• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

لماذا تفشل المؤسسة الحزبية الديمقراطية في استقطاب الناخبين الشباب؟

جاي كاسبيان كانغ١٣ أغسطس ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

يُعدّ كتاب “التمرّد: صعود وثورة الطبقة العاملة الحاصلة على تعليم جامعي” للكاتب نعوم شايبر، أحد أكثر الكتب إثارة للتفكير التي قرأتها خلال العام الماضي. ويقدّم شايبر سلسلة من الملفات الشخصية المُعدة بدقة عن شباب فعلوا كل ما طُلب منهم، ليجدوا أنفسهم مع ذلك يعملون في مقاهي “ستاربكس” أو مستودعات أمازون. ويخلص شايبر إلى أنّ سخطهم ليس اقتصاديًا أو ثقافيًا أو سياسيًا بشكل صريح، بل هو ما يحدث عندما يدرك الحاصلون على الشهادات الجامعية أن ما ظنّوه وظيفة مؤقتة بعد التخرج سيتحول على الأرجح إلى مسارهم المهني الدائم.

وليس هناك وظيفة مثالية تنتظرهم، فما اعتقدوه معبرًا مؤقتًا أصبح هو الطريق نفسه. إذا جمعنا هذا الإدراك مع الواقع القاسي لوظائف قطاع التجزئة، بالإضافة إلى إحياء التضامن الطبقي والسياسات العمالية – بفضل بيرني ساندرز جزئيًا – فالنتيجة حركة سياسية ذات تعليم عالٍ ومؤهلات علمية عالية، دفعت بمرشحين يساريين إلى تولي المناصب في مختلف أنحاء البلاد.

تتألف هذه الكتلة التصويتية الجديدة من شريحتين متشابهتين لكنهما متمايزتان. فهناك ما أسميه “اشتراكيو سوبارو”: وهم جيل الألفية من خريجي الجامعات في الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من العمر، والذين يتقاضون دخلًا ثابتًا نسبيًا، لكنّه أقل مما توقعوه. لقد توصل هؤلاء الناخبون إلى قناعاتهم السياسية عبر محطات الركود الاقتصادي الكبير، وحركة “احتلوا وول ستريت“، والارتفاع المستمر في أسعار المساكن في المناطق الحضرية – وكلها عوامل زادت من حدة التناقض بين ما وُعِدوا به عندما تحملوا ديون الدراسة وبين ظروفهم الحالية.

وهناك أيضًا “أصحاب خيبة الأمل الكبرى”، وهي شريحة أصغر سنًا، فهم لا يحملون ذكريات قوية عن الأزمة المالية لعام 2008 مثلما يفعل أبناء جيل الألفية الأكبر سنًا، لكنهم بلغوا سن الرشد خلال فترة الجائحة وشهدوا بأنفسهم كيف يمكن للمؤسسات التي تبدو منيعة أن تتهاوى وتفشل فعلًا عندما تتعرض للضغط. ومثل “اشتراكيي سوبارو”، فإنّ هؤلاء الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و30 عامًا ليسوا راضين تمامًا عن العائد المالي من استثماراتهم التعليمية. لكن آراءهم السياسية يبدو أنّها تبلورت حول حرب غزة بدرجة أكبر من تبلورها حول الاقتصاد، إذ باتت الحرب بمثابة اختبار لشخصية أي سياسي يطلب أصواتهم.

لدى المحللين الكثير ليقولوه عن “اشتراكيي سوبارو” و”أصحاب خيبة الأمل الكبرى”، وجميع ما يقولونه تقريبًا صحيح جزئيًا على الأقل. ونظرًا لأنّ هؤلاء الناخبين هم في الغالب من خريجي الجامعات البيض الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و40 عامًا، فهم بالفعل “مُميّزون” بالمفهوم الأكثر اعتيادية لهذه الكلمة. ومن المحتمل أنهم يقضون وقتًا طويلًا على الإنترنت. ويعيش الكثير منهم في أحياء ذات غالبية تاريخية من السود أو المهاجرين حيث تكون الإيجارات أرخص، على الأقل إلى أن ينتقل عدد كافٍ منهم للعيش هناك ويبدأون في افتتاح مقاهٍ تشغل موسيقى فرقة “ستيريو لاب” أو ما شابه ذلك. ومن الناحية الاقتصادية، قد لا يكون وضعهم أسوأ بكثير مقارنة بما كان عليه آباؤهم من جيل طفرة المواليد في المرحلة العمرية ذاتها من حياتهم. وهم يُصوتون بمعدلات مرتفعة بالنسبة لأعمارهم، ولهذا السبب يجب التعامل معهم بجدية تامة.

