• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

محسن رضائي: جنرال “كأس السم” يعود لمركز القرار في إيران

أحمد الطناني١١ أغسطس ٢٠٢٦

أعلنت الرئاسة الإيرانية، الأحد التاسع من أغسطس/آب 2026، تعيين اللواء محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، خلفًا لمحمد باقر ذو القدر، الذي أُعلن أنه استقال من منصبه. وبالتوازي، صدر مرسومٌ نُسب إلى مجتبى خامنئي، يعيّن رضائي ممثلًا له داخل المجلس، ليجمع بذلك بين الأمانة والتمثيل، وهما المهمتان اللتان كان يتولاهما ذو القدر، فيما نُقل الأخير إلى موقع مستشار سياسي للمرشد.

تكمن حساسية هذا التعيين في توقيته وموقعه معًا؛ فالموقع هو ذاته الذي شغله علي لاريجاني، السياسي المحنّك ورجل التوازنات الدقيقة، قبل أن تغتاله إسرائيل في غارة على ضاحية طهران في مارس/آذار 2026؛ وهو موقعٌ تحوّل، في ظل الحرب، من أمانة تنسيقية إلى ما يشبه مركز إدارة الدولة الفعلي.

أما التوقيت، فيأتي بعد أشهرٍ قليلة فقط من تولّي ذو القدر المسؤولية، ووسط أنباء متواترة عن خلافات بينه وبين الحرس الثوري على خلفية معالجاتٍ داخلية، فيما تمسّك الرئيس مسعود بزشكيان بذو القدر، ودفع الحرس باتجاه رضائي، وهو ما مالت إليه القيادة العليا الجديدة، الممثَّلة بمجتبى خامنئي.

وبالتالي، يُقرأ التعيين بوصفه مؤشرًا على طبيعة اللحظة الانتقالية التي يمرّ بها المستوى السياسي والقيادي في إيران، في ظل حربٍ مفتوحة، وفراغاتٍ تركتها الاغتيالات في الصف الأول، وإعادة تموضعٍ حذرة بين مؤسسة الرئاسة والحرس والمرشد الجديد.

ثوري منذ البدايات

وُلد محسن رضائي ميرقائد في الأول من سبتمبر/أيلول 1954، في مدينة مسجد سليمان بمحافظة خوزستان، جنوب غربي إيران، لعائلة بختيارية متدينة. ومسجد سليمان ليست مدينة اعتيادية؛ فهي من أوائل مدن النفط الإيرانية، حيث جاور الثراءُ الاستخراجيُّ التهميشَ الاجتماعي، وتداخل فيها الريف والقبيلة والدولة الحديثة. وفي مثل هذه البيئة الخشنة، تشكّل وعيٌ مبكر بالدولة بوصفها أداة صعودٍ وفضاء صراعٍ معًا.

انتقل في شبابه إلى الأهواز للدراسة في مدرسةٍ تابعة لشركة النفط الوطنية، وبدأ باكرًا نشاطه المعارض لنظام الشاه، حتى اعتقله جهاز “السافاك” وهو في نحو السابعة عشرة، فقضى أشهرًا في الحبس الانفرادي. وتفسّر هذه البداية جانبًا جوهريًّا في تكوينه، كونه ممن دخلوا الثورة من باب المحنة المبكرة والعمل السري ودفع الثمن باكرًا، وليس ممن التحقوا بالنظام بعد قيامه.

انتقل عام 1974 إلى جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا في طهران لدراسة الهندسة الميكانيكية، غير أن ملاحقة “السافاك” وتصاعد نشاطه قطعا مساره الجامعي. وبعد انتهاء الحرب العراقية–الإيرانية، عاد إلى مقاعد الدراسة من بوابةٍ مختلفة تمامًا، فنال الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة طهران عام 2001.

ويشكّل الانتقال من الهندسة إلى الاقتصاد مفتاحًا لفهم صورته اللاحقة، بوصفه رجلًا سعى، بوعيٍ ظاهر، إلى إعادة تشكيل نفسه من قائدٍ ميداني إلى مسؤولٍ يفكّر في الدولة بلغة الموارد والتوازنات والمصالح العليا للنظام.

