ترجمة وتحرير: نون بوست
تعد الحرب مع إيران كارثة كبرى فقد شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة غير ضرورية انتهكت القانون الدولي، وأودت بحياة ما لا يقل عن 1700 مدني إيراني (من بينهم 307 أطفال)، وتسببت في أضرار واسعة النطاق للبنية التحتية المدنية، وعمقت الاضطرابات الإقليمية. وأسفر الرد الإيراني عن مقتل 18 جنديًا أمريكيًا وإصابة أكثر من 600 آخرين في قواعد عسكرية تقع في دول مجاورة، ولا يزال الناس في جميع أنحاء العالم يعانون من ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن إغلاق مضيق هرمز.
هذه الحرب هي أحدث نتيجة لسلسلة من السياسات الأميركية المستمرة على مدى 35 عامًا، والتي جعلت الولايات المتحدة أقل أمنًا وأدت إلى تفاقم الصراع في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتنبع هذه الإخفاقات من الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، الذي غذى اعتقاد واشنطن الخاطئ بأن عليها أن تشن الحروب باستمرار وتتدخل في الصراعات الجارية من أجل تعزيز أمنها. كما أن استضافة القواعد والقوات الأمريكية جعل الدول المضيفة أكثر عرضة للخطر وعرّضها لهجمات مباشرة من إيران والجماعات المدعومة منها.
وعلى مدى عقود من الزمن، تصرفت الولايات المتحدة كما لو أن وجودها العسكري في الشرق الأوسط ضروري لحماية مصالحها الاستراتيجية وأمن المنطقة، وسعت لحماية شركاء مثل إسرائيل ودول الخليج، وكبح جماح إيران وغيرها من الخصوم، ومكافحة الإرهاب. لكن هذا الموقف العسكري الأمريكي ساهم عمليًا في زعزعة الاستقرار وإحداث الدمار، ويتجلى ذلك بوضوح في الحملة ضد إيران إذ أفرزت الحرب المخاطر نفسها التي كان يُفترض أن تمنعها.
لقد حان الوقت لأن تفعل الولايات المتحدة ما كان يفترض بها فعله منذ فترة طويلة وتسحب قواتها من الشرق الأوسط، وأن تتوقف عن تسليح الحكومات التي تنتهك القانون الأميركي والدولي، وأن تنهي دورها كضامن للنظام الإقليمي. سيتيح ذلك لواشنطن التركيز على أهداف ذات أولوية أعلى، بما في ذلك ردع اندلاع حرب بين القوى العظمى في آسيا وأوروبا.
الدم والمال
رغم انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ زمن طويل إلا أن حرب الخليج في 1990 – 1991 كرّست الدور العسكري الأميركي في المنطقة. وهو ما بدأ كذروة للقوة العسكرية الأميركية بعد الحرب الباردة، كتنظيم تحالف دولي لإنهاء غزو الرئيس العراقي السابق صدام حسين للكويت، وقد تحول فيما بعد إلى التزام استمر لعقود حيث أبقت الإدارات المتعاقبة عشرات الآلاف من الجنود في المنطقة، معتقدة أن وجود قوة دائمة سيحمي تدفق الطاقة الحرة، ويدعم إسرائيل، ويكافح الجماعات الإرهابية، ويردع إيران. يتمركز حاليًا نحو 2000 جندي في العراق، و2300 في السعودية، و3500 في الإمارات، و4000 في الأردن، و8000 في البحرين، و10000 في قطر، و13000 في الكويت. وغني عن القول أن الأعداد والمواقع قد تغيرت عبر السنوات، لكن الوجود ظل ضخمًا وراسخًا.