يرى العديد من المشككين تناقضًا في تبني الناخبين الشباب المتفوقين، ومعظمهم من البيض، خطابًا يدور حول العمل والتضامن. ومع كل ليلة انتخابية كبرى بالنسبة لليساريين، تتكرر الشكوى ذاتها التي تثير السخرية من قِبل الوسطيين واليمين: “رائع جدًا، بعض الوافدين الجدد الذين درسوا في كلية سارة لورانس يلعبون دور الاشتراكيين ويدّعون أنهم من الطبقة العاملة.” لكن كل كتلة تصويتية تحمل في طياتها بعض التناقضات المفترضة، فالناخبون الفقراء الذين لم يتلقوا تعليمًا جامعيًا يفضلون عادة المرشحين الذين يدعمون خفض الضرائب عن أصحاب المليارات، على سبيل المثال. وما يعنيه هذا عادة هو أنّ التناقض الظاهري ليس ذا صلة كبيرة بهؤلاء الناخبين أو لا يكشف الكثير عن تفضيلاتهم.

وهناك قطاع عريض من الناس دون سن الخامسة والأربعين لم يعودوا يؤمنون بأنّ مؤشرات مثل الأجور، أو البطالة، أو عدد الشهادات الجامعية التي تُمنح في سنة معينة، لها علاقة تُذكر بقوة الاقتصاد. فهم مهتمون بتركز الثروة، وأسعار المساكن، وتكلفة رعاية الأطفال، والديون الطلابية. وعلاوة على ذلك، فهم لا يرون سببًا يدعو لتوقع تحسن الأوضاع – ما لم يحدث تغيير جذري يقلب موازين المؤسسة السياسية بأكملها في البلاد – حتى وإن أقرّوا بأنّ أحوالهم الشخصية ليست سيئة في الوقت الراهن.

هناك مصطلح آخر يُطلق على الأشخاص الذين يتقاضون راتبًا مقبولًا من وظيفة عادية ولكنهم يواجهون أحيانًا صعوبة في تحمل تكاليف السكن ورعاية الأطفال: إنّهم “الطبقة الوسطى”. ولا يوجد مصطلح في السياسة الأمريكية يتسم بمثل هذا القدر من الغموض والتشوه. وأتصور أنّ أغلبية “اشتراكيي سوبارو” في الثلاثينيات من عمرهم سيرفضون هذا اللقب، حتى وإن كانوا يجنون متوسط دخل الأسر في أحيائهم ويعملون في وظيفة مستقرة تتيح لهم ادخار مبلغ متواضع كل شهر في حساب التقاعد.

تنبع هذه المقاومة من مصادر متنوعة، لكنها ثقافية في الغالب: فمصطلح “الطبقة الوسطى” يوحي بشوارع الضواحي المسدودة، والسياسة المعتدلة، والمسار المهني المستقر. قد يحصل مدير مقهى ستاربكس أو عامل طموح لكنه ساخط في اقتصاد العمل الحر على أموال كافية تؤهله للانضمام إلى الطبقة الوسطى، لكنه لن يشعر بالاستقرار ولا بالراحة المثبطة نوعًا ما والتي غالبًا ما يربطونها بهذا المصطلح.

خلال إحدى المحطات العديدة لحملتها الرئاسية، بدأت كامالا هاريس الحديث عن شيء أسمته “اقتصاد الفرص” الذي من شأنه انتشال “الطبقة الوسطى” من اليأس. أتذكر أنني فكرت حينها بأنه ليس لدي أي فكرة عمن تقصده بالطبقة الوسطى: هل كانت تتحدث عن عمال البريد والمعلمين في الغرب الأوسط، الذين دُمِّرت مجتمعاتهم بفعل أزمة الأفيون وتراجع التصنيع؟ أم كانت تتحدث عن الممرضات في نيوجيرسي اللواتي أُخرِجن من مساكنهن بسبب ارتفاع أسعارها؟

