في السادس من أغسطس/ آب 2026، وجّه نيكولاي ميلادينوف، الممثل السامي لقطاع غزة في “مجلس السلام”، شكرًا علنيًا إلى دولة الإمارات، وذكرها إلى جانب قطر وتركيا ومصر والولايات المتحدة، تقديرًا لدورها في دعم مسار المفاوضات. وبما أن الإمارات لم تكن مُدرجة ضمن الوسطاء الرسميين في محادثات وقف إطلاق النار، فإن الإشادة تُعدّ أقرب إلى كشف جزئي لدور ظلّ يعمل في الظل.
وبعد ثلاثة أيام، في التاسع من أغسطس/ آب، جاء ما هو أوضح دلالة؛ فقد نُقل عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، في معرض الحديث عن مشروع “المدينة الخضراء” شرقي رفح، أن دولة الإمارات هي الجهة التي ستتولّى البناء والتمويل، وأن سلطات الاحتلال طلبت رسميًا أن تتولّى الميليشيات المحلية المتعاونة معها مهامّ الإدارة الأمنية وتفتيش السكان داخلها، ما ينقل الدور الإماراتي من إشارة دبلوماسية عابرة في تصريحات مجلس السلام إلى إقرار إسرائيلي صريح بدور مباشر.
هاتان الإشارتان، المتتاليتان خلال أيام معدودة، أعادتا الأنظار إلى دور ظلّ مواربًا وغير واضح في التغطية منذ الشهور الأولى للحرب؛ إذ إن الدور المُعلن ارتبط أساسًا بجهود الإغاثة التي عُرفت باسم حملات “الفارس الشهم“، بتسهيلات إسرائيلية، إلا أن الدور غير المعلن الذي أدّته الإمارات في صياغة “اليوم التالي” لقطاع غزة يمتدّ في جذوره إلى ما قبل خطة ترامب، ويتّصل بمسارات دبلوماسية وأمنية متشعّبة، تكشفها محطات عديدة، جلّها سرّي وجزء منها علني.
اليوم التالي وصراع الإرادات
شكّل “اليوم التالي” عنوانًا خلافيًا منذ الشهور الأولى للحرب، ومع اتساع حدة حرب الإبادة، برز سؤال طبيعة الحكم في القطاع بعد انتهاء العمليات العسكرية، وارتبط به ملفّ الأمن وإدارة المعابر وإعادة الإعمار وصلة غزة بالضفة الغربية. وتقاطعت حوله ثلاث رؤى متمايزة، تجمعها قناعة واحدة تقوم على قاعدة مفادها أن “وضع ما قبل السابع من أكتوبر لن يعود”، وتفرّقها الأهداف والأدوات.
الرؤية الإسرائيلية، كما طرحها نتنياهو مطلع عام 2024 وكرّرها أمام الكونغرس في يوليو/ تموز من العام نفسه، قامت على رفض أي حكم فلسطيني متّصل بحماس أو بالسلطة (“لا حماستان ولا فتحستان”، بتعبيره)، والاتّكاء على أطراف محلية لإدارة الشأن المدني، مع احتفاظ “إسرائيل” بالسيطرة الأمنية.
أما واشنطن في عهد بايدن، فاتّفقت مع تل أبيب على إقصاء حماس، لكنها رفضت وجودًا أمنيًا إسرائيليًا دائمًا، وتحوّل موقفها، بعد الرفض الإسرائيلي لعودة السلطة، نحو تولّي قوة عربية زمام الأمور لفترة انتقالية بمرجعية دولية. في المقابل، طرحت “السداسية العربية” تصوّرًا يرتكز على نقل الحكم بالكامل إلى السلطة الفلسطينية، مع مسار سياسي يفضي إلى الدولة، وهو ما تسرّب أن بلينكن رفضه بذريعة عدم واقعيته.
على الجانب الفلسطيني، ظلّ الموقف ثابتًا على أن أي ترتيب لليوم التالي يجب أن يكون وطنيًا خالصًا وبتوافق داخلي، غير أن هذا التوافق تعذّر إنجازه، فلم تُفلح التدخلات المتلاحقة ومؤتمرا موسكو وبكين، ولا مخرجات قمة فلسطين في القاهرة، في بلورة صيغة جامعة، وبقي الانقسام ثغرة نفذت منها المشاريع الخارجية.