ومع ذلك، فإن الوجود العسكري قد يصبح عبئًا بحد ذاته حيث يعرض البلدان المضيفة لعمليات انتقامية ويجر الولايات المتحدة إلى الصراعات المحلية. ومع انتشار القواعد في أنحاء المنطقة، تظل التهديدات التي تواجه المصالح الأمريكية مستمرة، ويصبح كل تهديد حجة جديدة لتوسيع نطاق هذا الوجود. فعلى سبيل المثال، لم يؤد احتلال الولايات المتحدة للعراق بعد غزو عام 2003 إلى إغراق القوات الأمريكية في صراع طويل ودموي فحسب، بل جعلها أيضًا عرضة للميليشيات المدعومة من إيران، مما دفع الولايات المتحدة إلى شن عمليات انتقامية في العراق وسوريا وأماكن أخرى. وفي الوقت نفسه، امتدت الحرب في أفغانستان إلى باكستان، حيث نفذت الولايات المتحدة مئات الغارات بالطائرات المسيرة ضد المسلحين الذين يهاجمون القوات الأمريكية عبر الحدود. وبعد أن انسحبت الولايات المتحدة إلى حد كبير من العراق في عام 2011، اضطرت إلى إرسال قوات مرة أخرى في عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة، الذي نشأ من الفوضى التي أعقبت الغزو.
كانت التكلفة باهظة فقد أنفقت الولايات المتحدة 8 تريليون دولار على القتال في أفغانستان والعراق ومسارح عمليات أخرى في إطار “الحرب على الإرهاب” التي شنتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. ووفقًا لبحث أجرته جامعة براون، خدم ما يقرب من ثلاثة ملايين أمريكي في تلك الصراعات، وقُتل فيها أكثر من 15000 من أفراد القوات المسلحة والمتعاقدين، وأصيب 1.8 مليون جندي بإعاقات. وقد عانى الناس في جميع أنحاء المنطقة، وما زالوا يعانون، من عواقب ذلك. فقد لقي أكثر من 940 ألف شخص حتفهم جراء العنف المباشر، من بينهم 432 ألف مدني، وتوفي 3.6 مليون شخص جراء الآثار غير المباشرة لانهيار الدولة في أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن، ونزح 38 مليون شخص. لكن الأرقام وحدها لا يمكنها أن تعبر عن حجم المأساة الإنسانية، كما تظهر في عيون الأطفال الذين فقدوا والديهم، والأسر التي فقدت منازلها، وجيل سُلبت منه فرصة عيش حياة طبيعية بسبب الصراع المستمر، واللافت للنظر هو غياب المساءلة عن السياسات والإجراءات التي أدت إلى ذلك.
وقد ساهمت الولايات المتحدة أيضًا بشكل مباشر في العنف والقمع الذي ارتكبته دول أخرى، إذ إن تمركز القوات الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط عزّز نزعة واشنطن للعمل عن قرب مع حكومات قمعية غالبًا ما كانت لها أجندات إقليمية خاصة بها. فقد دعمت حكومات استبدادية مثل حكومة مصر، وساهمت في استمرار الحملة التي تشنها المملكة العربية السعودية في اليمن، ومكّنت الإمارات العربية المتحدة من لعب دور في الحرب الأهلية السودانية حيث وثّق محققو الأمم المتحدة أعمالًا ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وقد أججت مثل هذه الشراكات غضبًا شعبيًا ضد حكومات تلك الدول وضد الولايات المتحدة.
وتُجسّد علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل كيف يمكن للعلاقات الأمنية العميقة، مقترنةً بوجود قواعد عسكرية دائمة، أن تؤدي إلى نتائج كارثية. فمنذ الانهيار التدريجي لمفاوضات أوسلو بين القادة الإسرائيليين والفلسطينيين في التسعينيات، تحوّل الدعم الأمريكي إلى شيك على بياض لحكومات إسرائيلية متعاقبة، وقد قوّضت تلك الحكومات آفاق السلام مع الفلسطينيين من خلال الضم التدريجي والقمع المنهجي في الضفة الغربية. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، مكّن هذا الدعم إسرائيل من تنفيذ إبادة جماعية في غزة، بحسب ما خلصت إليه بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، وهو استنتاج أكده أيضا عدد من الباحثين الإسرائيليين ومنظمات المجتمع المدني. ثم انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في فبراير/ شباط 2026 في شن حرب غير مشروعة على إيران.
