ترجمة وتحرير: نون بوست
قبل عشرين عامًا، وجدت دولة الإمارات نفسها في قلب عاصفة سياسية عارمة في واشنطن، إذ أثار سعي الدولة الخليجية الغنية بالنفط للاستحواذ على ستة موانئ بحرية أمريكية كبرى من خلال شركة “دي بي وورلد” أو “موانئ دبي العالمية” اللوجستية المملوكة لدبي، موجة عارمة من الاستياء بين المشرعين الأمريكيين.
وكان اثنان من خاطفي الطائرات الذين نفذوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول قبل خمس سنوات فقط ينحدران من الإمارات. وزعم بعض أعضاء الكونغرس أنّ الإمارات تشكل مركزًا لتمويل تنظيم القاعدة وتمثل “مشكلة مستمرة في مجال مكافحة الإرهاب”، وحذروا من تهديد جسيم للأمن الأمريكي إذا سُمح للإمارات بإدارة موانئ استراتيجية.
ولم يشفع للإمارات أنّها كانت الدولة العربية الوحيدة التي نشرت قوات لدعم الحرب الأمريكية في أفغانستان، أو أنّ إدارة بوش قد أيّدت صفقة الموانئ بالفعل، فقد أجبرت تلك الضجة العارمة شركة “دي بي وورلد” على الانسحاب من الصفقة.
في الوقت ذاته، مثلت تلك الواقعة محطة تحول فاصلة لدولة الإمارات – ولعلاقتها مع الولايات المتحدة. وفي أبوظبي، عقد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي كان آنذاك ولي عهد أبوظبي النافذ والمعروف اختصارًا بـ (إم بي زي)، اجتماعًا طارئًا لمستشاريه، مؤكدًا لهم أنّ هذه “الأزمة” قد كشفت عن سوء فهم عميق وجذري لدى أغلب الأمريكيين لطبيعة الإمارات، وأنّه قد حان الوقت لتصحيح الأمر.
وقد فعلوا ذلك بالفعل. فبعد عقدين من الزمن، أصبح محمد بن زايد رئيسًا لدولة الإمارات – وبات السياسيون والقادة العسكريون الأمريكيون ينظرون إلى الدولة الخليجية باعتبارها أحد أقوى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حيث أُطلق عليها لقب “سبرطة الصغرى” الذي يعكس الإعجاب بقدراتها. وفي الثامن والعشرين من يوليو/تموز، أعلن الجيش الأمريكي أنه يعمل مع الإمارات على تسريع تطوير “الذكاء الاصطناعي العسكري”.
إلى جانب العلاقات العسكرية، سعت أبوظبي بنشاط إلى توظيف مبلغ 1.7 تريليون دولار الذي تديره من خلال صناديق الثروة السيادية والشركات المدعومة حكوميًا للاستثمار بقوة في أمريكا – ومع عائلة الرئيس دونالد ترامب.
لم يعد الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون يشعر بنفس القدر من القلق الشديد إزاء الاستثمارات في المجالات الحساسة للأمن القومي الأمريكي. فقد منح ترامب مؤخرًا الإماراتيين حق الوصول إلى بعض رقائق الحاسوب الأمريكية الأكثر تقدمًا، وذلك بعد أشهر قليلة فقط من استثمار أحد أفراد العائلة المالكة الإماراتية بمبلغ 500 مليون دولار في شركة العملات المشفرة التابعة لعائلة ترامب.
وفيما يخص الشيخ محمد بن زايد، الذي اتخذ قرارًا بإعادة ضبط استراتيجيته، فقد صرح ترامب في يونيو/حزيران قائلًا: “صاحب السمو محارب”، مضيفًا أنّ الإمارات “دولة رائعة”.
ويُنظر إلى الطريقة التي استطاعت بها دولة الإمارات، وهي دولة ذات حكم ملكي مطلق، كسبَ تأييد واشنطن، من قِبل الأصدقاء والخصوم على حد سواء، باعتبارها نموذجًا مثاليًا لكيفية إدارة حملة علاقات عامة حكومية في العاصمة الأمريكية.