ربما كانت هاريس تحاول مخاطبة “اشتراكيي سوبارو” و”أصحاب خيبة الأمل الكبرى”. فقد تضمنت مقترحاتها السياسية خلال مرحلة “الطبقة الوسطى” من حملتها مساعدات فيدرالية للدفعات المقدمة لشراء منزل أول، والائتمان الضريبي للأطفال لصالح آباء المواليد الجدد، ومساعدة لمن يرغب في بدء مشروع تجاري صغير. وربما كانت تلك المقترحات لتفيد شخصًا يعيش في ضواحي ديترويت، على سبيل المثال ــ شخصًا تخرج من جامعة ميشيغان، ويجمع بصعوبة نحو 65 ألف دولار سنويًا من وظيفة في قطاع التجزئة والعمل بتطبيقات “أوبر”، لكنه يحلم بافتتاح مقهاه الخاص وتكوين أسرة. لو أنّ ذلك الشخص سمع هاريس تتحدث عن “الطبقة الوسطى”، فهل كان سيَفترض أنّ هاريس تقصده بكلامها؟

يبدو أنّ عجز الناس عن تخيل حياة الطبقة الوسطى ــ لا سيّما بالنسبة لـ”اشتراكيي سوبارو” الذين يقفون على أعتاب الراحة الاقتصادية تمامًا ــ هو السبب الكامن وراء سلسلة من الانتصارات الانتخابية الأخيرة التي حققها “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا“. وفي مقال حديث نشرته منصة “سابستاك”، حلل نيت سيلفر بيانات من “دراسة الانتخابات التعاونية” ووجد أنّ الفئة الأكثر ترجيحًا للتصويت للحزب الديمقراطي هي حملة شهادات الدراسات العليا والذين يتراوح دخل أسرهم بين 30 ألفًا و60 ألف دولار.

وأشار سيلفر إلى أنّ غالبية أعضاء “الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا” يندرجون تمامًا ضمن تلك الشريحة: فأكثر من 80 بالمائة من الأعضاء فوق سن الرابعة والعشرين يحملون درجة البكالوريوس، و45 بالمائة من إجمالي المشاركين في الاستطلاع يعيشون في أسر يقل دخلها عن 60 ألف دولار سنويًا (ووجد سيلفر، وفقًا لبيانات الدراسة، أنّ نحو 19 بالمائة فقط من جميع خريجي الجامعات في أمريكا يتقاضون مبالغ ضئيلة إلى هذا الحد). وهكذا يبرز ملف تعريفي نموذجي لعضو المنظمة، وهو يشبه تمامًا صاحبة مقهى المستقبل الطموحة: ناخبة متعلمة جامعيًا في أوائل الثلاثينيات من عمرها ولا تكسب ما كانت تتوقعه.

وكانت هاريس محقة في تصنيف هذا الشخص ضمن الطبقة الوسطى، حتى وإن كان هو نفسه لا يرى الأمور على هذا النحو. وتكمن المشكلة بالنسبة للمؤسسة الديمقراطية في أنّ “اشتراكيي سوبارو” لا يؤمنون بأن هاريس وأمثالها لديهم أي اهتمام بمساعدتهم، حتى وإن قدموا مجموعة من المقترحات التي ستقربهم بلا شك من افتتاح مقهى وتكوين أسرة. وهذا يفسر جزئيًا سبب حصول إدارة بايدن على القليل جدًا من التقدير من اليسار إزاء سياسة اقتصادية صاغها موظفون سابقون لدى إليزابيث وارين، أو سبب عدم اهتمام أحد على ما يبدو بأن لينا خان، التي ترأس حاليًا مجلس إدارة مؤسسة التنمية الاقتصادية لمدينة نيويورك في عهد زهران ممداني، كانت تشغل في الواقع منصبًا أهم بكثير في عهد بايدن.

وفي غياب فكرة ذات طابع تحويلي حقيقي وتحظى بتسويق جيد، مثل الرعاية الصحية الشاملة، لا توجد أي خطوة يمكن لمرشح المؤسسة القيام بها لإرضاء “اشتراكيي سوبارو”، لأن الصفقة السيئة التي بيعت لهم في طفولتهم ــ ادرس، وادخل الجامعة، وستجد نفسك في مكانة أفضل من والديك ــ قد أدت إلى استياء جوهري تجاه الواقع الحالي.

من المؤكد أن “اشتراكيي سوبارو” و”أصحاب خيبة الأمل الكبرى” يتفقون في الكثير من توجهاتهم السياسية، لكنني أرى أن دوافعهم ليست متطابقة تمامًا. ففي الأسبوع الماضي، وخلال البودكاست الذي أقدمه، قال خبير استطلاعات الرأي آدم كارلسون إنه يرى أدلة على أن العمر، بل وحتى أكثر من التحصيل العلمي، كان المؤشر الأكثر موثوقية لكيفية تصويت الشخص في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية.