المخرج
يتحمل كل من الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء مسؤولية الأضرار الناجمة عن الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط حيث ورط هذا التواجد الولايات المتحدة في انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي. وينبغي لواشنطن أن تصحح المسار، بدءًا بسحب قواتها فور التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر مع إيران.
يواجه القادة الأميركيون الآن سلسلة من القرارات ذات تبعات طويلة الأمد، بما في ذلك ما إذا كانوا سيعيدون بناء القواعد التي تضررت خلال حرب إيران ويبيعون أسلحة جديدة لشركاء إقليميين. وقد دعا بعض محللي الشؤون الدفاعية إلى الإبقاء على وجود عسكري أصغر حجمًا، ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن البنتاغون يدرس هذا الخيار، لكن الانسحاب الجزئي أيضًا سيعرض الولايات المتحدة لمخاطر دائمة في المنطقة. ففي الأشهر الخمسة الماضية، دمرت إيران أو ألحقت أضرارًا بالمباني والمعدات في ما لا يقل عن 15 موقعًا عسكريًا أمريكيًا. وحتى لو قامت الولايات المتحدة بتجميع قواتها في قاعدة واحدة أو قاعدتين، فإنها ستظل هدفًا رئيسيًا لإيران ووكلائها، مما سيتطلب موارد كبيرة لحماية القوات. وبدون انسحاب كامل، ستظل واشنطن مضطرة لدعم القوات الأمريكية وشركاء الولايات المتحدة، وستظل الولايات المتحدة تنجرف إلى الصراعات في المنطقة.
لا يتطلب سحب جميع القوات الأميركية من الشرق الأوسط إنهاء كل أشكال التعاون مع الشركاء في المنطقة بل يمكن الاستمرار في تقديم المساعدة الأمنية في بعض الدول، مثل لبنان حيث يمكن أن يعزز دعم القوات المسلحة اللبنانية قدرة الدولة ودور المؤسسات الرسمية في حماية السيادة اللبنانية. لكن من مصلحة واشنطن أن تضمن أن مساعداتها ومبيعات أسلحتها تتوافق مع القانون الأميركي، الذي يفرض وقف تلك المساعدات عندما يرتكب المستفيدون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كما فعلت إسرائيل في غزة. من خلال تعليق أي مساعدات أمنية وصادرات أسلحة تنتهك القانون الأميركي والدولي، يمكن لواشنطن أن تقلل من خطر أن يؤدي دعمها إلى تشجيع سياسات متهورة لدول أخرى ويجر الولايات المتحدة بشكل أعمق إلى أزمات دائمة في المنطقة.
ومع تقليص وجودها العسكري في المنطقة، يمكن للولايات المتحدة، بل يتوجب عليها، أن تكثّف جهودها الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية لدعم حقوق الإنسان وحل النزاعات سلميًا، وأن تزيد المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، وأن تدعم مشاريع التكامل الاقتصادي التي يمكن أن يعزز الاستقرار والازدهار، مثل خطوط أنابيب جديدة لتصدير الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز. كما ينبغي أن تستغل الانسحاب لتوضيح أنها ستقلّص المساعدات لدول مثل الإمارات وإسرائيل حتى تحسّن سجلاتها في مجال حقوق الإنسان وتنهي سياساتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار. لا تستطيع الولايات المتحدة إجبار هذه الحكومات على الإصلاح، لكنها تستطيع رفض توفير المعدات والتمويل اللذان يمكّنان قمعها أو عدوانها.
ورغم أن من غير المرجح أن تتبنى الإدارة الحالية هذا النهج، فإن قرارات الكونغرس يمكن أن تشكّل السياسة الأميركية المستقبلية في المنطقة، ويمكن للمشرّعين دفع الولايات المتحدة نحو الانسحاب التدريجي من خلال الحد من حجم التمويل الذي يتلقاه البنتاغون لتجديد الذخائر وتجديد القواعد، وربط تلك الأموال بشروط معينة.
