ترجمة وتحرير: نون بوست
مجدداً حديثه المثيل للجدل، أظهر الرئيس دونالد ترامب حبه لفكرة الاستيلاء على نفط الدول الأخرى بالقوة، وهو يدعي أنه حقق هذا الهدف في فنزويلا. وقال ترامب أمام حشد في لاس فيغاس يوم الأربعاء: إن الحرب هناك “استغرقت 48 دقيقة، وقد سددنا تكاليفها مما استخرجناه مرات عديدة. أين سمعتم ذلك من قبل؟ لم تسمعوا بهذا من قبل. إنها الطريقة القديمة، أليس كذلك؟ الطريقة القديمة. الغنائم لمن انتصر”.
لم تكن هذه هي الطريقة التي روّج بها المسؤولون الآخرون للرقابة الأمريكية على النفط الفنزويلي؛ فقد صرّح وزير الخزانة سكوت بيسنت أمام النادي الاقتصادي في مينيسوتا في يناير/كانون الثاني قائلا: “نحن مجرد مصرفيين، ولا نتحكم في توجيه الأموال”. وفي شهادته أمام الكونغرس بعد أسابيع قليلة، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو قائلاً: “هذا نفط الشعب الفنزويلي”، زاعماً أن الحكومة الأمريكية تحرص على ضمان “تلبية احتياجات الشعب الفنزويلي” من خلال مبيعات النفط.
بطريقة ما، كلاهما على حق. فبعد فترة وجيزة من العمل العسكري الأمريكي في فنزويلا في 3 يناير/ كانون الثاني 2026، أبرم البلدان اتفاقاً لوضع عائدات النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات تحت سيطرة وزارة الخزانة الأمريكية. لا تزال الأموال تخص فنزويلا على الورق، لكنها تخضع لسيطرة المسؤولين الأمريكيين لأغراض عملية بحتة، بينما تبدو محاولة الحصول على أي توضيح بشأن وجهة تلك الأموال أمر بالغ الصعوبة.
تُظهر صفقة النفط القوة المجردة، وغير الخاضعة للمساءلة، وواسعة النطاق التي تفرضها العقوبات الاقتصادية لوزارة الخزانة الأمريكية. فلا يمتلك الشعب الأمريكي ولا الشعب الفنزويلي صورة واضحة عما يجري خلف الكواليس. كما تُظهر حالة فنزويلا كيف أن إدارة ترامب، ورغم استحضارها لإرث رونالد ريغان المناهض للشيوعية، تبدو مهتمة بفرض سيطرة اقتصادية مباشرة بدرجة أكبر بكثير من رعاية الأسواق الحرة. ففي نهاية المطاف، تُعد صفقة النفط الفنزويلية شراكة أمريكية مع دكتاتورية اشتراكية.
وعلى مدار العقدين الماضيّين، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على قطاعي النفط والخدمات المصرفية في فنزويلا، مما منع شركة النفط المملوكة للدولة الفنزويلية من التصدير إلى أمريكا الشمالية، وحرم حكومتها الاشتراكية من التعامل بالدولار الأمريكي. ولكن بعد عملية يناير/ كانون الثاني 2026، رضخت القيادة الفنزويلية وأبرمت اتفاقاً؛ حيث أصدرت إدارة ترامب إعفاءات من العقوبات، بل وحمت الأموال الفنزويلية من التعرض للدعاوى القضائية في الولايات المتحدة. وفي المقابل، بدأت فنزويلا في تحويل عائدات نفطها إلى حسابات مصرفية تقع تحت “وصاية” وزارة الخزانة الأمريكية.
في البداية، تم إيداع الأموال في حساب غامض في قطر. وأوضح روبيو أمام الكونغرس في 28 يناير/كانون الثاني أن هناك “آلية قصيرة الأجل” تتيح للحكومة الفنزويلية “تقديم ميزانية شهرية توضح ما تحتاج إلى تمويله”. وبعد أسبوع، تلعثم بيسنت ورفض الإجابة عندما سأله النائب شون كاستن، الديمقراطي عن ولاية إلينوي، عن السند القانوني الذي تستند إليه وزارة الخزانة أو الاتفاقيات المكتوبة المبرمة في هذا الشأن.
وفي 13 فبراير/شباط، أعلن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت عن إغلاق الحساب القطري بعد أن تدفق من خلاله 500 مليون دولار. وقال لشبكة “إن بي سي نيوز”: “نظرًا لأن فنزويلا لديها الكثير من الدائنين وتدين بالكثير من الأموال، فقد واجهنا بعض المخاطر تمثلت في أنه إذا وضعنا تلك الأموال في حساب مصرفي أمريكي تم فتحه على عجالة، لكان بمكانة دائنين تجميد تلك الأموال”. وأضاف أن الإدارة أصبحت مستعدة الآن لنقل الأموال عبر حساب في بنك “سيتي بنك” والذي بخضع لإدارة وزارة الخزانة الأمريكية.