وأوضح كارلسون أنّ العمر كان “المحدد الأكبر من نوعه لكيفية تصويت أي شخص في الانتخابات التمهيدية لمدينة نيويورك في شهر يونيو/ حزيران”، على سبيل المثال. وأشار إلى أنه في ميشيغان، بدأ اتساع فجوة الأجيال في الظهور داخل الناخبين السود ــ إذ أظهرت تقارير حديثة أنّ الناخبين الأكبر سنًا يفضلون مرشحة المؤسسة هايلي ستيفنز، بينما كان الناخبون الشباب أكثر ميلًا لدعم المرشح التقدمي عبدول السيد. وعلى الصعيد الأوسع للانتخابات العامة، زعم كارلسون أنّ “ناخبي الجيل زد أقل ولاءً للحزب وأكثر مرونة، ويبدو أنهم يريدون معاقبة أي حزب يكون في السلطة عندما تسوء الأمور بالنسبة لهم.”

وقد تبلورت هذه الثورة المناهضة للمؤسسة الحزبية حول قضية غزة. وتعتقد الغالبية العظمى من الديمقراطيين الشباب أنّ أموال ضرائبهم تمول حرب إبادة جماعية. ويسعى مرشحون من أمثال ميلات كيروس، التي هزمت ديانا ديجيت عضو الكونغرس المخضرمة عن ولاية كولورادو في الانتخابات التمهيدية، لتقديم طروحات أشد يسارية من النواب التقدميين الحاليين، والتي غالبًا لا تقتصر على القضايا الاقتصادية فحسب، بل على إدانتهم لإسرائيل وللمساعدات العسكرية الأمريكية المستمرة لها.

لقد أصبحت غزة بمثابة اختبار حقيقي للناخبين المناهضين للمؤسسة على يسار الطيف السياسي ويمينه على حد سواء ــ فإذا تلقيت بنسًا واحدًا من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” أو لم تكن المرشح الأكثر شراسة في معارضته لإسرائيل ضمن الساحة، فسوف تواجه وقتًا عصيبًا في الفوز بمقعد ديمقراطي في دائرة انتخابية حضرية ذات تعليم عالٍ وذات أغلبية ديمقراطية.

ينطوي مستقبل الحزب الديمقراطي على توليفة تجمع بين خيبة أمل “الاشتراكية سوبارو” تجاه الحلم الأمريكي، والنزعة الأخلاقية المتطرفة الاستقطابية لجيل زد. بالطبع، ليس الناخبون الشباب وحدهم الغاضبين، فالديمقراطيون الأكبر سنًا ما زالوا يشعرون بغضب مفهوم تجاه حزب خسر أمام دونالد ترامب مرتين، ويبدو أنه لم يفعل سوى القليل جدًا للوقوف في وجهه خلال العام ونصف العام الماضي. لكن الناخبين الشباب هم من بدأوا في صياغة هذا الغضب في قالب سياسي واضح. يمكنك أن تنظر إلى برامج سياسييهم المفضلين وتطلق على ذلك الشكل اسم “الشعبوية الاقتصادية”، لكني أعتقد أن هذا تقييم غير متكامل، فما يهم ليس السياسات المحددة بالدرجة الأولى، بل الوعد بإحداث تحول جذري.

ونظرًا للإقبال القوي لهذه الكتلة التصويتية الجديدة في الانتخابات البارزة، فضلًا عن ولع الصحافة بهؤلاء الناخبين ــ إذ يضم قطاع الإعلام العديد من “اشتراكيي سوبارو”، بمن فيهم أنا ــ فمن شبه المؤكد أنّ الحزب الديمقراطي سيعيد صياغة نفسه على غرار شخصيات مثل ممداني، وكيروس، وعبدول السيد، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وفرانشيسكا هونغ، التي تبدو في وضع يؤهلها للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لمنصب حاكم ولاية ويسكونسن. فالسياسة، في نهاية المطاف ليست سوى لعبة تقليد متبادل. وإذن، ما هو البديل في هذه المرحلة؟

المصدر: نيويوركر

علاماتالجيل زد ، الحزب الديموقراطي ، الديموقراطيون ، الشباب والانتخابات ، توجيه الناخبين
مواضيعالانتخابات ، الجيل زد ، الديمقراطية ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

كيف تضع صفقة تجريد حماس من السلاح نتنياهو تحت ضغط واشنطن؟

نيويورك تايمز١٣ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

ترامب أم نتنياهو.. من يحدد قواعد اللعبة في غزة؟

عماد عنان١٣ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

العراق.. كيف سيتعامل الزيدي مع رفض ميليشيات تسليم سلاحها؟

أحمد الدباغ١٣ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