المخاوف والحقائق
قد يجادل البعض بأن انسحاب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط ينطوي على مخاطر جسيمة، وهذه المخاطر حقيقية لكنها قابلة للإدارة. لنبدأ مثلُا بأسواق الطاقة والمخاوف من تعطل صادرات النفط والغاز في حال انسحاب الولايات المتحدة إذ افترضت واشنطن لسنوات طويلة أن الوجود الأمريكي في المنطقة يضمن حرية الملاحة، لكن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران كانت هي السبب في إغلاق مضيق هرمز، ولم يتمكن الجيش الأمريكي من إعادة فتحه بالقوة، مما ألقى بظلال من الشك على فعالية تمركز الأسطول الخامس في البحرين. وبغض النظر عن الكيفية التي سيتم بها حل الأزمة في المضيق، فإن إيران ودول الخليج لديهما مصلحة مشتركة في الحفاظ على استمرار تدفق الطاقة، حتى في في ظل الخلافات الحالية حول إمكانية فرض الرسوم. علاوة على ذلك، فإن تحول الولايات المتحدة الآن إلى منتج رئيسي للطاقة، ونمو قطاع الطاقة المتجددة في جميع أنحاء العالم، وسعي المنتجين لاستكشاف طرق لتجاوز المضيق، أدى إلى تنوع في الإمدادات العالمية يجعل أي اضطرابات إضافية في الشحن البحري أقل تهديدًا.
تجادل إدارة ترامب ومؤيدوها في الكونغرس أيضًا بأن القوة العسكرية الأميركية ضرورية لاحتواء إيران، التي زعزعت استقرار جيرانها. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الولايات المتحدة لم تستطع حماية شركائها في الخليج من الهجمات الإيرانية حيث تحتاج دول الخليج إلى إنشاء ترتيبات أمنية جديدة فيما بينها تنأى فيها عن الاعتماد على واشنطن، رغم إمكانية تقديم واشنطن دعمًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا.ليس هناك ما يضمن أن تكون الترتيبات الجديدة أفضل، لكن النظام الحالي المدعوم من الولايات المتحدة لا يعمل، وعلى الأقل لن تكون الولايات المتحدة هي التي تغذي عدم الاستقرار في نظام جديد تقوده الأطراف الإقليمية. وقد يوفر مثل هذا الإطار مسارًا أكثر استدامة نحو الاستقرار إذا أُعطيت الأولوية للدبلوماسية الإقليمية والحوار وتخفيف حدة التوتر مع إيران. وبمرور الوقت، قد تصبح دول الشرق الأوسط أقل اعتمادًا على الضمانات العسكرية الخارجية.
لن يؤدي استمرار الوجود العسكري الأمريكي لفترة طويلة أيضًا إلى تسهيل مهمة مكافحة الإرهاب، فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، دفع التهديد الإرهابي صانعي السياسات إلى الاعتماد على الجيش الأمريكي، لكن استخدام الولايات المتحدة لغارات الطائرات المسيرة التي أسفرت عن مقتل أعداد هائلة من المدنيين، إلى جانب غزواتها المتعددة، قد أدى على الأرجح إلى تأجيج المزيد من الهجمات التي تشنها الجماعات الإرهابية على الأفراد الأمريكيين. ولا يعني سحب القوات الأمريكية الآن التخلي عن القدرة على مكافحة الإرهاب، فمشاركة المعلومات الاستخباراتية مع الحكومات الإقليمية وحلفاء الناتو، إلى جانب التكنولوجيا المتطورة التي تتيح المراقبة من مسافات أبعد من أي وقت مضى، يمكن أن يمكّن واشنطن من رصد التهديدات. وكحل أخير، يمكن للقادة الأمريكيين إعادة إرسال القوات للقيام بمهمة محددة في حال اندلاع أزمة تهدد الولايات المتحدة.
ثم تأتي مسألة أمن إسرائيل، وهي دولة نووية لديها جيش هو الأكثر تقدماُ في المنطقة حيث أنها قادرة تمامًا على الدفاع عن نفسها، وقد شجع الوجود الأميركي إسرائيل في الواقع على تبني سياسات زادت من التهديدات ضدها، ويمكن لواشنطن كسر هذه الحلقة بجعل المساعدات العسكرية مشروطة بإنهاء إسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية، والسعي للسلام مع الفلسطينيين، ووقف حملاتها العسكرية في إيران ولبنان وسوريا. ستقلل هذه الخطوات من المخاطر التي تخلقها إسرائيل لنفسها، وتخفض إجمالاً مستوى الخطر الذي قد يصاحب فقدان الدعم الأميركي.