ضمن هذا المشهد، تمايزت الإمارات بموقف انفصل عن المواقف العربية المعلنة؛ فمن جانب، رفضت الأطروحات الإسرائيلية التي تُبقي وجودًا أمنيًا في القطاع تحت غطاء عربي. وردًا على تصريح نتنياهو، في مايو/ أيار 2024، بأن أبوظبي قد تساعد في إدارة غزة، أعلن الشيخ عبد الله بن زايد أن الإمارات لن تكون “غطاءً وداعمًا” للبقاء الإسرائيلي، وأن نتنياهو لا يملك الحق القانوني في تحديد تلك الخطوات.
لكن، من جانب آخر، كان هناك تمايز بارز ارتكز إلى تحفّظها على عودة السلطة بقيادتها الراهنة إلى الحكم؛ إذ رأت، كما وثّقت رئيسة مركز الإمارات للسياسات، أن رئيس الحكومة محمد مصطفى يفتقر إلى الاستقلالية والقدرة على الإصلاح. وبالتالي، فقد رسمت الإمارات مسارًا ثالثًا، انطلقت منه رؤيتها الخاصة.
الرؤية الإماراتية وملامحها المبكرة
لم يبقَ الموقع الثالث الذي اختارته الإمارات في حدود التحفّظ، وتبلور في تصوّر عملي متكامل كانت أبوظبي أول من طرحه من طرف عربي؛ ففي السابع عشر من يوليو/ تموز 2024، كشفت لانا نسيبة، مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية، في مقال بصحيفة “فايننشال تايمز“، عن رؤية ترتكز على تشكيل “بعثة دولية مؤقتة” في القطاع، تتولّى ثلاث مهام: الاستجابة للأزمة الإنسانية، وإرساء النظام والقانون، ووضع أسس حكومة مؤهّلة تُمهّد لتوحيد الضفة والقطاع تحت سلطة فلسطينية شرعية واحدة. واشترطت نسيبة أن يكون تشكيل هذه البعثة بدعوة رسمية من حكومة فلسطينية بقيادة رئيس وزراء جديد يتمتّع بالكفاءة والاستقلالية، وأن يقترن بالتزام أمريكي قوي بحلّ الدولتين، وبتعاون إسرائيلي، بوصف “إسرائيل” قوة محتلة.
وبعد أيام قليلة، في الخامس والعشرين من يوليو/ تموز، أعادت ريم الهاشمي، وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي، تثبيت هذا التصوّر بتصريحات رسمية، أكّدت فيها أن الأمن والاستقرار ينطلقان من حل عادل ومستدام، ومسار سياسي يقود إلى دولة فلسطينية مستقلة، وأن العودة إلى ما كان سائدًا قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول لا يمكن أن تُحقّق سلامًا مستدامًا، وأن أبوظبي على استعداد للقيام بدورها ضمن جهد مستدام لحلّ الصراع.
وقد جرى تسويق هذا التصوّر داخليًا بوصفه “أول تصوّر عملي يأتي من طرف عربي”، يأخذ في الاعتبار مصالح الحدّ الأدنى لكل الأطراف: الفلسطيني والعربي والإسرائيلي والأمريكي، ويُشركها جميعًا في الترتيبات. وهي صياغة تكشف عن طموح أبوظبي إلى موقع المُبادِر الذي يُدير دفّة هندسة مستقبل القطاع.
في موازاة الطرح العلني، جرت تفاعلات أقلّ ظهورًا؛ فقد أشارت مصادر إعلامية إلى اجتماع عُقد في أبوظبي خلال يوليو/ تموز 2024، بدعوة من عبد الله بن زايد، ضمّ بريت ماكغورك، مستشار الرئيس الأمريكي في حينه، ورون ديرمر، وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي المقرّب من نتنياهو، إضافة إلى مسؤولَين دفاعيَّين إسرائيليَّين.
وبحسب ما نُقل، استهدف اللقاء تجسير الهوّة بين الموقف الإماراتي والموقفين الأمريكي والإسرائيلي. واللافت أنه انعقد بعد يوم واحد من نشر نسيبة تصوّرها في “فايننشال تايمز”، وهو تزامن يوحي بحجم التحرّك ومستواه وغطائه الرسمي.