لم تكن الأمور تمضي بسلاسة دائمًا، فقد أثارت الولايات المتحدة غضب الإماراتيين باحتضانها الضمني لانتفاضات الربيع العربي عام 2011 التي هددت الوضع الراهن في الشرق الأوسط، وبقرارها توقيع الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران.
وفي الآونة الأخيرة، اختبرت حرب ترامب مع إيران حدود نفوذ محمد بن زايد، بعدما أصبحت الإمارات الهدف الرئيسي للرد الإيراني. فقد أثارت وابلات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية تساؤلات حول صورة الاستقرار التي تتمتع بها البلاد وجدوى طموحاتها في أن تصبح مركزًا عالميًا للتكنولوجيا.
وتقول باربارا ليف، التي شغلت منصب السفيرة الأمريكية لدى أبوظبي بين عامي 2014 و2018، ثم تولت لاحقًا منصب الدبلوماسية الأولى لأمريكا في الشرق الأوسط: “إن الإماراتيين يدركون تمامًا أن لديهم نطاق تأثير، وقدرة على الوصول، وتأثيرًا واسعًا، ولكن في نهاية المطاف، لم يكن لهم صوت أو رأي في حرب اندلعت على أعتاب دارهم، وتلقوا بسببها النصيب الأكبر من الهجمات”.
ومع ذلك، فقد عزز هذا الواقع القناعة الراسخة في أبوظبي بضرورة تكثيف العلاقات. فقد وضعت الدولة رهانًا استراتيجيًا على شراكتها مع الولايات المتحدة وتوثيق روابطها مع إسرائيل، ويؤكد المسؤولون أنّها لا تنوي المضي في المسار ذاته فحسب، بل وتسعى جاهدة لتعزيز وتعميق تلك العلاقات.
عندما أقام ترامب حفل عيد ميلاده الثمانين على عشب البيت الأبيض هذا الصيف، لم يحضر استعراض “القتال النهائي” سوى سفيرين اثنين فقط: السير كريستيان تيرنر سفير المملكة المتحدة، ويوسف العتيبة سفير دولة الإمارات.
وقد أُرسل المستشار السابق للشيخ محمد بن زايد، الذي تلقى تعليمه في جامعة جورج تاون بالمدينة، إلى واشنطن في عام 2008 ليقدم للأمريكيين صورة للإمارات تختلف تمامًا عن تلك التي اعتقدوا أنهم يعرفونها. وبمساعدة جيش صغير من جماعات الضغط رفيعة المستوى، نجح في تحقيق ذلك بالفعل.
وكانت الأموال أداة التأثير الأساسية، فقد أنفقت الإمارات أكثر من 270 مليون دولار في واشنطن خلال السنوات العشر الماضية وحدها، وفقًا لبيانات منظمة “أوبن سيكريتس” التي تتبع تدفق الأموال في السياسة الأمريكية. وبهذا الرقم، فإنّها تُصنف – إلى جانب جارتيها الخليجيتين المملكة العربية السعودية (422 مليون دولار) وقطر (269 مليون دولار) – ضمن قائمة أكبر 10 دول من حيث الإنفاق في العالم.
ولقد قامت أيضًا بضخ الأموال في بعض أبرز مراكز الفكر في واشنطن، بدءًا من المجلس الأطلسي وصولًا إلى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومؤسسة راند، فضلًا عن جهات أخرى. واستضافت العشرات من المؤتمرات والملتقيات الدولية، بل أطلقت مجلسًا للأعمال التجارية الثنائية بين الولايات المتحدة والإمارات حتى قبل وصول العتيبة.
لكن المسؤولين يقولون إنّ العتيبة نفسه كان العامل الأكثر تأثيرًا، بفضل موهبته في التنقل ببراعة بين دهاليز السياسة في واشنطن.