وأخيرًا، يخشى المشككون في سياسة الانسحاب من الشرق الأوسط من أن يُفسَّر على أنه ضعف أمام خصوم الولايات المتحدة، لا سيما بعد فترة قصيرة جدًّا من إخفاقات الولايات المتحدة في إيران. تواجه واشنطن بالفعل تحديًّا هائلًا في ردع الصين وروسيا حيث تسعى كل منهما إلى فرض مطالبها في مناطق أقرب إلى أراضيها. لكن إذا بقيت الولايات المتحدة غارقة في مستنقع الشرق الأوسط، فستواجه صعوبة أكبر في التعاون مع حلفائها الآسيويين والأوروبيين لمواجهة تحركات بكين أو موسكو في أماكن أخرى. ولا يوجد خطر يذكر من أن تحل أي منهما محل الولايات المتحدة في المنطقة. فلا تزال الصين حذرة للغاية بشأن استخدام قوتها العسكرية خارج حدودها المباشرة، كما أن وجود روسيا يتقلص بشكل متزايد منذ سقوط الرئيس السوري بشار الأسد.
حساب علني
بعد عقود من الحروب شبه المتواصلة في الشرق الأوسط، أصبح الأمريكيون متعبين من التورط في الشؤون الخارجية، إذ أظهر استطلاع رأي أجراه مؤخرًا معهد “سيرشلايت” أن 62 بالمئة يفضلون البقاء “بعيدًا عن الحروب قدر الإمكان”، بينما يؤيد 33 بالمئة استخدام “القوة العسكرية عندما يعود ذلك بالنفع على البلاد”. هناك جيل كامل لم يعرف السلام قط، وتعارض غالبية الشباب الأمريكيين – بما في ذلك أكثر من نصف الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و44 عامًا – حرب 2026 مع إيران، وقد كانت هذه أول حرب في عصر استطلاعات الرأي الحديثة يعارضها الرأي العام منذ البداية، وهو الوقت الذي عادةً ما يكون فيه التأييد في أعلى مستوياته.
ومع ذلك، وبينما يواجه الأميركيون هذا الحساب العلني لدور بلادهم في العالم، يبدو أن قادتهم لا ينسجمون مع ناخبيهم؛ فقد فاز الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين بالرئاسة عبر مهاجمة المرشحين الذين حمّلهم مسؤولية الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط، ثم شن حربًا بنفسه. وعندما تحدث أفراد ومؤسسات ضد السياسة تجاه إسرائيل، استخدم الرئيس سلطة الدولة لمهاجمتهم، فحجب التمويل عن الجامعات ورحّل واعتقل المحتجين. وفي الوقت الذي كان فيه الهم الأكبر للأميركيين هو القدرة على تحمل تكاليف ضروريات الحياة اليومية، بلغت ميزانية البنتاغون مستوى قياسيًا يقارب تريليون دولار في عام 2026، وتسعى الإدارة إلى زيادة إضافية بنسبة 50 بالمئة في عام 2027.
لا يزال للولايات المتحدة دور مهم تؤديه في الأمن العالمي: وجودها العسكري وضماناتها الأمنية في أوروبا وآسيا يساعدان على منع الحروب الكبرى بين القوى العظمى، لكن الطريقة التي تلعب بها واشنطن دورها الأمني في الشرق الأوسط تضر أكثر مما تنفع، وتغيير هذا المسار لن يكون سهلًا، لكنه ضروري. لقد كلفت عقود من الحروب والسياسات الخاطئة أرواحًا كثيرة وأموالاً طائلة دون أن تمنح أمن الولايات المتحدة شيئًا يُذكر، بل وشتّتت انتباه واشنطن عن التحديات الملحّة في آسيا وأوروبا. لقد حان الوقت لرحيل الجيش الأميركي.
المصدر: فورين أفيرز