إيران تعلن تعيين محسن رضائي أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي / reuters

رجلٌ يعرف ثمن الاستمرار وثمن التراجع

مع انتصار الثورة عام 1979، انخرط رضائي في البنى المسلحة الجديدة، وكان من مؤسسي منظمة “مجاهدي الثورة الإسلامية”، قبل أن ينضم إلى الحرس الثوري بُعيد مساهمته في صياغة الميثاق التأسيسي للجهاز الذي سيلعب الدور الأكثر محورية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

وفي نحو السابعة والعشرين من عمره، أصبح القائد العام للحرس عام 1981، وبقي في هذا الموقع حتى عام 1997؛ أي طوال سنوات الحرب مع العراق كافة تقريبًا.

عكف خلال هذه المدة الطويلة على بناء الحرس بوصفه مؤسسةً تمثّل مشروع دولةٍ موازية، يتقاطع فيها الأمن والعقيدة والاقتصاد والسياسة. وأُسّست في فترة قيادته مراكز حيوية في إيران؛ منها جامعة الإمام الحسين، ومقر “خاتم الأنبياء” للبناء والإعمار، وجامعة “بقية الله” للعلوم الطبية، إلى جانب تأسيس القوات البرية والجوية والبحرية التابعة للحرس الثوري.

من أكثر المواقف دلالةً على تكوينه ما يُنسب إليه في الأدبيات الإيرانية عند الحديث عن نهاية الحرب وقبول القرار 598، في ما وصفه الخميني بـ”تجرّع كأس السم“، فالثابت تاريخيًّا أن القيادة قبلت وقف الحرب تحت وطأة الاستنزاف، وأن تقديرات القادة العسكريين للكلفة والقدرة كانت من العوامل الحاسمة.

وتُنسب إلى رضائي تقييماتٌ عسكرية أظهرت حجم الموارد والوقت اللازمين لمواصلة القتال بشروط النصر، وهو ما ساعد في كشف حدود القدرة الفعلية للدولة، وقد صاغت هذه التجربة شخصيته بوصفه رجلًا يعرف ثمن الاستمرار وثمن التراجع معًا.

مرّ تحت قيادته، أو في ظلها، جيلٌ من القادة الذين صاروا لاحقًا رموزًا للنظام، من بينهم قاسم سليماني، كما تداخل مساره لاحقًا مع رجال دولةٍ وأمنٍ من طراز علي لاريجاني. وهذا يمنحه، اليوم، قيمة “حلقة الوصل الحيّة” بين أجيال النظام، كونه يعرف الحرس من الداخل، ويعرف رجال المؤسستين الدينية والسياسية، ويعرف كيف تُدار التسويات داخل النظام.

محسن رضائي بجانب قاسم سليماني- جهان نيوز

البراغماتي المتشدد بشعبية متواضعة

حين غادر قيادة الحرس أواخر التسعينيات، اتّجه رضائي إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام؛ المؤسسة التي تقوم وظيفتها على المواءمة بين العقيدة والمصلحة، وبين النص والضرورة. وقد قرّبه بقاؤه فيه سنواتٍ طويلة، ولا سيما في ظل رئاسة هاشمي رفسنجاني، من فضاء البراغماتية المؤسساتية، دون أن يتخلى عن هويته المحافظة الأصولية؛ فهو قادرٌ على التحدث بلغة الأمن حين يلزم، وبلغة الاقتصاد حين يلزم، وبلغة “مصلحة النظام” حين تحتدم التناقضات.

شغل منصب نائب الرئيس في عهد الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، كما خاض تجارب ترشح رئاسية متكررة دون أن يصل إلى الرئاسة قط؛ إذ ترشّح عام 2009 في الانتخابات التي فاز بها أحمدي نجاد، ولم ينل سوى نحو 1.7% من الأصوات، ثم حلّ رابعًا عام 2013، خلف روحاني وقاليباف وجليلي.

وفي هذه المفارقة دلالةٌ مهمة؛ فالرجل كان دائمًا كبيرًا بما يكفي ليكون حاضرًا في اللعبة، لكنه لم يكن الخيار الذي أرادته الدولة العميقة لرأس السلطة التنفيذية.