ويقول أحد كبار المسؤولين السابقين في وزارة الخارجية الأمريكية: “لقد دأب العتيبة بلا هوادة على إقامة حفلات العشاء والترفيه لكسب مؤيدين مخلصين بنجاح في كلا الحزبين في المشهد السياسي الأمريكي”. ويضيف المسؤول: “من المثير للدهشة كم عدد المسؤولين السابقين وموظفي الكونغرس الذين وضعوا أسماءهم على مقالات رأي حماسية ومادحة تثني على العلاقة المزعومة ذات المنفعة المتبادلة بين الولايات المتحدة والإمارات”.
ولم يُجرِ الشيخ محمد بن زايد سوى زيارة رسمية واحدة إلى واشنطن في عام 2024 للقاء الرئيس آنذاك جو بايدن، لكن المسؤولين يقولون إنّ العتيبة قاد عملية إعادة التشكيل الاستراتيجي لصورة الإمارات في الولايات المتحدة بدرجة من المهارة والحنكة تحاول جاراتها الخليجيات، بما في ذلك السعودية، محاكاتها.
وفي الوقت الذي أدى فيه اغتيال صحفي بارز بوحشية عام 2018 على يد عملاء سعوديين إلى تراجع مكانة الرياض دبلوماسيًا لبضع سنوات، كان العتيبة منهمكًا في تسويق صورة للإمارات بوصفها منارة نسبية للحداثة والأمل، باعتبارها موطنًا لدبي المعتدلة والمنفتحة على الأعمال التجارية، وواحة تبدو ليبرالية في جزء محافظ من العالم الإسلامي.
وقد شجع العتيبة صناع السياسات الأمريكيين على زيارة الإمارات، وقاد جهود التواصل التي بذلتها السفارة مع الكونغرس، ومراكز الفكر، والجامعات، والمدارس، ووسائل الإعلام، فضلًا عن استضافته للحفلات المخصصة لنخب واشنطن.
خلال حملة ترامب الانتخابية الأولى، تقرب أيضًا من جاريد كوشنر، صهر الرئيس الذي أصبح لاحقًا أحد أكثر مستشاريه تأثيرًا في شؤون الشرق الأوسط.
لكن الإنجاز الأبرز الذي حققته دولة الإمارات والعتيبة حتى الآن تمثل في قرار الدولة عام 2020 بأن تكون الدولة الرائدة في توقيع “اتفاقيات أبراهام” التاريخية التي رعاها ترامب، لتطبيع العلاقات مع إسرائيل في خطوة أبهرت المؤسسة السياسية الأمريكية وأحدثت تحولًا جذريًا في نظرة الولايات المتحدة.
ويقول المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية: “لقد استطاعوا قراءة الإشارات بدقة واستشراف ما يهم الولايات المتحدة، وأدركوا أنّ إسرائيل هي السبيل للتقرب من فريق ترامب. فقد كان توثيق العلاقات مع إسرائيل بمثابة بوابة خلفية واسعة للتحايل على الانتقادات التي كانت تواجهها”.
ويقول مقربون من العائلة الحاكمة إنّ توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة يلبي للشيخ محمد بن زايد جملة من الأهداف الاستراتيجية، تشمل: تنويع الاقتصاد لتجاوز الاعتماد على البترودولار، والتحول إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، ورسم مسار خاص بعيدًا عن ظل القوة الإقليمية الكبرى، السعودية.
وتقول ليف، السفيرة السابقة لدى الإمارات: ” لطالما نظروا إلى إسرائيل وسنغافورة كنموذجين أساسيين: فهما دولتان صغيرتا المساحة والسكان، ولكنهما تتمتعان بتأثير عالمي على الصعد السياسية، والدبلوماسية، والاقتصادية، والعسكرية، وغيرها”.