وكان حساب “سيتي بنك” الجديد يتضمن، نظرياً، قدراً أكبر قليلاً من الضوابط والموازنات. فقد أعلنت كل من وزارة الخارجية الأمريكية والحكومة الفنزويلية في أبريل/ نيسان الماضي عن تعيين مدققي حسابات خارجيين، وأبلغ روبيو الكونغرس في يونيو/ حزيران بأن عملية المراجعة ستكون “مستمرة، وليست مرة واحدة في السنة، بل تخضع لها كل عملية إنفاق وكل عملية صرف على حدة”. كما أنشأت الحكومة الفنزويلية موقعاً إلكترونياً يُسمى “ترانسبارِنت سافرِنتي” لنشر معاملات النفط.
ولكن فيما يتعلق بالرأي العام، لا يزال الأمر يمثل لغزاً كبيراً؛ فلم تنشر وزارة الخارجية لا الاتفاقيات المكتوبة ولا نتائج عمليات التدقيق. ولا يُدرج موقع “ترانسبارِنت سافرِنتي” سوى صفقة واحدة فقط، وهي بيع زيت وقود بقيمة 300 مليون دولار في مارس/آذار 2026. وقدرت صحيفة “فايننشال تايمز” الشهر الماضي أن فنزويلا باعت ما يزيد عن 13 مليار دولار من النفط بموجب الترتيب الجديد. وعندما سُئل ترامب عن هذا التقرير، تباهى قائلاً إن المبلغ “أكبر من ذلك بكثير”.
ولم تفِ الإدارة ببساطة بتقديم كافة المعلومات التي وعدت بها. فبينما وعدت في أبريل/نيسان بتقديم تقارير تدقيق ربع سنوية، لم ترسل إدارة ترامب أي شيء للديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، حسبما أفادت صحيفة “فايننشال تايمز” في 22 يوليو/تموز. وكتب الديمقراطيون في لجنة الرقابة بمجلس النواب رسالة أخرى يوم الأربعاء تطالب بالحصول على معلومات. وحتى الجمهوريين المتشددين الذين دعموا العملية بدأوا يشعرون بالقلق إزاء غياب الشفافية بشأن تلك الأموال.
وقالت النائبة ماريا إلفيرا سالازار، من الحزب الجمهوري عن ولاية فلوريدا، خلال جلسة استماع عقدت في يوليو/تموز: “لم نرى قط تلك التقارير [الخاصة بالتدقيق]، لقد مضت ستة أشهر. أود أن أرى تقريرين، نظراً لأنه يجب صدور تقرير كل ثلاثة أشهر”. ورداً على ذلك، وعد مساعد وزير الخارجية كالب أور منح الكونغرس “ملخصات مناسبة” من شأنها “حماية المعلومات ذات الصلة التي تشكل جزءاً من سياستنا الخارجية”. بعبارة أخرى، يعد مصير تلك الأموال سراً من أسرار الدولة.
لقد دأبت الإدارة باستمرار على توضيح الأوجه التي ستُستخدم فيها أموال النفط، وهي دفع رواتب موظفي الحكومة الفنزويلية. كما يذكر موقع “ترانسبارِنت سافرِنتي” الفنزويلي أن مبلغ الـ 300 مليون دولار الذي تم تحصيله من بيع زيت الوقود قد خُصص لتغطية زيادة الحد الأدنى للأجور التي أُعلن عنها في أبريل/نيسان. لكنه من المستحيل فعلياً التحقق من صحة هذه الادعاءات أو تقييمها في عدم وجود سجلات موثقة ومستندات رسمية.
وعلى الرغم من أن الترتيب الفنزويلي يتسم بسرية استثنائية، إلا أنه ليس الحالة الوحيدة التي تمارس فيها الحكومة الأمريكية سلطة ديكتاتورية مطلقة على الشؤون المالية لدولة أخرى. فبعد غزو العراق عام 2003، قامت الحكومة الأمريكية بتحويل كافة عائدات النفط العراقي، والتي تشكل 90 بالمئة من موازنة الدولة، إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وعندما طالب البرلمان العراقي القوات الأمريكية بمغادرة البلاد في عام 2020، هددت إدارة ترامب بمصادرة الحساب. ووفقاً لما ذكرته وكالة “رويترز”، فقد وجّه مسؤولون أمريكيون تهديدات خفية تتعلق بحساب النفط العراقي في أعقاب الانتخابات التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، محذرين الأحزاب الفائزة من أنه سيتم قطع تلك الأموال إذا عيّنوا أشخاصاً غير مناسبين في تشكيل الحكومة.
ويسعى ترامب إلى استغلال الحرب الدائرة في الشرق الأوسط لتوسيع نطاق هذه الترتيبات بدرجة أكبر، حيث قال في خطابه بلاس فيغاس: “نحن نفعل الشيء نفسه، بالمناسبة، في الجمهورية الإسلامية الجميلة إيران. إننا نوجّه لهم ضربات مدمّرة”.
المصدر: ريزون