في تصوّراته المعلنة، مال رضائي إلى خطابٍ اقتصادي–أمني يمزج شعار الاكتفاء الذاتي و”اقتصاد المقاومة” بلغة إدارة الموارد، مع تشددٍ في ملفات السيادة والدفاع. ووفق هذا الإطار، لم يكن خصمًا شخصيًّا حادًّا للإصلاحيين والمعتدلين بالقدر الذي كانت عليه شخصياتٌ أمنية أكثر تصلبًا، لكنه، في الوقت نفسه، ليس واحدًا منهم، ولا يحمل “خيالهم السياسي”؛ إنه ابن البنية الصلبة الذي يجيد التحدث مع أطرافٍ متعددة داخل النخبة.

مسارٌ مثيرٌ للجدل

تقاطعت سيرة رضائي الخاصة مع واحدةٍ من أكثر المحطات إيلامًا في صورته العامة، وهي القصة المرتبطة بابنه الأكبر أحمد رضائي، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة في أواخر التسعينيات، وطلب اللجوء السياسي، ووجّه انتقاداتٍ حادة إلى النظام، ثم عاد لاحقًا عن مواقفه.

في أواخر عام 2011، عُثر عليه ميتًا في غرفته بأحد فنادق دبي، في ظروفٍ أحاطت بها رواياتٌ متباينة؛ فقد أعلن مكتب والده الوفاة دون تفصيل، بينما رجّح كثيرون فرضية الانتحار، فيما أفادت شرطة دبي لاحقًا بأن الوفاة نجمت عن جرعةٍ دوائية زائدة، وسط تلميحات من جهات عدة إلى احتمال تعرضه للاغتيال على يد النظام الإيراني.

في جانب آخر، يحمل رضائي واحدًا من أثقل الملفات الجدلية في سيرته العلنية؛ ففي السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2007، أصدرت الإنتربول، بناءً على طلب القضاء الأرجنتيني، “نشرة حمراء” بحقه، على خلفية اتهامه بالضلوع في تفجير مركز الجالية اليهودية “آميا” في بوينس آيرس عام 1994، الذي أودى بحياة 85 شخصًا وأصاب المئات، بصفته قائدًا للحرس الثوري آنذاك.

وقد تجدّد هذا الملف في السنوات الأخيرة؛ إذ قضت السلطات الأرجنتينية عام 2025 بمحاكمة مسؤولين إيرانيين غيابيًّا، من بينهم رضائي، بعد إعلانها رسميًّا تحميل طهران وحزب الله مسؤولية التفجير. وتنفي إيران هذه الاتهامات جملةً وتفصيلًا، وتعدّها ذات دوافع سياسية.

راكم رضائي، على مدى عقود، جملةً من التصريحات التصعيدية في ملفات الإقليم والردع، أثار بعضها جدلًا داخليًّا وخارجيًّا، وعزّز صورته لدى خصومه بوصفه أحد وجوه “الدولة العميقة” الأمنية.

غير أن الصورة ليست أحادية؛ فموقعه الطويل في مجمع تشخيص مصلحة النظام جعله، في لحظاتٍ عديدة، أقرب إلى منطق البراغماتية منه إلى منطق التعبئة، وهذه الازدواجية هي ما يجعل قراءة شخصيته عصيّةً على التصنيف النهائي.

محسن رضائي يتوسط القائدين في الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي وأمير علي حجازده في طهران في الثالث من كانون الثاني/يناير 2023 © عطا كناره / ا ف ب/AFP

في دلالات التعيين

يُقرأ استدعاء رضائي إلى موقع أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي على أنه رسالتان في آنٍ واحد: الأولى إلى الداخل المؤسسي، مفادها أن الجيل المؤسس ما زال قادرًا على ملء الفراغات ونسج الصلات بين المراكز حين يُستنزف الصف الأول؛ والثانية أن النظام، في لحظة اختناقٍ وجودي، يفضّل الرصيد التاريخي غير القابل للطعن داخل المعسكر الصلب على المخاطرة بوجوهٍ أقل رسوخًا.