وبعد مرور عشرين عامًا على فشل الإمارات في الاستحواذ على موانئ بحرية أمريكية كبرى، نجحت تدريجيًا في الحصول على حصص في قطاع يعد أكثر قيمة بكثير.
ويقول مسؤول بارز في إدارة بايدن ممن عملوا عن قرب مع الإمارات: “إنّه لمن المخيف مدى ارتباط صناعة الذكاء الاصطناعي لدينا بالأموال الإماراتية”.
وقد أطلقت الأذرع الاستثمارية المدعومة من الدولة، مثل صندوق أبوظبي للثروة السيادية “مبادلة” وشركة “إم جي إكس” التي يترأس مجلس إدارتها مستشار الأمن القومي الإماراتي وشقيق رئيس الدولة الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، شراكات واسعة النطاق مع شركات تكنولوجيا مثل “أوبن إيه آي” و”إكس إيه آي”. كما استحوذت على حصة حاكمة في شركة تصنيع الرقائق “غلوبال فاوندريز”، فضلًا عن ضخ استثمارات ضخمة في حصص الأقلية في كل من شركة تصنيع الرقائق “سيريبراس سيستمز” ومطورة مراكز البيانات “ألايند داتا سنترز”.
وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، أبرمت شركة “إم جي إكس” صفقة مع الحكومة الأمريكية للحصول على حصة بنسبة 15 بالمئة في أصول تطبيق “تيك توك” في الولايات المتحدة.
ويقول أحد المسؤولين الإماراتيين إنّ هذه الاستثمارات ساعدت في تحويل العلاقة بين الولايات المتحدة والإمارات من علاقة كان يُقاس مداها في حقبة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول بالتعاون المشترك في “محاربة الأشرار معًا”، إلى علاقة قائمة على التعاون الاقتصادي.
ويضيف المسؤول قائلًا: “في عالم ما بعد إيران، سيكون الأمر مزيجًا من الاثنين معًا”، واصفًا إياه بأنه “هجين”. ويتابع المسؤول بالقول إنّه في قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكية، لا يقتصر الأمر على “ما نشتريه فحسب، بل يتعلق بما نبنيه. ومراكز البيانات التي نبنيها… نحن نستثمر مع مايكروسوفت، وإنفيديا، وبلاك روك، وأوبن إيه آي”.
ويقارن طارق العتيبة، الأخ غير الشقيق للسفير الإماراتي والمسؤول الإماراتي السابق، استراتيجية الاستثمار الإماراتية بتلك الخاصة بـ “سيارة صغيرة تنضم إلى سباق توجد فيه الكثير من السيارات الأكبر حجمًا التي تتميز بأنها أكثر تقدمًا”.
ويقول: “في البداية، كان الأمر مجرد: سنقوم بضخ أموالًا طائلة في المشاريع التي تبدو واعدة”. ولكن مع تزايد فهم الإماراتيين لوادي السليكون، أصبحوا “مستثمرين متمرسين، وهم يعرفون أين تكمن الصفقات الصحيحة وأين توجد التكنولوجيا الواعدة”، على حد تعبير العتيبة.
وقال جاكوب هيلبرغ، المسؤول البارز لشؤون الدبلوماسية الاقتصادية في إدارة ترامب هذا العام، إن الاستثمارات الإماراتية في الشركات الأمريكية المصنعة للرقائق جعلت من دولة الإمارات داعمًا ومموّلًا حيويًا لصناعة التكنولوجيا.
وقال لأعضاء الكونغرس: “لقد استثمروا في شركة غلوبال فاوندريز، وأعادوا شركة “سيريبراس” إلى الحياة بعد أن كانت على وشك الانهيار، وأصبحت “سيريبراس” اليوم جوهرة التكنولوجيا الأمريكية”.
لكن أبوظبي سجلت إنجازًا جديدًا مع قرار وزارة التجارة الأمريكية السماح ببيع الرقائق المتطورة إلى الإمارات، وإلغاء القيود التصديرية ذات الصلة. وأشاد السفير عتيبة بصفقة الرقائق ووصفها بأنّها “لحظة فارقة” بُنيت على “التعاون المستمر”.