تقاطع خطة ترامب والرؤية الإماراتية
بين طرح أبوظبي في صيف عام 2024 وخطة ترامب ذات النقاط العشرين، التي أُعلنت في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، يمتدّ خيط من التطابق في العناصر يصعب ردّه إلى المصادفة؛ فالبنية التي اقترحتها نسيبة، من إدارة دولية مؤقتة، وحكومة تكنوقراط مؤهّلة، وتهميش البنية الوطنية لصالح إدارة مدنية بديلة، وإعادة إعمار مموَّل خليجيًا، وربط بمسار سياسي، تجد نظائرها المباشرة في هيكل خطة ترامب: “مجلس السلام” بوصفه سلطة انتقالية، ولجنة تكنوقراط فلسطينية تُدير الشأن اليومي، ونزع سلاح المقاومة، وقوة استقرار دولية.
هذا التقاطع يكشف أن الأفكار الإماراتية شكّلت البنية الرئيسية التي انطلقت منها صياغة الخطة الأمريكية، دون أن يعني ذلك اشتقاقًا حرفيًا؛ فالأدقّ أن أبوظبي كانت صاحبة الطرح المبكر الذي رُحّلت عناصره إلى الوثيقة الأمريكية بعد أكثر من عام.
هذا التقاطع شكّل امتدادًا لمسار عربي منظّم سبق إدارة ترامب؛ ففي عهد بايدن، تحرّكت مجموعة عُرفت بـ”الدول الست”، تضمّ الإمارات والسعودية ومصر والأردن وقطر، إلى جانب السلطة الفلسطينية، وتولّت التنسيق مع وزير الخارجية أنتوني بلينكن، وطرحت تصوّراتها لليوم التالي خلال جولاته المكوكية، غير أن ذلك المسار اصطدم بحدوده حين رفض بلينكن التصوّر العربي، وبقيت المبادرة العربية معطّلة بين رفض أمريكي وتعنّت إسرائيلي تجاه أي أفق سياسي.
مع انتقال الملف إلى إدارة ترامب، اتّسعت هذه النواة لتصبح إطارًا لثماني دول منخرطة في المسار، استكمالًا لما بدأته “الدول الست”. وضمن هذا الحراك، احتفظت الإمارات بموقع متقدّم، مستندة إلى ثلاثة عناصر منحتها أفضلية على شركائها: علاقاتها التطبيعية بحكومة الاحتلال الإسرائيلي، التي لم تُقطع ولم تُخفَّض طوال الحرب، وثقلها التمويلي في ملف الإعمار، وحضورها المبكر في صياغة التصوّر ذاته، ما جعل أبوظبي الطرف العربي الأقدر على العبور بين الضفاف الأمريكية والإسرائيلية والعربية في آنٍ واحد.
ومن هذه الأرضية، اكتسب التقاطع بُعده العملي، وتحوّلت الرؤية الإماراتية إلى الإطار المرجعي الذي يجري التحرّك ضمن صياغاته، في الوقت الذي ظلّت فيه التصوّرات العربية الأخرى حبيسة شرط التوافق الفلسطيني المتعذّر، وشكّلت الصيغة التي حملتها أبوظبي المقترح الأكثر انسجامًا مع ما تقبله “إسرائيل” وترعاه الولايات المتحدة.
الدور الإماراتي المتوقّع في غزة
فيما يتجاوز النصوص وينتقل إلى الدور العملي، فإن تفاصيل الترتيبات الجارية ترسم دورًا إماراتيًا يتجاوز التمويل والإغاثة، وينسجم مع فيتو إسرائيلي رافض لأي مشاركة قطرية أو تركية في اليوم التالي، سواء في القوة الدولية أو لجان التحقّق أو مركز المراقبة المدني والعسكري، مقابل ترحيب بالدور الإماراتي وتسهيل له.
ويعكس هذا التمييز فرزًا استراتيجيًا تنظر فيه تل أبيب إلى النفوذ القطري بوصفه معاديًا لا يناسب حساباتها، بينما تجد في النفوذ الإماراتي المرتبط باتفاقيات التطبيع شريكًا يُطمأنّ إليه. وقد رصد الباحث جيمس دورسي هذا المسعى مبكرًا، حين كتب في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 أن محمد بن زايد يناور، بدعم من نتنياهو، لإحلال الإمارات محلّ قطر بوصفها اللاعب الخليجي الرئيسي في غزة ما بعد الحرب، وأن الطرفين يريان في المساعدات والإعمار المموَّل إماراتيًا وسيلة لتهميش حماس.