لكن الأهم أن الموقع الذي يتسلّمه ليس موقعًا عاديًّا؛ فقد راكم، في ظل لاريجاني، صلاحياتٍ تجاوزت التنسيق إلى ما يشبه إدارة الدولة في زمن الحرب، وهي مهمة لم تظهر فيها بصمة ذو القدر، الذي تولّى المسؤولية بعد اغتيال سلفه، ما يجعل تولّي الموقع مهمةً تتطلب قدرات استثنائية وحضورًا واضحًا.

محسن رضائي خلال فعالية أُقيمت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لإحياء ذكرى الاستيلاء على السفارة الأمريكية عام 1979. مرتضى نيكوبذل/نورفوتو

وفي هذا الإطار، فإن وصول رضائي إليه، بدفعٍ من الحرس وتراجع تمسّك بزشكيان بذو القدر، يعني أن ميزان القوى بين مؤسسة الرئاسة والحرس يميل لصالح الأخير بصورة حاسمة في المرحلة الحالية، وأن القيادة الجديدة ما زالت تبحث عن توازناتها، على غرار التوازن الدقيق الذي كان سائدًا في عهد المرشد السابق علي خامنئي.

وخلال الحرب، قدّم رضائي مواقف متشددة تجاه المفاوضات؛ إذ وصف ترامب بأنه يفتقر إلى “الحكمة والتروي”. وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (IRIB)، صرّح بأن الهجمات المضادة التي شنّتها إيران خلال أحدث موجة من التصعيد أجبرت القوات الأمريكية في المنطقة على تغيير مواقعها، وقال: “لقد عرقلت إيران خطتهم؛ إذ أُجهضت حرب ترامب الثالثة ضد إيران في منتصف الطريق، ما أضاف فشلًا ذريعًا إلى إخفاقاته السابقة”.

وفي شأن مضيق هرمز، قال رضائي، في منشور على منصة “إكس”، إنه في حال استمرار الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية، فإن “السفن والقوات الأمريكية ستواجه مخاطر جسيمة وستتكبد خسائر بشرية”، ويرى رضائي أن إيران وعُمان تتمتعان بالسيادة على هذا الممر المائي الحيوي.

وفيما يتعلق بالمفاوضات، أعلن رضائي سابقًا أن المفاوضات مع الولايات المتحدة قد “انتهت”، واصفًا إياها بأنها “مجرد جسر للعبور، وليست التزامًا دائمًا”. وفي حديث سابق مع شبكة CNN في يونيو/حزيران، قال رضائي إنه في حال فشل المحادثات، فإن إيران مستعدة لاحتمال غزو أمريكي لأراضيها، مضيفًا: “حينها سيدرك العالم القدرات الحقيقية لإيران”.

وفي هذا المسار الحرج، الذي لم تخرج منه إيران حتى هذه اللحظة، يبقى السؤال الجوهري معلّقًا: هل عاد رضائي ليكون رجل “شدّ العصب” وحماية المركز، أم رجل الخروج المُكلف من الحرب، على غرار دوره في لحظة “كأس السم”؟ لا تسمح الوقائع الظاهرة بالجزم، لا سيما أن القيادة الجديدة تبدو أميل إلى التشدد ورفض خفض التصعيد.

والأرجح أنه ليس منقذًا سحريًّا ولا صانعَ عقدٍ اجتماعي جديد، وسيعمل وفق قواعد “إدارة البقاء”، حتى الوصول إلى لحظة العبور السياسي، إن قرّر مركز القرار أن العبور صار أولوية.

علاماتالحرس الثوري الإيراني ، السياسة الإيرانية ، الشأن الإيراني ، المشهد الإيراني ، النظام الإيراني
مواضيعالحرس الثوري الإيراني ، السياسة الإيرانية ، الشأن الإيراني ، المشهد الإيراني

قد يعجبك ايضا

سياسة

“تسمدو”: تحالف الخصوم الذي يطوّق آبي أحمد

محمد مصطفى جامع١١ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

اتفاقية عمرها 90 عامًا.. كيف تتحكم تركيا في دخول السفن إلى البحر الأسود؟

نون إنسايت١١ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

انتصار عبدول السيد: صفعة انتخابية للمؤسسة الديمقراطية و”أيباك”

ديفيد سميث١١ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