إلا أن الديمقراطيين رأوا الأمر من منظور آخر، حيث وصفت عضو الكونغرس عن ولاية أريزونا، ياسمين أنصاري، الصفقة بأنها “ربما تكون واحدة من أكبر وأكثر مخططات الفساد وضوحًا في تاريخ الولايات المتحدة”.
وقد نبع هذا الاستياء من قيام شركة “إم جي إكس” المملوكة للشيخ طحنون بشراء حصة تبلغ 49 بالمئة في شركة عائلة ترامب للعملات المشفرة “وورلد ليبرتي فاينانشال”، وذلك قبل وقت قصير من تنصيب ترامب العام الماضي.
واشترت شركة “إم جي إكس” لاحقًا عملة مستقرة من “وورلد ليبرتي” بقيمة 2 مليار دولار للاستثمار في منصة تداول العملات المشفرة “باينانس”، وقد قال كريس فان هولن، عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي الذي استجوب مسؤولي الإدارة مرارًا وتكرارًا بشأن هذه الصفقة إنّ الصفقة “منحت “وورلد ليبرتي” فعليًا 2 مليار دولار نقدًا”
كما اشترى صندوق إماراتي يُسمّي نفسه “أكوا 1 فاونديشن” عملات رقمية بقيمة 100 مليون دولار صادرة عن “وورلد ليبرتي”.
ويقول الإماراتيون إنّ هذه الاستثمارات كانت قرارات تجارية خاصة، ولا علاقة لها بالطموحات السياسية الإماراتية أو اتفاق الرقائق الإلكتروني الذي أبرم لاحقًا بين الولايات المتحدة والإمارات. وقال متحدث باسم “وورلد ليبرتي” إنّ عملتها المستقرة كانت مجرد وسيلة للدفع مقابل استثمار “إم جي إكس”، وإن وصفها بأنها “منحة نقدية غير صحيح على الإطلاق”.
وقد حذر مسؤولو الأمن القومي الأميركيون والمشرّعون لسنوات من أن السماح للإمارات بالوصول إلى الرقائق المتقدمة سيجعل أكثر التقنيات الأميركية حساسية عرضة للوقوع في أيدي أكبر منافس عالمي لها، الصين، التي تربطها علاقات تجارية وتكنولوجية وثيقة بالإمارات.
وتقول إدارة ترامب والإمارات إنهما اتخذتا تدابير لحماية هذه التكنولوجيا، لكن بعض المسؤولين السابقين والمشرعين يشككون في ذلك.
يقول المسؤول السابق في وزارة الخارجية: “لقد أقامت الإمارات علاقة مع الولايات المتحدة تعود بالفائدة الكبيرة على الإمارات، لكنها تضر كثيرًا بالسياسة الخارجية الأمريكية ومصالحنا الوطنية”. وأضاف: “إذا ما تعمقت في الأمر، فستجد أن كل ما يُقال عن فوائد العلاقة مع الإمارات بالنسبة للولايات المتحدة هو مجرد كلام غامض، وأوهام”.
وقد أثمرت دبلوماسية الإمارات واستثماراتها أيضًا بطرق غير مباشرة، فقد نجحت منذ فترة طويلة في تجنب العواقب المترتبة على سلوكيات يعتبرها السياسيون الأمريكيون غير مقبولة إذا صدرت عن آخرين: مثل إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع الصين، أو تزويد “قوات الدعم السريع” – وهي ميليشيا سودانية متهمة بارتكاب جرائم حرب – بأسلحة تقول النائبة الديمقراطية سارة جاكوبس إنها “تُمكّن حرفيًا من ارتكاب إبادة جماعية”
وقد صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو العام الماضي بأنّ الإمارات “تدعم علنًا كيانًا يرتكب إبادة جماعية” في السودان، وهو اتهام تنفيه الإمارات. لكن المشرعين صوتوا باستمرار ضد جهود الكونغرس الرامية إلى منع مبيعات الأسلحة بحجة أن الإمارات حليف استراتيجي.
