• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

اليمن على صفيح ساخن.. لماذا اشتعلت الجبهات الآن؟

عماد عنان١٠ أغسطس ٢٠٢٦

دخل اليمن خلال الأيام الماضية مسارًا تصعيديًا يُعد الأخطر والأشد عنفًا منذ الهدنة المبرمة عام 2022، بعدما تصاعدت المواجهات بين جماعة أنصار الله “الحوثيين” من جهة، والحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية من جهة أخرى، في عدد من الجبهات، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والمصابين.

واتسعت رقعة التصعيد هذه المرة لتشمل مساحات واسعة من الجغرافيا اليمنية، من مأرب إلى حضرموت، ومن تعز إلى الحديدة والضالع، وسط استخدام مكثف للطائرات المسيّرة والهجمات الصاروخية والتحركات البرية، بما أعاد المخاوف من الانزلاق نحو حرب برية واسعة قد تنسف حالة الهدوء النسبي التي خيمت على البلاد خلال السنوات الأربع الماضية.

ولا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن سياقه الإقليمي الأوسع، في ظل الاضطرابات التي أفرزتها الحرب الأمريكية ضد إيران، وما تركته من انعكاسات مباشرة على مجمل مشهد التوتر في المنطقة، وفي مقدمتها الجبهة اليمنية التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى ورقة ضغط مؤثرة وساحة متقدمة ضمن معادلة الصراع الإقليمي.

وبين تصاعد المواجهات الميدانية، واتساع رقعتها، أفقيًا ورأسيًا،  وتداخلها مع حسابات القوى الإقليمية، يبرز السؤال الأهم: إلى أين يتجه المشهد في اليمن؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ وهل يكتفي بجغرافيته الضيقة أم الأمر مرشح لتجاوز الجغرافيا اليمنية؟  وهل نحن أمام جولة ضغط محدودة، أم أن البلاد تقف على أعتاب حرب جديدة؟

تصعيد لافت

منذ استهداف مطار صنعاء، وما أعقبه من إعلان الحوثيين فرض حظر بحري على السعودية في العشرين من يوليو/تموز الماضي، تشهد الساحة اليمنية تصعيدًا استثنائيًا في وتيرة المواجهات، بعدما أعلنت الجماعة النفير العام ووسعت نطاق عملياتها عبر عدة محاور، تركزت في البحر الأحمر وخليج عدن، والداخل السعودي، إلى جانب المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية والقوات المتحالفة معها بقيادة السعودية.

غير أن المواجهات أخذت، منذ الخميس السادس من أغسطس/آب الجاري، مسارًا أكثر عنفًا وخطورة، مع انتقال مركز الثقل بصورة لافتة إلى الداخل اليمني، فقد شن الحوثيون هجمات مكثفة على معسكرات ومواقع تابعة للقوات السعودية والقوات الموالية للحكومة اليمنية في محافظتي مأرب وحضرموت، قالوا إنها أسفرت عن مقتل أعداد كبيرة من القوات اليمنية، فضلًا عن تدمير معسكرات وتحشيدات عسكرية ومخازن أسلحة، بحسب الرواية الحوثية.

ومع استمرار هذا التصعيد اللافت وغير المسبوق، عادت إلى الأذهان أجواء عام 2015، حين دخل الصراع اليمني مرحلة الحرب المفتوحة، وهو ما عزز المخاوف من تجاوز المواجهات الحالية للخطوط الحمراء والانزلاق مجددًا نحو مواجهة شاملة، خاصة في ظل الانخراط السعودي المباشر في المشهد، وتحول أراضي المملكة إلى هدف متكرر للطائرات المسيّرة والصواريخ الحوثية.

وفي المقابل، تصاعدت لهجة الحكومة اليمنية، وسط تهديدات برد عسكري قاسٍ وتكبيد الحوثيين خسائر فادحة، بما يرفع منسوب القلق من أن تكون الجولة الحالية مقدمة لمرحلة أكثر سخونة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك التي استقرت نسبيًا خلال السنوات الماضية.

خارطة التصعيد

تكشف متابعة المشهد اليمني أن خارطة التصعيد الراهنة تتمحور حول خمس جبهات رئيسية، تتصدرها جبهة مأرب والجوف، لما تمثله من أهمية استراتيجية واقتصادية، خاصة أن مأرب تعد أحد أبرز مراكز الثقل للحكومة اليمنية، حيث شنت جماعة الحوثيين هجمات مكثفة استهدفت معسكرات ووحدات عسكرية مرابطة في مأرب وحضرموت، إلى جانب منشآت مدنية، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف العسكريين.

أما الجبهة الثانية فتتمثل في الساحل الغربي وميناء المخا، اللذين تحولا إلى مسرح رئيسي للتصعيد، بالتزامن مع دخول البحر الأحمر ومضيق باب المندب على خط المواجهة بوصفهما ساحة استراتيجية بالغة الأهمية وورقة ضغط مؤثرة في أيدي الحوثيين وطهران معًا.

وتأتي جبهة الضالع ولحج، على البوابة الجنوبية، كثالث بؤر التصعيد، حيث استهدف الحوثيون مدرسة “علي عنتر” في منطقة “حبيل السوق”، إلى جانب قرية “المعزوب” ومنطقة “الأبحور” الواقعتين عند المدخل الغربي لمدينة قعطبة، ما أدى إلى سقوط عدة قذائف بالقرب من الأحياء السكنية وتصاعد المخاوف من امتداد المواجهات إلى المناطق المأهولة.