يتّضح هذا الموقع المتقدّم في بنية هياكل مجلس السلام؛ فريم الهاشمي عضو في المجلس التنفيذي لغزة، وعدد من أعضاء لجنة التكنوقراط (اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة) تربطهم صلات مباشرة بأبوظبي أو بتيار محمد دحلان المدعوم إماراتيًا. والأهمّ رمزيًا ووظيفيًا أن نيكولاي ميلادينوف، الذي عيّنه ترامب ممثلًا ساميًا وحلقة الوصل بين لجنة التكنوقراط ومجلس السلام، هو، في الوقت نفسه، المدير العام لأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، المؤسسة الحكومية المعنيّة بإعداد الدبلوماسيين الإماراتيين.
هذا التداخل بين موقع يديره الرجل باسم الإدارة الدولية وموقع يشغله داخل مؤسسة إماراتية سيادية هو ما دفع موقع ميدل إيست آي (Middle East Eye) إلى وصفه بأنه “رجل الإمارات في غزة”، في توصيف يعكس حجم المساحة المتاحة أمام أبوظبي للتأثير في مفاصل القرار على الأرض وتشكيل مستقبل القطاع في هذه اللحظة التاريخية.
ويتقاطع مع هذا المسار عودة لافتة لمحمد دحلان إلى الواجهة؛ فقد أفادت مصادر بأنه أدّى دورًا في الساعات الأخيرة قبل الاتفاق على خارطة الطريق التي اقترحها ميلادينوف للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، مستندًا إلى شبكة علاقاته داخل القطاع ومع الفصائل الفلسطينية، وإلى قناة اتصال مع الإدارة الأمريكية والمبعوث جاريد كوشنر، أكّدها دحلان نفسه بخصوص المرحلة الثانية. وهو ما يضع تيارًا فلسطينيًا مدعومًا إماراتيًا في قلب إدارة قنوات الاتصال، ويمنحه فضلًا في استمرار تماسك الاتفاق.
وتتكثّف هذه الخيوط جميعًا في مشروع “رفح الخضراء” أو “غيتو رفح”؛ فبحسب ما نُقل عن مكتب نتنياهو، فإن الإمارات هي جهة البناء والتمويل للمدينة المزمعة شرقي رفح، ضمن “الخط الأصفر” الخاضع للسيطرة العسكرية، مع طلب إسرائيلي رسمي بأن تتولّى الميليشياتُ من بقايا مجموعة ياسر أبو شباب الإدارةَ الأمنية وتفتيش السكان.
وتكتسب هذه التفصيلة سندًا ميدانيًا سابقًا حول دور للإمارات في دعم الميليشيا؛ إذ سبق أن نُشرت صور من مواقع تمركز هذه المجموعة شرقي رفح، تضمّنت لوحات سيارات إماراتية، ما يجعل الصلة بين التمويل الخارجي والذراع الأمنية المحلية أكثر من مجرّد افتراض.
وإلى جانب كل هذه المعطيات، كشفت مصادر خاصة لـ”نون بوست” أن تيار محمد دحلان المدعوم إماراتيًا يجري تحركات على الأرض في قطاع غزة، شملت تفاعلًا واسعًا مع شخصيات ومهنيين من أجل تحضيرهم لملء الشواغر الحكومية فور وصول لجنة التكنوقراط إلى القطاع. وأكّدت المصادر أن التمويل الرئيسي، حتى الآن، لعمل اللجنة التي ستتولى مهمة إدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية هو تمويل إماراتي، وأن التعهّد المالي الرئيسي لتيسير العمل الحكومي هو من المصدر التمويلي ذاته.
ويكشف هذا المشهد، بمجمل تفاصيله، أن الإمارات كانت لاعبًا رئيسيًا ومحوريًا تحرّك خلف الكواليس في العديد من المساحات الميدانية والسياسية، بهدف تولّي المسؤولية الرئيسية في رسم مستقبل اليوم التالي في القطاع، بتسهيلات إسرائيلية واضحة قُدّمت بموازاة تضييقات ورفض مُطلق لأدوار عربية وإسلامية أخرى.
يأتي ذلك في الوقت الذي تجاهر فيه الإمارات بأن مشروعها لا يستوي ولا يمكن أن ينجح دون التخلّص من الحضور المقاوم الفلسطيني بشكل كامل، والدفع بأطروحات “نزع التطرّف“، التي ترى فيها الإمارات مسارًا أكثر جدوى لخلق أفق لتوسيع “الثقافة الإبراهيمية” القائمة على اتفاقيات التطبيع والتعايش مع المحتل.