كما أفلتت الإمارات من أي عقوبات جدية على دورها كمركز للتمويل الإيراني غير المشروع، وكان ذلك أمرًا محوريًا لبقاء النظام الإيراني قبل اندلاع الحرب، حتى أنّ ترامب قال هذا العام إن الإمارات كانت “بمثابة بنك لإيران”.
وقد كشف تحليل أجرته صحيفة “فاينانشال تايمز” للعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية المتعلقة بإيران أن الإمارات كانت ثاني أكثر الدول ذكرًا بعد الصين، على الرغم من الموقف المتشدد التقليدي الذي تتبناه أبو ظبي تجاه طهران. ومن بين 1573 كيانًا وفردًا خاضعين للعقوبات ولهم صلات بدولة خارج إيران، يمتلك 22 بالمائة منهم جنسية أو عناوين أو تسجيلات شركات في الإمارات.
يقول فان هولن: “تتمتع الإمارات بنفوذ كبير هنا في واشنطن، بل بنفوذ مفرط. لذلك فقد أفلتت من عواقب أفعال لم تستطع دول أخرى الإفلات منها”.
ورغم كل هذا النفوذ، لم تتمكن الإمارات من منع الولايات المتحدة وإسرائيل من شن الحرب على إيران هذا العام.
ولكن منذ بدء الحرب، اتخذت الدولة الخليجية قرارًا حاسمًا بتكثيف علاقاتها مع واشنطن وإسرائيل، بل إنّها شنت عشرات الغارات الجوية الخاصة بها ضد إيران.
يقول مسؤولون إماراتيون إنّ التدفق الموثوق للأسلحة والدعم الأمريكيين طوال الحرب – بغض النظر عن اختناقات سلاسل الإمداد، يمثل دليلًا على تزايد قيمتهم في هذه العلاقة.
يقول أحد المسؤولين الإماراتيين: “أعتقد أن أداءنا في الحرب، وتعاوننا وتنسيقنا مع الولايات المتحدة، رفع مكانتنا أو ميّزنا. لقد أظهر أننا نتمتع بالكفاءة وأننا نعرف ما نفعل”.
وتقاربت الإمارات من إسرائيل أيضًا، وانسحبت في مايو/ أيار من منظمة أوبك التي تقودها السعودية، ما زاد من تقارب ترامب معها، الذي لطالما كره تأثير أوبك على أسعار النفط، وأضاف المسؤول أن السعودية لم تعد “اللاعب الأكبر” في المنطقة كما كانت عندما زار ترامب الخليج العام الماضي.
يتوقع بعض الخبراء أن التركيز على الروابط الأميركية والإسرائيلية، على حساب التحالفات العربية الإقليمية، سيؤدي إلى نتائج عكسية. قال أندرو ليبر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة تولين: إن الإمارات “تخاطر بالتنازل عن استقلالها الاستراتيجي لتلك الدول”.
ويعتقد أيضًا بعض الديمقراطيين أن يوم الحساب الإماراتي قادم إذا استعاد الحزب السيطرة على الكونغرس في انتخابات منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني، ما قد يمهّد الطريق لتحقيقات برلمانية.
قالت النائبة الديمقراطية جاكوبس إن على الولايات المتحدة أن “تُظهر أنها تحاسب شركاءنا وحلفاءنا بنفس المعايير التي نطبقها على الآخرين”.
وأضافت: “الإمارات شريك مهم للولايات المتحدة في المنطقة. لكن علينا أن نكون صادقين بشأن الكيفية التي تقوض بها أفعالهم أولويات الولايات المتحدة بشكل مباشر وتسبب الضرر”.
المصدر: فينانشال تايمز