمقراطية التقليدية، كريس فان هولن، صفقة السلاح الأخيرة التي وقع عليها ترامب بقيمة 2.8 مليار دولار أمريكي لصالح “إسرائيل” قائلًا إنها تفتقر لضمانات حماية المدنيين وتهدد بتوسيع الصراع في الشرق الأوسط وسط دمار إنساني غير مسبوق في قطاع غزة. 

وعلى صعيد إيران؛ فقد اتهم هولن ترامب بالوقوع ضحية لتلاعب نتنياهو الذي وجد فيه “رئيسًا غبيًا بما يكفي” ليحقق طموحاته التوسعية بصورة تهدد الاستقرار والأمن القومي والمصالح الأمريكية على السواء؛ في ظل تعالي أصوات ومطالبات الديمقراطيين لعزل ترامب من منصبه على خلفية تورطه في حرب طهران. 

وقد تسارع الضغط  في الكونجرس لمحاصرة حرب ترامب “غير القانونية” ضد طهران بحسب وصف ممثلين من الحزبين. فقد صوّت مجلس النواب لثلاث مرات متتالية على قانون سلطة الحرب 1973 لتقييد سلطة ترامب وإرغامه على إنهاء العملية العسكرية ضد طهران. وقد حصل التصويت الأخير الذي جرى في الخامس عشر من سبتمبر/أيلول على تأييد 220 نائب مقابل رفض 204 نواب. 

وبينما نجح مجلس الشيوخ بتمرير تصويت على قانون سلطات الحرب يونيو/حزيران الماضي بـ50 مقابل 48 صوتًا، فشل المجلس في تمرير التصويت لشهر سبتمبر/أيلول بفارق ضئيل هو صوت واحد 49-50 ما يعكس تخبطًا تشريعيًا وضغطًا سياسيًا هائلًا يشير إلى عمق الأزمة التي تعانيها إدارة ترامب في تورطها بحرب طهران أكثر مما ينفيها. 

يأتي اصطفاف الديمقراطيين في مواجهة نتنياهو كنوع من الضغط السياسي على إدارة ترامب؛ خاصة في ظل علاقة متوترة ومعقدة جمعت نتنياهو بالرؤساء الديمقراطيين في العقد الماضي سواء أوباما أو بايدن إلى الحد الذي دفع بصحيفة البوليتيكو لوصفه بـ”الجمهوري الإسرائيلي” حيث يتقاطع مع اليمين الأمريكي المحافظ أكثر من تقاطعه مع الحزب الذي باتت قاعدته الانتخابية تميل باضطراد نحو اليسار.

ورغم أن الحزب الديمقراطي يستخدم ورقة نتنياهو للمماحكة السياسية وإحراج المعارضة وتحقيق مكاسب انتخابية في ظل تغير جذري تشهده الساحة الأمريكية العامة بخصوص تل أبيب وحضورها في السياسة الأمريكية؛ إلا أن التركيز على شخصية نتنياهو وسياسات حكومته ككبش فداء وبوصفه المضرّ بمصلحة “إسرائيل” والمعكّر لصورتها في الخارج، يضمن تبييضًا ليد المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية وتغاضيًا عن الجريمة المنظمة التي تتبناها الدولة بمؤسساتها الحاكمة والمعارضة على السواء والتي لا يمثّل نتنياهو سوى فصلٍ من فصولها المتعاقبة.

علاماتأمريكا وإسرائيل ، الإنتخابات الأمريكية ، الانتخابات الأمريكية ، الانتخابات الأمريكية 2026 ، الانتخابات الإسرائيلية 2026
مواضيعأزمات ترامب ، الانتخابات الأمريكية 2026 ، الانتخابات الإسرائيلية ، الانتخابات الإسرائيلية 2026 ، السياسة الأمريكية

قد يعجبك ايضا

سياسة

مأزق العدالة في سوريا: السير في حقل ألغام بين الانتقام والاستقرار

ملايكة كانانه تابر٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

القضية الكردية أكبر من “قسد”.. حوار مع عبد الباسط سيدا

علي مكسور٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

محمد أحمد الراشد.. المفكر العراقي الذي مزج الأدب بفقه الدعوة

فريق التحرير٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