وفي الشمال، تبرز صعدة باعتبارها الجبهة الرابعة في خارطة التصعيد، حيث شنت القوات الحكومية، باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية، عمليات نوعية متصاعدة ضد أهداف ومواقع عسكرية تابعة للحوثيين، في تطور يعكس انتقال المواجهة إلى مناطق تمثل عمقًا استراتيجيًا للجماعة، وأخيرًا، تأتي جبهة تعز في الجنوب الغربي لتكمل خماسي خارطة التصعيد، بعدما استهدفت القوات الحكومية مواقع وتجمعات للحوثيين في جبهتي “الضباب” و”غراب” غربي المدينة، وجبهة “الصلو” جنوب المحافظة، فضلًا عن مواقع في جبهة “مقبنة” بالريف الغربي.

وبذلك، لم يعد التصعيد محصورًا في جبهة بعينها كما كان في السابق،  بل امتد على طول خطوط تماس متباعدة جغرافيًا، شمالا وجنوبًا،  بما يعكس اتساع رقعة المواجهة ويعزز المخاوف من تحول الاشتباكات المتفرقة إلى حرب برية أوسع نطاقًا في ظل حالة الاحتقان والتحشيد التي تهيمن على طرفي الصراع.

دلالة التوقيت

لا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن توقيته وسياقه العام، فما تشهده الساحة اليمنية منذ أواخر يوليو/تموز وحتى اليوم يتجاوز حدود الخلاف اليمني الداخلي، ليمتد إلى الداخل السعودي، ومنه إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، في مشهد يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة ربط الجبهة اليمنية بالتصعيد الإقليمي الأوسع، في ظل الحرب الأمريكية ضد إيران.

ومن هنا، يحمل توقيت التصعيد عدة دلالات، أبرزها محاولة طهران تعزيز أوراقها التفاوضية قبل أي تسوية محتملة مع واشنطن، ورفع كلفة استمرار الحرب، عبر توسيع نطاق الضغط من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر،  فإدخال هذين الممرين الحيويين في معادلة المواجهة من شأنه أن يترك تداعيات كبيرة على حركة التجارة والطاقة والاقتصاد العالمي، وهو ما تراهن عليه طهران وتسعى إلى توظيفه كورقة ضغط استراتيجية.

وتبرز دلالة أخرى بصورة أوضح خلال اليومين الماضيين، وتتعلق باختبار منظومة الردع السعودي الجديدة، فتوقيت استهداف مصفاة جازان لم يكن، في هذا السياق، تفصيلًا عابرًا، إذ جاء عقب توقيع اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، ما يفتح الباب أمام قراءة التصعيد باعتباره اختبارًا لجدية هذا التحالف وحدوده، ومدى استعداده للانتقال من الإطار السياسي إلى مستوى الردع العملي.

وإلى جانب ذلك، يمكن النظر إلى فتح الجبهة اليمنية بهذه الوتيرة العنيفة، ومحاولة جر السعودية إلى مواجهة أوسع، باعتباره رسالة إنذار مبطنة للرياض تدفعها إلى التمسك، على الأقل ظاهريًا، بمقاربة الحياد تجاه الحرب، وتحذرها من أي انخراط أكبر إلى جانب الولايات المتحدة، وهي رسالة ليست الأولى من نوعها التي تبعث بها طهران إلى المملكة عبر الورقة الحوثية.

وفي المجمل، يسعى الإيرانيون، ومعهم الحوثيون، من خلال هذا التصعيد إلى تثبيت معادلة جديدة قبل أي تسوية مقبلة، مفادها أن خيار الاتفاق يظل قائمًا من جهة، بينما يبقى خيار توسيع دائرة الاشتعال الإقليمي من هرمز إلى باب المندب، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، حاضرًا من جهة أخرى، ويتزامن ذلك مع محاولة تعزيز موقع الحوثيين داخل المعادلة اليمنية، بوصفهم إحدى أوراق النفوذ التي تلجأ إليها طهران كلما اقتضت حساباتها ذلك.

وفي ضوء المشهد الراهن بكل أبعاده، تجد السعودية وقوات التحالف والحكومة اليمنية نفسها أمام اختبار بالغ الحساسية؛ فإما المضي في التصعيد العسكري بهدف حسم هذا الملف، بما يحمله هذا السيناريو من مخاطر كبيرة في توقيت إقليمي شديد التعقيد، وإما ضبط مستوى الرد وفق معادلة “الضربة مقابل الضربة” حفاظًا على مسار التفاوض، وهو خيار قد يكون أقل اندفاعًا سياسيًا، لكنه يظل مكلفًا لوجستيًا ومستنزفًا للرياض وحلفائها على المدى الطويل.

مواضيعالأزمة اليمنية ، البحر الأحمر ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحوثيون ، الشأن اليمني

قد يعجبك ايضا

سياسة

تاريخ الضفة الأخرى.. الأردن وخرائط “إسرائيل الكبرى”

سجود عوايص١٠ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

دبلوماسية السلاح.. كيف تربط تركيا جيوش العالم بصناعاتها الدفاعية؟

خالد أصلان١٠ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

عند حافة البحر.. صور أقمار صناعية ترصد تكدس خيام النازحين على ساحل غزة

نور علوان١٠ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